الأمريكي الاستدانة كعب أخيل – د: عارف دليله

يرد فردريك كليرمون جذور وآفاق التشققات التي تضرب البنيان المالي الأمريكي منذ التسعينات إلى مستوى الاستدانة التي أصبحت أخطر عقيدة للولايات المتحدة تتجه تدريجياً لدفع أمريكا إلى حافة الازمة التاريخية.

فمستوى الاستدانة الذي يصل إلى معدلات هائلة، من المفروض تسديده مع فوائده المركبة. وفي ظروف الانكماش هذه يصبح تسديد الاقساط المستحقة من الديون امراً بالغ الكلفة.

ان ازدياد مخزون الدين مذهل إذ ارتفع بين 1980و 2002من 3600 مليار إلى 30 الف مليار دولار. أما إذا دخلنا في التفاصيل فنلاحظ ان النقطة الأكثر اثارة هي التنامي المذهل للاستدانة المالية الخارجية للشركات التي ارتفعت من 53 ملياراً إلى 7620 مليار دولار أي 72 في المئة من الناتج المحلي لخام للولايات المتحدة الأمريكية. وقد شكلت حمى الاندماج وشراء الأسهم الممولة بالقروض محركاً من محركات هذه القفزة. ويلاحظ ذلك بشكل خاص خلال العقدين بين 1980و1998 خصوصاً في عملية تمركز القطاع المصرفي الذي لم يبلغ بعد حدوده العليا. وقد ارتفع حجم الاندماج والشراء من الموجودات 2400 مليار دولار.

لم يشهد تاريخ الرأسمالية هذه الشراهة في الدمج الممول بالقروض الميسرة سواء من حيث الحجم أو من حيث الايقاع. يدل التصاعد المذهل لاستدانة الأسر ان المستهلك الأمريكي يعيش بواسطة القروض. فخلال اربعة عقود، ارتفعت هذه الاستدانة من 200 مليار دولار عام 1964 إلى 7200 مليار ( أي 72 في المئة من الناتج المحلي الخام) عام .2002 وفي العام 1985 كان يمثل 26 في المئة من الدخل الفردي و40 في المئة نهاية العام 2002.....

ان التدهور الكبير في فوائد التوفير هو احد المؤشرات إلى تداعي الرأسمالية الأمريكية كون التوفير والاستثمار يمثلان العناصر الرئيسية لتراكم الرأسمال.

ان مفتاح الاستدانة الأمريكية والذي يمكن ان يتحول إلى كعب اخيل هو التدهور السريع في ميزان المدفوعات الجارية. يمكن في هذا الصدد اجراء مقارنة بين وضع المدفوعات الجارية في أوج الامبراطورية البريطانية قبل العام 1914 ومدفوعات الولايات المتحدة اليوم.

في التسعينات بات ازدياد الطلب الداخلي ممكناً بسبب الاستدانة الخارجية المتفلتة مما سمح بتمويل عمليات الاستيراد. وقد تجاوز الاستيراد الذي ما انفك يتزايد خلال السنوات الخمس عشرة المنصرمة، عمليات التصدير بنسبة 42 في المئة. ان الحد من هذا الفارق شبه مستحيل بسبب غياب القدرة التنافسية للمنتجات الامريكية في الأسواق العالمية وذلك بالرغم من تراجع قيمة العملة الخضراء. من أجل مواجهة عجز جار بقيمة 500 مليار دولار يتصاعد سنوياً بنسبة 10 في المئة.

حول هذا الموضوع ننشر فيما يلي الدراسة الهامة للدكتور عارف دليلة والتي لا تكتفي بالقاء الضوء على كعب اخيل الأمريكي بل تستشرف ازمته الكبيرة.....

من المعروف ان تطور التبادل مر بمراحل متتالية ففي المرحلة الأولى كانت البضائع تبادل ببضائع أخرى ( المقايضة)، وفي المرحلة الثانية اصبحت البضائع تبادل ببضاعة خاصة كمعادل عام لقيم البضائع، وقد احتلت في نهاية هذه المرحلة المعادن الثمينة مكان جميع البضائع الخاصة الأخرى ( كالملح، والتمر، والجلود، الخ..) وفي جميع هذه المراحل كانت البضاعة الخاصة التي تقوم بوظائف النقود كمقياس قيمة ووسيلة تبادل وسيلة دفع أجل هي بضاعة ذات قيمة في ذاتها، قبل البضائع التي تبادل بها، وهي كونها جميعاً نتاج العمل الانساني.

