ومن الحب -عند البعثيين- ما قتل!

الطاهر إبراهيم

 

في مقابلة له على قناة العربية استغرب المندوب السوري في الأمم المتحدة "فيصل مقداد" أن تُتّهم سورية بالمشاركة في قتل "الحريري"، وهو صديق حميم لسورية.

"البروباغندا" التي رافقت نظام حزب البعث منذ اليوم الأول لاغتصابه الحكم في سورية في آذار 1963 ، طبعت هذا النظام بطابعها، أو قل إن النظام اعتبرها وسيلته التي يقارب بها كل علاقاته مع المجتمع الدولي. أما في الداخل السوري فما كان النظام ليتعب نفسه كثيرا في إقناع الشعب السوري طالما أن "كرباج" الأجهزة الأمنية يتكفل بذلك مع كل مواطن يرتفع حاجباه استنكارا للفساد المستشري في ممارسات رموز النظام.

نشير هنا إلى أن الذي جعل النظام في دمشق يستمرئ هذا الأسلوب في مواجهة خصومه هو علاقته الوطيدة مع واشنطن منذ اليوم الأول لانقلاب "حافظ الأسد"على صديقه ورفيق دربه "صلاح جديد" في نوفمبر من عام 1970 . توطدت تلك العلاقة أكثر بعد الصفقة التي تمت مع أمريكا، ودخل بموجبها الجيش السوري إلى لبنان في عام 1976 . وكان الثمن الذي تقاضاه النظام بموجب هذه الصفقة هو التفويض الذي منحته واشنطن للرئيس "حافظ الأسد" كحاكم فعلي في لبنان، في مقابل أن يكون الشرطي الذي يؤدب المنظمات الفلسطينية التي انتقلت من الأردن إلى لبنان في أواخر عام 1970 .

ولقد وجدت أمريكا في "حافظ الأسد" أكثر مما أملت منه،عند ما قام بكسر شوكة الإسلاميين في سورية في الفتنة التي اندلعت في عام 1979 وبلغت ذروتها في شباط من عام 1982 يوم دمرت "سرايا الدفاع" والوحدات الخاصة مدينة "حماة" (200 كيلو متر شمال دمشق)، وقتلت أكثر من عشرين ألفا من مواطنيها، واعتقلت أكثر من ثلاثين ألفا، ودمرت بمدفعيتها الكثير من الجوامع، ولم تسلم منها حتى كنائس النصارى.

ولذلك لم يكن هناك مصلحة لواشنطن في تغيير "اتفاق الجنتلمان" غير المكتوب بينها وبين نظام "حافظ الأسد"، فأبقت على التفويض الممنوح له في لبنان رغم أن فرنسا كانت تسعى جاهدة لكف يد سورية، انتصارا منها لأصدقائها من الموارنة الذين رأوا في وجود الجيش السوري في لبنان تحجيما لنفوذهم، رغم أنه دخل لحمايتهم من الفلسطينيين.

ولمن لا يعرف من السوريين حديثي السن، فإن الرئيس الراحل حافظ الأسد كان ملتزما حرفيا في تنفيذ اتفاقاته مع واشنطن. ولذلك لم يتردد كثيرا عندما اجتاح "صدام حسين" الكويت، فبادر بإرسال الجيش السوري ليقاتل تحت راية أمريكا.

عندما مات حافظ الأسد في حزيران من عام 2000 ،وخلفه ابنه الدكتور بشار، ورث ،فيما ورث عنه،أجهزة أمن النظام القمعية، فتابع مسيرة والده في سورية ولبنان أي أن الأجهزة تلك بقيت تعيث فسادا في البلدين ،سورية ولبنان.غير أن أحداث 11 سبتمبر 2001 غيرت كثيرا من المعطيات التي كانت علاقة أمريكا مع الأنظمة العميلة لها، أدرك ذلك من أدرك، وغاب ذلك عن بعض الأنظمة.

