3 قراءات قانونية لبنانية وسورية محاكمة ميليس: نقاط القوة والضعف

الكفاح العربي 29/10/2005


تقرير ديتليف ميليس بشقيه القضائي والسياسي, كان هو الحدث على امتداد الاسبوع الاخير, في لبنان وسوريا وعلى المستوى الدولي, وسط اجتهادات متباينة, ومتناقضة احياناً, حول مضامينه وأبعاده.
والذين قرأوا فقراته, من موقع الانحياز كما من موقع الحياد, انقسموا الى مجموعات: المجموعة الاولى اعتبرته قويا بما فيه الكفاية, لأنه مجرد عناوين لأدلة لم تكشف بعد, ومجرد بدايات لشهادات ووثائق كافية يحتفظ بها التحقيق الدولي للمحاكمة. المجموعة الثانية رأت فيه مجموعة تكهنات تستند الى ادلة شخصيات وشهود يتحدثون من موقع الخصومة السياسية لسوريا كما من موقع غياب الصدقية, ولا يمكن بالتالي الاطمئنان الى افاداتهم. والمجموعة الثالثة اعتبرته وثيقة اتهام حقيقية, لكنه اتهام يحتاج الى بلورة وتدعيم واستكمال, والاجتهادات القانونية كلها متاحة في غياب الادلة المقنعة.
الكفاح العربي قررت, من جانبها, محاكمة التقرير, وتوجهت الى ثلاثة خبراء قانونيين: الاول الدكتور ابراهيم دراجي استاذ القانون الدولي في جامعة دمشق, الثاني الدكتور ادمون نعيم, والثالث النائب وليد عيدو عضو كتلة تيار المستقبل ورئيس لجنة الدفاع والامن في البرلمان اللبناني.
الدكتور ابراهيم درّاجي, استاذ القانون الدولي بكلية الحقوق في جامعة دمشق, يبيّن ثغرات التقرير ونقاط الضعف فيه على النحو الآتي:
أوّلاً: في مدى مسؤولية الأجهزة الأمنية السورية
بصفة مطلقة عن واقعة الاغتيال:
يبدأ ميليس تقريره ومنذ الفقرة الثامنة من ملخصه التنفيذي بافتراض مسؤولية سوريا عن جريمة الاغتيال بذريعة وجود القوات السورية في لبنان أثناء عملية الاغتيال, ويتضمن هذا التقرير بالحرف وبعبارة توحي بالحسم
يصعب تخيّل أن يكون هذا الاغتيال المعقّد قد ارتكب دون معرفتها, ومن الواضح أن هذا التحليل والاستنتاج يفتقد المنطق القانوني السليم لاعتبارات عدة, لأنه من المعروف أن القوات السورية التي كانت تعمل في لبنان خلال تلك الفترة لم تكن تتعرض بحكم مسؤوليتها لحراسة وأمن الشخصيات السياسية اللبنانية, فهذا أمر كان من اختصاص الأجهزة الأمنية اللبنانية وفرق الحراسات الخاصة بتلك الشخصيات. كما أن حدوث أي اختراق أمني للبنان خلال وجود القوات السورية لا يرتب مسؤولية سورية بصورة افتراضية عن هذا الحادث, باعتبار أن مسؤولية الأجهزة الأمنية بصفة مطلقة وفي جميع دول العالم هي مسؤولية ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة, بمعنى أنه يتعين على هذه الأجهزة بذل قصارى جهدها لتحقيق الأمن والحفاظ على الاستقرار ولكنها لا تتحمل مسؤولية تلقائية عن أي اختراق أمني يمكن أن يحدث وإلا لكانت الأجهزة الأمنية الأميركية هي المسؤولة عن أحداث الحادي عشر من ايلول سبتمبر, ومثيلتها الاسبانية مسؤولة عن أحداث الحادي عشر من آذار مارس, ونظيرتها البريطانية مسؤولة عن تفجيرات لندن الأخيرة, علماً أنه كان قد حدثت بعض الاختراقات الأمنية الخطرة في فترات سابقة وأثناء وجود القوات السورية في لبنان كحادثة اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله, والوزير إيلي حبيقة, والعديد من الشخصيات الفلسطينية, فضلاً عن استهداف مواقع للجيش السوري نفسه في أكثر من مناسبة, وبالتالي فإن فرضية أن سوريا تعد مسؤولة لأنه كان يوجد لها وجود أمني هو افتراض يفتقر إلى الكثير من مقومات الصحة والمعايير المنطقية.
