هل من مشروع غير المشروع الأميركي؟!

سليمان تقي الدين - السفير

 

من حق كل الذين يسيرون في ركاب السياسة الاميركية في المنطقة بشكل او بآخر ان يطرحوا هذا السؤال: وهل من مشروع غير المشروع الاميركي؟ كما من حق كل الديموقراطيين، القدماء والجدد، الذين عافوا ممارسات الأنظمة العربية الاستبدادية، ولا نظن أنه يمكن ان نستثني منها أحدا، ان يطرحوا السؤال بكيفية اخرى: أما آن لهذه الانظمة ان تسقط، كيفما كان سقوطها، وعلى يد من كان هذا السقوط، فهي ما عادت تنفع شيئا، ولم تكن نافعة أصلا، كما يقول هذا البعض، فلماذا تبقى بحجة ان زوالها هو مطلب اميركي؟ ويذهب آخرون للقول أبعد من ذلك ويتساءلون عن قيمة وجدوى الحديث عن الهوية العربية، وهل يمكن احياؤها أصلا بعد سقوط هذا النظام العربي الذي ساد في القرن العشرين، وما هي قواعدها المعاصرة، بعد ان احتمت في ظلالها تلك الانظمة القطرية الفاسدة زمنا طويلا. وما المانع من قيام أي صيغة سياسية أو دستورية بما في ذلك الفدرالية، اذا كانت هذه الصيغة تحقق حرية الانسان وكرامته وتؤمن التنمية، وبالأساس الديموقراطية؟
كل هذه، اسئلة شرعية ومشروعة. بل لعلها الاسئلة التي ينبغي ان ينهض عليها جواب واضح حتى يمكن الحديث عن <<الممانعة>> و<<المعارضة>> و<<المقاومة>> وكل هذه المسميات غير الواضحة في الوضع العربي الراهن. إذ ما جدوى المقاومة و<<السلاح>> أصلا، اذا كان المشروع السياسي نفسه محل نظر وتفكير. وما هو هذا المشروع المقابل والنقيض للمشروع الاميركي المطروح على المنطقة، والذي من أجله تسقط الضحايا، وتراق الدماء، وتشتعل الارض، هنا أو هناك من فلسطين الى العراق وما بينهما وما يجاورهما.
من السذاجة القول ان أحدا يملك جوابا كاملا قاطعا حتى على المستوى النظري لا العملي. ومن السذاجة اكثر، ان يكون الجواب بديهيا على النحو الذي تقترحه علينا، بل تفرضه علينا الحركات السلفية والاصولية ذات النهج التكفيري القتالي كما يحلو للسيد حسن نصر الله ان يسميها تمييزا لها عن الاسلام السياسي الجهادي؛ اي تلك التي تقسم العالم <<فسطاطين>> وعالمين، وشرقا وغربا، بحيث لا يلتقيا. او على أساس ثنائية الخير والشر التبسيطية إياها، لأن المسألة ترتفع حينئذ فوق السؤال وتأخذ بعدها <<اللاهوتي>> فلا تخضع لميزان العقل والمعقول. وهي تذهب بنا حيث ما تستطيع ان تذهب <<المسلمات الايمانية>> وبمقدار ما تحشد لذاتها قوى لا تعرف ان تمارس من أشكال الصراع إلا هذا الصراع القتالي التدميري العنفي الالغائي، بوصفه قاعدة التوازن الآن بين آلة الغرب التكنولوجية <<الجهنمية>> وقدرة الأمة <<المعنوية>> التي يجسدها <<دم الاستشهاديين>>.
