خارج السياق وبعيدا عن المزايدات

 إلى أحبائي في المعارضة السورية:

 الطاهر إبراهيم

 

في قصة كتبها روائي غربي، يقول ملخصها أن "ميكيافيللي" كان في سفارة أرسله بها الأمير إلى مدينة البندقية. وقد نزل في أوتيل صغير تديره امرأة يهودية. وكان لهذه المرأة بنت في غاية الجمال. وقع بصر "ميكيافيللي" على الفتاة، وأبدى إعجابه بها. حاولت المرأة أن تتقرب من السفير لتزوجه الفتاة. أعجبته الفكرة، ولكنه كان في مهمة يريد أن ينجزها، ومن ثم يتفرغ للفتاة وأمها.

وقد كان مع "ميكيافيللي" تابع له، حسن الصورة، حسن الهندام، يقوم بقضاء حوائجه أثناء انشغاله. وعندما طال على المرأة تسويف السفير، نوت شيئا آخر.

بعد أن أنجز السفير مهمته، كان أول عمل له أنه فاتح المرأة برغبته في إنجاز الزواج من الفتاة الجميلة. فوجئ السفير أن المرأة قد زوجت ابنتها إلى تابعه الجميل الذي لم يدع الفرصة تفلت من يده.

تذكرت هذه القصة -التي مضى على قراءتي لها أكثر من أربعة عقود- وأنا أقرأ خبرا أوردته صحيفة الخليج حول مساعٍ أمريكية، يقوم بها مستشار الأمن القومي الأمريكي "ستيفان هادلي" لإقناع الحكومة التركية بالتخلي عن مؤازرة النظام السوري. وقد لفت انتباهي فقرة في المقال تقول: "وقد تحدث هادلي في أحاديثه المغلقة مع الإعلاميين الأتراك عن العديد من البدائل، بمن فيهم "رفعت الأسد" شقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، طالما هو مستعد للتعاون مع واشنطن وحلفائها في المنطقة".

بيت القصيد في هذه المقاربة، أن فصائل المعارضة السورية في الداخل، ومعظم الفصائل في المنفى، لا تخفي –في الظاهر- زهدها في التعاون مع أمريكا لإسقاط النظام السوري. واستطرادا فإن النظام وظف هذا "الزهد" في وجه الاستهداف الأمريكي له. حتى أن الرئيس بشار الأسد أشار إلى ذلك في آخر مقابلة له مع "نيويورك تيمز"في ديسمبر من عام 2004 قائلا: "المعارضة ضد الحكومة وضد الدستور، ولكنهم يرفضون التعاون مع أمريكا ويمكن أن تسألهم".

كما أنه غير خافٍ على أحد، أن النظام السوري كثيرا ما كان يبرز "بطاقة التخوين" في وجه أي معارض يبني أي علاقة ،حتى ولو كانت مع مراكز أبحاث أمريكية. وكانت النتيجة أن فصائل المعارضة ،خصوصا من كان منها في المنفى، انعزلت عن محيطها في الدول المضيفة لها ما جعل تأثيرها هامشيا حتى مع منظمات حقوق الإنسان.

ولو أن هذه المعارضة انتبهت إلى هذا الفخ –بطاقة التخوين-الذي نصبه النظام السوري  لها ليعزلها، فبادرت إلى المساهمة بعلاقات دولية فعالة، لتمكنت من تحييد هذا السلاح، بل وعكست أثره فأصبح سلاح ضغط على النظام، بدلا من أن يكون هدية مجانية له.

فعندما شعر النظام السوري أن هناك شخصيات معارضة شكلت أحزابا في واشنطن، وهي جهات لها احترامها بين الأمريكيين السوريين، طاش صوابه، خوفا من أن تشكل تلك الأحزاب بديلا عن النظام، مقبولا لدى أمريكا ولدى الشعب السوري.

اللجوء إلى القوة غير وارد في أجندة المعارضة لإنهاء تفرد حزب البعث في السلطة، لكنها في نفس الوقت ما زالت لا تستطيع أن تتخذ القرار البديل المناسب. فلم تستطع حتى الآن  أن تشكل تيارا شعبيا،  يقود المظاهرات والاعتصامات ضد التسلط والطغيان والاستبداد والفساد الذي يمثله نظام حزب البعث، لكسر الأحادية البعثية في الحكم .كما أن هذه المعارضة لم تعمل على إقناع الدول صاحبة النفوذ بأنها يمكن أن تكون بديلا من النظام مقبولا، يضبط الحكم ولا يكون "مفرخة" للإرهاب.

أما النظام فإنه لم يفوت فرصة، خلال أربعة عقود، إلا واستفاد فيها من المعلومات الاستخبارية الأمريكية لسحق المعارضة في الداخل وملاحقة رموزها خارج سورية قتلا وتشريدا. (واستطرادا فإن ال (سي آي إي ) ما تزال –حتى في عهد رئيسها الجديد- تبدي تعاطفها مع النظام السوري، وتؤكد ،خلافا للبنتاغون، أن الحدود السورية الشرقية لا يمر مهنا إلا النذر اليسير من المقاتلين العرب.).

