الحكومة السورية في تغيير مسلكها على مفترق طريقين

 ناصر الغزالي*

 

إذا كان المشروع الأمريكي للمنطقة العربية يأخذ أشكالا مختلفة حسب كل بلد من بلدان هذه المنطقة بسبب بنيته وثرواته وموقعة الجغرافي ودرجة قبول المتغيرات عليه وأولويات الولايات المتحدة الامريكية بالنسبة له، فإنه في المحصلة ذو طبيعة واحدة إذ يقوم على المصالح والأطماع بثروات هذه المنطقة وبالسيطرة عليها وذلك على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد لخص الأستاذ صبحي غندور الرؤية الأميركية بما يلي :

 

كخلاصة لما يمكن أن تكون عليه الرؤية الأميركية للشرق الأوسط الكبير الجديد، فإنّ واشنطن تريد ديمقراطيات سياسية في المنطقة لكن ليس إلى حدّ الاستقلال عن القرار الأميركي. واشنطن تريد صراعات سياسية محلية قائمة على انقسامات إثنية أو طائفية، لكن ليس إلى حدّ الحروب الأهلية المفتوحة. واشنطن تريد صيغاً فيدرالية جامعة لأجزاء في كلّ وطن، لكن ليس إلى حدّ الانصهار الوطني الكامل. واشنطن تريد إنهاء الصراع العربي/الإسرائيلي، لكن ليس إلى حدّ التعامل مع القضايا النهائية الشائكة وتحقيق التسويات الشاملة الآن. واشنطن تريد التواجد العسكري والأمني في بلدان المنطقة، ولكن ليس إلى حدّ التورّط بأوضاع حروب داخلية استنزافية أو الاضطرار لإبقاء قوات كبيرة العدد إلى أمد مفتوح.

 

ربما لامس الأستاذ صبحي غندور أهم ملامح السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط الكبير، إلا أن هذه الملامح تمثل رؤية أمريكية من قبل الإدارة الأمريكية الحالية، ولا تفسر كافة جوانب المشروع الأمريكي الذي يقوم على أساس خارطة طريق تتغير حسب المستجدات وحسب درجة ممانعة كل بلد ومدى مقدرته على مواجهة هذا المشروع. وعلى سبيل المثال فإن إيران وتركيا وفنزويلا تختلف عن كثير من دول المنطقة  في عملية الممانعة  إذ استطاعت إيران أن تحصل على مكاسب ربما تفوق تصوراتها عن المشروع الأمريكي ودون أي جهد من قبلها فمن خلال هذا المشروع تم القضاء على عدو إيران الإيديولوجي الاتحاد السوفيتي وعلى عدوها الطائفي ممثلا بطالبان الأفغانية وعلى عدوها الإقليمي العراق. ليس هذا فحسب بل استطاعت إيران أن تفرض بعض شروطها على الإدارة الأمريكية  في المرحلة الحالية من خلال تهديدها المبطن ضد القوات الأمريكية في العراق معتمدة على عدة أطراف عراقية موالية لها ويشارك بعضهم في الحكومة التي تم تشكيلها تحت الاحتلال. بالإضافة لهذا ما زالت إيران مستمرة في برنامجها النووي. من ناحية أخرى استطاعت تركيا الحصول على بعض شروطها إذ رفضت دخول القوات الأمريكية لأراضيها أثناء غزو العراق وفرضت رؤيتها فيما يخص الكيان الكوردي في شمال العراق. بالرغم من ذلك دخلت تركيا الآن في اتفاقات جديدة مع الولايات المتحدة الامريكية بالضغط على سورية مقابل الحصول  على موافقة الأوربيين على دخول تركيا إلى المنظومة الأوربية. أما فنزويلا الدولة المحاذية لأمريكا فقد استطاعت أن تمانع كثيرا من المشاريع الامريكية التي تستهدف منطقة امريكا اللاتينية، والسر في تلك الممانعة يكمن في وجود سلطات تساندها القوى الشعبية ضمن الآليات  الديمقراطية في تلك الدول، بينما نجد في المقابل دولا استسلمت حكوماتها الاستبدادية بشكل كامل للإرادة الأمريكية مثل ليبيا.