لكن المرحلة الأخطر في تطور النقود هي ظهور نقود لا تحمل في ذاتها قيمة، بدأت تؤدي وظائف النقود القديمة كاملة، استناداً إلى تمثيلها للذهب واهمها النقود الورقية. ثم استطاعت الاستمرار في اداء هذه الوظائف رغم ابتعادها عن الذهب تدريجياً وحتى بعد انقطاع صلتها بأساسها الذهبي كلياً، مما شكل أساساً لما يسمى بالنظرية الأسمية في الأسمية التي تقول بأن الدولة التي تصدر النقد هي التي تحدد قيمته بالقانون وتعطيه قوة ابرائية داخل القيم الاسمية. وبالطبع ان هذه النظرية تفتقر إلى الأساس العلمي وهو ان النقود، بما فيها النقود الورقية، التي بدأت بظهور «الكمبيالة» وحتى وصلت إلى صورتها الراهنة انما هي مجرد شارة تعبيراً عن كمية من العمل الاجتماعي انتاج القيمة ذاتها وبالتالي فإنها إلى الانتاج الوطني وقدرات الاقتصاد الوطني التصديري وغير ذلك.

لكن بعض النقود الوطنية، وبالاخص الدولار الأمريكي اصبحت تؤدي وظائف النقود العالمية التي بقيت حكراً على الذهب حتى الحرب العالمية الثانية، وهذه هي المرحلة العليا في تطور الانظمة النقدية، والتي تجاوز فيها نقد وطني لدولة عظمى حدود الدولة ليؤدي وظائف النقد على النطاق العالمي، ولم يتحقق ذلك بصورة عفوية كما جرى لتطور النقد في المراحل السابقة، وانما بنتيجة الدمار الذي لحق بأوروبا والعالم خلال الحرب العالمية الثانية والتي كان من نتائجها تكدس الذهب العالمي في يد دولة واحدة لم يصل اليها دمار الحرب بل توفرت لها أفضل شروط النمو الاقتصادي بفضل هذه الحرب البعيدة عن أرضها، وهي الولايات المتحدة. فلماذا لا تستثمر الولايات المتحدة هذه القوة المالية والاقتصادية الاستثنائية التي لا سابقة لها في التاريخ؟ وهذا ما حصل فعلاً حيث فرضت الولايات المتحدة تصورها الخاص للنظام النقدي والاقتصادي العالمي لعالم ما بعد الحرب وذلك في مؤتمر بريتون وودز عام 1954، والذي اقام علاقة ثابتة بين الدولار والذهب ليمكن الولايات المتحدة من استثمار ذهبها اضعافاً بإحلال الدولار بدلاً عنها كعملة احتياطية ووسيلة دفع دولية لجميع دول العالم التي تحتاج إلى وسائل الدفع لخدمة علاقتها الاقتصادية الخارجية.

بهذا الامتياز تمكنت الولايات المتحدة من تحويل عجوزاتها إلى مصدر قوة وإثراء لا سابق لها بينما كانت تنوء جميع دول العالم تحت أعباء عجوزاتها. فبينما لا تستطيع أي دولة تغطية عجوزاتها الا بقيم حقيقية، فإن الولايات المتحدة، ونتيجة احتياج العالم إلى عملية مالية اصبح بمقدورها تغطية عجوزاتها بالورق الذي لايكلف شيئاً يذكر ولهذا كانت الولايات المتحدة ضد قيام صندوق النقد الدولي بدور مصرف مركزي عالمي يصدر نقداً عالمياً يلبي حاجة جميع دول العالم إلى النقود العالمية، وهو مضمون مشروع جون مينردكينز الذي قدمه باسم بريطانيا إلى مؤتمر بريتون وودز والذي افشلته الولايات المتحدة لصالح اقرار مشروع وايت الذي قدمه ممثل الولايات وايت والذي اعطى الولايات المتحة فرصة الاثراء غير المحدود على حساب جميع دول وشعوب العالم وتمويل سياسات الهيمنة والتسليح والعدوان التي تمارسها على جميع الشعوب في العالم بأموال تلك الشعوب وبقيمة ثرواتها التي تحوزها الولايات المتحدة مقابل الورق الأخضر.

وهكذا ايضاً أصبحت الولايات المتحدة هي المدين الأوحد في التاريخ وفي العالم الذي يقرر من طرفه اطفاء مديونيته بالاستزادة منها ويفرض على الدائنين شروطاً في حجم المديونية وطرق اطفائها ومن الجدير بالذكر، ان كارل ماركس كان قد رأى في هذه الأشكال النقودية التسليفية ( كالنقود الخطية التي تنشئها المصارف باعطاء القروض، والنقود الورقية ان مصدرها المصارف المركزية وتسليفها للحكومات). وكذلك الأشكال النقدية الحديثة كبطاقات الائتمان التي تصدرها شركان خاصة إلى مصدر قوة ونمو وتوسع الرأسمالية ( التي تتميز كنظام اقتصادي بالحاجة إلى النمو المستمر والتي تختنق دون النمو، هذا النمو، هذا النمو الذي لا يمكن تحقيقه لولا النقود التسليفية، ولكنها في الوقت نفسه ستصبح في مرحلة ما متقدمة جداً من تطور النظام الرأسمالي بسبب انهيار هذا النظام.