فإذا نحن استبعدنا منهجيا من دائرة الجدل ومنطقيا دعاة الحرب الدينية <<الصليبية>> و<<الجهادية>> رغم ثقلهما الأساس الآن على مجرى الاحداث الكوفية من اميركا حتى افغانستان، فإن الاسئلة تبقى ذاتها، بل اكثر حدة وقساوة، ما هو بديل المشروع الاميركي الذي يمكن ان نناصره وننحاز له الآن؟ والأهم السؤال: هل نحن امام مسألة الدفاع عما هو قائم وموجود من نظم سياسية واجتماعية ام انه يمكن البناء في سياق تاريخي صراعي نموذجا آخر؟ وهذه لحسن الحظ ليست اسئلة فلسفية، إنها يوميات راهنة تتصل بعمق حياتنا وسلوكنا ووجهة تفكيرنا. وفي حقيقة الامر، ماذا يريد الغرب منا بنظامه العالمي الجديد، ولماذا يريد تشكيلنا على هواه، وكيف هو يريدنا ان نكون والى اي مدى فعلي يريدنا ان <<نتماثل>> به. وفي اي موقع يريد ان يضعنا من نظامه؟
إن تجربتنا تقطع على الأقل، ان التماثل بالغرب ليس هو الأمر المطروح كي يُطلب أو يُردّ. فلم تحمل الموجة الاستعمارية بكل ثقلها التبشيري والثقافي مثل هذا الاحتمال، بل حملت إلينا الاختلاف والفرقة، ولا يخلو الأمر من استثناءات، نظنها من طبيعة الاشياء كأن نكتسب من الغالب بعضا من ثقافته.
نعرف الآن على الأقل ان اميركا تريد الشرق الاوسط نظاما بديلا عن العالم العربي، وتريد اسرائيل فيه قوية مسيطرة سيطرة سياسية وأمنية واقتصادية. وتريد انظمة عربية منكفئة على ذاتها تعالج شؤونها الداخلية ولا تهتم لما يدور حولها من قضايا قومية، بل ليبرالية تطلق الحرية الاقتصادية على غاربها وتنتج المزيد من أزمات التهميش والفقر، وتكافح الثقافة الاسلامية التي تشكل مصدر مقاومة للهيمنة الاميركية، وتريد اميركا في المقدمة وقبل كل هذا السيطرة التامة على النفط وعلى الاسواق تحكما بالعالم كله الذي يرتكز على هذه السلعة الاستراتيجية في اقتصاده. قراءة السياسة الاميركية ليست نظرية او افتراضية، فالولايات المتحدة تعلن <<بشفافية>> بالغة مشروعها وتجند له آلاف المفكرين والكتّاب فضلا عن ترجماته الميدانية.
أميركا الآن تغض الطرف عن المعايير الديموقراطية وحقوق الانسان في العالمين العربي والاسلامي، وتقبل التعاون مع الانظمة <<الاستبدادية>> التي تتعاون مع سياستها من دون شروط، بينما تتشدد في مطالبها الأمنية من بعض الانظمة المعنية بمقاومة اسرائيل او بممانعة اميركا. هذه هي الحقيقة، فالبرنامج الاميركي ليس مطلبه الأساس التجديد في العالم العربي ونشر الديموقراطية، بل يتوسل ذلك كجاذب معنوي لشعوب المنطقة.
إذن، لماذا علينا ان نرحب بالمشروع الاميركي او ندعم توجهاته طالما أنها لا تقع إلا سلبا في حدود تطلعات شعوب هذه المنطقة؟ علما انه تتصارع الآن اصوليتان، اميركية واسلامية، هما تحشدان القوى وتقدمان القرابين، وليس للقوى الليبرالية اي موقع مميز في هذا الحراك السياسي إلا التحاقا بالكاسحة الاميركية التي تحدد وجهة التطورات كما حصل في العراق وفي لبنان بظروف مختلفة. إن توصيف المشروع الاميركي على هذا النحو لا يلغي طبعا الاقرار والتسليم بأن الدفاع عما هو قائم ليس مطلبا جماهيريا او وطنيا او ثقافيا.
فالنظام العربي، بما هو نموذج موحد السمات والخصائص في بعده عن الديموقراطية، هو نظام أصبح خارج التاريخ وغير قابل للحياة ولن يكون محل حماية كنظام كما أثبتت تجربة العراق. لكن الفارق يبقى جوهريا بين الاندراج في المشروع الاميركي، الذي يستهدف في ما يستهدف هذه النظم، وبين التأسيس لمشروع مستقل، ولو أن في هذا الاستقلال عن المشروع الاميركي الاساس لبناء موقف وطني يعطي مصداقية الحديث عن الديموقراطية.