 

ومن الجلي أن هذه السيطرة لا تستهدف المنطقة العربية فقط، بل تتجاوزها مستهدفة السيطرة على العالم، وذلك حسب منطقها وأخلاقياتها السياسية. إن المتابع للمجتمعات في العالم يشعر بمدى تذمر هذه المجتمعات من الأسلوب الملتوي والابتزاز الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية ضد باقي دول العالم مستخدمة قدراتها العسكرية الضخمة تارة بالترغيب وأخرى بالترهيب لفرض شروطها. تعيش الولايات المتحدة اليوم أزمة اقتصادية كبيرة وتسعى من أجل حل أزمتها إلى السيطرة وبشكل كلي على موارد الطاقة العالمية وذلك لفرض شروطها على الدول الصناعية وكافة دول العالم لتشارك في إنقاذ الاقتصاد الأمريكي المتدهور، وليست التعديلات التي قدمت من قبل المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة والتي تجاوز عددها 750تعديل على التقرير المعد من قبل الأمانة العامة للأمم المتحدة والذي لا تزيد صفحاته عن 35 صفحة  إلا تعبيرا واضحا عن مدى السيطرة والابتزاز الذي تمارسه أمريكا ضد باقي دول العالم .

 

هناك قلة من الذين ينادون بالانسلاخ عن المشروع الأمريكي وحتى الغربي بالمعنى العالمي، لما له من مخاطر على الثقافة العربية الإسلامية، وما يحمل من مطامع عدوانية لمنطقتنا، متناسين أن العودة إلى الماضي ما هو إلا ضرب من الخيال فعالمنا يقوم الآن على التواصل والتبادل والتفاعل وذلك برغم آليات التهميش والإقصاء والاستلاب التي يمارسها  هذا الغرب ضدنا.

ثمة في المقابل بعض الأطراف التي تدعو إلى الاستسلام للمشروع الأمريكي بكل تجلياته وقبول كافة شروط هذا المشروع لسبب أو لآخر فمنهم من ينظر إليه ضمن مسار تاريخي ولا يرى أية إمكانية لمجابهته. ويرى هؤلاء أن سقوط الاستبداد يمر ضمن هذا المسار. وإلى جانب هؤلاء هناك أطراف تمتلك مصالح خاصة وتسعى إلى  الاستفادة من "الفوضى الخلاقة" والتي تحقق لها مكاسب ربما تكون شخصية أو طائفية أوإثنية .

 

تمر المنطقة اليوم بمرحلة جديدة يمكن أن نطلق عليها إسم "سايكس بيكو 2 ". وأهم ملامح هذه المرحلة التحالف القائم بين فرنسا والولايات المتحدة الاميركية لإخضاع هذه المنطقة ضمن مشروع الشرق الأوسطي الكبير والقائم على التعددية الديمقراطية الطائفية التي تسعى إلى تقسيم المنطقة على أساس طائفي يتناسب مع طبيعة دولة إسرائيل ذات الشكل الديني اليهودي والعنصري والتي يمكن أن يتم إعطاؤها اليد الطولى في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية والتي حلم بها مؤسس هذه الدولة بن غوريون. إن أخذ هذه الاحتمالات بعين الاعتبار لا يدخل في باب المؤامرات بل في كونها احتمالات قائمة بالفعل.

 

 إن السؤال المطروح أمام مشروع كهذا وما يحمله من مخاطر على سوريا يتمثل في بحث واستقراء إمكانيات الممانعة الموجودة لدينا تجاه هذا المشروع. يترافق هذا بتفحص الأساليب الأخرى التي تتبعها باقي دول العالم والتي تركز على تحسين شروطها والتحصن أمام هذا المشروع .

