مسودّة
الدستور العراقي تهديد خطير لوحدة العراق وهويّته العربية
محمود
جديد
- إنّ أيّ تقييم لمضمون مسودّة الدستور
العراقي المعتمدة من " المجلس الوطني العراقي " يوجب علينا أن نستحضر أمام
أعيننا أهداف الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله، ومشروع " شرق الأوسط الكبير
"، والتي عبّر عنها في حينه وزير الخارجية الأمريكي /باول
/ في شهادة رسمية أمام الكونغرس الأمريكي بقوله: " إنّ الهدف من احتلال
العراق هو إعادة صياغته بما يخدم مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة
والعالم."
وبالتالي فإنّ بعض موادّ هذا الدستور
تخدم هذا الهدف، وفي سياقه عمدت قوات الاحتلال إلى
تدمير مؤسسات وهياكل الدولة العراقية، وأقامت صيغاً وأشكالاًبديلة،
وسخرتها لتنفيذ مخططاتها المرسومة، وكان الأخطر " قانون إدارة الدولة
العراقية للمرحلة الانتقالية " الذي تجري كل الموبقات السياسية في العراق
بناءً على بنوده التي عشعشت فيها "فيروسات "
التفكيك واستهداف الهوية العربية للعراق.. وقد ساعد إدارة الاحتلال الأمريكي
تقاطع مصالح الطرف الكردي الحليف الاستراتيجي الدائم لأمريكا مع بعض القيادات
الشيعية النافذة، والتي معظمها من أصول غير عربية، وصمت المراجع الشيعية غير
العربية عمّا يجري، وتناغم إيراني مشبوه مع واقع العراق في ظل الاحتلال، وقد تمّ
التعبير عنه بدعم الخطوات السياسية داخل العراق دون تلكؤ بدءاً من تشكيل مجلس
الحكم وحتى الآن..وإضافة إلى هذا كلّه يأتي القبول
الخانع الجبان للنظام العربي الرسمي للواقع العراقي المفروض أمريكياً، وتقبّله
على سوءاته بسهولة ويسر عن طريق الجامعة العربية، بغض النظر عن تململ أمين عامها
مؤخراً حول هويّة العراق، والذي جاء متأخراً جدّاً وباهتاً..
أوّلاً: إنّ الديباجة بمضمونها غير صالحة
لأن تكون من صلب أي دستور، ولاأظنّ أنّ لها مثيلاً في
العالم ،لأنّها مملوءة حقداً ضد شرائح واسعة من
مكوّنات الشعب العراقي، فبدلاً من أن تتطلع إلى المستقبل لتُبرز طموحات الشعب
العراقي، وعناوين وحدته الوطنية والترابية والسياسية جاءت لتفنّد ممارسات النظام
السابق بغض النظر عن خطئها أو عدمه، وهذا من شأنه إثارة الأحقاد والضغائن بين
أبناء الشعب العراقي لأجيال لاحقة، وزرع الفتنة تحت الرماد.. وعلى
كلّ حال فهي تجسّد بمضمونها بيانا سياسياً لا أكثر بين تحالف القوى الشيعية
المشاركة في الحكم وبين التحالف الكردي، ولا ترقى إلى ديباجة دستور دولة..
ثانياً: حول طبيعة نظام الحكم:
اعتمدت
المادّة الأولى من الدستور النظام الاتحادي (الفيدرالي)، هذا النظام الذي يتمّ
عادة في أحد شكلين: إمّا عن طريق التجمّع كما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية
وسويسرا واستراليا.. إلخ، أو الاتحاد بالتفكّك كما
جرى في الاتحاد السوفييتي سابقا والبرازيل والأرجنتين.. الخ، ويلاحظ أنّ روابط
الاتحاد تكون في الشكل الثاني أقوى، لأنّه في الشكل الأول تحاول الدول المشاركة
في الاتحاد التضييق على السلطة الاتحادية لتحتفظ لنفسها بقدر أكبر من
الاستقلالية والحرية في العمل ضمن الاتحاد، ويبرز ذلك في توزيع الصلاحيات، بحيث
يصبح اختصاص الاتحاد هو الاستثناء، واختصاص الكيانات داخله هو الأصل، بينما
ينعكس الأمر في الشكل الثاني (أي عن طريق التفكك) فيصبح اختصاص الاتحاد هو
الأصل، فإذا طبّقنا هذه المفاهيم على ماجاء في "
مسودّة الدستور العراقي " نجد أنّ المفاهيم قد انقلبت، وتمّ
زرع فيروسات التفكك في مواده، وذلك من خلال ما يلي:
1 - نصّت المادة /11/ على مايلي: كل ما لم ينصّ عليه الدستور في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية تكون من صلاحيات الأقاليم
والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، والصلاحيات الأخرى المشتركة بين الحكومة
الاتحادية والأقاليم تكون الأولوية لقانون الإقليم في حالة الخلاف بينهما ..
