مسودّة الدستور العراقي تهديد خطير لوحدة العراق وهويّته العربية

محمود جديد

 

‏ - إنّ أيّ تقييم لمضمون مسودّة الدستور العراقي المعتمدة من " المجلس الوطني العراقي " يوجب ‏علينا أن ‏نستحضر أمام أعيننا أهداف الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله، ومشروع " شرق الأوسط ‏الكبير "، والتي عبّر ‏عنها في حينه وزير الخارجية الأمريكي /باول / في شهادة رسمية أمام الكونغرس ‏الأمريكي بقوله: " إنّ الهدف ‏من احتلال العراق هو إعادة صياغته بما يخدم مصالح الولايات المتحدة ‏الأمريكية في المنطقة والعالم." ‏

وبالتالي فإنّ بعض موادّ هذا الدستور تخدم هذا الهدف، وفي سياقه عمدت قوات الاحتلال إلى تدمير ‏مؤسسات ‏وهياكل الدولة العراقية، وأقامت صيغاً وأشكالاًبديلة، وسخرتها لتنفيذ مخططاتها المرسومة، ‏وكان الأخطر " ‏قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية " الذي تجري كل الموبقات السياسية في ‏العراق بناءً على بنوده ‏التي عشعشت فيها "فيروسات " التفكيك واستهداف الهوية العربية للعراق.. وقد ‏ساعد إدارة الاحتلال الأمريكي ‏تقاطع مصالح الطرف الكردي الحليف الاستراتيجي الدائم لأمريكا مع ‏بعض القيادات الشيعية النافذة، والتي ‏معظمها من أصول غير عربية، وصمت المراجع الشيعية غير ‏العربية عمّا يجري، وتناغم إيراني مشبوه مع ‏واقع العراق في ظل الاحتلال، وقد تمّ التعبير عنه بدعم ‏الخطوات السياسية داخل العراق دون تلكؤ بدءاً من ‏تشكيل مجلس الحكم وحتى الآن..وإضافة إلى هذا ‏كلّه يأتي القبول الخانع الجبان للنظام العربي الرسمي للواقع ‏العراقي المفروض أمريكياً، وتقبّله على ‏سوءاته بسهولة ويسر عن طريق الجامعة العربية، بغض النظر عن ‏تململ أمين عامها مؤخراً حول ‏هويّة العراق، والذي جاء متأخراً جدّاً وباهتاً..

أوّلاً: إنّ الديباجة بمضمونها غير صالحة لأن تكون من صلب أي دستور، ولاأظنّ أنّ لها مثيلاً في ‏العالم ‏،لأنّها مملوءة حقداً ضد شرائح واسعة من مكوّنات الشعب العراقي، فبدلاً من أن تتطلع إلى ‏المستقبل لتُبرز ‏طموحات الشعب العراقي، وعناوين وحدته الوطنية والترابية والسياسية جاءت لتفنّد ‏ممارسات النظام السابق ‏بغض النظر عن خطئها أو عدمه، وهذا من شأنه إثارة الأحقاد والضغائن بين ‏أبناء الشعب العراقي لأجيال ‏لاحقة، وزرع الفتنة تحت الرماد.. وعلى كلّ حال فهي تجسّد بمضمونها ‏بيانا سياسياً لا أكثر بين تحالف ‏القوى الشيعية المشاركة في الحكم وبين التحالف الكردي، ولا ترقى ‏إلى ديباجة دستور دولة..

‏ ثانياً: حول طبيعة نظام الحكم:‏

اعتمدت المادّة الأولى من الدستور النظام الاتحادي (الفيدرالي)، هذا النظام الذي يتمّ عادة في أحد ‏شكلين: ‏إمّا عن طريق التجمّع كما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا واستراليا.. إلخ، أو ‏الاتحاد بالتفكّك ‏كما جرى في الاتحاد السوفييتي سابقا والبرازيل والأرجنتين.. الخ، ويلاحظ أنّ روابط ‏الاتحاد تكون في الشكل ‏الثاني أقوى، لأنّه في الشكل الأول تحاول الدول المشاركة في الاتحاد التضييق ‏على السلطة الاتحادية لتحتفظ ‏لنفسها بقدر أكبر من الاستقلالية والحرية في العمل ضمن الاتحاد، ويبرز ‏ذلك في توزيع الصلاحيات، بحيث ‏يصبح اختصاص الاتحاد هو الاستثناء، واختصاص الكيانات داخله ‏هو الأصل، بينما ينعكس الأمر في الشكل ‏الثاني (أي عن طريق التفكك) فيصبح اختصاص الاتحاد هو ‏الأصل، فإذا طبّقنا هذه المفاهيم على ماجاء في " ‏مسودّة الدستور العراقي " نجد أنّ المفاهيم قد انقلبت، ‏وتمّ زرع فيروسات التفكك في مواده، وذلك من خلال ما ‏يلي: ‏