ثانياً: في مدى موضوعية الشهود وصدقيتهم:
يتعين علينا أن نميّز هنا بين الشهود السياسيين الذين أورد ميليس رواياتهم, والشهود الأمنيين الذين اسهموا وشاركوا في التفاصيل المزعومة لجريمة الاغتيال. فالملاحظ هنا بالنسبة الى الشهود السياسيين الذين تحدثوا عن الخلاف بين سوريا والشهيد الحريري حول قضية التمديد وعن التهديدات الشخصية المزعومة للحريري في لقائه مع الرئيس الأسد
وهم الشهود الذين وردت رواياتهم في الفقرة 27 من هذا التقرير أن ميليس قد اعتمد دائماً على شهود لا يدينون إلا سوريا ولا يوجهون الاتهامات إلا لها, برغم انه كان قد استمع خلال الأشهر الماضية الى شهادة العديد من الشخصيات السياسية اللبنانية التي تملك رؤية مختلفة وتصوراً مناقضاً لما يعتمده ميليس ويتبناه في تقريره. إلا أن هذا التقرير يتجاهل كل الروايات ووجهات النظر الأخرى ويركّز فقط على رؤية أُحادية التوجه السياسي ليكون لها وحدها حق رواية الحقيقة المطلقة والتي لم تثبت بعد... وهو ما يثير تساؤلات عديدة منها ما هو سبب عدم إيراد وجهات نظر أخرى تم عرضها أمام لجنة التحقيق؟ وكيف تثبت ميليس من صدق هذه الروايات خصوصا أن كل رواية تتضمن إضافة جديدة ومختلفة فمنهم من يزج باسم فرنسا والرئيس جاك شيراك في هذا الموضوع, ومنهم من يدخل الدروز في رواياته, فيما يشطح الآخر بتهديدات مثيرة ولا لبس فيها عن تهديد وجه للحريري بتفجيره وملاحقة أفراد أسرته. والسؤال هنا كيف أمكن للسيد ميليس أن يتثبت من مدى صحة هذه الأحاديث خصوصا أن محضر اللقاء المسجل للشهيد الحريري مع وليد المعلّم لم يتضمن مثل هكذا روايات ؟ وبرغم ذلك يتعين علينا أن نقبل هذه المعلومات كما هي ونصدقها دون مناقشة ونرددها بلا تفكير فقط لأن ميليس المحقق المهني المحترف العالمي قد أوردها في تقريره الذي لا يحتمل الخطأ ولا يقبل الجدل والنقاش تحت طائلة الاتهام بعرقلة التحقيق والتشكيك بالحقيقة والدفاع عن النظام الأمني طالما أن الكل يرفع الآن شعار أن من ليس معنا فهو ضدنا.
وأما بالنسبة الى الشهود الأمنيين وهم الذين عاصروا جميع مراحل ارتكاب الجريمة بصيغتها المزعومة
فحضروا الاجتماعات التي ُعقدت لاتخاذ الأمر بالاغتيال وتابعوا التحضيرات لتهيئة عوامل ومقومات ارتكاب الجريمة بما في ذلك تفخيخ السيارة وتتبع خط سيرها ـ ومن ثم الحضور قرب ساحة الجريمة لحظة ارتكابها, فإن الإثارة والغرابة هنا أكبر في تقرير ميليس, فهو يتحدث في الفقرات 96 حتى 201 عن شاهد سوري الأصل عاصر عملية اتخاذ قرار الاغتيال الفقرة 96 وجميع مراحل التهيئة للجريمة والتحضير لها بما في ذلك تتبع خط سير السيارة المفخخة الفقرة 98 ومسح ساحة الجريمة برفقة ضابط سوري عشية ارتكاب الجريمة الفقرة 99 وصولاً إلى الوجود في منطقة السان جورج قبل 15 دقيقة فقط من عملية الاغتيال الفقرة 102, والمطلوب منّا بكل بساطة أن نصدق كل هذه الرواية دون أن نعرف من هو هذا الشاهد؟ ما هو اسمه؟ وما هي صفته التي تؤهله لحضور هكذا اجتماعات بل والمشاركة الجرمية الفعالة في تنفيذ الجريمة ؟ وكيف تثبت ميليس أيضاً من صدق روايته؟ ولماذا لم يتم الادعاء على هذه الشخصية التي علمت وشاركت وهيأت لجريمة الاغتيال بما يجعل منها شريكاً فعّالاً في ارتكاب الجريمة؟ هذه كلها أسئلة لا قيمة لها ولا أهمية فالمطلوب فقط أن نصدّق ونكرر ونؤمن بكل ما يعرضه ميليس.
