الرئيس السوري يشتري الوقت.. والوقت يداهمه.. فعلام يراهن؟

الطاهر إبراهيم

في الوقت الذي أعلن فيه السفير السوري في لندن "سامي الخيمي" أنه ليس هناك مشكلة في أن تلتقي لجنة التحقيق بأي "شاهد!" سوري على انفراد وأن تختار مكاناً في دمشق يرفع علم الأمم المتحدة"، فإن دمشق بقيت تتكتم على رسالة وجهت إليها عن طريق الأمم المتحدة، يعلن فيها القاضي "ديتلف ميليس" رغبته بلقاء عدد من ضباط الأمن السوريين لاستجوابهم في مبنى فندق "مونتفيردي" القريب من بيروت، وعادت دمشق تؤكد الخبر بعد يومين، علما أن الصحف اللبنانية المقيمة والمهاجرة قد أذاعت الخبر، ما يدل على تعسر الاتفاق على نشر الخبر، من قبل أهل الحكم، -وهم يعلمون أنهم سيعلنونه عاجلا أو آجلا- لأنه يمسهم.

هذا التأخر في إعلان هذا الخبر ليس استثناء، بل هو القاعدة التي درج عليها نظام حزب البعث، ومنها التأخر عن إعلان الطريقة التي انتحر بها وزير الداخلية "غازي كنعان" لأكثر من ساعتين، مع أنه تحصيل حاصل، ما أثار لغطا وشكوكا بأنه نحْر وليس انتحار، حيث أن القضية لم تكن تتكلف إلا النظر إلى سجادة مكتب القتيل، الذب كان ينبغي أن يكون غارقا في الدماء، هذا إن كان "كنعان" قد انتحر في مكتبه حقا!.

ومن جهة أخرى فإن سياسة رضوخ النظام السوري لمطالب المجتمع الدولي "بالتقسيط" لا تخدم النظام، بل تجعله يخسر أكثر مما يربح، لأن واشنطن تستثمر ذلك بما تعلنه عن أن سورية تقف وحدها في مواجهة الأمم المتحدة. فإذا كان النظام يحاول بذلك شراء الوقت أملا في أن يجد منفذا ينقذه من ورطته، فإن القرار /1636/ قد قطع الشك السوري بيقين الإجماع الدولي، بحيث أوضح بلا مواربة: أن على النظام في دمشق أن يبتعد عن ترف المناورة، وأن ينضبط مع مفهوم ما ورد في القرار.

لو أن أصحاب القرار في دمشق استجابوا لرغبة القاضي "ميليس" قبل أن ينشر تقريره الإجرائي، وأجابوا عن الأسئلة التي وجهها إليهم، ولم يضللوا المحقق الألماني، ربما ما احتاج الأمر فيما لو كانوا أبرياء من دم الحريري كما يزعمون- إلى أن يأتي "ميليس" إلى دمشق ليقابل هؤلاء "الشهود!".

أما وقد أدركوا أن المحقق مصرٌ على أن يصل إلى هؤلاء "الشهود!"فكان عليهم أن يفسحوا له في ذلك فيقابلهم على انفراد لكنهم لم يفعلوا إلا مكرهين -لعل وعسى أن تحصل معجزة في عصر ليس فيه معجزات- فحضروا اللقاء، ومع كل واحد منهم كتيبة حراسة.

وكان واضحا للجميع أن "ديتليف ميليس" لم يكن مرتاحا لما جرى، وشكا من أن مسئولين، تم استجوابهم في دمشق في شهر أيلول الماضي، بدوا مستعدين لإعطاء إجابات جاهزة ،ما يعني أنهم لم يتعاونوا كما يجب.

الآن وقد "وقع الفاس في الراس"، وبدا واضحا أن المحقق الألماني لن يحضر إلى دمشق، خصوصا وأنه أشار في تقريره إلى أنه تلقى تهديدات، فعلى "أركان الحكم" الآن ،إذا أرادوا أن يبدوا مصداقية في مقاربتهم لما تطلبه منهم لجنة التحقيق، أن لا يقعوا في الثالثة. (كانت الأولى تضليل التحقيق من خلال المذكرة التي رفعها الوزير "الشرع " إلى القاضي "ميليس" في 18 آب الماضي. والثانية عدم السماح للمحققين بالانفراد بالشهود! أثناء التحقيق معهم في دمشق في أيلول الماضي)، ما يعني أن على القيادة السورية أن تستجيب إلى مطالب المحققين من دون تلكؤ، خصوصا وأن معجزة "المساعدة العربية" أصبحت مستحيلة الحل بعد أن صوتت الجزائر بالموافقة إلى جانب القرار، ما يعني أن الأقربين أنفسهم ،الذين هم أولى بالمعروف، ما عادوا يقبلون من النظام السوري المماطلة والتسويف.

ما يصدر عن بعض الدبلوماسيين الصغار حيث لاذ الكبار بالصمت بانتظار الوساطات العربية- ورؤساء الصحف السورية،يدل على أن النظام السوري لم يفقه الدرس جيدا. فقد دعا "فائز" الصائغ في افتتاحية "الثورة": (إلى إيجاد مرجعية قانونية جنائية ،دولية كانت أم إقليمية، عربية كانت أم لبنانية، للحكم على حياد رئيس اللجنة "ديتليف ميليس"... وتُقرر أو تَحكم أو تعيد النظر على الأقل بقرار التعاون من عدمه أو من عدم اكتماله"، خصوصاً بعد "تصميم سورية كل التصميم على التعاون" .... ).

