الإسلام / الماركسية

علاقة الالتقاء و الاختلاف

محمد الحنفي

 

 

 

و ما نيل المطالب بالتمني            و لكن تؤخذ الدنيا غلابا

احمد شوقي

 

 

 

* إلى كل الشهداء الذين اغتالتهم أيادي الظلام.

* إلى الشهيد عمر بن جلون الذي رحل قبل أن يؤدي دوره ...

* اهدي هذا العمل الذي لا ادعي انه ينال من العمق ما يستحق.

* من اجل أن نتذكر، و أن نعتبر، و أن نجتهد، و أن نبدع.

* من اجل أن نساهم في بناء ما بدأوه.

محمد الحنفي

 

 

 

قبل المقدمة واجب التوضيح :

 

إن موضوع " الإسلام / الماركسية : علاقة الالتقاء و الاختلاف " قد يجعل الكثيرين يستغربون طرحه الآن، و في هذه الظروف بالخصوص لكونه لم يعد واردا لا في فكر المتنبئين الجدد الذي يعمل كل مباضعه، و ما توفر لديه من إمكانيات لجعل الفكر الماركسي عدوا للإسلام، و عدوا للمسلمين. و يسعى فكر المتنبئين الجدد، و عن جهل بفكر الماركسية، إلى جعل المسلمين "يجاهدون" ضد الماركسية و الماركسيين، و بدون معرفة حقيقية لا بالماركسية و لا بالماركسيين لإتاحة الفرصة أمام السياسة الرأسمالية عن طريق عولمة اقتصاد السوق بطريقة همجية. نجد استمرار المتنبئين الجدد في تناول الماركسية و الماركسيين بالتجريح و النبذ، دعما لعولمة الاستغلال الرأسمالي و سعيا إلى تكريس التخلف عن طريق سيادة الفكر الذي يفتقد العقلانية التي اصبحت قاعدة في ممارسة الفكر البورجوازي، و البورجوازي الصغير، و الإقطاعي، و هو ما يتنافى مع تطور العلوم و التقنيات الحديثة كما يتنافى مع الدعوة إلى تعميم الممارسة الديمقراطية و حقوق الإنسان في جميع الدول التابعة التي يسود فيها النظام الاشتراكي دون الدول الرأسمالية أو المحكومة بالنظم المتخلفة المرتمية في أحضان أمريكا دون قيد أو شرط.

إن تناولنا لموضوع الإسلام و الماركسية، و معالجتنا لعلاقة الالتقاء و الاختلاف، إنما يهدف إلى تجديد التفكير فيهما سعيا إلى زحزحة ما اصبح أو ما أريد له أن يكون من الثوابت و هو العداء القائم بين الماركسية و الإسلام الذي لا يعبر عن العداء المطلق بقدر ما يعبر عن عداء مؤدلجي الدين الإسلامي للماركسية باعتبارها منهجا علميا يسعى إلى تحليل الواقع، و الكشف عن التناقضات القائمة فيه، و تفجيرها و التسريع بتجاوزها في أفق تحقيق المجتمع الاشتراكي، و هو ما لم يسع إليه الإقطاعيون و أشباههم البورجوازيون و كل من يتطلع إلى أن يكون كذلك.

فالكشف عن خلفيات تكريس عداء "الإسلام" للماركسية يعتبر من مهمة المثقفين الثوريين الذين تقتضي الأمانة العلمية أن يكونوا على معرفة عميقة بالإسلام و بالماركسية معا، من اجل البحث العميق في العلاقة بينهما، و إزالة اللبس الذي يبثه مؤدلجوا الدين الإسلامي لتشويه صورة الإسلام. فالإسلام إسلام، و الماركسية ماركسية، و شروط ظهور كل منهما مختلفة، و أهدافهما مختلفة، مع إمكانية التقاطع بينهما. و هو ما يمكن اعتماده للقول بأن العداء بين "الإسلام" و الماركسية عداء مفتعل، و هو ما يستلزم التصدي لهذا الافتعال لإرجاع الصراع إلى وضعه الحقيقي كصراع بين الطبقات الموجودة على ارض الواقع، لا بين السماء و الأرض، لأن صراعا من هذا النوع هو تحريف للحقيقة، و ظلم للواقع، وفقدان للعلم، و ابتئاس للمنهج. و لذلك رأينا انه من الضروري تناول الموضوع أعلاه، إثارة له، و مساهمة في النقاش الذي يجب استرجاعه إلى الساحة النظرية بصفة عامة و الفكرية بصفة خاصة حتى تتم إعادة النظر في المقولات الجاهزة عند مؤدلجي الدين الإسلامي و محولي الماركسية إلى عقيدة. و ذلك فهو المبتغى الأسمى الذي نسعى إليه، لأن إعادة النظر إذا تم الاقتناع بها تعني أننا نعترف بالجناية على الإسلام، و على الماركسية معا، و المستفيد الأول من تلك الجناية هم المستغلون الحاكمون المستبدون من "المسلمين" في بلاد المسلمين أنى كان لونهم، أو كانت هويتهم، سواء كانوا إقطاعيين أو شبه إقطاعيين أو رأسماليين أو شبه رأسماليين. فهم المستفيدون وحدهم من كل صراع غير حقيقي و غير مشروع. لأن الصراع المشروع وحده يرعبهم، انه الصراع الحقيقي بكل تجلياته الذي يعملون على تغييبه و استبداله بأشكال أخرى من الصراع . كالصراع بين مذاهب الدين الواحد كالسنة و الشيعة في الإسلام، و الكاثوليك و البروتستانت في المسيحية. و قد وجدوا في "الإسلام" و الماركسية مبتغاهم، فافتعلوا الصراع بينهما في الوقت الذي لم يسبق لهم أن افتعلوا الصراع بين "الإسلام" و الرأسمالية. و كان المفروض أن يكون الأمر كذلك، إلا أن المستغلين المنتمين إلى طبقة الرأسماليين و ما يشابهها استطاعت بذكائها الاستغلالي افتعال الصراع بين "الإسلام" و الماركسية بعد أن اكتسبوا المتنبئين الجدد إلى جانبهم بشراء ذمتهم : و هو ما يساعد على تغييب المعنيين بالصراع، و المعنيين بالاستغلال، و ذلك هو مبتغى الاستغلاليين الحاكمين المستبدين.

فهل يعمل المثقفون الثوريون، و المتنورون على إزالة الغشاوة عن أعين الناس ؟

إنها مسافة الزمن بين التضليل و بين الرؤيا الواضحة للطريق الصحيح . و الطريق الصحيح هو عودة الوعي الحقيقي إلى أصحابه الحقيقيين.

 

مقدمة :

مع حلول عصر العولمة، و انهيار المعسكر الاشتراكي و سيادة الرأسمالية الهمجية المتجسدة في اقتصاد السوق. و ظهور بوادر مقاومة من نوع جديد لهذا الاقتصاد، و تكثيف الحديث عن حقوق الإنسان الذي يعكس الغياب الفعلي لهذه الحقوق، و حلول خطر "الإرهاب"  محل "الخطر الشيوعي" الذي وظفت لمقاومته إمكانيات ضخمة، لا من اجل القضاء عليه، لأنه ليس موجودا أصلا، بل من اجل القضاء على النظام الاشتراكي الذي يستقطب أنظار الشعوب المقهورة، و كاد الحديث عن الماركسية يختفي من الكتب، و المجلات، و الصحف، و سائر وسائل الإعلام، و كأن الماركسية أصبحت سبة يتجنب الجميع أن ينعت بها. و اصبح العديد من الماركسيين، الذين نفتخر بكتاباتهم يعلنون توبتهم أمام أعتاب أنظمة البترودولار. و في نفس الوقت يتم الترويج لخطابات المتنبئين الجدد بكل الوسائل الممكنة و خاصة إذا كانوا "ماركسيين" سابقين، و غير الممكنة لمحاربة الفكر الاشتراكي العلمي، و تصبح الشعارات الأيديولوجية المنسوبة إلى "الإسلام" هي الهدف الذي تستقطب شعوب المتنبئين الجدد إلى تحقيقه.

