دستور العراق.. هل هو مقدمة لتفتيت طائفي للمنطقة العربية؟!

  محمد جمال عرفة**

 

 

ما معنى أن يصدر دستور جديد للعراق -ترعاه واشنطن- ينص على أن العراق لا ينتمي للعالم العربي ولكن "الطائفة السنية العربية" فقط هم "جزء" من الأمة العربية؟ وما معنى أن ينص الدستور على توزيع النفط والثروة وفقا لوجودها في كل إقليم تسكنه أقلية عرقية أو طائفية؟، وما معنى أن يتم النص على حق كل طائفة في إقليم ما أن تنفذ ما تراه في حال إذا لم تناسبها قرارات الحكومة المركزية في الأمور التي لم يتفق على إدارتها بالمشاركة؟ وما تداعيات كل ذلك على الأوضاع السياسية القائمة في دول المنطقة؟.

من أخطر ما سيترتب على الدستور العراقي الجديد أنه لن يؤدي فقط لتفتيت الدولة العراقية الموحدة في المستقبل القريب، ولكنه يفتح فوهة بركان الأقليات العرقية والدينية والطائفية في العالم العربي والدول الإسلامية المحيطة بالعراق، والتي لم تتعامل معها الأنظمة العربية ومع مشكلاتها بشكل جدي.

والسؤال المطروح هو: هل يأتي ذلك ضمن خطة متعمدة لتفتيت المنطقة العربية والإسلامية ينفذها أقطاب اليمين المسيحي المتطرف في إدارة بوش على نار هادئة؟ وهل ما تسرب سابقا عن خطط أمريكية أعدها قادة اليمين المسيحي الصهيوني في إدارة بوش – نقلا عن خطط إسرائيلية – لتفتيت هذه المنطقة كحل للسلام الذي يريدونه وهيمنة أمريكا على العالم الإسلامي، بدأ تنفيذه بالعراق وسيستمر العرض ليطال باقي الدول العربية والإسلامية بدعوى نشر الديمقراطية والحريات والقضاء على العنف؟

ليس سرا أن هناك مئات الدراسات الغربية عن الأقليات الدينية والعرقية والطائفية في المنطقة العربية والإسلامية، بعضها يطالب بوضوح بالتحرك لاستغلال هذه المساحة للضغط على هذه الدول، وليس سرا أن بعض هذه الملفات يجري فتحه في أوقات مختلفة وفقا للمصلحة الأمريكية.

وليس خافيا كذلك أن ثمة خططا إسرائيلية – كشف عنها موشي قرحي في كتاب أصدره مركز ديان للأبحاث التابع لجامعة تل أبيب عن انفصال جنوب السودان - لمساندة الحركة الانفصالية في العالم العربي وتشجيع وحث الأقليات والطوائف المختلفة في المنطقة للتعبير عن ذاتها، للحصول على حق تقرير المصير والانفصال عن الدولة الأم وهو ما ظهر بوضوح في الإقليم الكردي بالعراق عقب الغزو الأمريكي.

وإذا كانت هذه الأقليات قد تم ترويضها أو قمعها ومنع تطلعاتها الانفصالية في أوقات زمنية معينة، فهناك مخاطر أن تنتعش هذه التطلعات وتزيد في الآونة القادمة يشجعها في ذلك دستور العراق الجديد الذي أعطي أهمية لحقوق الأقليات وللفيدرالية، وصور الأمر على أنه حرية وديمقراطية، بعيدا عن الهوية الدينية أو القومية العربية.

مخاطر ثنائية الشيعة والأكراد

ومع أن الأمر أخطر من أن يقتصر على شيعة المنطقة العربية المحيطة بالعراق والمنتشرين في الخليج العربي خاصة السعودية والبحرين والإمارات والكويت وفي سوريا ولبنان وفق مذاهب تشيع مختلفة، وأخطر من أن يقتصر على أكراد المنطقة المنتشرين في سوريا وتركيا، ويتعداه إلى قوى طائفية ودينية أخرى في غالبية المنطقة العربية، فالألغام الأولى المتوقع تفجرها بسبب الدستور العراقي ستكون الأقليات الشيعية والكردية.