وبما أني أتكلم خارج السياق وبعيدا عن المبادئ، فأرجو من أحبائي في المعارضة السورية أن تتسع صدورهم بعض الشيء لبعض ما أقوله، وما لا، فأرجو منهم المعذرة، وليقل أي واحد منهم ما يشاء في ما أقول، "ولن يفسد للود قضية" تبرمهم مما أقول.

أمريكا تخطط لمشروع ينفذ في سورية بعد العراق. وهذا المشروع لا يستطيع حزب البعث تنفيذه حتى لو أراد. وهو على كل حال مستعد لكل ما يطلب منه، كما جاء في الرسالة التي حملها "آصف شوكت" صهر الرئيس بشار إلى باريس،هروبا مما يخبئه "ديتلف ميليس" في تقريره العتيد. ومما سرب من الرسالة استعداد النظام لأن ينفذ ما يطلب منه إذا استثني الرئيس بشار وأخوه ماهر. ويعتقد على نطاق واسع أن القضية أكبر من جريمة الاغتيال، على فظاعتها.فحتى لو لم يتورط النظام السوري بالجريمة فإن رأسه أصبح مطلوبا أمريكيا ،مهما كان حجم التنازلات التي يقدمها النظام، وقد قدم قبل ذلك الكثير.  

وكما أسلفت، فإن فصائل المعارضة تكاد تجمع على رفض الاستقواء بالأجنبي –وهو هنا  أمريكا- على الوطن، الذي يتصرف فيه حزب البعث وكأنه ملك شخصي له. وإذا كان مد اليد لأمريكا لإسقاط النظام السوري أمر لا تستسيغه الفطرة الوطنية،فإنه ينبغي أن لا يترك ذلك ليكون سلاحا بيد النظام يشل به حركة المعارضة. ولابد لها أن تحاول الاستفادة من الظرف الدولي للمساهمة في إسقاط هذا النظام الدكتاتوري.

ولعل أول شيء ينبغي أن يخطر ببال المعارضة هو أن تلتقي وتبحث فيما بينها إن كان من الممكن أن تجري حوارا مع أمريكا، طالما أن هذا الحوار يتم على مبدأ أن هذا النظام قد انتهت "مدة صلاحيته"، وأصبح بقاؤه ضارا بالشعب والوطن.

وكما ينبغي الاتفاق على اختيار الأسلوب الذي ينهي تسلط نظام حزب البعث على البلاد والعباد، على قاعدة تجنيب سورية الويلات التي تحصل يوميا في العراق. (وليقل النظام السوري بعد ذلك ما يقوله عن هذا اللقاء. فقد اقترف "السبعة وذمتها" بحق الشعب السوري واللبناني والفلسطيني، وبعض ذلك كان بالتنسيق مع أمريكا).

نحن لا نجهل أن أمريكا ليست "هيئة إغاثة". ولا تعمل لوجه الله، ولا لسواد عيون الشعب السوري. ولكن ما تريده أمريكا قد يتقاطع في مرحلة ما مع مصلحة الشعب السوري. وقد تستطيع المعارضة السورية الوصول إلى أخف الأضرار إذا عملت كفريق واحد، لمصلحة سورية، لا على التسابق للحصول على عدد من الوزارات التي يمكن أن تمنح لهذا الحزب أو ذاك. وهو المقتل الذي استطاع  "بريمر" أن يدخل منه داخل النفوس في كوكتيل أعضاء مجلس الحكم الذين حكموا بعد دخول الجيش الأمريكي إلى بغداد.

وليكن في معلوم المعارضين السوريين "المثاليين" أنهم يعيشون في هذه الأرض وليس على المريخ. وأن البديل الجاهز عنهم، هو "رفعت الأسد". وقد يكون "شهاب الدين" هذا أسوأ من   أخيه.المطلوب في هذا المرحلة الابتعاد عن المزايدات الكلامية، وقراءة المتغيرات بعقل من يرى ما يريده ضمن حزمة المصالح المتعارضة.

أختم بمثالين أترك للقارئ فهم المراد منهما دون تدخل مني:

شيخ المعتقلين السوريين "رياض الترك"، لم يقف مزايدا عند ما سأله محرر إذاعة "سوا" الأمريكية عن رأيه في الخلاص من حكم حزب البعث في سورية على "الطريقة العراقية"؟ قال وبالحرف:"الشعب العراقي كان في السالب في عهد صدام حسين، وهو الآن ارتفع إلى الصفر". وليفهم كلٌ منا فحوى هذا الكلام، كل على طريقته.

الأستاذ "حسن عبد العظيم" يعمل معارضا للنظام من داخل سورية، وهذا أمر لا بأس به. ولكن الذي فيه بأس أنه لا يدع فرصة إلا ويهاجم بتصريحاته معارضة الخارج، وأحيانا من دون أن يستثني أحدا. كما أنه يرفض حضور أي مؤتمر للمعارضة تعقده خارج سورية. ونحن نسأل الأستاذ "عبد العظيم" أن يحل لنا لغز هذه الأحجية وهو: كيف يمكن عقد مؤتمر لمعارضي النظام السوري، وفي عقر مركز سلطة هذا النظام؟

الطاهر إبراهيم    كاتب سوري معارض يعيش في المنفى