فحلول عصر العولمة هو تتويج لخطة رأسمالية إمبريالية همجية تسعى إلى تحقيق السيطرة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية على شعوب الأرض التي توظف لمحاربة الفكر الماركسي على أساس انه ينشر "الإلحاد" و "الكفر" بين المسلمين، و تقديم الدعم الذي لا حدود له لأقلام المتنبئين الجدد التي تبشر ب"الإسلام". و تنشر "الفكر الإسلامي" الذي لا يمكن اعتباره إلا أيديولوجية ظلامية تستهدف تقويض الفكر العلمي، و زعزعة المنهج العلمي الذي هو جوهر الماركسية لتمهيد الطريق أمام اكتساح النظام الرأسمالي العالمي للقارات الخمس، و السطو على الخيرات الاقتصادية و استغلال الموارد البشرية و تعميم اقتصاد السوق، و بسط الطرق و الممرات أمام الشركات العابرة للقارات، و إغراق الأنظمة التابعة بالمزيد من الديون.

و بالمقابل ف "الإسلام" انطبع في أذهان الناس في جميع أنحاء العالم بما اصبح يعرف بالإسلام السياسي الذي يقود الثورة المضادة للحركة الماركسية بكل الوسائل الممكنة، و ضد الأنظمة التابعة، و على رأسها الدولة الصهيونية التي قاومها الماركسيون منذ البداية، من اجل الوصول إلى السيطرة على الكرة الأرضية بعد أن تلقوا دعما محدودا من قبل أمريكا لمقاومة "المد الشيوعي" و إلى جانب "الإسلام السياسي" هناك "الإسلام" الرسمي الذي تحتمي به الأنظمة التابعة التي توظفه لقهر شعوب المسلمين المقهورة خدمة لأمريكا، و محاربة الماركسية المتجسدة في حركاتها كأحد اوجه تلك الخدمة.

أما الإسلام الحقيقي الذي يبث القيم النبيلة في نفوس المسلمين و مسلكياتهم الفردية و الجماعية، و يوطد الروابط الروحية و الاجتماعية بين المسلمين في كل البلاد الإسلامية، هذا الإسلام هو ما يصطلح على تسميته بالإسلام الشعبي لامتزاجه بالعادات و التقاليد و الأعراف، و براءته من الممارسة الاسلاموية الرسمية و التي تختزل الإسلام في مجموعة من التيارات "الإسلامية".

و في هذا الإطار سنعالج العلاقة بين الإسلام كعقيدة و كشريعة ، و بين الماركسية كمنهج للتحليل و كهدف، واقفين على الشروط التاريخية التي ظهر فيها الإسلام، و الشروط التاريخية التي ظهرت فيها الماركسية، و اختلاف دور الإسلام عن دور الماركسية، و لجوء التيارات "الإسلامية" إلى تحويل "الإسلام" إلى ممارسة أيديولوجية مما يمكن اعتباره ممارسة تحريفية، واقفين على أهداف الإسلام و أهداف الماركسية و مجيبين على السؤال : ما هي نقط الالتقاء، و نقط الاختلاف ؟ و مستشفين حقيقة عداء الإسلام للماركسية و هل هو عداء حقيقي و أصيل في الإسلام ؟ أم هو مجرد ادعاء أيديولوجي ؟ و كذلك حقيقة عداء الماركسية للإسلام و هل هو قائم في الفكر الماركسي و الممارسة الماركسية ؟ أم انه مجرد افتعال من قبل المتمركسين ؟ و عاملين على الإجابة على السؤال هل يصح إطلاق المقولة الماركسية "الدين أفيون الشعوب" على   الإسلام ؟ أم انه مجرد زعم لا علاقة له بالشروط التاريخية التي جاءت فيها تلك المقولة ؟ و مستعرضين بعض اوجه ظلم بعض الماركسيين للإسلام، و ظلم الإسلاميين للماركسية و واقفين على إمكانية لاهوت إسلامي ماركسي، و على كرامة الإنسان بين الإسلام و الماركسية مستقبلا. و بذلك نكون قد قمنا بتحليل موضوعي للعلاقة بين الإسلام و الماركسية كمساهمة لمد الجسور بينهما من اجل مواجهة المد الرجعي المتخلف المتمثل في واجهتين : واجهة همجية اقتصاد السوق، و واجهة المتأسلمين الذين يؤدلجون الدين الإسلامي لتحقيق أهداف طبقية و سياسية معينة.

 

الإسلام كعقيدة و كشريعة :

و حتى لا تختلط الأمور في أذهاننا و نتيه بين التيارات و الفصائل و الأحزاب المؤدلجة للدين الإسلامي الحنيف و التي تعادي الماركسية بشكل مطلق و تعطي الأولوية لمحاربتها على أي نمط آخر من التفكير و الممارسة حتى و لو كان اكثر عداء للإسلام، و اكثر استغلالا للمسلمين كما هو الشأن بالنسبة للنظام الرأسمالي الهمجي.

فالإسلام الذي نقصده هو الذي يهدف إلى تربية الروح الإنسانية في الأفراد و الجماعات، و يسعى إلى تطهير المسلكيات الفردية و الجماعية من كل ما يضر بالعلاقات بين الأفراد و الجماعات، و يحط من كرامة الإنسان، و يسعى بكل ذلك إلى حفظ تلك الكرامة التي هي قوام الوجود البشري. و إسلام كهذا يتجسد في مستويين من التربية الروحية و الخلقية :

المستوى الأول : الإسلام كعقيدة، و هو إسلام يتجسد في مجموعة من الشعائر الدينية التي تكتسب بعدا اجتماعيا أثناء ممارستها وسعيا إلى تحقيق أهدافها، كشعيرة الصلاة التي تهدف أولا و قبل كل شيء إلى تطهير المجتمع من كل المسلكيات الخبيثة. فقد قال الله تعالى في هذا الإطار "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر" فالفحشاء و المنكر مسلكيتان اجتماعيتان خبيثتان يتجنب الناس ممارستهما بسبب التشبع بالدين الإسلامي، المعبر عنه بأداء فريضة الصلاة، و كذلك الشأن بالنسبة لشعائر الزكاة و الصيام و الحج، فهي كلها تعبيرات مختلفة عن الانتماء إلى الإسلام و تسعى إلى تحقيق أهداف اجتماعية سامية.

المستوى الثاني : الإسلام كشريعة الذي يتمثل في القوانين المنظمة للعلاقات بين المسلمين فيما بينهم، و بين المسلمين وغيرهم. و تلك القوانين و التشريعات التي تستمد قوتها من القرءان الكريم و الحديث الشريف و تتغير بتغير الزمان و المكان حتى تتلاءم مع المستجدات التي تطرأ عبر ما يصطلح على تسميته بالاجتهاد و القياس و الإجماع. و الشريعة ليست جامدة بقدر ما هي مرتبطة بتحول أحوال المسلمين الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و قابلة للملاءمة مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان مادامت تلك الحقوق تهدف إلى تحقيق كرامة الإنسان التي هي غاية الشريعة الإسلامية. و ما أصاب الشريعة الإسلامية من جمود ما هو إلا من فعل المتزمتين و المتطرفين الذين يسعون إلي المحافظة على مصالحهم الطبقية المرتبطة بنمط التفكير المتزمت و المتخلف الذي لا علاقة له بحقيقة العقيدة و لا بحقيقة الشريعة في هدفيهما و سعيهما إلى تحقيق كرامة الإنسان.