وان التخومات تزداد في كل مكان من العالم الرأسمالي من ظواهرالاقتصاد الفقاعي التي بلغت مراحل خطيرة جداً في نموها، والتي يتنبأون بأن انفجاراتها المتكررة هنا وهناك ستوقع العالم في ازمات أشد وأعمق وأشمل بكثير من الازمة الاقتصادية العالمية 1929- 1933 ان التوسع في النقود التسليفية، وعلى رأسها الدولار الأمريكي هو المنفاخ الذي تتشكل بواسطته هذه الظواهر الفقاعية، والتي ادت تفجراتها في اليابان ( ودول النمور الاسيوسية) إلى انهيارات اقتصادية خطيرة، ويجرى الحديث الآن عن تفجر ظاهرة الاقتصادية الفقاعي، في الولايات المتحدة الأمريكية التي سيكون اثرها اكبر وأخطر بكثير عن الاقتصاد العالمي بأكمله والشيء الوحيد المؤكد هو ان النظام الرأسمالي العالمي لا يستطيع ضبط والتحكم في تطور الاقتصاد الفقاعي، بل ان استمراره في النمو مرتبط باستمرار هذه الظواهر الفقاعية التي لا يمكن لها إلا ان تنفجر في مرحلة ما، والتي تتوقف حجوم الكوارث الناجمة عنها عن حجم وزمان ومكان هذه الانفجارات وليس امام العالم إلا ملاحقة وتتبع هذه الانفجارات والتي اصبحت أكثر خطراً على العالم من الانفجارات الذرية أو الهيدروجينية، والمأساة هي ان الشعوب هي الضحية في نهاية المطاف.

- كان الإعلان عن بدء العمل باليورو كعملة موحدة لدول الاتحاد الاوروبي مع مطلع 1999 بداية مرحلة تطويرية جديدة في النظام الاقتصادي والنقدي والعالمي ففي الوقت الذي أعلن فيه نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي الذي يقوده وتحول العالم إلى نظام احادي القطب تحدد الولايات المتحدة نظام حياته الاقتصادية والسياسية والعسكرية والعلمية والتكنولوجية والإعلامية وغير ذلك، ارادت الولايات المتحدة الاوروبية ان تعلن بطريقة خاصة استحالة احادية القطب، وتكسر هذه الاحادية في أهم مقوماتها وهي النقد العالمي. لتزاحم الدولار وتقاسمه وظائفه العالمية، ولتقاسم بالتالي الولايات المتحدة الأمريكية مكاسب النقد العالمي الهائلة، وذلك بعد ان تحرر دولها من تكاليف وأعباء النظام الدولاري العالمي التي كانت ومنذ الحرب العالمية الثانية تتحمل جزءاً هاماً منها إلى جانب دول العالم الأخرى، وذلك لصالح الولايات المتحدة الامريكية ويجب ان نتوقع ان الولايات المتحدة لن تكون مرتاحة ومسرورة لهذا المنافس الجديد للدولار الأمريكي بمقدار ما تتوقع انه سيحرمها من مصادر الاثراء وتمويل الانفاق التوسعي المجانية التي تمتعت بها على مدى نصف قرن، فترحيب الولايات المتحدة اللفظي بظهور اليورو كان الابتسامة التي تظهر عكس ما تبطن ومن هنا لا يمكن اغفال اثر اليورو، بما يمثله من رمز لعلاقات دولية جديدة تتطلع ـ الولايات المتحدة الاوروبية- من خلالها للعب دور سياسي واقتصادي وامني عالمي يبارز الدولار الأمريكي، ولا ينحصر بقدرات الدول الاوروبية المنفردة التي لم تعد تعادل كثيراً في الميزان الأمريكي.

ان الرغبة الاوروبية في ( الاعتماد على الذات) وتحقيق ( الاستقلال) النسبي عن ( الأخ الأكبر) ستؤدي في حال تحققها الكامل، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً- امنياً وبالأخص وهي تتمتع بالمقومات الضرورية، إلى إعادة الولايات المتحدة إلى حدودها الاقليمية، لتعود كما كانت قبل الحرب العالمية الثانية، احدى القوى الكبرى، وليست القطب الأوحد، كما تريد هي ان تكرس نفسها على مدى القرن الحادي والعشرين.