2 - جاء في المادة /117 / ما يلي:
أولاً: لسلطات الإقليم الحق في في ممارسة السلطات
التشريعية والتنفيذية والقضائية وفقاً لأحكام هذا الدستور، باستثناء ما ورد فيه
من اختصاصات حصرية للسلطات الاتحادية.
ثانياً: يحق لسلطة الإقليم تعديل تطبيق
القانون الاتحادي في الإقليم في حالة وجود تناقض أو تعارض بين القانون الاتحادي
وقانون الإقليم بخصوص مسألة لاتدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية.
كما أعطت هذه المادة لحكومات الأقاليم
الحق في ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية باستثناء ماورد في الدستور من اختصاصات حصرية
للسلطات الاتحادية..
3 - نصّت المادة /111 / على مايلي:" كل ما لم ينصّ عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية تكون من صلاحيات الأقاليم
والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، والصلاحيات الأخرى المشتركة بين الحكومة
الاتحادية والأقاليم تكون الأولوية لقانون الإقليم في حالة الخلاف بينهما..
أوّلاً: تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة
النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الإقليم والمحافظات المنتجة
على أن تًوزّع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء
البلاد ،مع تحديد حصة لفترة محدّدة للأقاليم المتضرّرة
والتي حُرِمت منه بصورة مجحفة من قبل النظام السابق والتي تضرّرت بعد ذلك بما
يؤمّن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد ويُنظم ذلك بقانون.
ثانياً: تقوم الحكومة الاتحادية
وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة معاً برسم السياسات الاستراتيجية اللازمة
لتطوير ثروة النفط والغاز بما يحقق أعلى منفعة للشعب العراقي معتمدة أحدث تقنيات مبادىء السوق وتشجيع الاستثمار".
وهنا نلاحظ أنّ الإشارة إلى إدارة
الحكومة الاتحادية للنفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية يعني ضمناً أنّه
ربّما تُعطى لحكومات الأقاليم والمحافظات صلاحية استخراجهما
من حقول جديدة في المستقبل ، وبشكل مستقلّ عن الحكومة الاتحادية، كما يتلمّس
المرء من خلال الإشارة إلى تخصيص حصة من واردات النفط لصالح الأقاليم المتضرّرة
من النظام السابق كيف تمّت الصفقات بين الطرفين الشيعي والكردي المشاركين في
الحكم لتقاسم المغانم والمكاسب، وخلق الدوافع والمبررات لاستقطاب سكان الجنوب في
لعبة الانتخابات المقبلة، وفي تقبّل الفيدرالية المسمومة، بينما لم يُشِر إلى
المناطق التي تضررت من الاحتلال الأمريكي وجرائمه اللاحقة، وهذا سيخلق أحقاداً
بين المحافظات العراقية وشعوراً متنامياً بالظلم والغبن، كما سيبث بذور التفكك
داخل الجسد العراقي، ويخلق الدوافع لبعض المحافظات المنتجة للنفط أن تندفع وراء
مصالح ومكاسب تؤدّي للفرقة، وحتى للعداء بين مكونات الشعب العراقي الشقيق..