‏1 - نصّت المادة /11/ على مايلي: كل ما لم ينصّ عليه الدستور في الاختصاصات الحصرية ‏للسلطات ‏الاتحادية تكون من صلاحيات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، والصلاحيات ‏الأخرى المشتركة بين ‏الحكومة الاتحادية والأقاليم تكون الأولوية لقانون الإقليم في حالة الخلاف بينهما ‏‏..‏

‏2 - جاء في المادة /117 / ما يلي: أولاً: لسلطات الإقليم الحق في في ممارسة السلطات التشريعية ‏والتنفيذية ‏والقضائية وفقاً لأحكام هذا الدستور، باستثناء ما ورد فيه من اختصاصات حصرية للسلطات ‏الاتحادية. ‏

‏ ثانياً: يحق لسلطة الإقليم تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الإقليم في حالة وجود تناقض أو ‏تعارض بين ‏القانون الاتحادي وقانون الإقليم بخصوص مسألة لاتدخل في الاختصاصات الحصرية ‏للسلطات الاتحادية.‏

‏ كما أعطت هذه المادة لحكومات الأقاليم الحق في ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ‏باستثناء ‏ماورد في الدستور من اختصاصات حصرية للسلطات الاتحادية..‏

‏3 - نصّت المادة /111 / على مايلي:" كل ما لم ينصّ عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات ‏الاتحادية ‏تكون من صلاحيات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، والصلاحيات الأخرى ‏المشتركة بين الحكومة ‏الاتحادية والأقاليم تكون الأولوية لقانون الإقليم في حالة الخلاف بينهما..‏

‏ أوّلاً: تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الإقليم ‏‏والمحافظات المنتجة على أن تًوزّع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء ‏البلاد ‏،مع تحديد حصة لفترة محدّدة للأقاليم المتضرّرة والتي حُرِمت منه بصورة مجحفة من قبل النظام ‏السابق والتي ‏تضرّرت بعد ذلك بما يؤمّن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد ويُنظم ذلك ‏بقانون.‏

‏ ثانياً: تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة معاً برسم السياسات ‏الاستراتيجية ‏اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز بما يحقق أعلى منفعة للشعب العراقي معتمدة أحدث ‏تقنيات مبادىء السوق ‏وتشجيع الاستثمار". ‏

وهنا نلاحظ أنّ الإشارة إلى إدارة الحكومة الاتحادية للنفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية يعني ‏ضمناً أنّه ‏ربّما تُعطى لحكومات الأقاليم والمحافظات صلاحية استخراجهما من حقول جديدة في المستقبل ‏، وبشكل مستقلّ ‏عن الحكومة الاتحادية، كما يتلمّس المرء من خلال الإشارة إلى تخصيص حصة من ‏واردات النفط لصالح ‏الأقاليم المتضرّرة من النظام السابق كيف تمّت الصفقات بين الطرفين الشيعي ‏والكردي المشاركين في الحكم ‏لتقاسم المغانم والمكاسب، وخلق الدوافع والمبررات لاستقطاب سكان ‏الجنوب في لعبة الانتخابات المقبلة، وفي ‏تقبّل الفيدرالية المسمومة، بينما لم يُشِر إلى المناطق التي ‏تضررت من الاحتلال الأمريكي وجرائمه اللاحقة، ‏وهذا سيخلق أحقاداً بين المحافظات العراقية ‏وشعوراً متنامياً بالظلم والغبن، كما سيبث بذور التفكك داخل ‏الجسد العراقي، ويخلق الدوافع لبعض ‏المحافظات المنتجة للنفط أن تندفع وراء مصالح ومكاسب تؤدّي للفرقة، ‏وحتى للعداء بين مكونات ‏الشعب العراقي الشقيق..‏

‏4 - جاء في المادة /117/ - البند: رابعاً ما يلي: " تؤسس مكاتب للأقاليم والمحافظات في السفارات ‏والبعثات ‏الدبلوماسية لمتابعة الشؤؤن الثقافية والاجتماعية والإنمائية".

