النظام السوري يختصر سورية ،الوطن والشعب، إلى أوراق يساوم عليها

الطاهر إبراهيم

الطاهر إبراهيم*

قبل إلقاء الرئيس السوري خطابه الأخير راهن المحبون بأنه سيحمل رسائل هامة في عدة اتجاهات يريد الرئيس أن يبين بها موقفه وأن تصل إلى هدفها المنشود. ومن نافلة القول أن المعارضين توقعوا أنه لا جديد فيه زيادة عن تكريس المواقف المعروفة.

وإذا تركنا رهان أولئك وتوقع هؤلاء، وقرأنا ما حوته سطور الخطاب، لا ما خفي داخل ما أضمرته النوايا، فقد حملت ألفاظ الخطاب رسائل إلى أكثر من جهة.

فمن قبيل تحصيل الحاصل كان الشعب السوري في طليعة من توجه إليه الخطاب، مع أنه كان غائبا عن شاشة النظام طيلة حكم حزب البعث.

ولا يبعد أن يكون زعماء الدول العربية (ومنهم المشغول بهمومه ومنهم من لا يفضل أن يدخل نفسه في قضية خاسرة بسبب إصرار مجلس الأمن على تسليم المشتبه بهم)، فيمن يشملهم خطاب الرئيس مع أنهم لا يكادون يجدون لديهم وقتا للتبصر في مشاكل دولهم، فضلا عن أن يكون لديهم وقت لحل مشكلة النظام السوري.

ولعل واشنطن ستكون في طليعة من سيتوَجّه إليهم في الخطاب ، تلميحا أو تصريحا، مع أن الرئيس يعرف ما تريده منه على وجه التحديد. وما جاء في الخطاب، إن لم يكن قد "زاد طين النظام بلة" عند واشنطن، فهو لم يستطع أن يقارب ما تريده منه.

وغني عن القول أن الرئيس لا يتوجه بخطابه إلى حزب البعث ،قيادةً وقواعد، لأن ما هو مطلوب من البعثيين في خطاب كهذا هو رفع العقيرة وبصوت واحد " بالروح .. بالدم .. نفديك يا بشار...".

الرئيس السوري قد ألقى خطابه السابق في مجلس الشعب في 5 نيسان المنصرم،وتوجه به إلى كل من واشنطن ومجلس الأمن، يعلن فيه عزمه على سحب الجيش السوري من لبنان، بينما ألقى خطابه هذا في مدرج جامعة دمشق، التي تشارك شقيقته بشرى الأسد عضوا في مجلسها العتيد. ولابد أنه كان يريد إرسال رسالة تطمين إلى آل الأسد: إلى أمه وشقيقته بأنه لن يسلم أخاه "ماهر الأسد" وصهره "آصف شوكت".وإذا كانت هذه القضية العائلية مما لا يسمح البروتوكول أن يفرد لها خطابا، فقد حسمها الخطاب من خلال التأكيد على الحفاظ على "المصلحة الوطنية".

نذكر هنا بماجاء في البيان الذي أصدرته اللجنة المؤقتة ل "إعلان دمشق" في منتصف شهر نوفمبر الجاري،حيث ميز هذا البيان بين "المصلحة الوطنية "، وبين (دمج هذه المصلحة مع أشخاص في السلطة يمكن أن يطالهم التحقيق ، وجعل مثول بعضهم أمام لجنة التحقيق في أمكنة معينة قضية كرامة وطنية).

ومن دون التقليل من ردود أفعال الأطراف الأخرى ،إقليميا أو دوليا، على ما جاء في الخطاب، وما إذا كان قد لامس ما تريده هذه الجهة أو تلك، فإن ما يهمنا بالدرجة الأولى هو أن الخطاب نظر إلى ما يستفيده النظام من الشعب السوري،وليس العكس،حيث ما يزال النظام يستخدم صمود هذا الشعب كورقة من بين أوراق كثيرة، يمكنه أن يفاوض عليها في سوق الأخذ والعطاء، حتى ولكأن الشعب والوطن وعلاقاتهما بالجوار الإقليمي، قد اختصرها النظام إلى مجرد أوراقٍ ومساومات.

وعودا إلى ما جاء في بيان "إعلان دمشق"، فقد اعتبر البيان أن الخطاب شكل صدمة، لأنه (جاء بعيداً عن توقعات السوريين والعرب والرأي العام العالمي،وانعطافة حادة في الموقف السوري الرسمي وعلاقته مع المجتمع الدولي، مع ما تحمله هذه الانعطافة من مخاطر). وأكد بأنه (توجَّه إلى الداخل، وباتجاه المعارضة، بخطاب يعتمد لغة التهديد والوعيد التي تتناقض مع نواياه المعلنة لمرحلة المواجهة، التي دعا إليها متجاهلاً استحقاقات المرحلة داخليا).