وأمّا الفقرات
104 حتى 116 فهي تتحدث عن الشاهد الآخر زهير محمد سعيد الصديق الُمعتقل حالياً لدى سلطات الأمن الفرنسية والذي باتت روايته معروفة للكافة دون أن نعرف نحن حتى الآن من وراء شهادة الصديق المزعومة والمفبركة بدليل أن ميليس يذكر صراحة في تقريره وفي الفقرة 114 أنه لم يمكن التثبت من كمية معينة من المعلومات الُمعطاة من الصديق؟ هذا الشاهد الذي أدى جميع أدوار البطولة في روايته المزعومة عن جريمة الاغتيال فهو يشارك في جلسات اتخاذ قرار الاغتيال الفقرتين 106 112 ويستضيف في منزله بخلدة القيادات الأمنية العليا المتورطة في هذه الجريمة الفقرة 107 وينتقل الى معسكر قرب دمشق لمتابعة عملية تفخيخ شاحنة المتسوبيشي الفقرة 110 وفي يوم الاغتيال يعمل سائقاً لعدد من القيادات المتورطة بعملية الاغتيال الفقرة 112 ومطلوب منّا أن نصدق كل هذا دون أي سؤال أو حتى استفسار.
ثالثاً: في ما يتعلق بمدى التعاون السوري مع اللجنة:
خصص ميليس عدّة فقرات من تقريره للحديث عن مدى التعاون السوري مع اللجنة
الفقرات من 31 إلى 35 وهو أكد بموجب هذه الفقرات أن التعاون السوري مع اللجنة كان شكلياً فقط الفقرة 31 وأن الحكومة السورية دعمت لجنة التحقيق بعبارات عامة فحسب الفقرة 32, وباعتقادي فإن موضوع التعاون السوري مع اللجنة سوف يكون أكثر الموضوعات إثارة للجدل والنقاش خلال الفترة المقبلة. ولو تأملنا هذه الفقرات الواردة في تقرير ميليس لوجدنا أنه يحدد مظاهر عدم التعاون السوري مع اللجنة في نواح عدة, منها رفض طلبه اللقاء مع الرئيس بشار الأسد وتفتيش منازل بعض الأشخاص وإجراء اللقاءات خارج سوريا فضلاً عن حضور جلسات اللقاء مع الشهود السوريين من قبل مستشار قانوني من وزارة الخارجية أو ممثل آخر من وزارة الخارجية ومترجم وكاتبي عدل وأشخاص آخرين لم يكن يعرف مع من يعملون الفقرة 34, وهو ما ُيخالف الرواية السورية حول موضوع التعاون والتي أوضحها علانيةً المستشار القانوني لوزارة الخارجية السورية في مؤتمره الصحفي اللاحق لتقرير ميليس والذي أشار فيه إلى أن اللجنة طلبت الاستماع إلى شهود خارج الأراضي قالت إذا كان ممكناً وأُجيبت بأنه لا ضرورة لسماع الشهود في الخارج طالما أن هذا الاستماع ممكن في الأراضي السورية وفي أي مكان يريد ميليس أن يستمع إليه وبالتالي أحد مساعدي ميليس طلب أن يكون الاستماع في منطقة قريبة من الحدود السورية اللبنانية وحصل ما أراد. ثم جانب آخر بأن المكان الذي جرى فيه الاستماع إلى الشهود كان واقعاً تحت السيطرة الأمنية الكاملة للأمم المتحدة بمعنى حتى دخول أي طرف سوري أو أي شخص سوري إلى المكان الذي يجري فيه الاستماع كان بناء على موافقة المسؤول الأمني للفريق الذي واكب ميليس. وفي ما يتعلق بحضور أشخاص رسميين سوريين هذا أيضاً شيء غير صحيح لأن من حضر جلسات الاستماع إلى الشهود كانوا المستشار القانوني لوزارة الخارجية السورية وكان وجوده أثناء جلسات الاستماع بموافقة ميليس الكلية والكاملة ولم يتحفظ, علماً أنه استمع إلى من استمع إليهم في لبنان وبحضور محامين فلمَ الإشارة إلى ذلك بالنسبة الى سوريا؟ وأما ما يتعلق بذكر كاتب ضبط وأشخاص آخرين لا يعرفهم مما ورد في تقرير ميليس فهذا الشيء مؤسف لأن كاتب الضبط قد تم الاتفاق معه على وجوده لضرورة أن يقرأ الشاهد شهادته وأن يوقع عليها وكان لا يمكن للشهود أن يقرأوا باللغة الإنكليزية أي شيء وبالتالي كان لا بد من الترجمة الفورية أو كتابة الضبط باللغة العربية, وهو ما حصل... وبالتالي فإن كل ما ورد من جهة عدم التعاون في تقرير ميليس لا أساس له من الصحة. علماً أن التحقيق مع الرئيس أي رئيس دولة في العالم هو أمر يتم في حالات استثنائية ووفق إجراءات دستورية معيّنة يحددها الدستور الوطني بدقة وينظمها وينص عليها. مع الإشارة هنا إلى أن ميليس كان قد حدد التوصيف والتكييف القانوني لمن التقاهم من السوريين بصفة مسبقة وذلك عندما أشار في مؤتمره الصحفي ببيروت الى أنهم مجرد شهود, وهو ما أكده كوفي انان لاحقاً من نيويورك عندما أشار علناً أنه لا يوجد مشتبه فيهم سوريون, وبالتالي فقد منح الشهود السوريون الضمانات القانونية التي تمنح عادةً للشهود بمقتضى أي نظام قانوني في العالم, هذه الأنظمة التي لا تسمح عادةً وفي ظل غياب أدلة مقنعة باعتقال الشهود وتفتيش منازلهم وترحيلهم قسراً للتحقيق معهم خارج بلادهم كما يريد ميليس. والغريب هنا أن ميليس يمنح القيادات اللبنانية المتهمة والمعتقلة جميع حقوقها وضماناتها القانونية بما في ذلك التحقيق معها في لبنان, فيما يرفض منح الضمانات والحقوق المماثلة للشخصيات السورية برغم انه اعتبرهم مجرد شهود لا متهمين.
ومن المتوقع أن تكون الخطوة التالية على صعيد عملية التحقيق بعد تمديد مهمة اللجنة حتى 15 كانون الأول
ديسمبر المقبل, هي التركيز على ما سُيطلق عليه دفع سوريا للتعاون مع لجنة ميليس والقبول بشروط اللجنة للتحقيق مع بعض الشخصيات السورية المتهمة بما في ذلك إمكانية طلب التحقيق معها خارج البلاد وربما اتخاذ إجراءات داخل البلاد بحق تلك الشخصيات بما في ذلك تفتيش منازل وأمكنة عمل تلك الشخصيات.
وهنا يتعين علينا أن نكون واضحين بأن لجنة ميليس سوف تبذل قصارى جهدها لدفع سوريا إلى عدم التعاون من خلال فرض شروط تعجيزية تمس بالسيادة والقانون والأمن الوطني السوري.
بمعنى أن اللجنة تدرك جيداً أن التقرير الذي تقدمت به لا يصلح أساساً لعملية اتهام أو إدانة أمام أي محكمة وطنية أو دولية وفي أي مكان بالعالم, وبالتالي سوف يتم دفع سوريا الى عدم التعاون من أجل العودة الى مجلس الأمن واتهام سوريا وفرض العقوبات الاقتصادية عليها بسبب عدم التعاون وليس الإدانة, وهذا ما حدث من قبل مع ليبيا في قضية لوكربي. فبرغم أن قرارات مجلس الأمن التي ألزمت ليبيا بتسليم مواطنيها المشتبه في تورطهم في عملية لوكربي كانت غير قانونية ولا مشروعة ومخالفة لميثاق الأمم المتحدة ذاتها والعديد من المبادئ والقواعد القانونية الدولية بشهادة محكمة العدل الدولية ذاتها, برغم ذلك ُفرضت العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية على ليبيا تحت ذريعة عدم التعاون والتسليم, والمفارقة أنه عندما سلمت ليبيا مواطنيها وثبت إدانة احدهم أمام المحكمة تم رفع العقوبات, بمعنى أن ليبيا عوقبت في مرحلة الاتهام وعندما ثبتت مسؤوليتها المدنية رفعت عنها العقوبات.