النظام السوري فتح لعناصر المخابرات الأمريكية (سي، آي، إي) أبواب قلعة "حلب" يقتفون فيها آثار "محمد عطا" الزعيم المزعوم لتفجيرات 11 سبتمبر 2001 ، فعل النظام ذلك ليؤكد لإدارة "بوش" أنه مايزال ملتزما بكل الاتفاقات غير المعلنة التي كان معمولا بها بين الرئيس الرحل وبين واشنطن.

لذلك فقد استغرب الرئيس بشار الأسد أن تقابله واشنطن بغير ما كان يتوقع بعد كل الذي فعله معها، خصوصا وأن أجهزة الأمن السورية زودت واشنطن بمعلومات كان من نتيجتها إفشال محاولتين إرهابيتين ضد أمريكا. لكن ما لم يدركه الرئيس السوري أن الأمر اختلف مع أمريكا بعد أن أصبحت جارا لسورية، ما دعاها لإعادة النظر بكل التفاهمات التي كانت بينها وبين الرئيس الراحل ومن بعده ابنه الدكتور بشار. 

وبالرغم من أن واشنطن حاولت إفهام نظام حزب البعث ،بالإشارة ثم بالعبارة ثم بلائحة "الإذعان" التي حملها معه "كولن باول" إلى دمشق في أيار 2003 بعد احتلال بغداد، ومن بعده زيارة مساعده "أرينز" في خريف 2004 ، بأنها لم تعد بحاجة إلى خدمات هذا النظام التي كان يقايض بها على التفويض الممنوح له في لبنان، وأن ما كان مقبولا لم يعد كافيا، فإن حكام دمشق أصموا آذانهم وأغلقوا عيونهم وعقولهم.

واستطرادا، فإن بعض ما جعل إدارة "بوش" تغير سياستها تجاه دمشق، الانتقادات الصحفية والتلفزيونية الأمريكية، بسبب دعمها للأنظمة الدكتاتورية في العالم العربي والإسلامي، ما تسبب بكره شعوب تلك الأنظمة لأمريكا، وكلف واشنطن ضحايا كثيرة جراء الهجمات التي استهدفت الأمريكيين ومنها ما حدث في تفجيرات 11 سبتمبر 2001. ولقد كان نظام حافظ الأسد أكثر الأنظمة التي قمعت شعبها بغطاء كامل من واشنطن.

غير أن الرئيس "بشار الأسد" لم يجد في من حوله رجلا رشيدا ،خصوصا من حرس والده القديم من السياسيين وضباط المخابرات، من يبين له كيف كان والده يغير "جلده" عند ما تواجهه أزمة ما، كما حصل عندما حشدت تركيا جيوشها على الحدود السورية الشمالية، فقام بطرد "أوجلان" زعيم حزب العمال الكردستاني التركي وأمر بإغلاق معسكراته في البقاع اللبناني، بعد أن كان "أوجلان" ورقة في يده يساوم بها مع تركيا.

بل إن ضباط المخابرات هؤلاء المستفيدين من الوجود السوري في لبنان، لم يريدوا أن يصدقوا أن واشنطن  لم تعد بحاجة إلى خدمات دمشق ،( كتب العميد "بهجت سليمان" في السفير اللبنانية في أيار 2004 ، مقالا بين فيه أن هناك أوراقا كثيرة مازالت في يد دمشق يمكن أن تفاوض عليها أمريكا كالهدوء الذي يسود الجبهة مع إسرائيل.. ووجود المنظمات الفلسطينية في دمشق... وسلاح حزب الله .. وتحجيم الإسلاميين). 

وعندما تصاعدت حدة تعديل الدستور اللبناني لإتاحة المجال للتمديد للرئيس اللبناني "إيميل لحود" استمرت القيادة السورية تتجاهل التلميحات والتصريحات الأمريكية،واعتبرتها حفزا لدمشق لبذل المزيد من التعاون في محاربة الإرهاب، مع أن كل المعنيين بشئون المنطقة العربية فهموا أن واشنطن تحذر صادقة دمشق من تعديل الدستور اللبناني،وأن على سورية سحب جيشها من لبنان.

