السوريون يرقبون ظهور "الدخان الأبيض" من مداخن مبنى البرلمان بدمشق؟

الطاهر إبراهيم

 

صدر قرار مجلس الأمن الأخير تحت الرقم 1636 في أسوأ صورة يمكن أن يتوقعها نظام الرئيس بشار الأسد. بل إن تداعياته على النظام السوري لن تتوقف عند حد تسليم المشتبه بهم في اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق "رفيق الحريري"، بل ربما يكون هذا التسليم هو الفتيل الذي يفجر كتلة "آل الأسد" التي تحتكر السلطة في دمشق.

وعلى خلاف ما كان يجهر به إعلام حزب البعث من أن أي قرار يتضمن عقوبات لسورية سوف يكون موجها ضد الشعب السوري، فإن الكتلة التي تحيط بالرئيس بشار الأسد (أخوه ماهر الأسد قائد الحرس الجمهوري وشقيقته بشرى وصهره آصف شوكت)، والتي تمسك بمقاليد الحكم في دمشق، لم تكن تخشى تضمين قرار مجلس الأمن عقوبات اقتصادية، فإنها -علاوة على أن العقوبات الاقتصادية سوف تفتح أمام هذه "الكتلة" الفرص لاحتكار المواد الأساسية التي يحتاجها الشعب السوري-ستزعم بأن أمريكا تعمل على تجويع أطفال أطفال الشعب السوري كما فعلت مع أطفال العراق، بموجب قرارات الحصار التي فرضها مجلس الأمن على العراق بعد انسحاب الجيش العراقي من الكويت في عام 1991 .

لقد كانت صيغة القرار 1636 مريحة لكل الفرقاء المعنيين بصدور هذا القرار، باستثناء من يمسكون دفة الحكم في دمشق . فقد رحب رئيس وزراء لبنان الدكتور "فؤاد السنيورة" بالقرار، وطالب دمشق بأن تتعاون مع اللجنة الدولية للإسراع بكشف ملابسات اغتيال الرئيس "رفيق الحريري" توطئة لتقديم الجناة إلى المحاكمة.

كما أن "سيرغي لافروف"،وزير خارجية روسيا الدولة الأكثر دعما للنظام السوري في مجلس الأمن، أكد أن هذا القرار يصب في مصلحة التحقيق، ويبتعد عن فرض العقوبات التي هي غير مطلوبة في الوقت الحاضر حتى يُختبَرَ مدى تعاون دمشق مع لجنة التحقيق الدولية. كما أكد وزير الخارجية الروسي، بعد لقائه رئيس اللقاء النيابي الديموقراطي "وليد جنبلاط" مؤخرا في موسكو: "أن الاستقرار الكامل في لبنان مرهون بكشف كل الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري"..

فصائل المعارضة السورية التي وقعت على وثيقة "إعلان دمشق" فهمت بنود القرار الدولي على وجهها الصحيح. فدعت ،في بيان أصدرته اللجنة المؤقتة ل"إعلان دمشق" بتاريخ 30 تشرين أول الماضي، النظام السوري إلى التعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية حتى يتم الكشف عن مرتكبي جريمة اغتيال الحريري، وطالبت بتقديم المشتبه بهم إلى العدالة الدولية والكشف عن الجناة الحقيقيين أيا كانت صفاتهم ومواقعهم.

ولكن ما الذي دعانا إلى اعتبار الصيغة التي صدر بها القرار هي الأسوأ لكتلة آل الأسد،مع أنهالم تتضمن أيا من العقوبات التي كان النظام السوري يزعم أن أمريكا صاغتها قبل أكثر من شهر من تقديم "ديتلف ميليس" تقريره إلى مجلس الأمن؟

ومع التأكيد على أن كل ما ورد في القرار 1636 يعتبر بالغ الخطورة،إلا أن فقرتين وردتا في القرار تجعل مسئولين في قمة هرم السلطة في دمشق وفي أجهزةالأمن وردت اسماؤهم كمشتبه بهم في تقرير "ميليس"، تجعل أي واحد منهم يعيد حساباته كثيرا قبل أن يوافق على تسليم نفسه إلى لجنة التحقيق لاستجوابه.