ومن هذا القبيل ما أعلنته اللجنة القضائية التي شكلت بمرسوم تشريعي رئاسي للتحقيق في مقتل الرئيس "رفيق الحريري". فقد أعلنت هذه اللجنة عن العناوين التي يمكن الاتصال بها، وكأنها تقول للجنة التحقيق الدولية "نحن هنا" إذا أردتم أن تخاطبوا سورية فسيكون فقط عن طريقنا.

"سامي الخيمي" السفير السوري في لندن، هو الآخر أراد أن يدلي بدلوه في فهمه لقرار مجلس الأمن /1636/، حيث أعلن أن (على "ميليس" أن يحصل على موافقة لجنة تابعة لمجلس الأمن قبل أن يسمي أي مشتبه به في اغتيال الحريري).

يمكننا أن نؤكد هنا أن النظام ما يزال يعيش أوهام ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين،يوم كان الرئيس حافظ الأسد الحاكم المدلل عند أمريكا،والمفوض بلا منازع في سورية ولبنان، من خلال إمساكه بالقرار اللبناني والسوري والفلسطيني، وكانت هذه الأمور تُسمى أوراقا يستعملها النظام في مساوماته مع أمريكا عند اللزوم.

هذه الأوراق قد أفقدت سورية دورها الوطني الذي كان النظام يتاجر به، لأنه كان يدفع من رصيد الوطن في مقابل السماح له بتشديد قبضته على سوري ولبنان والفلسطينيين، وهو ما كان يصب في مصلحة إسرائيل ،قولا واحدا. ما يعني أن الوطن يخسر مرتين: مرة يكون فيه الوطن سلعة، ومرة يكون ثمنا. ومع هذه الخسارة المضاعفة للوطن والمواطن، والربح المضاعف ل"تل أبيب" وواشنطن، فإن هذه الأوراق لم تعد تنفع النظام السوري في سوق المساومات لأنها قد استهلكت وأصبحت بلا قيمة عند واشنطن.

الرئيس السوري بشار الأسد يواجه الآن أزمة مستعصية الحل. فهو لا يستطيع أن يرفض تنفيذ ما نص عليه القرار 1636 والذي قد يؤدي إلى إدانة أقرباء له ( شقيقه ماهر الأسد وصهره آصف شوكت) وإدانة آخرين من أعمدة النظام، بالتخطيط لجريمة اغتيال الرئيس "رفيق الحريري"، لأن الرفض سيجعله في مواجهة مجلس الأمن، ولن تستطيع "موسكو" أن تنجده بالفيتو الروسي بعد أن قالت أنه يجب إعطاء دمشق فرصة لتنفيذ القرار.

كما أن الرئيس السوري قد لا يستطيع تسليم هؤلاء وأولئك، لأن بعضهم هدد بأنه إذا ما تم تسليمه للتحقيق فستكون "عليه وعلى غيره"، ما قد يعني وصول "البل إلى لحى قادة النظام"، خصوصا وأن تقرير "ميليس" أشار إلى تهديد الرئيس السوري "بشار الأسد" للرئيس "رفيق الحريري" ما لم يوافق على التمديد للرئيس "لحود".

وبين الرفض ولانصياع، جاء خطاب الرئيس السوري يوم الخميس 10 نوفمبر الجاري، حيث أعلن أن سورية ستتعاون مع لجنة التحقيق، واعتبر أن تقرير "ديتليف ميليس" (ثّبت بالنسبة لنا براءة)، ولكنه عاد ليتهم بأن (قرار مجلس الأمن 1636 كان معدا قبل تقريرا ميليس)، منوها بأن (بلاده دعمت الشرعية وليس الفوضى الدولية)،مؤكدا أنه (مهما تعاونت سورية فالنتيجة التي ستصدر هي أن سوريا لم تتعاون).

وقد كان لافتا لنظر المراقبين السياسيين أن الرئيس السوري -رغم أنه حاول أن يظهر بأنه يتكلم من دون انفعال- أظهر قدرا غير قليل من اليأس والإحباط من شعوره بأنه هان عند جيرانه اللبنانيين "ذوي القتيل"،بعد أن كان لكلامه شأن عندهم. فهاجم على غير المعهود في خطاباته أشخاصا معتبرين، عندما قال عن الرئيس "فؤاد السنيورة" بأنه (عبد مأمور لعبد مأمور- أي سعد الحريري-) ما يعني أنه فتح النار عليهما وقطع خط الرجعة.

ويوما بعد يوم، يجد الرئيس السوري أن الوقت يتفلّت من بين يديه، ولا يستطيع أن يحزم أمره. بل إنه يؤجل في اتخاذ القرار، والتأجيل يضيع منه لحظات ثمينة أغلى من الذهب. المهلة التي حددها قرار مجلس الأمن تاريخا أخيرا لانصياع النظام السوري،حدها الأقصى منتصف شهر كانون الأول "ديسمبر"،تتناقص من دون أن تتضح صورة الموقف الذي يمكن أن يقفه النظام السوري بشأن تسليم المشتبه بهم الستة ولا بد أن يقفه..... وبين هذا وذاك يتساءل المراقبون قائلين: "علامَ يراهن الرئيس السوري"؟.

الطاهر إبراهيم كاتب سوري معارض يعيش في المنفى