ولما لم يدرك النظام السوري ما تريده أمريكا، سعت مع فرنسا،التي وجدتها فرصة سانحة، لاستصدار من مجلس الأمن القرار 1559 ،والذي يقضي بسحب القوات الأجنبية من لبنان ( لم يكن في لبنان غير القوات السورية التي ينطبق عليها هذا المسمى).

وبدلا من أن يقوم النظام في دمشق بأخذ التحذيرات الأمريكية على محمل الجد، والعمل مع مختلف الشخصيات في لبنان ،من كان في الموالاة ومن كان في المعارضة،لتلافي التصعيد الأمريكي، أصر الرئيس "بشار الأسد" على فرض تعديل الدستور اللبناني،ثم التمديد للرئيس "لحود"، ضاربا عرض الحائط بكل النصائح التي قدمت للنظام.

ومع أن كثيرين أدركوا وعورة الطريق التي سار فيها الدكتور بشار وراء تعديل الدستور والتمديد، ومنها ما جاء في الورقة التي قدمها المعتصمون من ناشطي المجتمع المدني في دمشق بعد اغتيال "الحريري" ،مطالبين بانسحاب الجيش السوري من لبنان، بعد أن أدركوا أن وراء أكمة واشنطن ما وراءها، وأن  عيونها محمرة، لكن العنجهية والحسابات الخطأ سادت تصرفات القيادة السورية، وقام الأمن البعثي باعتقال هؤلاء النشطاء.

ما أعلنه المحقق الألماني "ديتلف ميليس" في تقريره الذي سلمه لسكرتير مجلس الأمن يوم 20 تشرين الأول "أكتوبر" الجاري، من أن الرئيس السوري هدد الرئيس "رفيق الحريري" بأنه سيقوم بتكسير لبنان على رأسه ورأس "وليد جنبلاط" ما لم يوافقا على تعديل الدستور اللبناني، ومن ثم التمديد للرئيس لحود" قضية لم تكن جديدة. فالسوريون واللبنانيون عرفوا بها قبل أن ينشر ما جاء في تقرير "ميليس".

وما يعرفه السوريون أن "رستم غزالي" المندوب السامي السوري في "عنجر" هدد الرئيس "الحريري" بالعواقب الوخيمة ما لم يوافق على ما طلبه منه الرئيس بشار. وما يعرفه الناس كل الناس ،وليس السوريون واللبنانيون فحسب، بأن رجل دولة مثل الرئيس الحريري لا يمكن أن يتقوّل على الرئيس بشار، وأن يزعم بأنه هدده من دون أن يكون ذلك قد حصل، لأن الإنسان الكريم لا يمكن أن يضع نفسه في موقف المهدد ما لم يكن ذلك قد حصل، وأن ما يعرفه من سوء تصرفات أجهزة الأمن السورية، يجعله متأكدا أنها لا تخجل من اقتراف أي جريمة.

ولو فرضنا جدلا أن الشك قد يتطرق إلى ما أكده الشهود الآخرون الذين أسر لهم الرئيس الشهيد حول واقعة التهديد، فإن النائب "سعد الحريري" لا يمكن أن يورد تلك الواقعة ما لم تكن قد حصلت فعلا لأنه ليس مما يسر الابن أن يعرف الآخرون بأن والده قد تعرض لأي تهديد، مما يسيء للفقيد.

يبقى أن نتساءل عن الصداقة مع الرئيس الحريري التي كان يتغنى بها المسئولون البعثيون ليدفعوا بها التهمة عن أنفسهم، كما صرح بذلك "فيصل مقداد".وكم هي حميمية هذه الصداقة بحيث يصل مداها إلى الحد الذي يجعل الصديق البعثي يهدد بتكسير رأس صديقه الحميم؟

أم أن من الحب عند البعثيين ما قتل.

الطاهر إبراهيم  كاتب سوري معارض يعيش في المنفى