ففي الفقرة (2) تحت بند "أولا" من القرار جاء مايلي: (2- يحيط علماً مع بالغ القلق بالاستنتاج الذي خلصت إليه اللجنة بأن هناك التقاء في الأدلة يشير إلى ضلوع مسئولين لبنانيين وسوريين على السواء في هذا العمل الإرهابي، وانه من الصعب تخيل سيناريو تنفذ بموجبه مؤامرة اغتيال على هذه الدرجة من التعقيد من دون علمهم).

كماتم التأكيد في الفقرة (1) من البند "ثالثا" على أنه (يجب على سورية أن تعتقل المسئولين أو الأشخاص السوريين الذين تعتبر اللجنة انه يشتبه بضلوعهم في التخطيط لهذا العمل الإرهابي أو تمويله أو تنظيمه أو ارتكابه، وان تجعلهم متاحين للجنة بالكامل.).

شقيق الرئيس السوري العقيد "ماهر الأسد" قائد الحرس الجمهوري، وجد نفسه ،على غير ما كان يتوقع،في مربع واحد حسب تقرير ميليس- مع اللواء "آصف شوكت" منافسه على النفوذ في "كتلة آل الأسد" الممسكة بمفاصل الحكم. ويتوجب على الرئيس الأسد ،بحسب نص القرار،اعتقال الذين وردت أسماؤهم في التقرير، وتسليمهم إلى القاضي الألماني للتحقيق معهم في اغتيال الرئيس "الحريري".

وبعيدا عن الرجم بالغيب، وبمعزل عما يُتداول من سيناريوهات محتملة،كأن يحاول النظام، مرة أخرى، التلاعب بالألفاظ والأفعال مما شهدناه قبل رفع تقرير "ميليس"إلى مجلس الأمن وبعده، فإنه ليس أمام الرئيس بشار الأسد إلا واحد من خيارين:

الأول: رفض تسليم كل الذين وردت أسماؤهم في تقرير "ميليس" أو بعضهم، ومنهم أصف شوكت و ماهر الأسد، وبالتالي مواجهة العواقب الوخيمة ،بكل ما تعنيه هذه الكلمة، مما يمكن تصوره حسب القاموس الأمريكي.

الثاني:اتخاذ قرار عقلاني باعتقال كل المشتبه بهم وتسليمهم إلىاللجنة الدولية للتحقيق معهم فيما نسب إليهم حسب شهادات الشهود. ولنا أن نتصور كيف يمكن أن يوافق العقيد ماهر الأسد واللواء آصف شوكت على تسليم نفسيهما للمحقق "ميليس"، وما يزال في ذاكرتيهما صورة حية لما آل إليه أمر "المقراحي" الذي ينفذ حكما بالسجن المؤبد في "إيرلندا"، بعد أن سلمه "القذافي"، وأدانته المحكمة الإيرلندية بتفجير الطائرة الأمريكية فوق "لوكربي".

(الأخبار الواردة من دمشق ،نقلا عن مصادر مطلعة ووثيقة الصلة، تفيد بأن"آصف شوكت" رئيس المخابرات العسكرية و"ماهر الأسد" قائد الحرس الجمهوري، قررا عدم السماح للمحقق الدولي الالتقاء بهما خارج سوريا أوتسليم نفسيهما في سوريا طواعية تنفيذاً لقرار مجلس الأمن رقم / 1636 / .).

وإذا أخذنا ما ورد بين الهلالين آنفا على محمل الجد، وهو غير مستبعد، بل إنه أمر مؤكد من رجلين تحوم حولهما الشبهة حتى تكاد تأخذهما في جريمة اغتيال الرئيس الحريري.

