غازي كنعان نحروه أو انتحر لدفن أسراره معه ....  من الضحية التالية بعده؟

الطاهر إبراهيم

من شاهد الفضائيات العربية مساء يوم الأربعاء في 12 من اكتوبر "تشرين أول" الجاري، كان يجد العجب العجاب، وهو يستمع إلى ببغاوات إعلام النظام السوري، يرددون رسالة لقنتها لهم أجهزة الأمن، عما يجب أن يقال وما لا ينبغي قوله، لمذيعي تلك القنوات، عن انتحار أو نحر وزير الداخلية السوري "غازي كنعان".

ولقد كان موقف هؤلاء صعبا للغاية.فأحد فصحاء النظام السوري،الدكتور أحمد الحاج علي قال: إن القضية "حدث" وليست حادثا. وأن الجثمان المسجى هو "لقتيل" وليس لمقتول. ولم ينس أن يشيد باللواء القتيل أو المقتول، وكأنه لا يصدق أن سفاح مدينة حمص وإمبراطور لبنان ،على مدى عشرين سنة، قد صار في عالم الأموات. فربما كان يخشى أن يظهر له في منامه شبح القتيل أو المقتول، فيأمر زبانية "الأقبية" أن يحاسبوه على كل حرف لم يكن موزونا بشكل كامل.

يجب أن نعترف أن موقف هذا الفصيح كان حرجا ولا يحسد عليه. ففي أية لحظة، قد يصدر عن كواليس النظام في دمشق، رواية جديدة لم تكن في الحسبان. ألم يعلن النظام ،ظهيرة ذلك اليوم، أن اللواء انتحر من دون أن يحدد الوسيلة التي انتحر بها. ولقد احتاج الأمر أكثر من ساعتين حتى تتفق مراكز القوى على أن الانتحار كان بطلق ناري.ولم يكن الأمر ليحتاج منهم إلا إلى نظرة على سجادة مكتب اللواء الذي تعفر بالدم ليتم الإعلان بأن الموت كان بطلق ناري وليس بالسم مثلا.

على أننا قد نجد العذر لمن ظهر على شاشات الفضائيات من دمشق وهو يتلجلج في كلامه، "فالذي ما ذاق المغراية لا يعرف ما هي الحكاية". ففي سورية "الأسيرة" من يتكلم بالسياسة، الأصل فيه أنه غير آمن من عواقب أعوان اللواء وغيره.فالخوف من هؤلاء الزبانية "يقطع الجوف" كما يقال في المثل السوري.

وفي برنامج ما وراء الحدث على قناة الجزيرة استضافت المذيعة جمانة نمور "عماد فوزي الشعيبي"، أحد أشهر المنظرين في سورية البعث. وقد خشي المشاهد السوري أن يصدمه  الشعيبي فينفي انتحار غازي كنعان أصلا، قياسا على نفيه المصافحة بين الرئيس بشار الأسد ورئيس إسرائيل "كتساف" في جنازة البابا في روما التي أدتها "سانا". لكنه خرج هنا ليقول بأن اللواء كان يشعر بالإحباط، لأنه لم يستطع أن يكمل مشروعه القومي الذي نذر نفسه له بإيصال لبنان إلى بر الأمان، وإبعاده عن شبح التقسيم، فأصابه الاكتئاب.

والذي يعرفه السوريون أن اللواء قد كنعان تسبب بالاكتئاب لعشرات الآلاف من السوريين واللبنانيين ولم يطرف له جفن، وأنه فَقَدَ الإحساس منذ زمن بعيد، من أول يوم عين رئيسا لفرع الاستخبارات العسكرية في مدينة حمص، وكان سجن "تدمر" تابعا له يوم قامت سرايا الدفاع بمجزرتها فيه فقتلت ألف معتقل في ليلة 26-27 حزيران من عام 1980 .    

ولعل المناحات التي رأيناها من بعض اللبنانيين هي الأخرى،تعطي فكرة واضحةعما شكله فَقْدُ اللواء ل"محسوبيه" والمقربين منه في لبنان. فالأستاذ "شارل أيوب" الذي نسي "الأدب والكياسة" اللذين تواضع عليهما نصارى بلاد الشام بعدم الخوض في نقد الإسلام وأهله، ونفس الأمر كان يلتزم به المسلمون تجاه النصارى والنصرانية.

فهو لم يجد ما يعزي به نفسه بفقد "ولي نعمته" اللواء "كنعان" غير أن يبتدئ بالهجوم على الإخوان المسلمين السوريين،تعليقا على حديث الأستاذ "علي صدر الدين البيانوني" المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سورية،الذي أدلى به لقناة الجزيرة وذكر فيه أن انتحار أو نحر "كنعان" يؤكد فعلا تورط نظام حزب البعث بجريمة اغتيال الحريري.

فالدفاع المستميت عن المتهمين في اغتيال الحريري، الذي يبديه "أيوب"، جعل الجميع في لبنان وسورية يدركون أنه غارق حتى أذنيه في وحول اغتيال المرحوم الحريري،وهو كان وما يزال يمني نفسه ،حتى ساعات قبل الحدث أو الحادث، بأن القتيل أو المقتول سوف يجترح المعجزات ليَخرُجَ من هذه الورطة، ويُخرِجَ معه المسبحين بحمده.

نحر أو انتحر، من الذي بعده؟ 

وإذا كان هناك أكثر من مخرج لسدنة النظام لو أن القتل كان حادثا مدبرا. كأن يكون هناك خلاف على المناصب والنفوذ بين اللواء وبعض النافذين من أمثال "آصف شوكت" صهر الرئيس. أو أن تكون هناك محاولة انقلاب فاشلة من اللواء بعد أن تبين له بأنهم يريدون أن  يزيحوا آخر الأقوياء من الساحة أو ... أو.... وكل ذلك يمكن تبريره بعيدا عن ربط الأمر بتورط النظام السوري بجريمة اغتيال المغدور "رفيق الحريري".

أما أن يقال بأن وزير الداخلية اللواء "غازي كنعان" قد انتحر، فليس لها أي سبب آخر غير أن يقال أنه انتحر لأنه كان خطط وشارك في جريمة الاغتيال، وهذا بطبيعة الحال لا يكون إلا بضوء أخضر من أعلى مستويات النظام.

إن غازي كنعان عمل طوال وجوده على رأس منصبه لمصلحته الشخصية. فجمع المال من شرقه وغربه. ومثله يكون حريصا على كل دقيقة من حياته ليتمتع بهذا المال الحرام. إذن لا بد من البحث عن سبب يبرر الانتحار. وحتى الآن فليس هناك أي سبب آخر غير العلاقة التي تربط اللواء والنظام بجريمة اغتيال الحريري.

هل نقول الآن إن تغييب "غازي كنعان" قد قطع السلسلة التي تصل أعلى هرم السلطة بمن نفذ جريمة اغتيال الحريري؟ هذا ما ستكشفه الأيام. وإن كنا نعتقد أن "المسبحة" ستتوالى حباتها. ولن يطول غياب المتسبب الأصلي في جريمة اغتيال "الحريري"، فدم الحريري ما يزال يفور ويغلي حتى يوقع في الشرك أكابر مجرميها.

ويبقى السؤال الأهم: اللواء "غازي كنعان" نحر أو انتحر! من هو الضحية التالية بعده؟     

الطاهر إبراهيم   كاتب سوري معارض يعيش في المنفى