إذا هناك إرادة لدفع سوريا إلى عدم التعاون لمعاقبتها على هذا الأساس وهو ما ُيبرر الزج بأسماء شخصيات مقربة
على الصعيد الشخصي والعائلي من الرئيس بشار الأسد لأن من زج بأسماء هذه الشخصيات دون وجود أي أدلة منطقية أو أسس مشروعة تبرر تلك الاتهامات إنما يهدف فقط إلى وضع شروط تعجيزية مسبقة أمام سوريا تمهيداً لتنفيذ سيناريو العقاب على عدم التعاون وليس الإدانة التي لن تتحقق أمام أي محكمة قانونية على ضوء تقرير اللجنة الحالي, وباعتقادي أن ميليس ومن وراءه وبعد تصريحات الرئيس الأسد الأخيرة حول استعداد سوريا للتعاون التام بما في ذلك معاقبة أي مسؤول سوري يثبت تورطه وأمام أي محكمة دولية أو وطنية, إزاء هذه التصريحات الإيجابية والتعاون السوري كان لا بد من الدفع والزج بأسماء شخصيات يجعل من المستحيل تعاون سوريا وهو الأمر الذي لا تريده الولايات المتحدة الأميركية في حقيقة الأمر خلافاً لكل تصريحاتها المعلنة.
رابعاً: في مدى منطقية رواية اللجنة وأسلوب الصياغة والاستنتاجات التي خلصت إليها:
الملاحظ أيضاً أن اللجنة قدّمت في تقريرها رواية غير منطقية وتتنافى مع أبسط قواعد العمل الأمني في ظروف عمله العادية وليس في الأحوال الاستثنائية المرافقة عادةً لعمليات الاغتيال, فهي تقدّم رواية تقوم على الاستهتار الأمني المطلق بدليل اتساع دائرة الأشخاص المتورطين بهذه العملية ـ وفق رواية اللجنة ـ, إذ طاولت هذه اللجنة باتهاماتها:
النظام السياسي السوري
الفقرات 2526 27 28 29... النظام الأمني السوري الفقرة الثامنة من الملخص التنفيذي, والفقرات 94, 96 حتى117, النظام السياسي اللبناني الفقرات 105 200, 204 وما بعدها من التقرير النظام الأمني اللبناني الفقرات 96, 125, 166 وما بعدها... جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية الأحباش الفقرات 196 وما بعدها... إضافةً إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل, فضلاً عن العديد من الأشخاص الآخرين الذين علموا وشاركوا بعملية الاغتيال مثل العناصر المدنيين والآخرين من الأمن العام الذين قاموا بوضع شريط أبو عدس في مكان ما بمنطقة الحمرا الفقرة 100, وأم علاء التي سلمت هذا الشريط لقناة الجزيرة الفقرة 178.
ومن الواضح أن معرفة كل هؤلاء بعملية الاغتيال واشتراكهم بها هو أمر يتنافى مع مقتضيات الكتمان والسرية التي يفترض أن ترافق هكذا عمليات, خصوصا أن التقرير نفسه يشير إلى حرص شديد على السرية والعمل الاحترافي بدليل أن الشاحنة الصغيرة الميتسوبيشي والتي استخدمت في عملية التفجير كانت قد سرقت من مدينة ساغاميهارا اليابانية منذ 10 2004
الفقرة 160, فهل من المعقول أن من يسرق سيارة من اليابان لتنفيذ عملية اغتيال بهذا الشكل من أجل إضفاء المزيد من السرية على عمليته يمكن أن يوسع نطاق العارفين بمخططه ليشمل كل الشخصيات والجهات السابقة وبشكل ينسف مبدأ السرية والكتمان من أساسه؟
أيضاً الملاحظ أيضاً من صياغة التقرير أنه يكثر من استخدام المصطلحات التي لا تفيد التأكيد وإنما تحتمل الظن والجدل
لا يمكن معرفة القصة الكاملة لما حدث الفقرة 20 , احتمال وسبب مرجح للاعتقاد الفقرة 123 لم يكن ممكناً الفقرة185 , وبرغم أن اللجنة تؤكد في أكثر من فقرة أن التحقيق في عمل إرهابي كهذا له أبعاد دولية متعددة الأوجه وتشعبات يحتاج عادةً إلى أشهر إذا لم يكن سنواتالفقرة 20, وأنه لم ينتهِ التحقيق إلى الآنالفقرة 205, وأن افتراض البراءة يبقى قائماًالفقرة 22, وأن جميع الأشخاص, بمن فيهم أولئك الذين اتهموا بجرائم يجب أن ُيعتبروا أبرياء إلى أن تثبت إدانتهم في محاكمة عادلةالفقرة 210 إلا أنها برغم ذلك نجدها تخلص في أحيان كثيرة إلى اتهامات أكيدة وحاسمة لا تقبل الجدل ولا النقاش وهو ما يتنافى مع المقدمات الأولية التي تنطلق منها وهو أمر ُيضعف كثيراً من منطقيتها وصدقيتها ويقلل كثيراً من أهمية النتائج التي يخلص اليها والاتهامات التي يوجهها وأيضاً الآمال التي علقت عليه.