فقد لعب الإيرانيون دورا هاما لا يخفى في مساندة بعض القوى الشيعية بالعراق بشكل غير عادي منذ انهيار حكم صدام حسين وانتشار الفوضى، وتزامن هذا مع بوادر نشاط كبير لشيعة السعودية (10%) والبحرين (حوالي 80%) في صورة المشاركة في انتخابات البلديات السعودية أو الخروج في مظاهرات في الثانية، وركزت وسائل الإعلام الأمريكية – ومن بينها محطة "سي إن إن" – على ما قالت إنه "تحفز شيعة السعودية" بعد انتخابات العراق في يناير 2005.

وقد نجحت الحكومة السعودية في الاستيعاب المبكر لهذه الأقلية الشيعية التي تقدر بمليوني شيعي والتي تستقر الغالبية العظمى منها في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط، فور ظهور بوادر مخاطر الغزو الأمريكي للعراق وعلو شأن شيعة العراق، من خلال حوارات الإصلاح وتسليم وثيقة اشتهرت بعنوان "شركاء في الوطن" من قبل مثقفين شيعة للملك عبد الله بن عبد العزيز – حين كان وليا للعهد - تطالب بإصلاحات سياسية وحريات أوسع.

وبدا أن مشاركة الشيعة في انتخابات البلديات السعودية الأخيرة وفوزهم في مناطق تمركزهم مؤشر على هذا الاستيعاب بعد فترة توتر وشكاوى شيعية من معاملتهم باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية في فترات سابقة.

وينطبق الأمر نفسه على شيعة البحرين (80% في تقديراتهم) والذين يشكلون أغلبية في البلاد ودخلوا في فترات سابقة – بجانب التيارات الليبرالية واليسارية - في صراعات مع الحكومة السنية، تعرضوا خلالها لاعتقالات طالت رموزهم خصوصا في عقد التسعينيات، والذين قد يدفعهم دستور العراق للتقدم بمطالب سياسية ذات سقف أعلى ونصيب أوفر في السلطة والثروة، وكذلك شيعة الكويت (30% حسب تقديرات غير رسمية) وربما شيعة الإمارات (16%).

بعبارة أخرى هناك مخاوف من أن يعيد نص الدستور العراقي على الفيدرالية وتوزيع الأقاليم والثروة مخاوف النظام في السعودية من إمكانية تأثير هذا الدستور على الشيعة السعوديين وتصعيد مطالب مشابهة لمطالب شيعة العراق خصوصا عقب دخولهم المعترك السياسي بقوة من خلال الانتخابات البلدية والتحول لموقف أكثر جرأة في طرح مطالبهم ومشاكلهم على الملأ، وربما يفسر هذا، إلى جانب عوامل أخرى، الانتقادات الرسمية السعودية لمشروع الدستور العراقي.

والمشكلة الأخرى الأكثر تفجرا والمطروحة بالفعل هي مشكلة (الأكراد) الذين ينتشرون في المثلث (العراقي – السوري – التركي) وهناك مخاوف قديمة من سعيهم لتشكيل دول مستقلة في هذه المناطق الحدودية المشتركة وخصوصا أن تعدادهم في العراق 18% من السكان، وإن كان الرقم يقل في سوريا وتركيا.

والتخوف الأكبر منهم يأتي من جانب تركيا التي تخشى أن يسعى الأكراد إلى إعلان دولة لهم في شمال العراق مما يحفز أكراد تركيا إلى المطالبة بالانفصال عن تركيا أسوة بأبناء جلدتهم في شمال العراق، وكان هذا سببا في سعي الأتراك للإعلان مسبقا عن أحقيتهم في ضم أجزاء من شمال العراق منها الموصل بهدف إجهاض هذه المحاولات الانفصالية الكردية، وهي محاولات تمثلت أيضا في حرب في الإقليم الكردي جنوب تركيا طوال 15 عاما وأثمرت قتالا عنيفا بين الجيش التركي ومتمردين من حزب العمال الكردستاني المحظور الذي يسعى إلى إقامة حكم ذاتي في المنطقة التي تسكنها غالبية من الأكراد.

