النظام السوري وسياسة تضييع الفرص!

ميشيل كيلو القدس العربي

 


يبدو أن سياسة سورية صارت غارقة تماما في حقبة من تضييع الفرص، لأن النخبة الممسكة بالسلطة فيها فقدت حس الواقع، وبلغت مرحلة من الغربة عن مجرياته جعلتها عاجزة عن التفاعل معه بإيجابية، بسبب رؤية أيديولوجية عنه تقادمت وتحولت إلي حاجز يمنعها من رؤيته وفهمه وتطوير آليات عمل تتفق وحقيقة أوضاعه. سورية غارقة اليوم في سياسة جوهرها تضييع الفرص. فلنبدأ من البداية:
ـ عندما انهار الاتحاد السوفييتي، حليف دمشق الدولي، كان من الضروري إعادة النظر في حوامل سياستها الخارجية وإيجاد بديل للسوفييت تحتم ظروف النظام الدولي الجديد أن يكون مركز ثقله الرئيس داخلي: وطني/ قومي. لكن القيادة السورية لم تفعل شيئا تجاه هذا التطور الخطير والحساس، الذي أدي إلي اختفاء نظام دولي تشكل نظامها في سياقه وبدعم منه، وتبلور نظام بديل له قوة مركزية وحيدة هي أمريكا، الدولة التي كانت توجد قضايا كثيرة عالقة معها، واندفعت منذ مطالع التسعينيات إلي التوطن في المنطقة العربية، وحشدت جيوشها وقدراتها حولها وفيها، وركزت جهودها السياسية والعسكرية عليها، وأعلنت تصميمها علي اختراقها واحتلال مفاصلها الاستراتيجية. لماذا بقي النظام ساكنا ؟. لأنه أقنع نفسه أن أمريكا لن تناصبه العداء أو تضحي به، وأنه قادر علي إرضائها عن طريق زيادة تعاونه معها في لبنان والعراق وفلسطين، وأن مراضاتها أفضل الحلول بالنسبة له، لكونها لا تلزمه بإعادة نظر جدية في خياراته الدولية والإقليمية وتاليا في توازناته الداخلية، ولا تبدل علاقاته مع واشنطن، صاحبة الكلمة العليا في البلدان العربية.
ـ عندما غاب الأسد الأب، كان من الجلي أن نظامه تقادم وصار بحاجة إلي تجديد جدي يجعله متوافقا مع حاجات وتطلعات الشعب السوري من جهة، وحاجات العالم من جهة أخري، وإلا أثقلت مشكلاته الكثيرة والثقيلة الوطأة كاهله وجعلته ساحة تناقضات ستتفاقم إلي أن تودي به. لم يفعل الأسد الابن شيئا لاحتواء هذا التحدي، لأسباب قيل ان بعضها خارج عن إرادته، فاستمر وضع كان عليه التخلص منه ودخلت السلطة في مرحلة انعدام وزن متزايد عوض أن تبادر إلي القيام بحراك يومي حثيث يحل أزمات النظام والبلاد الكثيرة والمستعصية.
ـ عندما غزت أمريكا العراق وأعلنت عزمها علي تغيير النظام الإقليمي، وقالت إنها ستبدأ بسورية، التي وجدت نفسها فجأة بين جيش العدو الإسرائيلي في الغرب والجنوب وجيش الولايات المتحدة في الشرق، وتعرضت لضغوط غير مسبوقة تطالبها بتغيير سياساتها في لبنان والعراق وفلسطين، وتجعلها موضوع استهداف حثيث ومركز. بقيت سياسات النظام السوري، في هذه الحالة أيضا، دون ما هو مطلوب بكثير، وطمأنت أصوات متنوعة، احتل بعضها أعلي المناصب الأمنية، النظام إلي متانة وضعه، وأوهمته أن معركته الحالية ليست أصعب المعارك التي خاضها وكسبها، وأن أمريكا وإسرائيل لم تتخليا عن دوره في الماضي ولن تتخليا عنه الآن أيضا.
ـ عندما بدأت معركة لبنان، لم تجد السلطة السورية شيئا تفعله من أجل كسبها غير التجديد للرئيس لحود، المرفوض لبنانيا، وغير اتخاذ موقف غامض وشامت من قتل الحريري، عبر عن نفسه في لغط شديد حول وطنيته، ومن ثم في إحجامها عن القيام بواجب العزاء فيه والمشاركة في جنازته وإعلان حداد رسمي عليه. حدث هذا لأن السياسة السورية كانت تصر علي رؤية لبنان بمنظار أمني أبقاها أسيرة نمط من التعامل الفوقي معه، ألب جمهرة كبيرة من اللبنانيين عليها ثم فجر غضبها ضدها، لكن العقل السياسي السوري الرسمي تمسك بخطاب عقيم رأي في اللبنانيين المحتجين عملاء للعدو وأعداء للعروبة، مقتنعاً بأن وجوده العسكري في لبنان هو شكل وجوده الوحيد الممكن هناك.
