عندما تجد الشعوب نفسها أمام همجية وفاشية من قبل نظامها تذهب في مطالب نجدتها إلى أقصى ما يمكن تحت ضغط وهول ما يستبيحه النظام بحقها، وأعتقد أن هذا ما حصل للشعب السوري المنتفض على نظامه. لا يدفعنا هذا إلى استنتاج أن الشعب السوري قد غير قناعاته حول رسوخ وطنيته وعروبته إذ إن الالتزام بالوطنية والعروبة جزء من المخيال الجمعي للشعب السوري ولا يمكن أن يزول إثر أمر طارئ. إن ما طلبه هذا الشعب من حماية دولية بشكل مباشر وتدخل بالشأن السوري لا يقوم على وضوح كاف لهذا المطلب، واللوم يتوجه يعود إلى القوى السياسية التي تقع عليها المسؤولية الكاملة في تحديد هذا المطلب وشرح مدى خطورته على المجتمع السوري والدولة السورية. وعلى النقيض، لقد داعبت بعض هذه القوى السياسية مشاعر المجتمع الأهلي المسحوق في تحقيق مطلبه في محاولة التماثل مع ماحصل في ليبيا رغم خطورته وما ترتب عنه من نتائج خطيرة على المجتمع الليبي، إذ كانت حصيلته حسب مصدر حقوقي ليبي أكثر من 50ألف ضحية و55 ألف معاق وأكثر من 42 ألف مفقود، إضافة للوصاية الدولية على المجتمع الليبي والفاتورة الضخمة التي ترتبت مالياً على ليبيا بسبب دخول الناتو إليها. ومن المرجح أن تلك القوى تغلب عليها شروط وجودها في الخارج ولها مصلحة مباشره في تحقيق هذا المطلب إذ لايمكن أن يكون لها ثقل سياسي ملحوظ في الخارطة السياسية بدون هذا الدور، ولذلك تماهت مع هذا المطلب الخطير الذي لن يؤدي في حالة تحققه إلا إلى نتائج وخيمة في تطييف الشعب السوري وإنهاك الوطن والمواطن. علماُ إن المكون الأساسي لهذه القوى السياسية لم تخفي مطلبها بالتدخل الخارجي لإسقاط النظام بعد احتلال العراق وأكدت عليه بعد مقتل الحريري في لبنان مما أدى في حينها إلى انشطار قوى المعارضة التي كانت تكون إعلان دمشق، إضافة إلى دخولها بحلف مع أهم رجالات الفساد في سوريا نائب رئيس الجمهورية سابقا عبد الحليم خدام. ففي اعتقادي أن هذا المكون لهذه القوى لم يكن دافعه حماية المدنيين ولا إسقاط الاستبداد والفساد وإنما السلطة ولا غير السلطة. 

قبل ثلاثة أشهر من الآن وبعد حصار محافظة درعا كلها وحالة السحق الذي تلقته من قبل النظام كان النقاش يدور وبخجل عن استخدام السلاح للدفاع عن النفس وهذا ما سنته كافة الشرائع الدولية حسب ما أكده المطالبون بذلك. إلا أنه كان هناك إصرار كبير على عدم استخدام السلاح من قبل الثائرين. هذا التدحرج بمطالب المجتمع الأهلي المدفوع بقوة خفية ناجمة عن بث تلك الأفكار انتقلت به بالتدريج من الدفاع عن النفس إلى القبول بفكرة الحظر الجوي والدفاع عن المدنيين إلى تدخل الجامعة العربية التي قبلت به الحكومة السورية ثم مجلس الأمن والآن الناتو. وفوق هذا كله تم ويتم حرق وتخوين كل من يتجرأ على رفض تلك المطالب على أساس أنها ثمار صناعة الثورة وحدها وإنجازات الثوار أنفسهم. بالرغم من هذا كله يجد المتابع للأمور أن كل هذه المطالب كانت عزفا على وجع المجتمع وسحقه من قبل نظام فاشي من جهة، ومن جهة أخرى على يد أناس يدركون جيدا كيف يجيدون فن المراوغة والتدليس وبيع الوهم للمجتمع في طرح القضايا على أساس أنها مسلمات لايمكن المساس بها وعلى أساس أن الثورة لاتستطيع لوحدها تحقيق مطالبها دون تدخل الخارج.

من الممكن الجزم بأن كافة أطياف المعارضة السورية بشقيها "المجلس الوطني" و"هيئة التنسيق" ليس لديها يقين بنجاح الثورة السورية في القضاء الكامل على النظام وهذا يعود لفشلها السياسي الذي يتحول إلى مفاهيم متدحرجة لدى المجتمع الأهلي ليصل الأمر إلى حده الأقصى بالنسبة إلى المجلس الوطني وهذا يعود كما أسلفنا سابقا إلى أن بقاءه ووجوده يقومان على الحد الأقصى من التدحرج إذ ليس لديه ما يخسره فالموت والسحق يطولان المجتمع وليس الغالبية الساحقة من أعضائه. ويتوضع هذا الأمر في حده الأدنى في سلم البحث عن الخيارات والحلول لدى هيئة التنسيق وذلك لعدم قدرتها على مخاطبة المجتمع الأهلي بشكل يرضيه ويحقق مطالبه الكاملة في القضاء على النظام، إضافة إلى ضعف أداء الهيئة المخجل أحيانا في التعامل مع الثوار والثورة وعدم انخراطها الفاعل والقوي في تحركات الثوار. ليس هذا فحسب بل يضاف إليه مصادرة العمل من قبل أشخاص بعينهم دون إشراك الكل من المنتمين للهيئة في صناعة القرار.