ويزيد الأمر خطورة بالنسبة لتركيا أن حزب مؤتمر شعب كردستان "كونغرا-جيل" تحرك بقوة عقب سقوط بغداد في إبريل 2003، وانتعاش آمال أكراد العراق في حكم ذاتي، أنهى هدنة سبق أن أعلنها حزب العمال الكردستاني من جانب واحد عام 1999 ابتداء من الأول من يونيو 2005 لتعود الحرب وتزداد مطالب الانفصال لأكراد تركيا.

الخريطة الطائفية العربية

ولا يقتصر الأمر على الشيعة والأكراد في المنطقة المحيطة بالعراق، إذ إن هناك مشاكل أخرى متعلقة بنسبة غير عادية من الطوائف الدينية والعرقية في المنطقة العربية منهم "الأقلية السنية"، كما هو الحال في العراق وإيران، فضلا عن مشكلة أخرى للأغلبية السنية في سوريا التي تطمح لوضع حد لسيطرة الأقلية الشيعية (النصيرية أو العلوية) على الحكم.

وهناك أيضا في السودان التقسيم العرقي/ الديني بين الشماليين (العرب المسلمين) والجنوبيين (الأفارقة الوثنيين والمسيحيين) والذي رسخه على الأرض اتفاق نيفاشا بين حكومة الخرطوم وحركة التمرد في الجنوب وحدد نسب كل من الجنوبيين والشماليين في حكومتي المركز في الشمال وحكومة الجنوب، كما يجري الحديث من قبل متمردي غرب السودان في دارفور عن تقسيم آخر بين العرب والأفارقة رغم أنهم كلهم مسلمون، وهو ما دفع مسئولا سودانيا للقول بأن إدارة بوش تسعى لتفتيت السودان وفق نظرية جديدة هي: تفتيت الأطراف السودانية في الجنوب والغرب والشرق عن الجسد الأم في الشمال.

وضمن سياق هذه الخريطة العرقية والطائفية في المنطقة، هناك كذلك المسيحيون العرب (الأرثوذكس والكاثوليك والروم الأرثوذكس والكاثوليك والأرمن)، والمسيحيون غير العرب (النساطرة - الآشوريون أو الأرثوذكس الكاثوليك أو الكلدان - اليعاقبة أو السريان)، وأبرز المسيحيين العرب هم الأقلية المسيحية في مصر (5% وفق تقديرات شبه رسمية) والأقليات المسيحية المشابهة في العراق وسوريا والأردن وغيرها، وهناك أيضا التركمان، واليهود وحتى الأقلية ذات الجذور الإيرانية في دول الخليج (12% من سكان الإمارات و10% من سكان البحرين و5% من سكان الكويت وغيرهم).

وتكفي نظرة سريعة على التوزيع الطائفي في المنطقة العربية، كي تشير للمخاطر التي قد يحملها الدستور العراقي مستقبلا على الكثير من هذه الدول بالنظر إلى وجود طوائف وأعراق ذات مطالب انفصالية واضحة أو – على أقل تقدير - لديها تطلعات في الحصول على قدر أكبر من الحكم والمكاسب السياسية، مما يجعل مشاكل هذه الأقليات بمثابة متفجرات موقوتة قد تنفجر في أي وقت أو حسب الحاجة.

ففي لبنان حيث يشكل المسيحيون العرب (موارنة وروم أرثوذكس وروم كاثوليك وبروتستانت) 33% من السكان، والمسيحيون غير العرب (الأرمن "الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت" والسريان واللاتين والأقباط) 5%، كما يشكل الدروز 6%، والعلويون والأكراد والترك كل منهم يشكل نحو 1% من السكان، وهناك تقديرات أن الشيعة أصبحوا غالبية السكان بعد الأرمن وقبل السنة، وقد استغلت القوى الأجنبية وبعض القوى المحلية هذه التركيبة الطائفية المعقدة من أجل تحقيق مصالح سياسية واقتصادية منذ القرن الثامن عشر، وبلغت ذروة هذا الاستغلال خلال الحرب الأهلية اللبنانية بين 1975 إلى 1990.