ومن المؤكد انه تنهض في وجه مشروع الاستقلال هذا عقبة الانظمة نفسها كما عقبة القوى السلفية والاصولية بكونها جميعا بعيدة عن الأفق الديموقراطي. لكن العمل الوطني والديموقراطي لا يأتي في ساحات نظيفة وخالية من تعقيدات القوى، والأصل فيه تحديد الاولويات والتناقضات الرئيسية. وهذا العمل له تجربته الحية في لبنان وفلسطين والعراق، مع اختلاف الظروف حيث يمكن ان تلتقي وتتمايز القوى في المواجهة مع الخارج.
في النموذج اللبناني، شكل احتضان <<حزب الله>> الوطني عنصرا مهما في تطويع ايديولوجية الحزب لمقتضيات الوفاق الداخلي بين القوى المتعددة فكريا وسياسيا. كما شكل دعمه ومساندته وحمايته مصدرا لتوليد انسجام بين مهمة المقاومة وانتاج ثقافة وطنية وديموقراطية. وعلى العكس من ذلك، ان القطع مع <<حزب الله>> يزيد من <<عصبويته>> ومن <<أصوليته>> ومن <<تطيّفه>> ومن <<فئويته>>. فاللبنانيون يمكن ان يتفقوا مع <<حزب الله>> على <<المقاومة>> ويختلفوا معه على مشروع الدولة بوصفها الحاضن للاجتماع السياسي وما يجب ان تعكسه في لبنان من تنوع وتعدد وانفتاح ومشاركة. في مشروع المقاومة قد ينفرد <<حزب الله>> ولكنه في مشروع الدولة يقبل المشاركة. كل ذلك على فرض ان اللبنانيين يريدون دولة مستقلة ذات سيادة تعبر عن طموحات جميع الفئات الاجتماعية والطائفية. وعلى فرض أننا نعلم كم ان العالم ليس مسطحا وأنه لم تولد بعد القرية الكونية التي يتساوى في رحابها جميع بني البشر، بل ان العالم نظام معقد ومركب من القوى والمصالح والنزاعات كما تذكرنا بذلك ثورة المهمشين في أوروبا، او مقاومة اميركا اللاتينية لنظام التجارة الدولية او مقاومة العالم الاسلامي من افغانستان الى العراق وفلسطين ولبنان. ولسنا نحن من نصنع التناقضات والتفاوتات بل نحن ضحية لها منذ زمن بعيد. ولم يكن مآل الشعوب يوما ان تعيش قضاياها وفقا للتصورات المنطقية التي يحلم بها الفلاسفة عادة، بل تصنع الشعوب تاريخها بوعيها هي كما يتجلى ماديا في الصراع. ولقد كانت حكمة وذكاء كبار قادة التغيير عبر التاريخ أنهم عرفوا بأي مادة بشرية يصنعون التاريخ اذا جازت هذه العبارة. وبالفعل، ليس القادة من يصنع التاريخ إلا مجازا لأنهم يصنعونه في ظروف جاءتهم من الماضي، وذكاؤهم يكمن في ان يعلّموا التاريخ شيئا ما. لذا يمكن القول دائما ان هناك مشروعا غير المشروع الاميركي يتمثل في كل هذا الصراع الطاحن الدائر في كل مكان والذي عنه يجب ان تنبثق رؤية تساعد على اخراجه من مأزقه الحالي بوصفه صراعا على حدود السماء، لجعله اكثر دنيوية واكثر انسجاما مع طموحات القوى الواسعة التي لا تؤمن انه فقط بالعنف يمكن حل تناقضات المجتمع، وأنه يمكن تفعيل القوى السلمية لأخذ مكانها في المواجهة مع <<الاستبداد>> في كل أشكاله: استبداد الأنظمة واستبداد النظام العالمي الجديد.
(
) كاتب سياسي