نعم إنه "إعلان دمشق" كي نحدّ قدرة المغامرين على كبح التطور الديموقراطي

 ميشال كيلو

تبين، بعد مرور خمسة أعوام على وعد الإصلاح، الذي أطلقته النخبة السورية الحاكمة، وانصب على إصلاح السلطة بأدواتها، أن هذا النمط الجزئي والمحدود من الإصلاح ليس ممكنا بسبب طابع السلطة الأمني، الذي يضع المسعى الإصلاحي أمام تناقضات لا تقبل الحل، لأنه يسمح بإصلاح يقتصر على النظام دون أن يغير أي شيء فيه، ويقول بالتخلي عن جوانب منه  إذا كان يؤدي إلى توطيد أبنيته السائدة، ذات الطبيعة الأمنية الغالبة.

إصلاح: نعم، ولكن شرط إعادة إنتاج النظام الواجب إصلاحه. بهذه المعادلة، كان من المحال إنجاز أي إصلاح يتلاءم مع ما تحتاج إليه سوريا: دولة ومجتمعا وشعبا وسلطة، وكان من الحتمي أن تظل الحال القائمة على حالها، في ظرف تغير دولي أبطل شروط إعادة إنتاج نمط السلطة، وقوض الأسس السياسية العالمية، التي يقوم عليها.

ومع التمسك بالنظام المتقادم في الداخل، رغم ما ترتب عليه من نتائج سلبية جدا بالنسبة إلى مجتمع سوريا ودولتها، تم التمسك بسياسات خارجية فات زمانها، استمرت في العمل وكأن  انقسام العالم معسكرين ما زال مستمرا، أو كأن النظام السوري ما زال محوراً إقليمياً معتمداً أميركياً وسوفياتياً في الوطن العربي، وتجاهلت أن سقوط المعسكر السوفياتي واختفاءه يضعاها تحت رحمة أميركا وحدها، التي صار دور سوريا الإقليمي مرتبطا أساسا بإرادتها، ما لم يجد بدائل داخلية تعوضها بعض ما فقدته في غياب السوفيات.

وبالفعل، ما إن دخلت أميركا العراق حتى أبلغتها بضرورة تخليها عن هذا الدور، وأخبرتها أن عليها الانصياع لما تطلبه منها قبل تقرير نمط علاقاتها المستقبلية معها. هنا، في مجال السياسة الخارجية، واجه الموقف السوري أسئلة تشبه الأسئلة التي طرحها عليه الوضع الداخلي، نشأت عن انتهاء دوره التقليدي ورفض أميركا التفاهم معه على دور جديد من جهة، وعن رفضه هو إدخال المجتمع كطرف في معادلات القوة والصراع الجديدة، لأن إدخاله يعني تغيير قواعد اللعب وعلاقات القوى الداخلية، وتفكيك وضعه انطلاقا من حيثيات السياسة الخارجية، بعد أن رفض تغييره لاعتبارات تتعلق بالسياسة الداخلية.

هذه السياسة، التي ما لبثت أن تخلت عن وعد الإصلاح وعادت إلى اعتماد النهج الأمني  سبيلا إلى استمرار النظام في الداخل، رغم ما ترتب عليه من توترات ومشكلات، والتي تجاهلت ما ترتب على تبدل البيئة الدولية من أخطار خارجية على البلد بمجمله، جعلت من الضروري قيام جهة سورية ما بخطوة نوعية، يكون لها طابع وطني عام وشامل، توحد قدر المستطاع قوى وأحزاب المجتمع السياسية والمدنية، دون أن تتخلى عن نهج الحوار والمصالحة الوطنية، أو تنسى أولوية حماية البلاد من أخطار الخارج وركود الداخل، على أن تكون خطوة  مرتبطة بالدرجة الأولى بالمجتمع، الذي أبعد منذ نيّف وأربعين عاما عن شؤونه، ويسود فيه اليوم اقتناع واسع بأن النظام لا يستطيع حمايته أو حل معضلاته، وأن انفراده بشؤونه خلال هذه الحقبة الطويلة افقده القدرة على وقف تدهور البلاد والعباد . وجاء انسحاب النظام من لبنان يؤكد ضعفه، ويعكس الخلل الخطير في علاقات القوة بينه وبين الأعداء من جيرانه في فلسطين والعراق المحتلين، ويثبت  عجزه الفاضح عن فهم ما يجري والتفاعل معه بطريقة خلاقة وملائمة.