ونحن إذ نشيد بما جاء في البيان آنف الذكر، لنؤكد أن المواطن السوري ، المسحوق تحت آلة القمع البعثية، أبدى رغبته في أن تصل يد العدالة ، العربية أو الدولية لا فرق، إلى كل الذين شاركوا بشكل أو بآخر في جريمة اغتيال "الحريري". وما المظاهرات التي حشدتها أجهزة الأمن في دمشق وحلب إلا تزييف لإرادة المواطن الذي يرفض الاعتداء على دماء أبناء الشعب اللبناني الشقيق.

السيادة لا تكون بترك المجرم بدون قصاص

ولا بد من التأكيد أن الذين قاموا بجريمة اغتيال الرئيس "رفيق الحريري"،مهما كانت الجهة التي تقف وراء الاغتيال، قد اعتدوا على السيادة الوطنية اللبنانية. هذه الحقيقة يريد النظام السوري أن يطمسها، وأن يظهر إلى العلن مقولة مضللة تزعم بأن الانصياع إلى قرارات مجلس الأمن وتسليم المشتبه بهم للتحقيق معهم إنما يمس السيادة الوطنية.

وفي هذا السياق يحق للبنانيين أن يتساءلوا عن المبرر للموقف الهجومي المستغرب ،الذي ورد في الخطاب، من لبنان وقياداته السياسية بلغة غير مألوفة، لأنها طالبت بمساءلة جميع المشتبه بهم في جريمة اغتيال "رفيق الحريري"، وكأن دماءه يجب أن تكون أقل حرمة عند اللبنانيين من جلب ضباط في أجهزة الأمن لمساءلتهم، مع أن القاصي والداني يعرف أن هؤلاء المشتبه بهم ما كانوا يوما من الأيام فوق الشبهات.

وفي هذا السياق فإن كل مقاربات رموز النظام السوري لجريمة اغتيال الرئيس المغدور "رفيق الحريري"، لم يتم تناولها على أنها جريمة فظيعة قد أودت بحياة شخصية لبنانية عامة بحجم الرئيس المغدور.

ولا يقتصر الخطاب على ما أوردناه مما فيه انتقاص وتضييع لحق الدماء الحرام التي سفكت، وكأنها دماء خروف العيد، فقد احتوى الخطاب على "تحريش" مبطن بين فئات لبنانية، ما يزال الائتلاف بينها هشا منذ تمت جريمة الاغتيال. ولقد تابع الإعلام البعثي مهمة التحريض على حكومة "السنيورة"، حيث زعمت الصحف السورية بأن اللبنانيين قد ذاقوا طعم الجوع والبرد على عهد هذه الحكومة، وكأنها حكومة مضى عليها سنون، وليس أشهرا معدودة.

أزمة النظام السوري أكبر من أزمة تسليم المشتبه بهم

لم تتوان آلة الإعلام البعثي المضلل، على متابعة رسائل غايتها إقناع واشنطن بأن دمشق ما تزال تمد يدها لها. أما الحريري فعلى أمريكا أن تنساه كما نسيت سابقا كل الذين امتدت إليهم يد الاغتيال البعثي في عهد التفويض الأمريكي لنظام حافظ الأسد- مثل "كمال جنبلاط" و"رشيد كرامي" و "رينيه معوض" والمفتي "حسن خالد" والعلامة "صبحي الصالح" وغيرهم كثير.. لا يتسع المقام لتعداد أسمائهم

وحتى لا ينخدع الناس بأن مأزق النظام السوري الحالي نابعٌ من الموقف القومي الذي تقفه دمشق في وجه مخططات واشنطن، فإننا نؤكد أن الموقف القومي يأتي دائما في ذيل قائمة أولويات هذا النظام. وما علينا إلا التذكير بموقف مفصلي عرّى النظام السوري نفسه فيه من كل عباءاته القومية والأيديولوجية، وذلك عقب اجتياح جيش صدام حسين للكويت في 2 آب "أغسطس" من عام 1990 .

فلقد رأينا الرئيس الراحل "حافظ الأسد" يرسل اللواء "علي حبيب" ،رئيس الأركان الحالي، على رأس فرقة سورية لتقف تحت الراية الأمريكية-العدو الإمبريالي للأيديولوجية البعثية- ولم يكن لسورية أرض قد احتلت كالكويت، أو أنها جار يخشى أن تستباح أرضه بعد استباحة أرض الكويت .

الرئيس السوري "بشار الأسد" لا يستطيع تسليم المطلوبين الستة لأسباب كثيرة، يقع الهم السيادي في آخر ذيل قائمة هذه الأسباب. ولعل أهم هذه الأسباب التصميم "العائلي" على الرفض القاطع لتسليم الصهر "آصف شوكت" الذي قد يجر إلى تسليم الشقيق "ماهر الأسد"، وربما وصل الأمر إلى الرئيس نفسه. إضاعة الوقت لا تحل المشكلة، فهل يخبئ لنا النظام السوري مفاجآت من عيار مفاجأة "غازي كنعان" ؟

*كاتب سوري يعيش في المنفى