 

 

من الممكن القطع بأن لدينا إمكانيات خلاقة لممانعة هذا المشروع وتحسين شروطنا أمامه وحتى إفشاله في آخر المطاف وهذا ناتج عن مدى ثقتي بالشعب السوري بكافة أطيافه، فهذا الشعب يملك في داخله قوة كامنة خلاقة من الوطنية التي تدفعه إلى ممانعة حقيقية في مواجهة مشروع كهذا. وفي اعتقادي أننا مطالبون جميعا بدون استثناء في هذا المرحلة العصيبة أن نقوم بترتيبات شاملة تعيد لنا ثقتنا بأنفسنا أولا أمام شعوب العالم كافة .

 

 والمطلوب في هذه المرحلة ليس التنفيس هنا أو هناك في هذا الملف أو ذاك بل المطلوب مراجعة شاملة وسريعة لكافة الملفات وحلها عبر تشكيل لجنة خاصة لدرء الأزمة يتكون افرداها من كافة تدرجات الطيف السياسي في سوريا حكومة ومعارضة. علينا أيضا أن نتهيأ لمواجهة مسار واضح المعالم وهو فرض مشروع استعماري جديد ونعد العدة على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية ضمن أقصى الامكانيات المتاحة.

 

كل الدلائل تشير إلى أننا سوف نواجه المشروع لوحدنا أي يجب أن لا نعول كثيرا على أحد.  ومع ذلك فأننا نتوجه إلى كافه الأحزاب والمنظمات والجمعيات الأهلية العربية لمساندتنا, لكن لابد من الاعتراف أن من المرجح أن نجد أنفسنا وحدنا في أخر المطاف .

 

يتوجب البدء بتحديد المخاطر التي تواجه بلدنا وتحديد الاولويات في هذا الشأن للممانعة والوقوف أمام هذا المشروع الاستعماري. وعلى السلطة أن تقوم بتحرك سريع  واضح لا يقبل اللبس في العمل الجدي لإغلاق كافة الملفات وأهمها

 

ملف الاعتقال السياسي وإطلاق كافة المعتقلين وعلى رأسهم معتقلي ربيع دمشق، لما له من أثر على القوة السياسية وكذلك تمكين منظمات وجمعيات المجتمع المدني من التحرك لمواجهة المخاطر بحرية ومشاركة فعالة .

إن السلطة تجد نفسها الآن على مفترق طريقين لا ثالث لهما يتمثل الأول في التسليم والسير في المشروع الامريكي بينما يتمثل الثاني في الالتفات إلى الداخل. إذا اختارت الحكومة السير في الطريق الثاني فـأن المطلوب منها , أن تأخذ موقفا مصيريا شجاعا في الدعوة إلى انتخابات عامة لمجلس الشعب وبطريقة حرة ونزيهة يتنافس فيها المواطنون المستقلون والأحزاب ليوكل لهم مصير بلدنا وعليهم تحمل مسؤولية اتخاذ القرارات وتحمل أعبائها ونتائجها.

 

 أما فيما يخص الأشخاص المطلوبين لميليس والذي لا ينم تقريره عن العمل بحيادية واستقلالية لحل القضية فإن على الحكومة السورية أن تجد آلية مناسبة وتسوية سريعة للتعامل مع هذا المأزق الذي تم زج سوريا فيه والذي لم تتضح كل خفاياه بعد وذلك بالرغم من أن هؤلاء يجب أن يمثلوا جميعا أولا في محكمة الشعب السوري الذي عانى الأمرين من تصرفاتهم في خرق حقوق الإنسان والممارسات السلطوية والنهب والمحسوبية التي مارسوها وعلى الحكومة السورية البدء بمحاسبتهم بتهم الفساد الإداري والاقتصادي الذي مارسوه بحق الشعب السوري .