وفي الجزائر، يشكل البربر السنة (أهمهم الشاوية والقبائليون والشلوح) 26% من السكان، بينما يشكل كل من المسيحيين العرب وكذلك الإباضيون المزابيون، (وهم من البربر)، والطوارق (بربر سنة من البدو الرحل)، والمسيحيون البربر (خصوصا في جبال القبائل) 1% من السكان.

أيضا في المغرب يشكل البربر (مسلمون سنة أهمهم الريفيون والأمازيغ والشلوح) 36% من السكان، والطوارق (بربر من البدو الرحل) أقل من 1%، واليهود 0.2 %، والأوربيون (الغالبية الساحقة مسيحيون) 1%، والأفارقة (الزنج) أقل من 1%، ولا يختلف الحال مع موريتانيا، التي يشكل المولدون (عرب وبربر) فيها نسبة 40%، والأفارقة (وخصوصا التكرور والولوف والسونينكي والفولاني) 20%، والبربر (بمن فيهم الطوارق) 2.5%.

وفى مصر، يشكل الأقباط (معظمهم من الأرثوذكس، مع أقلية من الكاثوليك وأقل منها من البروتستانت) 5% من السكان وفقا للتقديرات الرسمية، أو 8% وفقا لتقديرات قبطية، يليهم النوبيون وجماعات أخرى ويشكلون 2%، وتلعب قوى استعمارية غربية منذ زمن كبير على فكرة انفصال المسيحيين والنوبيين بدولة في جنوب مصر، وتوارثت هذا الهدف الحكومات الغربية الحالية بهدف الضغط على حكومة مصر وابتزازها سياسيا.

وفي الأردن يشكل المسيحيون (معظمهم عرب من الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك ومنهم عشائر بدوية) نحو 5% من السكان، أما الشركس (مسلمون سنة) فيشكلون1.6%، وهناك أيضا الشيشان (مسلمون سنة)، والأرمن الأكراد، والتركمان وهؤلاء جميعا لا يشكلون نحو 1% من السكان، بينما يبلغ عدد الدروز نحو 25 ألف نسمة.

وفى سوريا يوجد (العلويون) بكثافة في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وهم يشكلون 10% من السكان، والدروز 4%، والإسماعيليون 1%، والمسيحيون العرب (معظمهم روم أرثوذكس وروم كاثوليك وموارنة) 7%، أما المسيحيون غير العرب فهم 3%، والأكراد (يشكلون كثافة سكانية في المناطق الحدودية بشمال سوريا لا سيما محافظة الحسكة) يشكلون 4%.

وفي السودان هناك انقسام كبير بين العرب والأفارقة في الشمال والجنوب والغرب، وانقسام آخر بين المسلمين والمسيحيين وانقسام أعمق بين القبائل تلعب عليه القوى الاستعمارية، وهناك خطط أمريكية في عهد إدارة بوش الحالية تحدث عن مسئولين سودانيين تتلخص في تقسيم السودان من خلال حزمة من اتفاقات السلام (لا الحرب) تعطي كل طائفة امتيازات سياسية وحرية الانفصال.

وبشكل عام يوجد في السودان بجانب الأغلبية العربية السنية كل من: الوثنيون (كلهم من غير العرب) 25% - المسيحيون 5% - البجا 6% - الهوسا 4% - النوبيون 3% - الفور 2% - شعوب صحراوية أخرى 4% - القبائل النيلية وشبه النيلية 16% - البانتو 2%.

وأمام المخططات الأمريكية الرامية إلى إعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط، وفي القلب منه المنطقة العربية، سواء بالحرب أو عبر مشروع الشرق الأوسط الكبير، يصبح التساؤل الملح هو: هل تقتصر فيدرالية الدستور العراقي على الطوائف والأعراق العراقية التي تحركت للمطالبة بنصيب في كعكة التقسيم الطائفي العرقي، أم يمتد تأثيرها إلى دول أخرى مجاورة تعاني مشاكل عرقية وطائفية أخرى قد يشجعها ما جرى في العراق للمطالبة بمكاسب سياسية أو طائفية أو ربما انفصالية؟

 

** محلل الشئون السياسية بإسلام أون لاين.نت