ادمون نعيم: تقرير اتهامي
يرى
الخبير القانوني النائب الدكتور ادمون نعيم ان هذا التقرير كشف بشكل واضح عن مرجع المؤامرة التي ادت الى اغتيال الرئيس رفيق الحريري, لأن عملية التفجير المنظمة والمخطط لها بدقة متناهية, لا يمكن ان تكون بنت ساعتها استنادا الى ما توصلت اليه تحقيقات ديتليف ميليس والمحققين الآخرين, بل توحي بأنها عملية كبرى تم تحضيرها من كل النواحي العملانية واللوجستية قبل فترة طويلة. ومن الواضح, بحسب ما جاء في تقرير ميليس, ان مثل هذه العملية تعجز عن تنفيذها جهات محلية وحدها, بل بمشاركة استخبارات دولة اخرى.
وعلى الرغم من ان هذا التقرير جاء نتيجة تحقيقات اولية, فإنه يصلح ان يكون قرارا اتهاميا بحق اشخاص ومسؤولين امنيين محددين, لأن ديتليف ميليس اجرى استجوابات قضائية بتقنية عالية استطاع من خلالها وضع الاصبع على الجرح. لذلك فقد اوصى بتوقيف اربعة من كبار الضباط اللبنانيين للاشتباه في دورهم في هذه الجريمة مع احتفاظهم بقرينة البراءة. وهذا يعني ان ميليس ترك هامشا للاجتهادات القانونية شأنه في ذلك شأن قضاة التحقيق في اي جريمة اخرى. ولكن اعتقد ان المحققين الدوليين استندوا الى اقوال وإفادات اكثر من شاهد, وإلا فلم يكن بإمكان ديتليف ميليس الاشتباه فيهم.
ويقول الدكتور ادمون نعيم انه بعد قراءة قانونية للتقرير وصلت الى قناعة بأنه يكفي لاثبات وجود مؤامرة بين جهات لبنانية وسورية وراء عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. كما ان تفاصيل هذه العملية يمكن ان تحدد هوية الاشخاص المتورطين في هذه المؤامرة, خصوصا انه اصبح لرئيس لجنة التحقيق الدولية معطيات قانونية تسمح له الاشتباه في أشخاص معنيين. كما ان المحقق العدلي القاضي الياس عيد الذي استجوب هؤلاء الاشخاص اقتنع بتوصية ميليس وأصدر مذكرات توقيف بحقهم, وهذا يعني ان توقيفهم لم يأت من الفراغ.
ويعتقد نعيم ان مجلس الامن الذي ناقش التقرير بكل فقراته واستمع الى مداخلة ديتليف ميليس اقتنع بالمضمون القانوني لهذا التقرير, وطلب استكمال التحقيقات لتوضيح بعض الجوانب التي تتعلق بالمسؤولين الامنيين السوريين. لذلك لا يرى ادمون نعيم اي ثغرات قانونية في هذه التحقيقات التي اثبتت ان المفوض الالماني ديتليف ميليس هو من المحققين المحترفين الذين لا يمكن ان يكون تقريرهم استنسابيا او سياسيا.
من هنا, فإن حجة الدفاع عن الاشخاص المشتبه فيهم او المتهمين تبقى ضعيفة من الوجهة القانونية. وهذا ما يعطي التقرير بمعظم فقراته قوة حتى ولو غابت الادلة الدامغة التي تتولى المحكمة الكشف عنها لدى استجواباتها للمتهمين.
وإذا كان تقرير ميليس لا يتضمن الادلة الدامغة, فإن لدى المحكمة صلاحيات استنسابية اوسع من المحققين, لذلك فإنها قد تبحث عن هذه الادلة الدامغة خلال استجواب المتهمين. وهذا ما حمل ديتليف ميليس على اهمال بعض القرائن في تقريره, وقد يلجأ الى البحث عنها في تقريره النهائي في 15 كانون الاول
ديسمبر المقبل.