قليل هم المتابعون من الساسة والمثقفين السوريين للنتائج الوخيمة للقرارات الدولية ومفهومها وعواقبها وآليات عمل المنظومة الدولية في الصراعات الدولية. تلك النتائج الكارثية على المجتمعات ولعدة أجيال تجعل الدمار وعدد الضحايا أرقاما تدون في السجلات والمحافل الدولية ومنظمات حقوق الإنسان. ومن الغريب أن المجتمع السوري هو من أكثر المجتمعات التي عاشت وشاهدت وتابعت مفاعيل أشكال من هذا التدخل بما فيها احتلال العراق وهجرة ثلاثة مليون عراقي إلى سوريا ومدى المعانة التي عاشها إخوتنا العراقيين. إن لسان حال الشعب السوري اليوم يقول: "أيها السادة السياسيون والمثقفون المعارضون! إن الشعب السوري يريد الحرية والكرامة ولايريد بعد هجرته من الألم قبول إقامة، فهل تستطيعون فعل شيء لهذا المجتمع. إن التدخل الخارجي سوف ينقلنا من استبداد إلى استعباد، ولا يغرن أهلنا وشعبنا وقوف الباب العالي ومدن الملح ودولها والشخابيط من حكامهم والغرب مع الثورة ولا الملالي مع النظام فلكل له مطمع والكل في قصد مبيت يريد حصة في أجسادنا وأرضنا".

     

يعتبر مفهوم التدخل الدولي "الإنساني" من أكثر المفاهيم إشكالية ً، وهو يخلق جدلاً كبيراً بين المنظرين تبعا لما يطرحه من إشكالات قانونية وعملية على أرض الواقع. وذلك بالرغم من أن الغايات المعلنة للتدخل تكون في أغلب الأحيان غايات نبيلة وأهدافا عليا تشرع للدول المتدخلة بها قانونية هذا التدخل.

والمقصود بالتدخل الإنساني ذلك التدخل الذي يتخذ جانباً عسكرياً، وبموجبة تقوم إحدى الدول أو مجموعة من الدول بأخذ الأذن من مجلس الأمن أو بدونه في بعض الأحيان وذلك لأغراض إنسانية لمنع الفوضى والاضطرابات داخل الدولة الواجب التدخل بشؤونها.

إن المشكلة التي تواجه تقييم الوضع القانوني لحق التدخل الإنساني خلال القرن العشرين يتمثل في أن عدداً كبيراً من المختصين قد أثاروا التساؤل حول وجوده وعدم وجوده خارج إطار القانون الدولي، فأصبح التدخل الإنساني في العقد الأخير من وسائل السياسة الخارجية وأثار ذلك الأمر إشكالات عديدة من حيث الأساس الذي يقوم عليه التدخل الإنساني. إن "القانون الدولي لا يستطيع أن يقوم بأعمال في مواجهة الأحداث التي تهز الضمير الإنساني كما أنه لا يمكن أن يسكت عنها".

ولحل تلك القاعدة وضعت عدة معايير صارمة من قبل الجمعية العمومية للأمم المتحدة تحذر من عملية التدخل المباشر بشؤون الدول وأوكلت تلك المهمة إلى منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان ومحكمة الجنايات الدولية ومفوضية حقوق الإنسان في الأمم المتحدة للمتابعة والضغط على تلك الدول للتوقف عن ممارساتها الهمجية بحق شعوبها. إن تجارب التدخل المباشر في عدة دول خلال العقد الأخير تؤكد خطورة تقسيم الدول وتشظيها وانتقالها إلى حرب أهلية مدمرة إضافة إلى  تدمير مقدرات تلك الدول وإنهاكها على كل المستويات الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية والصحية والبيئية. ليس هذا فحسب بل إن ما قدمه هذا التدخل من نتائج كارثية بعدد الضحايا والمعوقين والمفقودين يشكل الخطر الأكبر فلا يمكننا تصديق مقاصد الدول القوية في مجلس الأمن ومراميها الكامنة وراء غايتها الإنسانية المعلنة حول حماية الإنسان إذ أنها تقوم بقتل وهدر كرامة الإنسان بحجم لا يمكن مقارنته مع ما تقوم به سلطة هذه الدولة أو تلك، إضافة أن هذا الأمر يشكل إهانة لشعوب تلك الدول واستخفافا بمقدرتها في القيام ببناء الدولة الديمقراطية العادلة.

كل تلك المعطيات الموجزة عن خطورة التدخل تجعل من الواجب الوقوف بحزم ضد هذا التدخل لما يشكله من خطورة كبيرة على الوطن والمواطن السوري كما أن طلب الحماية بالمعنى العسكري كيفما كانت أشكالها إن كان حظر جوي أو منطقة عازلة أو التدخل المباشر سوف يكون كارثة عليهم وعلى الدولة السورية إذا ما تم تنفيذه. لهذا يمكننا القول أن الأزمة السورية لا يمكن حلها إلا بمتابعة العمل الثوري وتفعيله من قبل الشعب السوري والقوى السياسية والمدنية المتمثل بسلمية الحراك واستنباط طرق جديدة للمقاومة المدنية وإشراك كافة مكونات المجتمع السوري الاجتماعية للوصول إلى الأهداف المنشودة في بناء دولة مدنية ديمقراطية قوية.