فهما ولا شك قد يدبران أمورا لا يعرفها غيرهما،وربما تقضي بعزل الرئيس في قصره وإصدار الأوامر باسمه، مما يعني الاحتكام إلى السلاح ضد بعض ضباط "الطائفة" الذين يدينون للرئيس، ولكنهم من الدائرة الأبعد التي تعمل في حماية النظام.

( هناك من يعتقد أن تجمعا من كبار ضباط الطائفة الذين خدموا مع الأسد الأب، منهم علي دوبارئيس المخابرات العسكرية الأسبق،وشفيق فياض قائد الفرقة الثالثة التي قامت بحصار حلب في عام 1980 ،وابراهيم صافي قائد الفرقة الأولى التي كانت تحمي العاصمة دمشق ...وغيرهم، قد يتم استدعاؤهم إذاما حاول الرئيس بشار الأسد أن يسعى لأهون الخسارتين فيضحي بأخيه وصهره لإنقاذ رأسه).

بعض الأنباء التي بدأت تتسرب من داخل سورية تقول بأنه (تم البدء بتأسيس مجموعات وفصائل خاصة مسلحة من أعوان ماهر وآصف من الطائفة النصيرية من ضمن الجيش ومن خارجه، وتم  تجهيز السيارات المفخخة وتحديد أماكن التفجير في أحياء العاصمة دمشق وفي المدن السورية الأخرى ذات التمركز السني، من أجل بث الخوف والرعب بين السوريين ومن أجل إثارة الحرب الطائفية وخلق جو من الفوضى وعدم الاستقرار في حال تمت محاولة لإلقاء القبض عليهما من الداخل أو الخارج، وبأن الأوامر أعطيت لأعوانهما بذلك).

بعض المراقبين من الداخل السوري يؤكدون بأن السيناريو الأقرب للواقع،هو تحرك بعض الضباط العلويين من الصف الثاني، -بدعم من بعض الضباط السنيين ،وقد لا تكون أمريكا بعيدة عن هذا التشكيل- لأخذ زمام المبادرة ،والقيام بحركة إنقاذ لأنفسهم أولا- من داخل الجيش، خشية من أن يدفعوا هم الثمن بعد فرار رموز الفساد والاحتكار مع أموالهم التي نهبوها أثناء حكم الطغمة الفاسدة. وربما يلتف هؤلاء حول ضابط سني كبير، -البعض يرشح حكمت الشهابي- لكسب رضى أهل السنة، والابتعاد عن الفصام النكد بين العلويين وأهل السنة الذي جاء مع نظام الرئيس حافظ الأسد عام 1970 ، وما يزال يتفاعل حتى الآن.

المواطن السوري الذي قاسى الأمرين تحت سيطرة نظام حزب البعث البوليسي، على مدى أكثر من أربعة عقود، ينام كل ليلة وهو يحلم بأن يستيقظ على أنغام "المارشات" العسكرية وصوت المذيع يقرأ البلاغ رقم (1)...ولو سألت هذا المواطن ثم ما ذا بعد؟ لأجابك: بعدها يفرجها الله ... المهم أن ننتهي من سيطرة حكم الفساد والقهر والاستبداد.

الأحزاب والجماعات الوطنية، ونخب المجتمع المدني، هي الأخرى تشارك المواطن البسيط أحلامه،وتتطلع لغد أفضل، وتعمل ليوم يتصاعد فيه "الدخان الأبيض" من مبنى البرلمان في دمشق، إيذانا بإنهاء حكم الفرد الواحد والحزب الواحد، بعد أن تتشكل هيئة إنقاذ، يتمثل فيها الشعب السوري بكل أطيافه، وتعمل على قيام حكم ديموقراطي تعاقدي تعددي تداولي ،من خلال صناديق اقتراع شفافة، وتتمثل في هذا الحكم كل مكونات الشعب السوري، من دون استثناء أو إقصاء.

الطاهر إبراهيم كاتب سوري معارض يعيش في المنفى