وعلى اي حال, فإن التقرير, بحسب رأي ادمون نعيم, واضح من حيث القانون والمعلومات ويصلح ان يكون تقريرا اتهاميا قد تستند اليه المحكمة في مرحلة لاحقة, خصوصا انه لم يترك اي فسحة للمشككين او للاجتهادات القانونية التي قد تشكل في حال اللجوء اليها خروجا على القانون الجزائي والجنائي.
هذا التقرير ترك لمجلس الامن حرية تحديد المحكمة الصالحة للنظر في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وأغلب الظن ان المجلس سيقرر انشاء محكمة دولية بمشاركة قضائية لبنانية.
ويعتقد ادمون نعيم بعد قراءة تقرير ميليس ان مجلس الامن يتجه الى احالة هذه القضية على محكمة دولية لأنها تتمتع بقوة اكبر من المحكمة اللبنانية, خصوصا في حال ثبتت الاتهامات لشخصيات غير لبنانية, وهذا هو الارجح.
وليد عيدو: الأدلة كافية للحكم
رئيس
لجنة الدفاع والأمن البرلمانية وعضو كتلة تيار المستقبل النائب القاضي السابق وليد عيدو وضع تقرير ديتليف ميليس على المشرحة القانونية محدداً نقاط القوة وفي بعض الاحيان نقاط الضعف, على النحو الآتي:
ان ميليس بدأ بسرد تاريخي عن العلاقة اللبنانية السورية, توصلاً الى دخول القوات السورية الى لبنان عبر قوات الردع ام عندما اصبحت قوة الوصاية, لينتهي الى ان لبنان وقع تحت السيطرة السورية الكاملة, وقد دخلت سوريا في تفاصيل الحياة اللبنانية ليس السياسية فقط بل الاجتماعية والمصرفية والنقابية الى آخر الامر.
وليس في لبنان من لا يعرف كيف كان يتم تعيين الرؤساء والوزراء وانتخاب النواب وتعيين الموظفين الكبار والصغار ومدراء البنوك الى آخر السلسلة بواسطة السوريين.
اذاً نحن امام واقع تغلغل السوريين في كل تفاصيل الحياة اللبنانية, فهل يمكن ان نقول بعد ذلك ان سوريا او مسؤوليها الامنيين لم يكونوا يعلمون بما يجري التخطيط له بشأن اغتيال الرئيس الحريري. ان جميل السيد شهير بانه انتاج سوري, وريمون عازار هو صنيعة مخابرات سوريا, اما علي الحاج فليس من لا يعرف ان تعيينه تم بقرار من عنجر, وطبعاً رستم غزالي هو سوريا, فكيف يمكن ان تجري الامور بدون معرفة هؤلاء او اي منهم على الاقل؟
طبعاً هناك مسؤولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري, احد وجوهها ان سوريا هي التي كانت تمسك الامن في لبنان وهي مسؤولة
افتراضياً وواقعياً عن كل ما حدث اثناء وجودها العسكري والمخابراتي خصوصاً.
ما اعلنه التقرير هو شهادتان فقط احداها لما اصبح معروفاً
زهير الصديق والثاني ما زال مجهولا لكن التقرير تحدث عن استماع 400 شخص.
المشتبه فيهم من بينهم قد يصلون بأحسن الاحوال الى خمسين, اما الباقون فماذا نسميهم أليسوا شهوداً؟ اعتقد ان العمل القضائي السليم الذي قام به ديتليف ميليس قد جعله يحتفظ باقوال الشهود الاخرين, لكنه في التقرير الذي قدمه في الحادي والعشرين من هذا الشهر, هو تقرير كان يريد ان يقول فيه انه قام بجهد كبير حدد اطره ومساحاته, وانه توصل الى قناعات معينة حددها بوضوح وان القناعات التي توصل اليها تمت بالاستناد الى الوثائق والشهادات والافادات والتحليلات وان هذين الشاهدين يضيئان على ضرورة الاستكمال في التحقيق حتى بلوغ غاياته الكاملة لوضع الحقيقة الكاملة امام الرأي العام العالمي.