4 - جاء في المادة /117/ - البند: رابعاً
ما يلي: " تؤسس مكاتب للأقاليم والمحافظات في السفارات والبعثات
الدبلوماسية لمتابعة الشؤؤن الثقافية والاجتماعية
والإنمائية".
وهنا يستغرب المرء سبب إدراج هذا البند
الذي سيشكّل مجالا خصباً للتفتيش عن تنمية وإبراز التمايزات
الطبيعية بين أبناء هذه المحافظة وتلك لصالح التشرذم،
وتحميل الميزانية العراقية أعباء مادية طائلة، وفتح أبواب واسعة للارتزاق
والمحسوبية وشراء الأشخاص..
5 - نصّ البند
خامساً من المادة /117/ على ما يلي: "تختص حكومة الإقليم بكل ما تطلبه إدارة
الإقليم ، وبوجه خاص إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم كالشرطة والأمن
وحرس الإقليم." وإذا عدنا إلى المادة/113/ التي تنصً على:"يقر هذا
الدستور عند نفاذه إقليم كردستان وسلطاته القائمة
إقليماً اتحادياً." وإلى المادة /116/ التي تنصّ على:"
يقوم الإقليم بوضع دستور له.."، وسبق أن أشرت إلى المادة /117 / التي أعطت
للأقاليم والمحافظات حق ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية،كما أقرّت مسوّدة الدستور باللغة الكردية وبحق الأكراد في
إصدار جوازات سفر وأوراق نقدية وطوابع بها، فهذا يعني أن إقليم كردستان الذي هو توأم الدستور العراقي الجديد في حال موافقة
الشعب العراقي عليه قد أصبح يمتلك كل مقومات الدولة، وخاصة إذا علمنا بأنّ العلم
الكردي هو العلم الوحيد الذي يرفرف في كردستان العراق،
وبأنّ جميع الأجهزة العاملة هناك كردية، وبالتالي لاينقصها
سوى الإعلان الرسمي عن قيام الدولة عندما يحين الوقت المناسب..
ثالثاً: حول هويّة العراق:
- في الوفت
الذي يتمسّك الأكراد بهويّتهم، ويتقبّل الدستور كيانهم القومي ويقننه فإنّه يتمّ
التعامل مع العرب كرعايا في بلد آخر، ويطمس قوميّتهم، وهذا ليس عفوياً ولا
بريئاً، وإنّما له دوافع وأهداف أمريكية - إسرائيلية مرسومة ومعلنة ومحدّدة في
الاستراتيجية الأمريكية - الصهيونية، وبذلك تجاهلت مسودّة الدستور جغرافية
العراق وتاريخيته وهويته العربية.. فلو كانت هذه الصيغة
في الدستورين الإيراني أو التركي تجاه العرب في عربستان
ولواء اسكندرون المحتلين لفهمنا الأمر دون أن نبرّره،
ولكن أن يتم في العراق الدولة العربية العضو المؤسس للجامعة العربية، والذي شارك
بفعالية دفاعاً عن القضية الفلسطينية، والذي دعم ثورة الجزائر مادياً وسياسياً، وغيرهما، فهذا يعتبر طعنة غادرة لشعب العراق وتاريخه وحضارته
يجب أن لاتمرّ بأيّ شكل من الأشكال، وفي حال تمريرها
ستنتقل عدواها إلى كثير من الأقطار العربية بهدف نزع الهوية القومية عنها،
وجعلها منسجمة ومهيّأة للانخراط في مشروع شرق الأوسط الكبير المخطط له أمريكياً
وصهيونياً .. هذا مع العلم أنّ اللجنة الدستورية في (المجلس الوطني العراقي)
وبعد نقاشات حادّة مع ممثلي / السنّة العرب/ قبل
بصيغة:" إنّ العراق جزء من العالمين العربي والإسلامي "، وهذا "
أضعف الإيمان"، إلاّ أنّ اللجنة السياسية رفضته، وهذا دليل على تصميم
الإدارة الأمريكية وعملائها في العراق على طمس الهوية العربية..