ـ عندما تولي بشار الأسد السلطة، وقدم وعودا بدا أنها سـتأخذ البلد في اتجاه إصلاحي ومفتوح طال انتظاره، تعتبره أغلبية السوريين مصلحة وطنية وشخصية عليا وتلح عليه. من المعروف أن رد فعل المعارضة علي وعود الأسد الابن كان إيجابيا إلي أبعد حد، وأنها أعلنت تخليها عن مطالبتها التقليدية بسقوط النظام، واستبدلته ببرنامج قال بمصالحة وطنية تنهض علي توافقات سياسية تقوم علي تعاون جميع أطياف العمل السياسي من أجل إنجاز إصلاح وطني شامل. وقد رحبت المعارضة الديمقراطية، ثم الإسلامية، بالخطوات الصغيرة والخجولة التي قام بها النظام تجاه الحريات، وأخذت تفرق بين الرئيس والحاشية، وتؤيد سعيه لتوطيد سلطته الشخصية. هنا أيضا، أضاعت السلطة الفرصة، التي أتاحتها المعارضة للبلد ولها، واتخذت موقفا هدفه تعزيز انفرادها بالأمور، ورفضت اي نوع من المشاركة، بما فيها تلك التي يمكن أن تتم في إطار الجبهة الوطنية التقدمية بأحزابها العميلة لها، قبل أن تعود، في الفترة الأخيرة، إلي ملاحقة من يخالفونها الرأي ويختلفون معها في الموقف، وتعلن أنها لن تقوم بأي إصلاح وستكتفي بتطوير وتحديث النظام القائم، إن وجدت ذلك ضروريا.
ضيع النظام فرص رسم سياسة دولية جديدة، وسياسة لبنانية جديدة، وسياسة داخلية جديدة، وتمسك بخيارات حقبة سابقة تكونت في بيئة دولية مختلفة عن البيئة العالمية والعربية والداخلية الراهنة، جعلت سياساته قديمة وراكدة ومتصلبة ومعادية للتجديد والإصلاح، وجعلته يبدو كنظام هدفه البقاء في الكرسي وإنقاذ أوضاعه الفاسدة، المرفوضة شعبيا والمتعارضة مع مصالح البلد. تجاهل مطالب مجتمعه وقطاعات واسعة من حزبه، لأنه فقد صلاته بالواقع، ولم يعد له من وظيفة غير السباحة ضد عصره، مع أن السباحة ضد العصر ستكون مكلفة جدا بالنسبة إليه وإلي شعبه.
واليوم، يجد النظام السوري نفسه غريبا في واقع غريب، تديم أوهامه فيه شعارات جوفاء لا تسمن ولا تغني، بينما أحاطت به الأخطار من كل حدب وصوب، وأقعده العجز والضعف عن الحركة، وجعله يقتات علي أكاذيب من نسج خياله الفقير تزين له أن أحواله ستتحسن، ليس لأنه يقوم بالخطوات التي يمكن أن تفضي إلي تحسينها، بل لاعتقاده أنه مر في الماضي بأوقات عصيبة كالأوقات الراهنة، اجتازها بفضل تطورات غير مرتقبة، وأنه سيجتاز أزمته الراهنة بمفاجآت وتطورات غير مرتقبة أيضا. بكلام عربي أوضح: يراهن النظام علي تغير الموقف الأمريكي منه، بفعل حدث ما قد ينجم عن المقاومة في العراق أو عن كارثة طبيعية أو غزوة قاعدية جديدة أو قدوم رئيس جديد إلي السلطة في أمريكا. وهو يبني سياساته علي الغيب، بينما يستمر في تجاهل الأوراق الحقيقية القوية جدا، التي يمكن لمصالحة مع الداخل أن تمده بها، وطنيا وفي المجالين العربي والدولي.
حشرت سياسة تضييع الفرص النظام في زاوية ميتة. فهل تخرجه منها أوهام ساعة اليأس الأخيرة، التي لطالما قتلت نظما وخربت بلدانا، أم يتخلي، أخيرا، عن أوهامه ويتفاعل مع صحوة وطنية تلف الشعب والمجتمع والمعارضة السياسية، فيفيد من سانحة فريدة لن تتاح له سانحة مماثلة بعدها، مهما حاول وفعل.