وعليه فان ميليس ولجنة التحقيق لم تستمع الى شاهدين فقط بل هو استند لما يريد ان يصل اليه في المرحلة الحالية الى هذين الشاهدين وان يؤشر بها الى ما يريد سيما استكمال التحقيق مع المشتبه فيهم السوريين. ومن الملاحظ ان الصديق والشاهد الآخر تدور شهادتهما حول علاقة المتورطين السوريين بالجريمة وظروفها وتطوراتها.
لا بد من ايضاح ان الشهادة التي يدلي بها اي فرد امام القضاء هي على نوعين اما امام القضاء المدني وفي هذه الحالة لا يجوز تجزئة الشهادة فاما ان يأخذ بها القضاء كلها بكل محتوياتها او يرفضها كلها, اما لدى القضاء الجزائي فانه يمكن لقاضي التحقيق او لقاضي الحكم الاستماع للشاهد والاخذ من الشهادة بما يقتضي تكوين قناعته لاجل الحكم, وقد قال تقرير ميليس انه لم يأخذ من شهادة الصديق الا ما يضيء على جوانب اخرى في التحقيق توصلا لكشف الجريمة واشخاصها.
ربما يقول البعض ان ميليس عاد واكتشف ان الصديق كان يناور وانه كان يكذب وانه كان ربما مدسوساً لتمويه التحقيق او انه شريك في الجريمة, اقول في هذا الصدد ليس المهم ما قاله الصديق في كل الحالات, المهم ما استقاه منه ميليس لانارة التحقيق او جوانب فقط من التحقيق, رغم اعتقادي بأن الصديق هو جزء من لعبة اكتشف التحقيق بعض ابعادها واستفاد منها.
كما ان في الجواب عن السؤال الاول: النظام الامني اللبناني السوري, كان بامرة عنجر والقصر الجمهوري في بعبدا وكان الرئيس لحود يتباهى بانه المسؤول عن الامن, ويتباهى في نجاحاته والشهادات العالمية التي كانت تعطى للامن في لبنان. اذاً هو مسؤول عما كانت يجري وبالتحديد مسؤول مسؤولية تقصيرية عن مقتل الرئيس الحريري وهو مسؤول مسؤولية سياسية معنوية كونه رئيس جمهورية امنية يقتل رئيس وزرائها ويتبين ان رؤساء اجهزتها الامنية هم من قرر ونفذ عملية اغتيال رئيس الوزراء, ماذا يريد رئيس الجمهورية اكثر من ذلك ليكون مسؤولا عما حدث. هذا من جهة, ومن جهة ثانية ألم يرد ان رئيس الجمهورية كان نقطة تقاطع اتصالات هاتفيةقبل وبعد الجريمة مباشرة؟... ألا يعني ذلك انه في مناخ الجريمة واجواءها.
اقول ذلك وانا اعتبر ان تقرير ميلس هو كما قال بنفسه تقرير اولي ولسوف تتوضح لاحقاً حقائق اخرى ومسؤوليات وشبهات اخرى... فلننتظر.
تقرير ميليس, تقرير اولي كما جاء في التقرير, الا انني من منطوق قضائي اقول ان لجنة التحقيق قامت بجهد كبير قضائي محترف وانها عرضت الوقائع كما يجري الامر في قرارات الظن او الاتهام. بل اكثر من ذلك توصلت الى نتائج دامغة بادلة بعضها ثابت وبعضها بالاستناد الى الظن القوي كما هي حال اكثر القرارات الظنية او الاشتباهية, الا يكفي ان تكون النتائج التي توصل اليها ميليس مستندة الى 400 شاهد ومستمع اليه والى 60000 وثيقة ومستند والى حوالى سبعين الف مخابرة وتحليلاتها, والى حوالى الفي ملف مشترك في الهاتف, هل هذا عمل بسيط, وانا اعترف ان التحقيق اللبناني لم يكن ليصل الى اي نتيجة مشابهة وفقا لتقنيات التحقيق لدينا, دون انتقاص من كفاءة القضاة اوالقضاء.
وفي النهاية اود ان اعود بكم الى البند 22 من التقرير لقد قرأته بصورة متأنية. الم يقل ان هناك الكثيرمن الشهادات والمستندات والوقائع التي لم يعلن عنها لضرورات المحاكمة, وانه سيعلن عنها لاحقاً؟ تقريرميليس ليس بدون ادلة بل هناك ادلة كثيرة لمثل هذا التقرير فالادلة كافية للحكم وليس للظن فقط