‏ وهنا يستغرب المرء سبب إدراج هذا البند الذي سيشكّل مجالا خصباً للتفتيش عن تنمية وإبراز ‏التمايزات ‏الطبيعية بين أبناء هذه المحافظة وتلك لصالح التشرذم، وتحميل الميزانية العراقية أعباء ‏مادية طائلة، وفتح ‏أبواب واسعة للارتزاق والمحسوبية وشراء الأشخاص..‏

‏5 - نصّ البند خامساً من المادة /117/ على ما يلي: "تختص حكومة الإقليم بكل ما تطلبه إدارة الإقليم ‏، ‏وبوجه خاص إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم كالشرطة والأمن وحرس الإقليم." وإذا عدنا ‏إلى ‏المادة/113/ التي تنصً على:"يقر هذا الدستور عند نفاذه إقليم كردستان وسلطاته القائمة إقليماً ‏اتحادياً." وإلى ‏المادة /116/ التي تنصّ على:" يقوم الإقليم بوضع دستور له.."، وسبق أن أشرت ‏إلى المادة /117 / التي ‏أعطت للأقاليم والمحافظات حق ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية ‏والقضائية،كما أقرّت مسوّدة الدستور ‏باللغة الكردية وبحق الأكراد في إصدار جوازات سفر وأوراق ‏نقدية وطوابع بها، فهذا يعني أن إقليم كردستان ‏الذي هو توأم الدستور العراقي الجديد في حال موافقة ‏الشعب العراقي عليه قد أصبح يمتلك كل مقومات الدولة، ‏وخاصة إذا علمنا بأنّ العلم الكردي هو العلم ‏الوحيد الذي يرفرف في كردستان العراق، وبأنّ جميع الأجهزة ‏العاملة هناك كردية، وبالتالي لاينقصها ‏سوى الإعلان الرسمي عن قيام الدولة عندما يحين الوقت المناسب..‏

‏ ثالثاً: حول هويّة العراق: ‏

‏ - في الوفت الذي يتمسّك الأكراد بهويّتهم، ويتقبّل الدستور كيانهم القومي ويقننه فإنّه يتمّ التعامل مع ‏العرب ‏كرعايا في بلد آخر، ويطمس قوميّتهم، وهذا ليس عفوياً ولا بريئاً، وإنّما له دوافع وأهداف ‏أمريكية - ‏إسرائيلية مرسومة ومعلنة ومحدّدة في الاستراتيجية الأمريكية - الصهيونية، وبذلك تجاهلت ‏مسودّة الدستور ‏جغرافية العراق وتاريخيته وهويته العربية.. فلو كانت هذه الصيغة في الدستورين ‏الإيراني أو التركي تجاه ‏العرب في عربستان ولواء اسكندرون المحتلين لفهمنا الأمر دون أن نبرّره، ‏ولكن أن يتم في العراق الدولة ‏العربية العضو المؤسس للجامعة العربية، والذي شارك بفعالية دفاعاً ‏عن القضية الفلسطينية، والذي دعم ثورة ‏الجزائر مادياً وسياسياً، وغيرهما، فهذا يعتبر طعنة غادرة ‏لشعب العراق وتاريخه وحضارته يجب أن لاتمرّ ‏بأيّ شكل من الأشكال، وفي حال تمريرها ستنتقل ‏عدواها إلى كثير من الأقطار العربية بهدف نزع الهوية ‏القومية عنها، وجعلها منسجمة ومهيّأة ‏للانخراط في مشروع شرق الأوسط الكبير المخطط له أمريكياً وصهيونياً ‏‏.. هذا مع العلم أنّ اللجنة ‏الدستورية في (المجلس الوطني العراقي) وبعد نقاشات حادّة مع ممثلي / السنّة ‏العرب/ قبل بصيغة:" ‏إنّ العراق جزء من العالمين العربي والإسلامي "، وهذا " أضعف الإيمان"، إلاّ أنّ ‏اللجنة السياسية ‏رفضته، وهذا دليل على تصميم الإدارة الأمريكية وعملائها في العراق على طمس الهوية ‏العربية..‏

وعلى كلّ حال، فإنّ وضع أيّ دستور في ظروف مشابهة للوضع العراقي الراهن ومكوّناته من ‏المفروض أن ‏يتمّ بشكل توافقي بين ممثلي جميع أطيافه، بينما الذي حدث هو أنّ (المجلس الوطني ‏العراقي) وجّه رسالة ‏رسمية إلى بعض القيادات من / السنّة العرب/ يشير فيها إلى اعتماد الصيغة ‏التوافقية في وضع المسودّةالنهائية ‏للدستور، كما تمّ تبليغ بعضهم من قبل الحكومة العراقية مضمون ‏الفكرة نفسها، ممّا حدا بتلك القيادات العربية ‏بقبول المشاركة في اللجنة الدستورية، غير أنّه تبيّن فيما ‏بعد أنّ الإشارة إلى التوافق كان خدعة من التحالف ‏الكردي - الشيعي الحاكم هدفه استدراج بعض ‏القيادات / العربية السنية / لإعطاء مظلّة لتضليل الجماهير ‏العراقية والعربية بأنّ الجميع شاركوا في ‏صياغة مسودّة الدستور وعندما شعرت تلك القيادات بالخديعة انسحبت ‏من اللجنة وأعلنت شروطها ‏للاستمرار فيها، وتتلخّص بالآتي:

‏" تأجيل موضوع البت في موضوع الفيدرلية إلى الجمعية الوطنية المقبلة - تعديل الصيغة الواردة حول ‏الهوية ‏لتصبح:العراق جزء من الإقليم العربي - المركز هو الجهة التي تقسّم الثروة بين ‏الحكومةالاتحادية والأقاليم - ‏الاعتراض على النصّ المتعلّق بالأحوال الشخصية القائل بأنّ كلّ مذهب ‏حرّ في الاختيار باعتبارذلك يكرّس ‏الطائفية - الاعتراض على النص الخاص بالجنسية القائل: بأنّ ‏العراقي هو كل من ولد من أمّ أو أب عراقي، ‏ليصبح العراقي هومن يولد من أب عراقي - التأكيد ‏على وحدة العراق أرضاً وشعباً وسيادة."‏

ومع تزايد النقد والاحتجاج الداخلي والعربي لموضوع طمس الهوية العربية، وخاصة ماجاء على لسان ‏أمين ‏عام الجامعة العربية، وأمين عام مجلس التعاون الخليجي تمّ تعديل المادة /3 / فاستبدلت عبارة:" ‏الشعب ‏العربي في العراق جزء من الأمة العربية " بعبارة:" العراق عضو مؤسس وفعّال في جامعة ‏الدول العربية، ‏وملتزم بميثاقها." وهكذا بقيت الإشارة إلى الهوية العربية باهتة وضعيفة وغير كافية، ‏وهنا نتساءل: هل توجد ‏أكثرية قومية في أيّ بلد في العالم تمثل /82 / بالمائة من أبناء قطرها وتتخلّى ‏عن تكريس هويتها القومية في ‏الدستور،بينما يتم تثبيت هوية قومية لخمسة عشر بالمائة؟ وهذا دليل ‏إضافي على أنّ القوى العربية، أوشبه ‏العربية المشاركة في الحكم العراقي هي متواطئة مع المحتل أو ‏مسلوبة الإرادة والأهلية تجاهه، هذا المحتل الذي ‏يصرّ على طمس هوية العراق العربية لصالح ‏مشروعه الخبيث الذي احتلّ العراق من أجله..‏

رابعاً: "حول البعث الصدّامي":

‏ نصّت المادّة السابعة من مسودّة الدستتور على ما يلي: "يحظر كل كيان أو نهج يتبنّى العنصرية أو ‏الإرهاب ‏، أو التكفير أو التطهير الطائفي، أو يحرّض، و يمهّد، أو يمجّد، أو يروّج، أو يبرّر له، ‏وبخاصة البعث ‏الصدّامي في العراق ورموزه، وتحت أيّ مسمّى كان، ولايجوز أن يكون ذلك ضمن ‏التعددية السياسية في ‏العراق، وينظّم ذلك بقانون".

إنّ هذا الحظر المركّب الأوجه والأشكال والأنواع يعتبر إعداماً سياسياً، وسيفاً إرهابيّاً مسلّطاً فوق ‏رؤوس ‏البعثيين مدى الحياة، وهذا يشكّل خرقاً فاضحاً لحقوق الإنسان، ولأسس ومبادىء الديمقراطية ‏التي يتشدّقون بها ‏زوراً وبهتانا صباح مساء، وهو تقنين مشدّد لمقولة "استئصال البعث " التي اعتمدتها ‏إدارة الاحتلال وعملائها ‏في العراق، وعلى رأسهم أحمد الشلبي، والتي أُثير حولها الكثير من النقاش ‏والجدل والخلاف، حتى داخل ‏القيادات والأحزاب العراقية المتعاونة مع إدارة الاحتلال والتابعة لها، ‏وعلى رأسهم أياد علاّوي، وقد ثبت ‏بالملموس لكل عاقل ذي بصيرة، ولكل حرّ نزيه فشلها وحقدها، ‏وخطرها على مستقبل العراق، إذ لايمكن ‏استئصال حزب بكامله حكم العراق حوالي أربعة عقود، ‏وعزله عن الحياة السياسية حاضراً ومستقبلاً، حيث ‏يشكّل عدد منتسبي هذا الحزب وأسرهم حوالي ثلث ‏الشعب العراقي، ولايجوز بأيّ شكل من الأشكال أن يتحمّل ‏هؤلاء جميعاً وزر تهم أخطاء أو جرائم ‏اُرتِكبت من قبل بعض من شاركوا في قيادة النظام الحاكم السابق ‏وأجهزته الأمنية والتنفيذية، بينما من ‏المفروض أن يكون القضاء العادل والنزيه الجهة الوحيدة التي تبت بمثل ‏هذه الأمور وفقاً لأدلّة قاطعة ‏‏..‏

وجاء في المادتين / 131 و 134 / شروط المرشح إلى رئاسة الجمهورية،أو عضوية مجلس الوزراء ‏والنواب، ورئيس وأعضاء مجلس اتحاد، والمواقع المتناظرة في الإقليم،وأضاء الهيئات القضائية، ‏والمناصب الأخرى ‏المشمولة باجتثاث البعث وفقاً للقانون أن يكون غير مشمول بأحكام اجتثاث البعث، ‏كما أضافت مسودّة الدستور ‏شروطاً أخرى،وهي أن يكون قد ترك حزب البعث قبل عشر سنوات من ‏سقوط حكمه، ولم يشارك في قمع ‏الانتفاضة عام /1991/ والأنفال، ولم يقترف جريمة بحق الشعب ‏العراقي.. وبذلك يتم قطع الطريق على ‏منتسبي البعث على المشاركة بالسلطة التشريعية والتنفيذية ‏والقضائية والمناصب الإدارية الهامة في الدولة، كما ‏يغلق الطريق على إمكانية إجراء أيّة مصالحة ‏وطنية شاملة في المستقبل تحقق الوحدة الوطنية، وتصونها ‏وتعززها، والتي لابديل عنها، من أجل ‏تحرير العراق وتوحيده وبنائه وتطويره قويّاً عزيزا سيّداً..

خامساً: ‏حول‏ المليشيات العسكرية:‏

‏ - نصّت الفقرة (ب) من المادة التاسعة من الدستور على ما يلي: "ويُحظر تكوين ميلشيات عسكرية ‏خارج ‏إطار القوات المسلّحة".

‏إنّ المواطن العراقي البسيط والطيّب، أو حتى الكوادر العراقية غير المتتبّعة لجزئيات ومجريات ‏الأمور في ‏العراق قد ينخدع بهذا الحظر، وأهدافه، ويخطر على ذهنه أنّ "البشمركة"، " وقوات بدر" ‏مشمولة بمضمون ‏هذه الفقرة.. ولكنّ الحقيقة غير ذلك، لأنّ البشمركة أصبحت - وفقاً لمضمون ‏مسودّة الدستور - مقننة ‏دستورياً، لأنّها جزء من سلطة الوضع القائم في كردستان العراق التي ‏اعتمدتها المسودّة حيث تنصّ المادة / ‏‏113 / على ما يلي: " يقرّ هذا الدستور عند نفاذه إقليم كردستان ‏وسلطاته القائمة إقليماً اتحاديّاً."، كما تضمّنت ‏المادة / 117/ في الفقرة: خامساً ما يلي: تختص ‏حكومة الإقليم وبوجه خاص إنشاء وتنظيم قوى الأمن ‏الداخلي للإقليم كالشرطة والأمن وحرس الإقليم." ‏كما أنّ "منظمة بدر" سيّئة السمعة قد التحق معظمها في قوات ‏شرطة وجيش الحكومة المركزية، وما ‏يتبقى منها سيلتحق بقوات الشرطة والأمن والحرس التابعة لأيّ إقليم ‏سيتشكل في الجنوب كما يطالب به ‏‏/ عبد العزيز الحكيم / ولذلك يصبح " جيش المهدي" التابع للتيار الصدري، ‏وفصائل المقاومة الوطنية ‏العراقية وغيرها هي المستهدفة والمشمولة بهذا الحظر المغشوش.‏

ملاحظات ومقترحات عامّة:‏ ‏1 - لقد وحّدت مسودة الدستور الأكراد بالرغم من التمايزات السياسية ‏‏واللغوية التي كانت قائمة بين إمارتي الطالباني والبرازاني، وفي الوقت نفسه، لقد مزّقت العرب ‏وطمست ‏هويتهم العربية، وزرعت بذور الفتنة بينهم..‏

‏2 - كان من المفروض ان تتمّ كتابة الدستور في ظروف أفضل،وليس تحت حراب المحتل، وأن ‏يعطى الوقت ‏الكافي لأبناء العراق كي يتوصلوا إلى وضع دستور يلبّي مصالح وطموحات جميع ‏العراقيين، وعلى أسس ‏واضحة من التوافق والتفاهم، ولكن إلحاح الإدارة الأمريكية -على ما يبدو - ‏فرض هذا المشروع على عجل ‏حتى يستثمره /بوش / في الساحة الأمريكية الداخلية لإيقاف ‏تدهورشعبيته هناك، وليسهل تمرير ما يمكن ‏تمريره لصالح المخطط الأمريكي المعروف.‏

‏3 - إنّ أسس وجوهر مسودّة الدستور العراقي مستمدّة من " قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة ‏الانتقالية"،أي ‏دستور /بريمر/ الذي جاء جاهزاً مع قوات الاحتلال، ثمّ تلقح بتفاهمات / بريمر - ‏الطالباني /، وبذلك تحقق ‏الأهداف الأمريكية، والمصالح القومية للأكراد، وتعمٌق التحالف الأمريكي ‏‏- الكردي، وتبعية القيادات الكردية ‏للبيت الأبيض..‏

‏4 - استهدفت مسودة الدستور تقطيع وطمس الأواصر القومية التي تربط العراق مع أمته العربية، ‏وإلغاء دوره ‏القومي مستقبلاً، وكل ذلك يصبّ في خدمة التحالف الامبريالي - الصهيوني..‏

‏ -وعلى ضوء ذلك كلّه، يصبح إسقاط هذا الدستور بكافة الطرق والأساليب المتاحة واجباً وطنياً ‏وقوميّاً عراقياً ‏يجب أن تسخّر له كافة جهود القوى الوطنة والقومية والإسلامية العراقية الشريفة دون ‏استثناء، داخل المقاومة ‏العراقية وخارجها، وذلك عن طريق إقامة جبهة وطنية عراقية عريضة فاعلة ‏تترفع عن أحقاد الماضي، ‏وتتطلّع وتسعى وتناضل لإنهاء الاحتلال، وإجراء مصالحة وطنية، وإقامة ‏نظام ديمقراطي يؤمّن حقوق ‏ومصالح جميع مكوّنات الشعب العراقي، ويعتمد لامركزية واسعة في ‏الحكم.. وفي هذا السياق أرى:‏

‏ أنّ الجامعة العربية تتحمّل مسؤولية تاريخية في اتخاذ المواقف السياسية تجاه ما يجري في العراق، ‏وتنفيذ ما ‏نصّت عليه لوائحها الداخلية وميثاقها، ووفقاً للمصالح القومية العليا، سواء ذلك فيما يتعلّق ‏بمسودة الدستور،أم ‏بإنهاء الاحتلال، والمحافظة على هوية العراق ووحته الوطنية..‏

وأخيراً: فإنّ العراق الجديد الحقيقي لن يصوغه سوى مقاومته الوطنية المكافحة النظيفة، وباقي ‏أبنائه الذين ‏يناضلون ضدّ الاحتلال بكافة الطرق والأشكال المتاحة الأخرى، وبعد إلحاق الهزيمة ‏بالاحتلال، وإجباره على ‏التخلّي عن مخططاته في العراق والمنطقة، وعندئذ سيكتب أحرار العراق ‏دستورهم الذي يليق بشعبهم الأبيّ ‏العظيم.. والنصر دائماً حليف الشعوب المكافحة الصابرة مهما ‏عتا الطغاة وتجبّروا.‏