و انطلاقا من هذا التصور يمكن أن نقول : إن الإسلام لا علاقة له لا بالرأسمالية و لا بالاشتراكية و لا بالماركسية، و لا بأي نمط من أنماط الإنتاج أو التفكير، فإن ما نراه من مقارنة بالمذاهب الاقتصادية و الفكرية إنما هو مجرد إقحام له في كل ذلك. و هو إقحام فيه تعسف، و لا يمارسه إلا المتنبئون الجدد الدين يسعون بكل ما أوتوا من قدرة على ادلجة العقيدة و الشريعة إلى بقاء المسلين الكادحين و المقهورين و الفقراء و المتخلفين بعيدين عن كل التيارات الفكرية و المذاهب الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى يبقوا في خدمة المتنبئين الجدد الطبقية، و حتى لا يتملكوا وعيا  يؤهلهم للسعي إلى التسريع بتطوير أوضاعهم العامة و الخاصة.

 

الماركسية كمنهج للتحليل :

و لإزالة الخلط القائم في مختلف الكتابات و خاصة منها تلك التي يدبجها المتنبئون الجدد، فإن الماركسية جاءت كثورة على أوضاع اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و مدنية و سياسية تغلغلت فيها همجية الاستغلال الرأسمالي في المجتمعات الرأسمالية خلال القرن التاسع عشر ليمتد بعد ذلك إلى القارات التي تحولت إلى مستعمرات للدول الرأسمالية الاستعمارية و أهم شيء في الماركسية هو المنهج العلمي بقوانينه الدياليكتيكية و التاريخية التي وظفها الماركسيون في كل بقاع العالم من اجل الكشف عن القوانين الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية المتحكمة في الواقع حتى تستطيع الحركات المناضلة تغيير ذلك الواقع اعتمادا على تلك القوانين المتحكمة فيه.

و منهج التحليل الماركسي ليس وحيا من السماء و ليس من أدوات محاربة الوحي الآتي من السماء، انه اكتشاف خلاق و مبدع قام به مؤسسا و رائدا الماركسية ماركس و إنجاز انطلاقا من التطور الذي عرفته العلوم الطبيعية، و الرياضيات و الفلك و تعاظم  المكتشفات العلمية و المخترعات التكنولوجية، و تسارع عملية السيطرة على الطبيعة و تسخيرها لخدمة الإنسان الذي اصبح يتجسد في الطبقة الرأسمالية المالكة لوسائل الإنتاج.

 و يهدف المنهج الماركسي من وراء تحليل مكونات الواقع، و اكتشاف القوانين المتحكمة فيه إلى تمكين المقهورين و المستغلين بقيادة الطبقة العاملة من امتلاك الوعي اللازم للانخراط في النضال من اجل تغيير الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي و الوصول إلى تحقيق التوزيع العادل للثروة و الخدمات و القضاء على كل أشكال الظلم و القهر و الاستبداد من اجل مجتمع بلا استغلال بلا طبقات.

و لا يمكن للمنهج الماركسي أن يكون علميا إلا إذا استحضر مختلف المكونات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي ينطلق منها كمعطيات حتى يكون التحليل سليما و متكاملا و مؤديا إلى نتائج علمية صحيحة.

و بالنسبة للمجتمعات التي تعتنق الدين الإسلامي، فإن النهج الماركسي يجب أن يستحضر هذا المكون الرئيسي و الأساسي الذي يقتضي التعامل معه، و المعرفة به، و بالشروط التاريخية التي وجد فيها، و استطاعته الوصول إلى جميع القارات الخمس و استقرار الإيمان به و اتساعه وصولا إلى استغلاله لاستنهاض الشعوب المقهورة من اجل مقاومة القهر و تحقيق العدالة الاجتماعية. فاستحضار الإسلام، و اعتناق العديد من الشعوب المقهورة له في التحليل الماركسي لواقع تلك الشعوب الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي و دوره في تربية الشعوب و توجيه مسلكياتها الجماعية و الفردية. يعتبر مسألة أساسية و ضرورية ليس من منطلق محاربته كما قد يعتقد البعض كرد فعل على ما يقوم به المتنبئون الجدد في حق الماركسية، و المنهج الماركسي بل من اجل استثمار تأثيره في الشعوب الإسلامية في الاتجاه الصحيح.

و تحليل كهذا يستحضر الإسلام  و دوره في الشعوب الإسلامية لا يتناقض أبدا مع مادية المنهج الماركسي، و لا مع مثالية الإسلام. لأن التناقض في التحليل غير وارد، و لأن مثالية الإسلام تتحول إلى واقع مادي عندما يكون بعيدا من الأيديولوجية لأن الإسلام الحقيقي ليس هو الإسلام المؤدلج. فالإسلام الحقيقي  يتجسد في القيم النبيلة التي يتشبع بها الأفراد و الجماعات و أما الإسلام المؤدلج فيقف وراء قيم أخرى تدفع إلى إعلان العداء لكل ما هو مادي، و خاصة المنهج المادي لا لأنه مادي بل لأن التحليل القائم على ذلك المنهج يكشف وهم الأيديولوجية و تغذية ذلك الوهم المنتج لقيم الإرهاب التي أصبحت تنسب إلى الإسلام. و هذا التمييز يعتبر كذلك أساسيا و ضروريا لتكريس احترام الماركسية لمختلف العقائد و خاصة العقيدة الإسلامية، من اجل الخروج بخلاصات كانت ستعتبر مرجعا للدارسين الماركسيين و غيرهم، لولا وفاته قبل أن يقوم بذلك، إلا أن المنهج الماركسي لم يمنع من القيام بذلك لولا التحريف الذي أصاب المنهج الماركسي نفسه نتيجة لتحويل الماركسية إلى عقيدة جامدة.

و المطروح الآن  بالنسبة للمنهج الماركسي هو إخضاعه للتحليل بواسطة المنهج الماركسي لإزالة الشوائب التي لحقت بالماركسية، و وضع حد للجمود العقائدي الذي أصابها و من اجل الاستفادة من التطور العلمي و التقني،  و انعكاسه على تطور التشكيلة الاجتماعية لصالح تطور المنهج الماركسي، و الرؤيا الماركسية للأشياء، و للمجتمع و للدور الذي يجب أن تلعبه الماركسية.

و مراجعة المنهج الماركسي على ضوء المستجدات العلمية و التقنية سيجعله مستجيبا للحاجيات الجديدة على مستوى التحليل، و ستواصل الماركسية التعاطي مع ظاهرة العولمة بشكل إيجابي، و ستكون الخلاصات التي يتوصل إليها التحليل الماركسي متلائمة مع تطور النظام الرأسمالي العالمي، و مرشدة لعمل الماركسيين على تفكيك هذا النظام انطلاقا من قوانينه، و آلياته المكتشفة.

فالرأسمالية عندما تجدد نفسها لتطور أساليب استغلالها لتزداد سيطرتها على نسب مهمة من فوائض القيمة، نجد انه من اللازم قيام الماركسية بتجديد منهجها حتى تتمكن من القدرة على التعاطف مع الواقع الجديد للنظام الرأسمالي الذي استطاع أن يستوعب لصالحه أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية بأيديولوجيتها المختلفة و مكوناتها المتآلفة و المتناقضة، و ثقافتها المتخلفة حتى تصبح جزءا من ذلك النظام، و تعمل على تقويته. و على الماركسية أن تأخذ بعين الاعتبار هذا الشكل من التطور الرأسمالي المتجدد باستمرار الذي يجب أن تقابله الماركسية المتجددة باستمرار.

و الإسلام باعتباره عقيدة و شريعة اصبح مستهدفا من قبل النظام الرأسمالي العالمي، و للمساهمة في خدمة ذلك النظام و خاصة عندما تتم ادلجته ليتحول عدوا للماركسية، و عاملا على تقويته بكل الوسائل الفكرية و العلمية التي قد تتحول إلى إرهاب مادي أو معنوي في حق الماركسيين المخلصين، و هو بذلك يتحول إلى مكون من مكونات النظام الرأسمالي العالمي النقيض الرئيسي للماركسية بأبجديتها المختلفة.

و الماركسية عندما تتعاطى مع الإسلام يجب أن تسعى إلى إحداث تناقض بين الإسلام الحقيقي و الإسلام الأيديولوجي من جهة و بينه و بين النظام الرأسمالي من جهة أخرى من اجل فك الارتباط الحاصل بفعل التأثير الرأسمالي العالمي على المسلمين، و في نفس الوقت العمل على إزالة التناقض المفتعل بين الإسلام القيمي و بين الماركسية حتى يكون ذلك بداية مد الجسور بين الإسلام و الماركسية على أساس احترام الأسس و المنطلقات الخاصة بالإسلام و الخاصة بالماركسية و العمل على إعداد الإنسان لتحقيق نفس الأهداف المؤدية إلى تحقيق كرامة الإنسان المهدورة في ظل النظام الرأسمالي و بمساهمة الإسلام الأيديولوجي الذي يظهر ممارسوه خلاف ما يضمرون فيصدق عليهم قوله تعالى " و من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا و يشهد الله على ما في قلبه و هو ألذ الخصام و إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها"

 

تاريخ الإسلام و تاريخ الماركسية :

و إذا رجعنا إلى التاريخ نجد أن ظهور الإسلام و ظهور الماركسية حصل كل منهما في شروط مختلفة و متناقضة.

فظهور الإسلام ارتبط بالحاجة إلى  التحول الذي عرفه المجتمع العربي في الجزيرة العربية حيث أخذت تحصل تفاعلات حادة بسبب الاحتكاك بالنظام الروماني من جهة و النظام الفارسي من جهة أخرى و نظام الحبشة من جهة ثالثة، و استهداف الجزيرة العربية من قبل هذه الأنظمة، و التعامل الحاصل بين العقائد التي كانت سائدة في محيط الجزيرة العربية و عجزها عن طريق التغلغل في صفوف سكان الجزيرة العربية الذين يسيطر عليهم النظام القبلي الذي عرف حروبا طويلة الأمد بين مجموعة من القبائل مما جعل شرائح عريضة من العرب تنتظر من ينقذها من الهلاك و في نفس الوقت يوحد صفوف العرب و يخلق منهم قوة في مواجهة القوى العظمى الوافدة من الشرق أو من الغرب أو من الجنوب. و بما أن وعي العرب كان متدنيا في ذلك الوقت بسبب انشغال الناس بأمور تافهة و لكنها عظيمة بالنسبة إليهم، و اشتغالهم بالبحث المستمر عن أماكن الرعي و البحث عن الماء أو بالقيام  بالتجارة بين الشمال و الجنوب كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم "لايلف قريش ايلافهم رحلة الشتاء و الصيف".

و بالإضافة إلى ما ذكرنا عرفت الجزيرة العربية تشتتا عقائديا، فبالإضافة إلى سيادة عبادة الأوثان المختلفة تواجدت المسيحية و اليهودية اللتين لم تستطيعا التغلغل في صفوف العرب، و إلى جانبهما تواجدت بقايا ديانة إبراهيم المعروفة بالحنيفية و هذا التعدد نتج عنه التشتت في بلاد العرب و البحث المستمر عن بديل يخرجهم من وضعية التمزق التي لم تعد تفيدهم. و لذلك نجد أن :

1)                             تكالب القوى الخارجية (الفرس-الرومان-الحبشة) مزق العرب في ثلاث اتجاهات.

2)                             الحروب التي تدوم سنين طوال جرت العرب إلى المزيد من التمزق.

3)                             تعدد العقائد ضاعف من تمزقهم.

4)                             ازدهار التجارة بين الشمال و الجنوب زاد من رغبتهم في الحرص على تحقيق وحدتهم.

و لكن من يعمل على تحقيق تلك الوحدة ؟

هل تقوم بناءا على تدخل خارجي ؟ فالتدخل لا يمكن أن يجر الجزيرة العربية إلا إلى المزيد من التمزق تبعا لمراكز التأثير التي يعمل كل منها على أن تكون الجزيرة في متناوله. و هو ما أدى في ذلك الوقت إلى حروب مدمرة  بين القوتين العظميين في ذلك الوقت، و اللتين شكلت كل واحدة منهما درعا يحميه من  العرب من جهة، و من الدولة المعادية من جهة أخرى، و المتمثل في الغساسنة و المناذرة.

هل تقوم على أساس قومي ؟ لأن البعد القومي في ذلك الوقت يبقى بعيدا عن لعب دوره نظرا لاستفحال العصبية القبلية التي تتحطم أمامها كل دعاوى السلم و التوحد رغم ظهور من يسعى إلى التوحد داخل القبائل و من خارجها.

هل تقوم على أساس اقتصادي ؟ إن اقتصاد العرب كان يجمع بين البدائية و العبودية، و كانت حروب الكر و الفر تلعب دورا كبيرا  في توفير حاجيات القبائل، و التجارة التي كانت  قائمة بين الشمال و الجنوب، كانت تحتكرها قريش، و لم تكن عامة بين العرب.

و هنا يجب أن نستحضر المواسم الاقتصادية التي كانت تقوم  في مكة و حولها، و التي ترتبط بالسجود إلى الآلهة، و الطواف بالكعبة، و هو ما جعل مكة و البيت الحرام قبلة لجميع القبائل العربية التي كانت تساهم في تنظيم موسم الحج الذي رسخ في الأذهان، و في السلوك العربي أن الحق لا يكون إلا عقائديا، و لذلك اتجهت الأنظار إلى الآتي من الإرهاصات المتعددة، و الموحية كلها بقرب ظهور ما يؤدي إلى القضاء على التفرقة بين القبائل، و وضع حد للتعدد العقائدي، فكان ظهور الإسلام استجابة و ثورة في نفس الوقت.

استجابة لحاجة عقائدية ذات بعد صراعي مع الطبقة المستفيدة من التعدد العقائدي الذين تصدوا لمحاربة الإسلام و السعي للقضاء عليه. إلا  أن حرص الناس على التمسك به لإجابته على التساؤلات التي كانت مطروحة من قبل المتضررين من الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي كانت سائدة.

و ثورة على الأوضاع، لأنه استطاع بما حمله من قيم نبيلة أن يغير النظرة إلى العالم بعد توحيد عبادة الله، و وضع حد لعبادة الأوثان و حشد المؤمنين به وراء محمد صلى الله عليه و سلم لحماية الدين الجديد من المتربصين به، من اجل ترسيخ قيم جديدة تقوم على أنقاض قيم الجاهلية، و هو ما أدى إلى توحيد القبائل العربية، و كل الذين آمنوا به من غير العرب مما جعلهم يسعون إلى تأسيس دولتهم بعد وفاة الرسول  ص لا على أساس الدولة الإسلامية بقدر ما هي خلافة للرسول التي تم تحويلها في عهد عمر إلى"أمير المومنين" التي تعني ما تعني. و الفرق بين الخليفة و أمير المومنين من جهة و بين الرسول من جهة أخرى هو : أن الرسول نعت من عند الله يخص كل من كلفه الله بتبليغ رسالته. و تنتهي مهمته بانتهاء الرسالة، و بعد ذلك يزول دوره، و هو ما يمكن أن نستنتجه من أول آية نزلت على الرسول ص " اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ و ربك الأكرم، الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ... الخ" و آخر آية نزلت حيث يقول الله تعالى " اليوم أكملت لكم دينكم، و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا" و لذلك لا ندعي كما يزعم البعض أن الرسول ص أسس الدولة الإسلامية، لأنه ادعاء مغلوط من أساسه. بل جاء ليبلغ الرسالة التي هي أساس التوحيد اعتمادا على القيم النبيلة التي بثها الإسلام في نفوس المسلمين ليفكروا انطلاقا من أمور دنياهم "و أمرهم شورى بينهم" ليغادروا حالة التمزق التي كانت سائدة، و ينجزوا عملية التوحد في مرحلة الخلافة، و إمارة المومنين التي تشبه إلى حد كبير النظام الرئاسي الجمهوري الذي هو إبداع المسلمين، و ليس وحيا، لأنه لا يوجد نص في القرآن يذكر ذلك و يؤكد ضرورة إنجازه أو الحرص عليه.

و من خلال النصوص المتواترة و المروية بالآحاد يمكن أن نسجل أن الغاية من مجيء الإسلام هي:

أ- وضع حد للحروب التي سادت خلال العصر الجاهلي فيما بين  ا لعرب عن طريق وضع حد  لاسباب الفرقة التي أنهكت الكيان العربي، و العمل بكافة الوسائل على تحقيق السلام بما في ذلك إشاعة التربية الخلقية بين المسلمين، و احترام كرامة الأفراد و الجماعات.

ب- القضاء على دواعي التفرقة بين الناس بقطع النظر عن اختلاف ألسنتهم و ألوانهم، و انتماءاتهم العرقية و دعم التعارف فيما بينهم عن طريق الحوار المتبادل من اجل تجاوز أسباب الفرقة و اعتماد أسباب التوحد.

أما الماركسية فقد ظهرت بعد ذلك بحوالي ثلاثة عشر قرنا، و في شروط  موضوعية مختلفة عن تلك الشروط التي ظهر فيها الإسلام، فقد قطعت البشرية مراحل كبيرة من تطورها و لم تعد الإمكانيات القديمة واردة. لقد حلت محلها إمكانيات جديدة بسبب تغير نمط الإنتاج الذي اصبح متطورا اكثر. و أهم شروط ظهور الماركسية :

1) انتقال نمط الإنتاج الإقطاعي إلى النمط الرأسمالي كاستجابة للتطور الحاصل في العلوم و التقنيات و الآداب و الفنون و كل ما له علاقة بالبشر.

2) و تبعا لذلك وجد نظام رأسمالي منسجم مع نمط الإنتاج السائد من اجل ضمان استمراره و تطوره.

3) ظهور الطبقة العاملة التي تخضع للاستغلال البشع من قبل البورجوازيات مالكي وسائل الإنتاج، مما عمق بؤس هذه الطبقة على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية.

4) ظهور منظرين كبار للنظام الرأسمالي الذين يعملون على إشاعة التضليل بين الكادحين حتى يكونوا اكثر قابلية للاستغلال و دون التفكير في مقاومته.

5) ممارسة القمع الشرس على الحركة العمالية الذي طال العمال في أوقات العمل و كثافته، و انعدام التنظيمات أو قمعها و عدم السماح بوجودها أصلا من اجل مضاعفة الأرباح التي يحصل عليها البورجوازيون.

6) مضاعفة ساعات العمل و ضعف الأجور إذ كانت تصل إلى 18 ساعة في اليوم بأجور زهيدة لا تستطيع تلبية حاجيات العامل الضرورية كالأكل و الشرب و السكن و أشياء أخرى. فما بالنا بالكماليات التي لا يعرفها العمال أبدا.

7) حاجة الطبقة العاملة إلى فكر يعبر عن مصالحها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، لأنه بدون ذلك الفكر لا تملك وعيها الطبقي، و لا تستطيع تنظيم نفسها للنضال من اجل الحد من الاستغلال الممارس عليها من طرف البورجوازية الهمجية و الشرسة التي تفتك بالطبقة العاملة.

8) حاجتها إلى تنظيم نقابي يمكنها من تجميع صفوفها و وضع ملفها المطلبي، و برنامجها النضالي، و الشروع في تنفيذه، و انتزاع مكاسب لصالح الطبقة العاملة تجعلها تدرك نجاعة التنظيم النقابي، و فائدته، و من اجل انتقال وعيها إلى مستوى آخر يتسم بالوعي الحقوقي و السياسي الذي هو وحده الذي يقود إلى ممارسة الصراع الطبقي في مستواه الأرفع.

9) الحاجة إلى حزب للطبقة العاملة يقود نضالاتها السياسية في أفق تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية التي بدونها لا ترقى الطبقة العاملة و معها بقية الكادحين إلى مستوى الحياة الإنسانية التي هي قوام وجود الإنسان. فبدون الحرية يكون العمال الكادحون مستعبدين، و بدون الديمقراطية لا يستطيع العمال تقرير  مصيرهم الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي, و بدون العدالة الاجتماعية يعاني العمال من الغبن على جميع المستويات.

10) السعي إلى :

أ- القضاء على الملكية الفردية لوسائل الإنتاج باعتبار تلك الملكية أساس البلاء الذي يعاني منه الكادحون على جميع المستويات. لأن الملكية الفردية لتلك الوسائل تعمق الاستغلال، و تراكم المزيد من الأرباح لصالح البورجوازيين، و تجعل العمال في وضعية متردية. بينما نجد أن الملكية الجماعية تؤدي إلى توزيع الدخل بشكل عادل بين سائر المواطنين.

ب- تنظيم الطبقة العاملة و قيادة نضالاتها المطلبية و السياسية لأنه بدون ذلك التنظيم المزدوج لا يتحقق وجود الطبقة العاملة على المستوى المطلبي و السياسي و لا يمكنها ممارسة الصراع الطبقي بشكل منظم.

ج- القضاء على النظام الرأسمالي و بناء النظام الاشتراكي عبر إنضاج شروط النضال الهادف عبر تحقيق العدالة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي هي قوام الممارسة الاشتراكية التي يوضع في إطارها حد للاستغلال بكافة أشكاله، و يتم العمل الذائب من اجل كرامة الإنسان، و المحافظة عليها عبر تمتيع الناس كل الناس، و بدون استثناء بكافة الحقوق الاقتصادية التي يقوم عليها وجودهم، و الاجتماعية التى تؤهلهم للاندماج الاجتماعي المتكامل، و الثقافية التي تمكنهم من امتلاك وعيهم الحقيقي، و السياسية التي تمكنهم من تقرير مصيرهم الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي وصولا إلى بناء دولة ترعى مصالح الكادحين و تعمل على وضع حد لكل مظاهر الاستغلال التي تكون مورثة من النظام الرأسمالي و تحرص على تمكين الناس من امتلاك وعيهم الذي يحول دون قبول ممارسة الاستغلال.

و هذه الشروط التي استعرضناها هي التي حتمت ظهور الماركسية كفكر للطبقة العاملة و كممارسة نضالية تهدف إلى جعل الطبقة العاملة و حلفاءها تنقل المجتمع إلى نظام خال من الاستغلال المادي و المعنوي لكافة الكادحين، و هي شروط تعبر عن قيام أزمة عميقة في المجتمع الرأسمالي في مرحلة ظهور الماركسية، و هي تشبه إلى حد كبير المحطات العظمى في التاريخ البشري إلا أنها تميزت بالتحول العميق الذي تعرفه البشرية على المستوى المعرفي و التقني و تطور وسائل الإنتاج و قيام النظام الرأسمالي و ظهور الطبقة العاملة ...... الخ.

فالماركسية كتعبير عن فكر الطبقة العاملة ارتبط ظهورها بمعاناة كانت تبلغ اشد درجات البؤس الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي ذلك البؤس الذي لا يمكن إلا أن يجعل مؤسسا الماركسية و منظراها يرتبطان بالطبقة العاملة و يدرسان فكر البورجوازية، و ممارستها الأيديولوجية، و ينقضان ذلك الفكر، و يبنيان على ذلك النقض النظرية الاشتراكية العلمية التي أصبحت أيديولوجية الطبقة العاملة و سائر الكادحين باعتبارها احسن تعبير عن مصالحهم الطبقية.

 

دور الإسلام و دور الماركسية :

و قد يتساءل متسائل عن الدور الذي لعبه الإسلام ؟ و الدور الذي لعبته الماركسية ؟ و هل يمكن المقارنة بينهما ؟

إننا بوقوفنا على الشروط التي جاء فيها الإسلام و الشروط التي حكمت ظهور الماركسية سنصل إلى أن دور كل منهما ينسجم مع تلك الشروط، و سيكون له تأثير عظيم على المراحل اللاحقة.

فدور الإسلام المتجسد في :

1) نبذ عبادة الأوثان التي تعكس تمزق الجاهليين مما يقود إلى قيام حروب فيما بينهم، قد تدوم عقودا، و توحيد عبادة الله تعالى وحده "قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفؤا أحد" "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" و توحيد عبادة الله يعتبر احسن مظهر لتحرر الإنسان من التبعية للبشر تلك التبعية التي قد تقوده إلى الاستعباد أو إلغاء إرادته جزئيا أو كليا بتحوله إلى مجرد كائن لا قيمة له. فتوحيد عبادة الله في مرحلة ظهور الإسلام تعني الحسم مع الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي كانت متردية بشكل عميق، و الحسم مع العصبية القبلية المتمثلة في تعدد الآلهة تبعا لتعدد القبائل و العشائر بل و الأفراد عندما يصبح لكل فرد إلهه الذي يسجد له كل صباح و كل مساء و الحسم مع الصراع بين القبائل المختلفة و تشجيع الحرية، و تحرير المستعبدين بكافة الأشكال و في كل المناسبات، و الحسم مع إلغاء كيان المرأة التي أصبحت تساوي الرجل إلا فيما اقتضته طبيعتها البيولوجية و أصبحت ترث بدل أن تورث كما كان يحصل. و في هذا الإطار نجد قول الرسول في عائشة "اتقوا هذه الحميرى فإنها نصف دينكم" و هذه القولة إذا كانت تعكس شيئا فإنها تعكس مدى تقدم المرأة على الرجل في مجالات معينة.

و أنواع الحسم التي أشرنا إليها لا تعني إلا إعلان القطيعة مع الماضي على جميع المستويات. و هو ما تم التعبير عنه بالقول (الإسلام يجب ما قبله). و الحسم لا يعني إلا بناء الحاضر على أسس جديدة استعدادا لمواجهة المستقبل بكل طموحاته و متطلباته و مشاكله التي لا حدود لها من اجل إنسان متحرر ملتزم بقواعد المعاملة التي تقتضي احترام كرامة الإنسان.

2) و من الأدوار التي لعبها الإسلام بعد ظهوره القضاء على التمزق الذي ساد بين العرب في الجزيرة العربية بسبب استجابة قبائل مختلفة إلى الدعوة إلى اعتناق الإسلام و الإيمان به كمدخل لتجاوز الوضعية التي كان عليها العرب في جاهليتهم. لأن اعتناق الدين الإسلامي احدث تحولا في عقيدتهم و تفكيرهم. فممارستهم اليومية الفردية و الجماعية جاءت نتيجة لتشبعهم بالقيم و المثل الجديدة التي تشدهم إلى الوحدة على أساس الانتماء القبلي و العرقي، بل على أساس العقيدة  الإسلامية التي جعلت العرب يكتشفون وحدتهم و قوتهم و قدرتهم على إبداع حضارة جديدة دأبت في بنيتها كل الحضارات التي كانت قائمة حتى ذلك الوقت.

و من نتائج الوحدة العربية التي كان وراءها اعتناق العرب للدين الإسلامي وقيام الدولة العربية التي توسعت لتحكم من المحيط إلى الخليج انطلاقا من دولة الخلفاء الراشدين، و مرورا بدولة الأمويين و العباسيين، و قيام دولة الأدارسة في المغرب ودولة الأمويين بالأندلس و انتهاء بقيام مجموعة من الدول المتفرعة عن الدولة العباسية.

و لولا اعتناق العقيدة الإسلامية و تشبع العرب بقيم الإسلام ما كانت تلك الوحدة، و ما كان توسع الخريطة العربية كما نراها اليوم، و لولا انحراف التأويلات عن المقاصد الحقيقية للكتاب و السنة ما ظهرت تيارات المتنبئين الجدد التي لازالت تقود عملية ادلجة الدين الإسلامي إلى يومنا هذا، و ما ضعف العرب و تحولوا إلى أقطار تعادي بعضها كما كانت تفعل القبائل قبل الإسلام.

فهل يستطيع الدين الإسلامي أن يوحد العرب كما فعل من قبل ؟ أم أن شروطا أخرى قد تدخلت لتبقى الجسد العربي ممزقا ؟

3) و حتى تتجسد الوحدة العربية و تتم المحافظة على تلك الوحدة، لابد من قيام كيان عربي تأسس بعد وفاة الرسول (ص) الذي لا يمكن اعتباره مؤسسا للدولة العربية بقدر ما هو رسول الله تعالى، و هذا ما يمكن أن نفهمه من خطبته في حجة الوداع التي تضمنت آخر آية نزلت من عند الله "اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا".

4) ففي اجتماع السقيفة تمت بيعة أبي بكر الصديق ليحمل لقب خليفة الرسول (ص) و بعده عمر ابن الخطاب الذي اختار لقب أمير المؤمنين...الخ لتتوالى بعد ذلك الدول المختلفة التي حرصت على وحدة العرب و المسلمين من جهة، و استحضار الدور الذي لعبه و يلعبه الإسلام من جهة أخرى رغم التأويلات المحرفة للنص الديني خدمة لمصالح الحكام و التي اصبح الحكام المستبدون في كل العصور يقتفون أثرها و يعملون على استثمارها لتضليل المحكومين الذين يعانون من الفقر و الظلم و الجوع و المرض و الاستبداد.

5) الانفتاح على غير العرب و على الديانات الأخرى كمظهر من مظاهر نبد التعصب، لأن الإسلام و منذ ظهوره أدرك أن العصبية القبلية يمكن أن تتحول إلى عصبية قومية أو عصبية دينية، و هو ما يتنافى مع حقيقة الإسلام التي وضعت الناس كافة في نفس الكفة " لا فرق بين عربي و عجمي و لا بين ابيض و اسود إلا بالتقوى" كما تدل على ذلك الآية الكريمة " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء، و اتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا" و استعمال أسلوب ( يا أيها الناس) فيه دليل على نبذ التعصب القومي مما يوحي بأن الإسلام لا يسعى إلى وحدة العرب فقط، و إنما إلى وحدة البشرية جمعاء، و في جميع أنحاء العالم على أساس التشبع بالقيم النبيلة التي هي منطلق إنسانية المسلمين، كما لا يمكن أن تتحول إلى عصبية عقائدية. لذلك نجد الإسلام يدعو إلى الحوار بين الديانات كما جاء في الآية الكريمة "يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم أن لا نعبد إلا الله، و لا نشرك به شيئا" فجميع الديانات التي تحترم وحدانية الله تعالى مدعوة إلى الحوار فيما بينها.

و محاربة الإسلام للعصبية القبلية، و نبذه لأشكالها ينفي عنه وقوفه وراء إرغام الناس على اعتناقه بحد السيف أو بأي ممارسة تفيد معنى الإرغام. فقد جاء في القرآن الكريم " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة، و جادلهم بالتي هي  احسن" و قوله تعالى " و لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي احسن" فكأنه تحققت فيه الحاجة المتبادلة بين البشر كما يقول الشاعر :

الناس للناس من بدو و حاضرة     بعض لبعض و إن لم يشعروا خدم

6) و لتكتمل الصورة المثلى للإسلام بين المسلمين، و بينهم و بين غيرهم من البشر، نجده يحرص على إقامة العدل بين الناس. و العدل لا يكون كذلك إلا من خلال تجلياته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية باعتبارها وسيلة لتمكين أفراد المجتمع من تحقيق كرامتهم، و حفظها مما يمكن أن يخدشها.

و لا حاجة بنا إلى القول بأن العدالة في  تجلياتها المختلفة تعتبر مدخلا للتحلي بالقيم النبيلة التي يحفل بها القرآن الكريم و التي تتحرك كلها في اتجاه بناء الإنسان المثالي/الواقعي كما تصوره الإسلام، و كما يجب أن يكون في الواقع، حيث تتجسد العدالة الاقتصادية بين المسلمين و غيرهم، و العدالة الاجتماعية التي تعبر عن النمو السليم للمجتمع في جميع المجالات. و العدالة الثقافية التي تكرس احترام مختلف المكونات الثقافية للمجتمع، و العدالة المدنية التي تفرض مساواة جميع المواطنين أمام القانون، و العدالة السياسية التي تمكن المواطنين من تقرير مصيرهم الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي. و بذلك نقترب من فهم الإسلام لمعنى العدالة التي اعتبرها مقاربة للتقوى كما جاء في القرآن الكريم " و أن تعدلوا هو اقرب للتقوى".

7) و من اجل إتاحة الفرصة أمام انتشار القيم التي يزخر بها الإسلام نجده يحث على الدعوة إلى التشبع بتلك القيم في كل أرجاء الأرض من اجل سيادة الحق، و دحض الباطل، و الدعوة هنا، و كما يدل على ذلك النص القرآني " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة" لا تعني إلا بسط المبادئ و الأفكار و القيم باللغة المفهومة بين الناس من اجل معرفتها و استيعابها، و بعد ذلك " فمن شاء فليومن و من شاء فليكفر".

و قد يقول قائل بأن الأمر الوارد في قوله تعالى "فاصدع بما تومر و اعرض عن المشركين" يوجب علينا أن نتجند لنشر الدعوة بكل الوسائل بما فيها استعمال السيف –كما يقولون- فنقول له بأن هذا القول رهين بخصوصية المكان، و خصوصية الزمن، و خصوصية الشخص الذي يتلقى الوحي، و خصوصية القوم المخاطبين الذين يدركون جيدا ما جدوى التحول الذي كان ينتظر إحداثه بظهور الإسلام، و لا يمكن أبدا أن ينسحب على جميع العصور حتى لا نقول إن الإسلام انتشر على حد السيف، فالذين استعملوا السيف، استعملوه دفاعا عن الإسلام، و مواجهة الأنظمة الاستبدادية التي تجندت لمحاربة المسلمين لاعتقادهم انهم يشكلون خطرا عليهم، و هو ما اضطر المسلمين –في إطار دولتهم- للتجند لمحاربة تلك الأنظمة لحماية المسلمين الساعين إلى المحافظة على عقيدتهم.

فالدعوة إلى التشبع بالقيم التي جاءت في القرآن الكريم تفرض فتح الحوار و الإقناع و الاقتناع، و تمرس الناس على التربية على تلك القيم المتوجهة إلى الانغراس في السلوك كتعبير عن انغراسها في الروح، مما يحول دون القيام بانتهاك كرامة الآخر، و دوس حقوقه.

و قد يعترض معترض على ما ذهبنا إليه بقوله تعالى " و أعدو لهم ما استطعتم من قوة و رباط الخيل"، فنرد عليه بأن القرآن هنا يتوجه إلى المسلمين الذين يجب أن يحرصوا على قوة دولتهم التي تقوم بحمايتهم من دوس الأنظمة الفاسدة، و توفير شروط الدعوة السليمة بالقول و الفعل قبل اللجوء إلى القوة.

8) و أهم ما يمكن أن نستنتجه من ظهور الإسلام هو شعور العرب بوحدتهم التي أشعرتهم بقوتهم و حاجتهم إلى بناء دولتهم على المستوى الإداري و القانوني و هو ما شرعت فيه دولة الخلفاء الراشدين، و تبعهم في ذلك الأمويون و العباسيون عن طريق الاستفادة مما وصل إليه الآخرون في الدول المجاورة. فإنشاء الدواوين في عهد عمر يأتي في هذا الإطار بالإضافة إلى إنشاء أجهزة الدولة المختلفة و خاصة الجيش و الشرطة لحماية الدولة من الهجومات الخارجية و لحماية أمن المواطنين بالإضافة إلى جهاز القضاء الذي عليه أن يلعب دورا في تكريس العدل بين الناس. أما على المستوى الاقتصادي فإن التنظيم استهدف بيت مال المسلمين الذي يجب ضبط موارده و مصارفه لحماية دولة المسلمين من الانهيار المالي.

و بناء الدولة هنا ليس لأن الإسلام جاء لتأسيس دولة إسلامية كما يعتقد المتنبئون الجدد، بل لأن توحد العرب و المسلمين في إطار العقيدة اقتضى وجود دولة تحمي مصالحهم، و بالخصوص مصالح الطبقة الحاكمة في المجتمع العربي، و باقي المجتمعات التي اعتنق أفرادها الدين الإسلامي حتى لا نلصق بالإسلام شيئا ليس منه، و حتى يبقى عقيدة لجميع المسلمين.