 

  ومن جهة أخرى فإن على المعارضة السورية أن تحدد موقفها بشكل لا يقبل اللبس تجاه هذا المشروع. فإذا لم تدرك المعارضة أن المشروع الأمريكي يعبر عن المصالح الأمريكية والغاية منه ليست مصالح شعب سورية، إن  هذا المشروع لن يعود  بأية مكاسب إلا على الذين يقومون بتنفيذه ، ومن الممكن القول أن من  يتحرك يتحرك لغاياته الخاصة، يصعب القول أن المعارضة  تربط جيدا بين الرؤى الاستراتيجية والبرنامج السياسي. والرهبة الحالية التي نلحظها عند بعض السياسيين اللبنانيين الذين استشرسوا في الأمس بالهجوم على سورية ثم شعروا بأنهم بيدق في لوحة شطرنج يلعب بها "الكبار" تجعل من الضروري امتلاك نظرة مستقبلية تقوم على توضيح التخوم باستمرار بين المشروع الوطني الديمقراطي والمشروع الأمريكي. دون أن يعني هذا أي تنازل على صعيد المقومات الأساسية للنضال من أجل تحطيم الدكتاتورية في البلاد.

 

 أن المتابع لإعلان دمشق يجد أن هناك إغفالا غير مبرر للمشروع الاميريكي والأخطار القادمة من خلاله. أن هذا الإعلان الذي احتوى كل القوى السياسية وجمعيات المجتمع المدني تقريبا مطالب ليس فقط بتحديد موقفه من تغيير سلوك النظام السوري على المستوى الداخلي ومن إغلاق ملف الاعتقال السياسي وملف المنفيين وعودة السياسة إلى المجتمع وعقد مؤتمر وطني لكافه أطيافه السياسية وهذه كلها مطالب لازمة لتحصين جبهتنا الداخلية وللممانعة الحقيقية، بل بتحديد موقفه أيضا من مطالب الإدارة الاميركية للنظام السوري بتغيير سلوكه على المستوى الخارجي من حيث الدور الإقليمي لسورية في كافة المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية. وعليه يتوجب أن نحدد مطالبنا بشكل واضح في ماهية تغيير سلوك النظام وعلى أي مستوى وحول إن كنا نقبل بالتخلي عن أي دور إقليمي في المنطقة وإن كنا نتقبل التعددية الطائفية لمشروع الشرق الأوسطي الكبير. ليس هذا فحسب بل يتوجب دعم وتعزيز العمل الأهلي والمدني للتعريف بهذه المخاطر القادمة وفرض أجندة وطنية ديمقراطية واضحة المعالم والوقوف بوجه سايكس بيكو2 المتمثل بالمشروع الشرق الأوسطي الكبير بشكل يترافق مع الوقوف بوجه الاستبداد.

 

فبعد القرار 1636 لا يوجد أمكانيان كبيرة للحكومة السورية للمناورة أمام المجتمع الدولي,  وعليها أن تحدد في أي طريق تسير , وما جاء في خطاب الرئيس بشار الأسد لا يجعل الأمور واضحة , فمن جهة قدم خطاب حدد فيه أنه على استعداد للمانعة لكن ترك الباب مفتوحاً أمام الصفقات مع أمريكا ضمن ما يسمى تغيير مسلكه على المستوى الخارجي  , ومن جهة أخرى لم يتضمن طرح أي مبادرات ايجابية في التعامل مع الداخل والتي هي الأهم في عملية الممانعة للمشروع الاستعماري بما فيها تغير السلوك تجاه القوة الحية الفاعلة في المجتمع السوري إلا بشكل مبهم وبطيء. وهذا يجعل أي مواطن يعيش في كل لحظة حاله الخوف بل الرعب على مصير الوطن و التوجس مما سوف يحصل في المستقبل القريب والقريب جدا .

يتوجب الآن على القوة الحية تفعيل الشارع السوري والطاقة الكامنة في المجتمع  والمناهضة للمشروع الاميركي ثم العمل على إيجاد طريقة عمل فاعلة على الأرض تفرض على الحكومة السورية الإسراع في قبول مطالب القوة الحية في المجتمع السوري لدرء الخطر القادم والذي لن يستثني أحدا في آخر المطاف وفي التجربة العراقية عبرة لأولي الألباب.

 

ناصر الغزالي  - رئيس مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية