قراءة في مسودة الدستور العراقي ومشروع الفدرالية

معقل زهور عدي


الدستور في أي بلد هو قانون القوانين ، من روحيته وأهدافه ومبادئه تشتق القوانين التفصيلية ، وهو مرجعيتها ، ويعتبر العقد الذي ارتضاه المواطنون لتنظيم دولتهم ومؤسساتهم التي تدير أمورهم التشريعية والتنفيذية والقضائية ، من أجل ذلك كان لزاما على الدستور أن يعبر عن التوافق الوطني منذ البداية وأن لاينشأ خارج ارادة فئة اجتماعية هامة ثم يتم تطبيقه ضد ارادتها حتى لو حاز على الأغلبية في انتخابات حرة نزيهة .
للأسف فان السياق الذي جرى فيه اعداد مسودة الدستور العراقي الذي سيطرح للتصويت الشهر القادم يتسم باقصاء فئات اجتماعية هامة وواسعة عن عملية اعداد مسودة الدستور وهذا بحد ذاته يطعن في شرعية الدستور .
في مقدمة الدستور التي يرجع اليها عادة باعتبارها مصدر الالهام لمقاصد الدستور ، نجد في البداية فقرة تحدد بصورة غير مباشرة لمن يتوجه الدستور ومن يمثل ، تقول الفقرة ( نحن أبناء وادي الرافدين ... استجابة منا لدعوة قياداتنا الدينية والوطنية ..واصرار مراجعنا العظام .. زحفنا لأول مرة في تاريخنا لصناديق الاقتراع بالملايين ..مستذكرين مواجع القمع الطائفي ..الخ الخ ..) .
تتضمن تلك الفقرة عدة دلالات :
الأولى : أن الدستور هو استمرار وتتويج للعملية السياسية التي مثلت الانتخابات أهم محطاتها .
الثانية : أن روح الدستور مؤسسة على رغبة وارادة وتطلعات الملايين التي شاركت في الانتخابات .
الثالثة : وكنتيجة لما سبق فان الفئات التي قاطعت الانتخابات هي خارج الدستور وهذا يفسر ماتم من اقصاء لممثلي تلك الفئات في لجنة اعداد الدستور .
الدستور بهذا المعنى هو دستور المنتخبين وليس دستور المقاطعين ، هو دستور الذين شكلوا المعارضة في حكم صدام وليس دستور كل الشعب .
رغم محاولة واضعي الدستور تخفيف وقع الفقرة السابقة في الفقرات اللاحقة ، لكن المغزى السابق يعود للظهور بصورة اوضح في المادتين /132/ ، /133/ المتعلقتين باجتثاث البعث ، واذا أخذنا بالاعتبار أن منتسبي حزب البعث في العراق هم بالملايين كما هو الحال في سورية ، يتبين لنا ماذا يعني اقرار الدستور العراقي باستمرار عمل الهيئة العليا لاجتثاث البعث ( الفقرة 132) بينما تنص الفقرة / 133/ على عدم جواز ترشيح من يشمله أحكام اجتثاث البعث لجميع المناصب في الدولة ومجلس النواب والهيئات القضائية والمناصب الأخرى المشمولة بقانون اجتثاث البعث .
هكذا فان محاكم التفتيش الجديدة التي نشأت برعاية الاحتلال الأمريكي قد تم تشريعها ، ليس في قوانين الدولة ولكن في نص الدستور.
خطورة تكريس اجتثاث البعث في الدستور في كونه يغلق باب المصالحة الوطنية والتسامح والوفاق الوطني ، ويبني الدولة على أساس الثأر والعزل والاقصاء ليس لبضعة مئات من المواطنين ، ولكن للملايين .
مقدمة الدستور اضافة للفقرتين /132/ و/133/ تؤسس لمفهوم فئوي للدستور ، انه دستور الذين ثاروا على حكم صدام ودفعوا غاليا ثمن ثوراتهم ، وليس دستور الذين ارتضوا بحكم صدام أو شاركوا فيه مهما كانت تلك المشاركة .
ورد في المادة /3/ : ( العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب ، وهو جزء من العالم الاسلامي ، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية ).
هنا اصرار على اخراج العراق من الدائرة العربية كدولة رغم أن أكثر من 80 بالمئة من سكانه عرب أقحاح ، ولست أدري كيف تتحدد هوية وانتماء دولة اذا لم يكن كافيا ل 80 بالمئة من سكانها تحديد تلك الهوية ؟ واذا لم يكن العراق عربيا فكيف تكون فرنسا فرنسية وألمانيا ألمانية ؟
ينص الدستور على وجود ثلاثة أنظمة ادارية للحكم :
1- حكومة اتحادية .
2- فدراليات جرت تسميتها بأقاليم .
3- محافظات لم تنتظم في أقاليم يتم ربطها بالحكومة الاتحادية .
هذا الجمع بين النظام الفدرالي والنظام المركزي يبدو مستغربا من ناحية ، ويؤسس لوضع غير متوازن وغير مستقر . فاعتماد الفدراليات يفترض انتظام الأقاليم جميعها في فدراليات وهكذا يتم انتخاب مجلسين اتحاديين مجلس نواب ( لكل مئة ألف مواطن نائب بغض النظر عن أي شيء آخر ) ومجلس شيوخ سمي في الدستور العراقي بالمجلس الاتحادي ينتخب فيه عن كل أقليم عدد محدد من النواب ( في أمريكا نائبان عن كل ولاية ) ويشكل المجلسان معا أساس الحكم الاتحادي . وجود محافظات خارج ذلك الاطار سيجعل من تبعيتها للحكومة الاتحادية مسألة اشكالية .
لايمكن فهم مغزى هذا النظام الثلاثي غير المسبوق سوى بوصفه سعيا لحرمان بعض المحافظات من الامتيازات والتأثير في القرار مما ستمتع به محافظات أخرى حين تشكل فدرالية تتمكن من خلالها من اقتسام السلطة مع الحكومة الاتحادية وفوق ذلك جعل السلطة الاتحادية حكرا على الأقاليم ، وهذه اشارة أخرى لروح الدستور التي لاتتسم بالتسامح والعدالة.
بطريقة أخرى يقول الدستور لمن لا يقبل الفدرالية : أنتم لاتحبون الفدرالية ، حسنا ابقوا في أماكنكم كمحافظات لكننا سنشكل الفدرالية بدونكم ولامانع لدينا في بقائكم دون فدرالية داخل الدولة العراقية .
حين دخلت القوات المسلحة الأمريكية العراق كان هدفها المعلن هو القضاء على نظام صدام واكتشاف أسلحة التدمير الشامل ، وحين سمحت تلك القوات بنهب واتلاف الوزارات والمؤسسات الرسمية عدا وزارة النفط تساءل البعض هل الدولة العراقية أيضا مستهدفة ؟ ، وحين قامت سلطة الاحتلال بتسريح الجيش العراقي ظن البعض أن الأمر لايعدو أن يكون خطأ تكتيكيا ، لكن ما أصبح جليا اليوم هو أن الولايات المتحدة دخلت العراق وهي تحمل رؤية استراتيجية على درجة كبيرة من الوضوح ، ويتمثل الهدف الرئيسي لتلك الاستراتيجية في تدمير الدولة العراقية بكل مكوناتها ، واعادة تشكيلها من أسفل الهرم الاجتماعي.
تفكيك الكيان العراقي ، والدفع بالهويات الطائفية والعرقية نحو المقدمة ، هذا هو السياق الذي أتى ضمنه الدستور محاولا اضفاء الصفة الدستورية على عملية التفكيك ، وظيفة الدستور العراقي التمهيد لحرب أهلية أو انقسام لارجعة فيه ، مايقوله واضعوا الدستور الذين يمثلون الائتلاف الموحد( حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الاسلامية وحزب أحمد الشلبي ) والحزبين الكرديين بقيادة الطالباني والبرزاني للآخرين هو الآتي :
أنتم قاطعتم الانتخابات وتركتم أنفسكم دون ممثلين ، حسنا فعلتم ، هذا هو الدستور الذي وضعناه في غيابكم ، ومثلما جرت الانتخابات في ظل مقاطعتكم ، ستتم الموافقة على الدستور ، ومن لايعجبه ذلك فليشرب البحر .
لكن ماذا يعني ذلك في الواقع ؟
ببساطة يعني وضع الطرف الآخر أمام خيارين :
اما القبول بدستور لايمثل مصالحهم ومبادئهم ولم يكن لهم في وضعه يد ، وبالتالي دخولهم السياسة كطرف مغلوب على أمره .
أو الخروج على دستور البلاد وبالتالي وضعهم سياسيا خارج القانون والدفع بهم للتمرد ، ولأن الخيار الأول يبدو مستبعدا ، فعلينا القبول باحتمال أن تكون الغلبة للخيار الثاني.
هكذا سيتحول الانقسام السياسي – الطائفي حسب المخطط الأمريكي ،( وأرجو أن لا يقول لي أحد ان أمريكا غائبة عن السياق) أقول سيتحول الى انقسام سياسي – طائفي –دستوري .
ما نشاهده في الواقع أن مشروع الدستور قد عمق الانقسامات داخل العراق على نحو غير مسبوق ، ودفع الفئات التي تم اقصاؤها دفعا نحو العنف ، ليس العنف في مواجهة الاحتلال ، لكن العنف في مواجهة القوى العراقية المرتبطة بما تراه تلك الفئات مؤامرة لتهميشها سياسيا واقتصاديا وربما حرمانها من أهم ثروات العراق وهو النفط .
لقد تمت تغذية التيارات التكفيرية بما يكفي من مشاعر الاحباط والغضب والتعصب كرد فعل على العزل والاقصاء والدستور والممارسات الجارية على الأرض ، بينما يحاول الأمريكي الذي تسبب بكل ذلك عن وعي وتخطيط أن يبتعد بالتدريج عن مسرح الصراع ليوفر دم قواته المسلحة على حساب دم الشعب العراقي الفقير من مختلف الطوائف.

الفدرالية :
ظهرت الفدرالية في سياق تاريخي محدد حين وجدت عدة دول أو أشباه دول مصلحة مشتركة في التجمع ضمن دولة واحدة ، هذا السياق التجميعي هو الحالة العامة ( هناك استثناء واحد في حالة بلجيكا التي تحولت من دولة مركزية الى فدرالية لأسباب خاصة ) وتنتشر الصيغة الفدرالية على نطاق واسع في العالم ( يقدر أن 40 بالمئة من دول العالم فدرالية ) وتعتبر التجربة الأمريكية تجربة نموذجية في مسألة الفدرالية وهناك الهند وسويسرا والمانيا ودول كثيرة .
أظهرت التجربة الأمريكية أن نمو الصناعة وتوسعها يتطلب توسيع صلاحيات السلطة الفدرالية المركزية وتقلص سلطة الولايات ، الاتجاه العام في التجربة الأمريكية منذ اعلان الدستور قبل أكثر من 200 عام هو من الكونفدرالية الى الفدرالية الى فدرالية ممركزة مع نمو الهوية القومية الأمريكية .
الفدرالية نظام سياسي يقوم فيه مستويان حكوميان بحكم نفس المنطقة الجغرافية ونفس السكان ، وأصل الكلمة قادم من الكلمة اللاتينية فيدير وتعني الثقة.
الدولة الفدرالية دولة حقيقية واحدة تمتلك مقومات السيادة ( هناك مبدأ قديم يقول بعدم جواز تجزئة السيادة ) ، جيش واحد بقيادة واحدة ، سياسة خارجية واحدة ، تمثيل ديبلوماسي واحد ،علم واحد ، نشيد واحد ،عملة واحدة ، اقتصاد واحد ..الخ..، ماهو متروك للفيدراليات هي أمور لاتمس مفهوم السيادة في شيء مثل القضاء المدني ، التعليم ، الصحة ، البيئة ، أنظمة الضمان ..الخ . لايوجد في المفهوم الفيدرالي شيء اسمه تقاسم الثروة والسلطة بمعنى أن يكون رئيس الدولة من فدرالية ويكون رئيس الوزراء من فدرالية أخرى ، وأن تستحوذ فدرالية على ماتشاء من عائدات الثروة الوطنية أو الضرائب على حساب فيدراليات أخرى أو تحتفظ بجيش مستقل بقيادة مستقلة تحت أي مسمى ، كما لايوجد في الفدراليات مايسمح بانفصال الفدرالية وخروجها من الاتحاد ، وعلى النقيض من ذلك فالدستور الأمريكي مثلا يجعل من اقراره ميثاقا لنشوء مفهوم الشعب الأمريكي الواحد الموحد أرضا وشعبا .
في الكونفدرالية هناك حق بالانسحاب لدى الدول متى شاءت مثل الاتحاد الأوربي والكومنولث البريطاني ، في البداية نشأت في أمريكا كونفدرالية أدت الى انسحاب 11 ولاية خلال سنتين من عام 1860-1861 واندلعت الحرب الأهلية .
في الحالة العراقية من المهم دراسة السياق التاريخي والسياسي للطرح الفدرالي .
فشل الدولة القطرية العربية في التأسيس لمفهوم المواطنة والذي لعب الاستبداد المزمن دورا هاما فيه أبقى على الانقسامات العمودية في المجتمع ، هكذا بقيت الدولة رابطا فوقيا وقسريا وثيق الصلة بالسلطة وعلى مسافة من النواة الاجتماعية رغم أنها تسببت في تعميق بعض الانقسامات باستخدامها لها كأداة للبقاء ، مع انهيار الدولة في العراق عادت للظهور الانقسامات القديمة ، خاصة تلك التي زادتها الدولة تأزما ،و في السياق التاريخي ذاته فان تفكيك المجتمعات الى كيانات أصغر فأصغر ناتج عن إضعاف العولمة للدولة القطرية العربية ، العراق ليس نموذجا فريدا ، فقط هو يمثل حالة قصوى لاستعمال القوة العسكرية حيث العولمة المعسكرة لم تعد تطيق الصبر لتحقيق أهدافها بالوسائل السياسية وبالتدريج . المستقبل سيحمل لنا إضعافا لا مفر منه للدولة القطرية العربية بتدخل عسكري وبدونه ، وبالتالي فالمجتمع سيتعرض بالتأكيد لانبعاث كل الروابط القديمة التي تخفيها سلطة الدولة وليست الطائفية سوى واحدة منها .
الفدرالية العراقية لا تماثل في شيء الفدرالية الأمريكية أو الألمانية لأن السياقين مختلفان بالكلية ، في العراق لدينا دولة ذات سيادة يتم تدميرها أولا من قبل الاحتلال ، ومن ثم إعادة تشكيلها برعايته وتلك مسألة لا يجب أن تغيب عن البال .
بالنسبة لكردستان العراق هناك مبرر قومي – ديمغرافي للفدرالية ، لكن المرء يتساءل ما هو مبرر الفدرالية في الجنوب؟
نعم هناك شعور لدى الشيعة بالتهميش التاريخي ، يجب الاعتراف بذلك ، لكن المسافة بعيدة بين ذلك الشعور الذي تماهى مع الشعور بالظلم السياسي نتيجة الحكم الاستبدادي السابق وبين طرح الفدرالية .
ما يجدر ملاحظته هنا هو تلك الطبقة السياسية التي تتكون الآن في صفوف الشيعة والتي تسعى للسيطرة على الكيان الفدرالي المؤمل كمدخل لبناء ثروات أسطورية ( خاصة مع وجود النفط )، بهذا المعنى فالفدرالية لا تمثل خلاصا للشيعة بمقدار ما تمثل انقلابا اجتماعيا يتيح فرصة ذهبية لصعود فئة اجتماعية عن طريق إعادة تشكيل الدولة وبالتحالف مع القوة الأمريكية واستلامها لاحقا لمفاتيح السلطة والثروة وذلك هو الدافع الحقيقي ( الدينامو ) للطرح الفدرالي في الجنوب .
من أجل ذلك وجد ذلك الطرح أعنف مقاومة ضمن تيار الصدر الذي يمثل أكثر شرائح العرب الشيعة فقرا ممن لا مصلحة لهم في تقسيم البلاد .
تتقاطع إرادة تلك الطبقة السياسية الشيعية التي تحلم بتحولها إلى أرستقراطية بترودولارية مع خطة أمريكية لتفكيك العراق لإنهاء خطره الاستراتيجي ( خاصة على إسرائيل ) وكرد تكتيكي على المقاومة العراقية .
تعمل قوة الاحتلال بكل ثقلها العسكري والسياسي والمالي على تمرير فكرة الفدرالية وتحاول الطبقة السياسية الشيعية المتحالفة معها إيجاد خطاب سياسي طائفي يجمع بين وعد الشيعة بأموال وخيرات النفط وبين الوعيد بأن ذهاب هذه الفرصة الذهبية قد يعني تعريض الطائفة الشيعية للعودة لحالة التهميش ، وربما لمخاطر أكبر على يد التيارات المسلحة التكفيرية .
في الجانب الآخر يهدد طرح الفدرالية بحرمان مناطق الوسط التي لا تحتوي على النفط والتي يتشكل معظمها من البوادي من ثروة البلاد في الشمال والجنوب ، وذلك يفسر الحدة والإجماع في رفض مناطق الوسط لمشروع الفدرالية .
يتحدث الدستور عن أن ثروة النفط ملك للشعب العراقي بكامله ، لكنه يشير في فقرة أخرى الى جواز تخصيص الأقاليم التي لقيت حرمانا في السابق بحصة خاصة ( غير محددة ) لمدة غير محددة أيضا ( ترك ذلك لقانون لاحق ) ( الفقرة 110 من الدستور )
من الواضح أن ذلك يفتح الطريق واسعا نحو استئثار الأقاليم التي تنتج النفط بالنسبة الكبرى من عائداته بدعوى أنها أقاليم متضررة ، ولا ندري هل كانت الأقاليم الأخرى مستفيدة بكاملها من النظام السابق ؟ وهل يجوز مسبقا التشريع في الدستور لاستثار اقليم بالنفط على حساب الآخر ؟ أم أن التخطيط للإنماء القومي المتوازن يفترض أن يتم عن طريق هيئات متخصصة مركزية وبصورة شاملة ومتوازنة .
لايطرح الدستور نظاما فدراليا كالنظام الأمريكي ، والمسألة السابقة تمثل أحد الأمثلة لتفرد الفدرالية العراقية ، هذا التفرد الناجم عن سياقها السياسي والتاريخي الذي تعرضنا له سابقا .
النظام الذي يقره الدستور لإدارة البلاد يضم محافظات غير منضوية ضمن أقاليم تتبع مباشرة للحكومة الاتحادية ويخلق ذلك علامة استفهام كبيرة حول هل هذا النظام فدرالي حقا ؟
محافظات بدون إقليم الى جانب الأقاليم ، ترى ماهو مبرر وجودها ؟ وماذا يعني ذلك في الواقع وفي أذهان المخططين لمستقبل العراق ؟
لايصعب على المرء الاستنتاج أن المحافظات المقصودة هي تلك التي تقع وسط العراق والتي سترفض الدستور العراقي ، وبالتالي سيتم إبقاؤها على نظامها الإداري كمحافظات وحكمها من قبل السلطة الاتحادية المركزية ويعني ذلك جعلها في مرتبة أدنى من الأقاليم من حيث استقلالية القرار .
ورد في مقدمة الدستور ان ( الالتزام بهذا الدستور يحفظ للعراق اتحاده الحر شعبا وأرضا وسيادة ).
هكذا فليس الدستور إعلان لوحدة العراق وتكريس لهذه الوحدة ولكن الالتزام به هو الذي يحفظ وحدة العراق بمعنى أن الإخلال به من قبل أية فئة كانت يجعله عقدا مطعونا به وغير نافذ ويتيح للأطراف الأخرى البقاء ضمن الاتحاد أو الانفصال .
تشكل هذه الفقرة بابا خلفيا لخروج طرف أو أكثر من الاتحاد بحجة خرق الدستور ، ويعيدنا ذلك للشكل الكونفدرالي للإتحاد الذي يجيز الانفصال للدول المنضوية تحت لوائه.
تشير المظاهرات الحاشدة التي نظمها تيار مقتدى الصدر ضد الفدرالية والتقسيم الى وجود معارضة شعبية شيعية لفكرة الفدرالية ، لكن هذه المعارضة لايمكن ان تشق طريقها دون جهد واع من الأطراف والقوى الوطنية العراقية .
ان الأعمال الإجرامية ضد المدنيين الموجهة طائفيا تدفع باتجاه تعميق الانقسامات والتمهيد للفدرالية ، وتضع الجماهير الشيعية العربية بين مطرقة الاحتلال الأمريكي وعملائه وسندان القوى الطائفية التكفيرية ، وعلى جميع القوى الوطنية العراقية والعربية العمل لفك الحصار حول تلك الجماهير وعزل التيارات الطائفية وبناء الجسور بين القوى الوطنية العراقية من مختلف الطوائف لمواجهة مخاطر المرحلة القادمة ، وإحباط مؤامرة تقسيم العراق ، وإنهاء هويته ، وتأبيد احتلاله وتبعيته ، وبيعه بأرخص الأثمان .