هل يعني ما سبق قوله أن حسابات المعارضة لن تنطلق بعد الآن من وجود تطابق بين السلطة والمجتمع، وأنها ستعمل كي لا يكون ضعفها إضعافا له، وكي لا تؤدي أخطاؤها إلى إنزال مزيد من الضرر به؟ وهل يعني أن المعارضة قطعت شعرة معاوية مع النظام، إذا كانت قد قررت معاونته على صوغ توجه جديد يمكنه من أخذ السلطة إلى خيارات جديدة، إصلاحية وديموقراطية، ترفع قابليته وقابليتها على مقاومة السقوط أمام الأجنبي والمعتدي، بعد أن اتضح بجلاء أن استمرار نهجها سيفضي حتما إلى وقوع ما يخشاه الشعب ويرفضه ويعمل ضده: الفوضى الداخلية أو الاحتلال الخارجي؟

هذا الإطار العام، الذي وصفت ملامحه الداخلية والخارجية، هو الحاضنة التي جعلت إعلان دمشق خطوة ضرورية ونقلة نوعية، ومنحته أهمية داخلية وخارجية حقيقية، من حيث هو:

-1 نقلة نوعية في تطور المعارضة السورية، التي قبلت أطرافها جميعها الديموقراطية "خيارا لا عودة عنه"، وإن تعددت قراءاته وتباينت من طرف لآخر. وبما أن الإعلان حظي بموافقة غالبية قوى المعارضة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فإنه أشار إلى إمكان قيام طرف ثالث في المعادلة السورية، إلى جانب طرفيها الحاليين: السلطة والخارج، يريد أن يقيم علاقات مع السلطة تضفي بعدا وطنيا وعاما عليها يساهم في تحصين وضع البلد، وإلا فتقديم بدائل من سياساتها تعزز استقلال سوريا ووحدتها الوطنية، وتقيها بلايا الفوضى والعنف. لقد وافقت سائر القوى السياسية والمدنية غير الرسمية على اعتبار الديموقراطية مستقبل سوريا، وألزمت نفسها في الإعلان، أو في ما أبدته من ملاحظات عليه، بالعمل في إطار حواري وسلمي، يبقي للمصالحة الوطنية أولويتها، ويبقي يد هذه القوى ممدودة لأي طرف رسمي أو شعبي ينشدها، فكان توحدها عملا عزز وضع البلد ، وأقنع عددا كبيرا من بناتها وأبنائها بأنها ليست ذاهبة بالضرورة إلى وضع عراقي، وأنه سيكون لها دور في تقرير شؤونها، ما دام هذا الجمع الكبير من قواها قد توافق على الديموقراطية كهدف مشترك، وقرر التمسك بها في جميع الظروف والأحوال، وصمم على نقل البلد إليها بطرق سلمية وآمنة، وفي حال التفاهم مع السلطة، تدريجية.

-2 توسيع دائرة المشترك والمتوافق عليه في الحياة الوطنية السورية وإثبات فاعليته في الظرف الراهن، الذي يضع النظام أمام استحقاق خطير لا يستطيع تحاشيه أو التصدي له، رغم أن انعكاساته على البلاد ستكون خطيرة إلى درجة يصعب تصورها أو تصديقها، خاصة بعد أن وضعها القرار 1636 تحت وصاية دولية حقيقية لطالما قوض ما يماثلها في الماضي استقلال دول المنطقة، وأعاد إنتاج نخبها الحاكمة والمالكة، أو أطاحها، أو مهد لاستعمارها. ولأن قرارا كهذا سيجبر السلطة على التقوقع على ذاتها، وسيقلص قدرتها على التصرف بحرية، حتى إن ثبتت براءتها من دم الحريري، فإن تبلور جبهة ديموقراطية عريضة في البلاد من شأنه أن يحد كثيرا من قدرة المغامرين على كبح تطور سوريا الديموقراطي، ما دام هؤلاء سيجدون أنفسهم في مواجهة كتلة شعبية كبيرة، لها قياداتها وممثلوها وثوابتها وبرنامج حد أدنى يمثله الإعلان.

-3 تخطى خطوطا حمراء كان اجتيازها يهدد بمعركة داخلية كبيرة بين السلطة والقوى الديموقراطية، وفتح باب الحوار والتعاون السياسي بين مختلف أطياف المجتمع، بعد أن أغلقه النظام وفتح باب الملاحقة والقمع في الأشهر التي تلت مؤتمر البعث، ووضع حدا للنهج الأمني، الذي يؤكد صدور الإعلان بحد ذاته سقوطه، ويثبت أن سوريا شبت عن طوق القمع، وأن تنظيم داخلها السياسي والمدني لم يعد ممكنا بالوسائل والأساليب الأمنية، التي اعتمدت خلال ثلث القرن الماضي، وصار من الضروري البحث عن بديل منها، سيكون الأخذ به الإصلاح المنشود، الذي سينقل سوريا من حالة السلطة الأمنية إلى حالة الدولة السياسية/المدنية، التي لن يصلح وضعها إلا بها.

ليس "إعلان دمشق" آخر ما سيتخذ من خطوات لترميم الداخل السوري وإيقافه على قدميه، وهو منذ صدوره وديعة لدى شعب يتوق إلى الحرية والديموقراطية، تعتبره قطاعات واسعة منه دليلها الأولي إليهما، وتضع آمالها في ما عبر عنه من وحدة سياسية تكاد تكون شاملة، يعني قيامها لأول مرة في تاريخ سوريا الحديث بعد عام 1963، أنها ستكون حاضنة جهوده وقاعدة مستقبله.

(دمشق)