الدستور العراقي "سايكس بيكو" جديد بصناعة عراقية؟؟

عباس المعلم - لبنان

 

عباس المعلم - لبنان

أطلت علينا "مسودة الدستور العراقي" الجديد التي على ما يبدو أنها مسودة وثيقة تقاسم وتحاصص على كل شيء، وأبرز عناوين هذه المسودة يكمن في اتفاق جميع الأطراف التي شاركت في صياغة هذا الدستور على تثبيت الفيدرالية وجعل العراق بلد يتكون من أقاليم عدة، وهذا طرح كان ولا يزال طلباً أمريكياً واضحاً يجب تنفيذه وتعميمه على كافة دول منطقة "الشرق الاوسط".

البند المتعلق بالأقاليم الوارد في الدستور، جاء واضحاً وتم التطرق إليه بشكل مفصل، وأبرز نقاط هذا البند، هو "أن النظام الاتحادي في العراق يتكون من عاصمة وأقاليم ومحافظات لامركزية وإدارات محلية"، أما سلطة هذه الأقاليم فقد جاءت على الشكل التالي: "السلطة التشريعية تتكون من مجلس واحد يسمى المجلس الوطني للإقليم وينتخب أعضاؤه من سكان الإقليم، ولحكومات الأقاليم الحق في ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتخصص لها حصة عادلة من الإيرادات المحصلة اتحاديا للأقاليم تكفي للقيام بأعبائها وواجباتها مع اخذ مواردها وحاجتها بعين الاعتبار".

ما يعني أن هذا الدستور سيحقق للإدارة الأمريكية ما عجزت عن تحقيقه بالقوة العسكرية، والتي سعت دائما لقسيم العراق إلى دويلات، بهدف جعل العراق بلداً ضعيف البنية ومجرداً من أي قوة، وهذه السياسة ليست جديدة، بل تعود إلى أيام "سايكس بيكو" الذي قسم المنطقة العربية وفقاً للمصالح الغربية، واليوم نجد أن هذه السياسة مازلت حية لكن بطرق وأوجه مختلفة، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل.

تقسيم العراق اليوم حسب ما ورد في مسودة الدستور يتطابق بشكل كبير مع ما جاء في وثيقة مشتركة بين الإدارة الأمريكية و"اسرائيل" عام 1996 والتي كانت تحت إشراف، رئيس الوزراء "الاسرائيلي" الأسبق "بنيامين نتنياهو" وأبرز مهندسي الحرب على العراق (ريتشارد بيرل) ومن ضمن ما ورد في هذه الوثيقة احتلال العراق وإقامة أربعة قواعد عسكرية أمريكية كبرى، تمكن أمريكا من السيطرة العسكرية التامة على النظام العراقي، بالوقت نفسه تشكل هذه القواعد تهديداً دائماً لسوريا وإيران.

الشق الآخر في هذه الوثيقة يتحدث عن ضرورة تقسيم العراق إلى فدراليات متعددة، بالإضافة إلى العمل على تعميم هذه الفيدرالية على عدد من الدول الأخرى، أبرزها لبنان وسوريا والسودان، وربطت نجاح هذه الفيدرالية بمدى فاعلية اشتعال الفتن الطائفية في هذه الدول خصوصا لبنان والعراق، ويعتبر صانعي هذه الوثيقة أن من أهم فوائد الفيدرالية، أولا "ضمانة لأمن اسرائيل" من دول كبرى كالعراق وسوريا، ثانياً تفتيت ثروة العراق النفطية لمنعه من أن يكون قوة اقتصادية وعسكرية في المنطقة منافسة "لاسرائيل"، كما كان حاله أواخر الثمانينات حيث شكل العراق رابع قوة عسكرية في العالم في ذلك الحين، لذلك فأن وجود بلداً موحداً كالعراق سيشكل تهديداً حقيقيا للمصالح الأمريكية وأمن "اسرائيل"، أما إذا جرى تقسيمه إلى فدراليات ستكون "إسرائيل" القوى الأبرز بدون أي منافس لها في المنطقة.

من هنا نجد إن الحديث عن فيدرالية وأقاليم كما ورد في "مسودة الدستور العراقي"، إنما هو خضوع كامل للإملاءات الأمريكية و"الاسرائيلية" ولا يخدم بشكل أو بآخر إلا هاتين الدولتين، وسيكون له مضاعفاته وتداعياته على الأمة العربية بأسرها، لأنه سيشكل مشروع "سايكس بيكو" جديد لكن بصناعة محلية أي مشروع تقسيم عربي خدمة لمصالح أمريكية و"إسرائيلية".