وعلى كلّ حال، فإنّ وضع أيّ دستور في
ظروف مشابهة للوضع العراقي الراهن ومكوّناته من المفروض أن يتمّ بشكل توافقي بين
ممثلي جميع أطيافه، بينما الذي حدث هو أنّ (المجلس الوطني العراقي) وجّه رسالة
رسمية إلى بعض القيادات من / السنّة العرب/ يشير فيها إلى اعتماد الصيغة التوافقية
في وضع المسودّةالنهائية للدستور، كما تمّ تبليغ بعضهم
من قبل الحكومة العراقية مضمون الفكرة نفسها، ممّا حدا بتلك القيادات العربية
بقبول المشاركة في اللجنة الدستورية، غير أنّه تبيّن فيما بعد أنّ الإشارة إلى
التوافق كان خدعة من التحالف الكردي - الشيعي الحاكم هدفه استدراج بعض القيادات
/ العربية السنية / لإعطاء مظلّة لتضليل الجماهير العراقية والعربية بأنّ الجميع
شاركوا في صياغة مسودّة الدستور وعندما شعرت تلك القيادات بالخديعة انسحبت من
اللجنة وأعلنت شروطها للاستمرار فيها، وتتلخّص بالآتي:
" تأجيل موضوع البت في موضوع الفيدرلية إلى الجمعية الوطنية المقبلة - تعديل الصيغة
الواردة حول الهوية لتصبح:العراق جزء من الإقليم العربي - المركز هو الجهة التي
تقسّم الثروة بين الحكومةالاتحادية والأقاليم -
الاعتراض على النصّ المتعلّق بالأحوال الشخصية القائل بأنّ كلّ مذهب حرّ في
الاختيار باعتبارذلك يكرّس الطائفية - الاعتراض على
النص الخاص بالجنسية القائل: بأنّ العراقي هو كل من ولد من أمّ أو أب عراقي،
ليصبح العراقي هومن يولد من أب عراقي - التأكيد على
وحدة العراق أرضاً وشعباً وسيادة."
ومع تزايد النقد والاحتجاج الداخلي
والعربي لموضوع طمس الهوية العربية، وخاصة ماجاء على
لسان أمين عام الجامعة العربية، وأمين عام مجلس التعاون الخليجي تمّ تعديل
المادة /3 / فاستبدلت عبارة:" الشعب العربي في العراق
جزء من الأمة العربية " بعبارة:" العراق عضو مؤسس وفعّال في جامعة الدول
العربية، وملتزم بميثاقها." وهكذا بقيت الإشارة إلى الهوية العربية باهتة
وضعيفة وغير كافية، وهنا نتساءل: هل توجد أكثرية قومية في أيّ بلد في العالم
تمثل /82 / بالمائة من أبناء قطرها وتتخلّى عن تكريس
هويتها القومية في الدستور،بينما يتم تثبيت هوية قومية لخمسة عشر بالمائة؟ وهذا دليل إضافي على أنّ القوى العربية، أوشبه العربية المشاركة في الحكم العراقي هي متواطئة مع
المحتل أو مسلوبة الإرادة والأهلية تجاهه، هذا المحتل الذي يصرّ على طمس هوية
العراق العربية لصالح مشروعه الخبيث الذي احتلّ العراق من أجله..
رابعاً: "حول البعث الصدّامي":
نصّت المادّة السابعة من مسودّة الدستتور على ما يلي: "يحظر كل كيان أو نهج يتبنّى
العنصرية أو الإرهاب ، أو التكفير أو التطهير الطائفي، أو يحرّض، و يمهّد، أو
يمجّد، أو يروّج، أو يبرّر له، وبخاصة البعث الصدّامي
في العراق ورموزه، وتحت أيّ مسمّى كان، ولايجوز أن يكون
ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظّم ذلك بقانون".
إنّ هذا الحظر المركّب الأوجه والأشكال
والأنواع يعتبر إعداماً سياسياً، وسيفاً إرهابيّاً مسلّطاً فوق رؤوس البعثيين مدى الحياة، وهذا يشكّل خرقاً فاضحاً لحقوق الإنسان،
ولأسس ومبادىء الديمقراطية التي يتشدّقون بها زوراً
وبهتانا صباح مساء، وهو تقنين مشدّد لمقولة "استئصال البعث " التي
اعتمدتها إدارة الاحتلال وعملائها في العراق، وعلى رأسهم أحمد الشلبي، والتي أُثير حولها الكثير من النقاش والجدل والخلاف،
حتى داخل القيادات والأحزاب العراقية المتعاونة مع إدارة الاحتلال والتابعة لها،
وعلى رأسهم أياد علاّوي، وقد ثبت بالملموس لكل عاقل
ذي بصيرة، ولكل حرّ نزيه فشلها وحقدها، وخطرها على مستقبل العراق، إذ لايمكن استئصال حزب بكامله حكم
العراق حوالي أربعة عقود، وعزله عن الحياة السياسية حاضراً ومستقبلاً، حيث يشكّل
عدد منتسبي هذا الحزب وأسرهم حوالي ثلث الشعب العراقي،
ولايجوز بأيّ شكل من الأشكال أن يتحمّل هؤلاء جميعاً
وزر تهم أخطاء أو جرائم اُرتِكبت من قبل بعض من شاركوا في قيادة النظام الحاكم
السابق وأجهزته الأمنية والتنفيذية، بينما من المفروض أن يكون القضاء العادل
والنزيه الجهة الوحيدة التي تبت بمثل هذه الأمور وفقاً لأدلّة قاطعة ..
وجاء في المادتين / 131 و 134 / شروط
المرشح إلى رئاسة الجمهورية،أو عضوية مجلس الوزراء
والنواب، ورئيس وأعضاء مجلس اتحاد، والمواقع المتناظرة في الإقليم،وأضاء الهيئات
القضائية، والمناصب الأخرى المشمولة باجتثاث البعث
وفقاً للقانون أن يكون غير مشمول بأحكام اجتثاث البعث،
كما أضافت مسودّة الدستور شروطاً أخرى،وهي أن يكون قد ترك حزب البعث قبل عشر
سنوات من سقوط حكمه، ولم يشارك في قمع الانتفاضة عام /1991/ والأنفال، ولم يقترف
جريمة بحق الشعب العراقي.. وبذلك يتم قطع الطريق على منتسبي
البعث على المشاركة بالسلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية والمناصب الإدارية
الهامة في الدولة، كما يغلق الطريق على إمكانية إجراء أيّة مصالحة وطنية شاملة
في المستقبل تحقق الوحدة الوطنية، وتصونها وتعززها، والتي لابديل
عنها، من أجل تحرير العراق وتوحيده وبنائه وتطويره قويّاً عزيزا سيّداً..
خامساً: حول المليشيات العسكرية:
- نصّت الفقرة (ب) من المادة التاسعة
من الدستور على ما يلي: "ويُحظر تكوين ميلشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلّحة".
إنّ المواطن العراقي البسيط والطيّب، أو
حتى الكوادر العراقية غير المتتبّعة لجزئيات ومجريات
الأمور في العراق قد ينخدع بهذا الحظر، وأهدافه، ويخطر على ذهنه أنّ "البشمركة"، " وقوات
بدر" مشمولة بمضمون هذه الفقرة.. ولكنّ الحقيقة غير ذلك، لأنّ البشمركة أصبحت - وفقاً لمضمون مسودّة الدستور - مقننة
دستورياً، لأنّها جزء من سلطة الوضع القائم في كردستان
العراق التي اعتمدتها المسودّة حيث تنصّ المادة / 113 / على ما يلي: "
يقرّ هذا الدستور عند نفاذه إقليم كردستان وسلطاته
القائمة إقليماً اتحاديّاً."، كما تضمّنت المادة / 117/ في الفقرة: خامساً
ما يلي: تختص حكومة الإقليم وبوجه خاص إنشاء وتنظيم قوى
الأمن الداخلي للإقليم كالشرطة والأمن وحرس الإقليم." كما أنّ "منظمة
بدر" سيّئة السمعة قد التحق معظمها في قوات شرطة
وجيش الحكومة المركزية، وما يتبقى منها سيلتحق بقوات
الشرطة والأمن والحرس التابعة لأيّ إقليم سيتشكل في الجنوب كما يطالب به / عبد
العزيز الحكيم / ولذلك يصبح " جيش المهدي" التابع للتيار الصدري،
وفصائل المقاومة الوطنية العراقية وغيرها هي المستهدفة والمشمولة بهذا الحظر
المغشوش.
ملاحظات ومقترحات عامّة: 1 - لقد وحّدت مسودة الدستور الأكراد بالرغم من التمايزات السياسية واللغوية التي كانت قائمة بين إمارتي الطالباني والبرازاني، وفي الوقت
نفسه، لقد مزّقت العرب وطمست هويتهم العربية، وزرعت بذور الفتنة بينهم..
2 - كان من المفروض ان
تتمّ كتابة الدستور في ظروف أفضل،وليس تحت حراب المحتل،
وأن يعطى الوقت الكافي لأبناء العراق كي يتوصلوا إلى وضع دستور يلبّي مصالح
وطموحات جميع العراقيين، وعلى أسس واضحة من التوافق والتفاهم، ولكن إلحاح
الإدارة الأمريكية -على ما يبدو - فرض هذا المشروع على عجل حتى يستثمره /بوش /
في الساحة الأمريكية الداخلية لإيقاف تدهورشعبيته
هناك، وليسهل تمرير ما يمكن تمريره لصالح المخطط الأمريكي المعروف.
3 - إنّ أسس وجوهر مسودّة الدستور
العراقي مستمدّة من " قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية"،أي دستور /بريمر/ الذي جاء جاهزاً
مع قوات الاحتلال، ثمّ تلقح بتفاهمات / بريمر - الطالباني /، وبذلك تحقق
الأهداف الأمريكية، والمصالح القومية للأكراد، وتعمٌق التحالف الأمريكي -
الكردي، وتبعية القيادات الكردية للبيت الأبيض..
4 - استهدفت مسودة الدستور تقطيع وطمس
الأواصر القومية التي تربط العراق مع أمته العربية، وإلغاء دوره القومي
مستقبلاً، وكل ذلك يصبّ في خدمة التحالف الامبريالي -
الصهيوني..
-وعلى ضوء ذلك كلّه، يصبح إسقاط هذا
الدستور بكافة الطرق والأساليب المتاحة واجباً وطنياً وقوميّاً عراقياً يجب أن
تسخّر له كافة جهود القوى الوطنة والقومية والإسلامية
العراقية الشريفة دون استثناء، داخل المقاومة العراقية وخارجها، وذلك عن طريق
إقامة جبهة وطنية عراقية عريضة فاعلة تترفع عن أحقاد الماضي، وتتطلّع وتسعى
وتناضل لإنهاء الاحتلال، وإجراء مصالحة وطنية، وإقامة نظام ديمقراطي يؤمّن حقوق
ومصالح جميع مكوّنات الشعب العراقي، ويعتمد لامركزية واسعة في الحكم.. وفي هذا
السياق أرى:
أنّ الجامعة العربية تتحمّل مسؤولية
تاريخية في اتخاذ المواقف السياسية تجاه ما يجري في العراق، وتنفيذ ما نصّت عليه
لوائحها الداخلية وميثاقها، ووفقاً للمصالح القومية العليا، سواء ذلك فيما يتعلّق
بمسودة الدستور،أم بإنهاء الاحتلال، والمحافظة على
هوية العراق ووحته الوطنية..
وأخيراً: فإنّ العراق الجديد الحقيقي لن
يصوغه سوى مقاومته الوطنية المكافحة النظيفة، وباقي أبنائه الذين يناضلون ضدّ
الاحتلال بكافة الطرق والأشكال المتاحة الأخرى، وبعد إلحاق الهزيمة بالاحتلال،
وإجباره على التخلّي عن مخططاته في العراق والمنطقة، وعندئذ سيكتب أحرار العراق
دستورهم الذي يليق بشعبهم الأبيّ العظيم.. والنصر دائماً حليف
الشعوب المكافحة الصابرة مهما عتا الطغاة وتجبّروا.