9) و من أهم أدوار العقيدة الإسلامية الدعوة إلى استخدام العقل التي يمكن أن تحمل في ثناياها الدعوة إلى التحرر من التبعية للأفكار الجاهزة في ذلك الوقت، و التي أوجزها القرآن في قوله تعالى " إنا وجدنا آباءنا على أمة و إنا على ءاثارهم مقتدون" و قوله " انا وجدنا ءاباءنا على امة و انا على ءاثارهم مهتدون". و الأمة هنا توحي باعتماد الأفكار الجاهزة التي يمكن أن تتناقض مع واقع المسلمين الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي. و لذلك فالدعوة إلى استخدام العقل تهدف إلى تغيير نمط التفكير القائم على التبعية للأفكار الجاهزة، مما يترتب عنه تغيير سلوك الأفراد و الجماعات، و على جميع المستويات، مما يحدث تطورا في واقع المسلمين، فيلجأون إلى الاستفادة من المعارف القديمة التي تقف وراء إنتاج مختلف المعارف التي أبدعها و أنتجها المسلمون في جميع المجالات التي كانت أساسا لمختلف المعارف التي ازدهرت في مختلف أرجاء الأرض، و التي لا يمكن وصفها لا بالشرقية و لا بالغربية.

10) الحرص على تكريم الإنسان الذي يمكن اعتباره جوهر العقيدة الإسلامية، و الهدف المركزي من وراء الدعوة إلى اعتناقها. و قد نص القرآن الكريم على ذلك في قوله تعالى "و لقد كرمنا بني ءادم" و التوكيد المضاعف في هذا  التعبير اكبر دليل على مركزية الهدف. و الذين يقولون : إن الإنسان خلق لاخلاص العبادة لله تقتضي أن يكون العابد مكرما، و تكريمه في تحريره و تحرره من التبعية لغير الله، و تمتيعه و تمتعه بحقوقه الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية  و تمكينه إلى جانب أفراد المجتمع الذي ينتمي إليه من سيادته على أرضه.

فالحرص على تكريم الإنسان أنى كان جنسه أو لونه أو عرقه أو لغته، هو أهم ما يميز عقيدة المسلمين. لذلك نجد أن تسارع الفقراء و المستضعفين إلى اعتناق الدين الإسلامي بعد ظهوره مباشرة و تصميمهم على الصبر و الثبات عليه، و تحمل ما مارسه كبراء قريش عليهم، لا يمكن اعتباره إلا دليلا على فهم المسلمين الأوائل لحقيقة الإسلام الذي جاء ليحقق كرامة الإنسان، و ليحفظها حتى يكون المسلم المومن قويا بعقيدته و بإيمانه، و حفظ كرامته، فتكون عبادته خالصة لله. و كما جاء في الحديث "المومن القوي افضل عند الله من المومن الضعيف"

و العبادة التي تتسم بالدروشة، و الضعف، و الحاجة، و الشعور بإهدار الكرامة لا يمكن  أبدا وصفها إلا بالاستجداء الذي نسميه استجداء عينة من البشر الذين يتمكنون من الرقاب و العباد. و الإنسان عندما يستجدي لا يعبد الله، و إنما يطلب الإغاثة التي يمكن أن تأتي على يد البشر. فالعبادة تحرر، و تحرر الإنسان مما هو آت، و تربطه بما هو أزلي. فما هو آت ينتزع من المستغلين و المستبدين بالمجمتع عن طريق النضالات المطلبية، و هذا هو الفهم الذي كان في ذهن عمر ابن الخطاب الذي قال قولته المشهورة "إن السماء لا تمطر ذهبا و لا فضة" و هو ما يفيده الحديث الشريف "لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب على ظهره فيبيعه خير له من أن يسأل الناس سواء أعطوه أو منعوه" و هو ما يمكن تلخيصه في القول بأن كرامة الإنسان تتحقق بالعمل، و بالنضال المطلبي، و ليس بالاستجداء  الذي لا يعطينا إلا شعبا من الدراويش.

أما العبادة فهي في عمقها تعبير عن شكر الله على تأهيل الإنسان للوعي بحقوقه. و النضال من اجل التمتع بها و انتزاعها و الحرص في معاملاته على إرضاء الله تعالى في السراء و الضراء عن طريق تجنب القيام بما يمكن أن  يؤدي إلى إهدار كرامة الآخرين.

و بذلك نصل إلى أن تأكيد حفظ كرامة الإنسان أهم ما يحرص عليه الإسلام على مستوى الشريعة. و يمكننا التأكيد على ذلك عن طريق تتبع ما ورد في القرآن الكريم إذا تجنبنا التأويلات الأيديولوجية المغرضة.

11) تنظيم العلاقة بين الإنسان و خالقه، لأن هذا التنظيم لو ترك للبشر لتحول الإسلام إلى دين للرهبانية، و نحن نعرف أن لا رهبانية في الإسلام. لذلك تولى الله تعالى تنظيم هذه العلاقة بينه و بين عباده الأحرار من التبعية لغيره. فتنظيم العبادات و تحديدها في الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج بعد النطق بالشهادتين لم يوكله لبشر، بل اكتفى فقط، بتنزيل الوحي على رسوله محمد (ص) ليبين للناس كيفية القيام بهذه العبادات، و بعده يتعلمها المسلمون من جملة ما يتعلمون من أمور دينهم و دنياهم ثم يتركون لشأنهم، و ما يقوم به بعض المتنبئين الجدد من مدعي احتكار المعرفة الدينية يدخل ضمن تكريس محاكم التفتيش التي عرفتها كنائس القرون الوسطى. و هو ما يتنافى مع الحرية التي جاء بها الإسلام، و التي هي  الأصل في الإنسان " متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا". و الله تعالى عندما تولى توحيد العبادات  و تنظيمها يعلم انه قد يظهر من بين المسلمين من ينصب نفسه رهبانيا و يفرض  وصايته على الإسلام. لذلك فهو يحررنا من الانشغال بالعبادة، و أنواعها و كيفيتها بتحديد شعائرها، و ترك أمر القيام  بها للمسلم، و درجة إيمانه و قدرته على الالتزام بتلك الشعائر. و اكثر من هذا جعل التحلي بالقيم النبيلة التي تكرس احترام كرامة الإنسان من عمق الدين الإسلامي "الدين النصيحة" و "الدين المعاملة" كما جاء في الحديث.

فالعبادة في الإسلام و الحرية صنوان، و من يرى غير ذلك يسعى إلى ادلجة الدين الإسلامي ليتحول على يديه إلى أيديولوجية قمعية، و هو عمل ينبذه الإسلام، و يتنافى مع حقيقته.

12) تنظيم العلاقة بين البشر في أمور معينة تهدف إلى حفظ الإنسان، و تحديد نسب الإرث، و العلاقات العامة، و الزواج، و الطلاق، و النفقة و كل ما له علاقة بالتربية الروحية و الخلقية.

و تنظيم من هذا النوع لا يمكن أبدا أن يهدف إلى فرض نمطية معينة على حياة المسلمين بقدر ما يهدف إلى جعلهم غير منشغلين بالعديد من القضايا التي تحدث في كل لحظة تقريبا حتى يتفرغ المسلمون إلى الانشغال بالقضايا الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية الكبرى التي ينطبق عليها قوله تعالى " و أمرهم شورى بينهم".

فالتفرع إلى الانشغال بالقضايا الكبرى لا يكون إلا عبر مؤسسات متفرغة للبحث فيها من اجل الوصول إلى خلاصات ترفع من قيمة المسلمين، و تؤهلهم للعمل في أفق إحداث تطور نوعي في مختلف المجالات إذا تم تجاوز عوامل الكبح التي تفرضها ادلجة الدين الإسلامي، و أطلقت الحريات العامة و الفردية، و تأهل الإنسان المسلم إلى استخدام عقله في المجالات لاستكشاف آفاق التجاوز و التطور، و إنضاج شروط الإبداع المعرفي بصفة عامة، و العلمي بصفة خاصة.

أما إذا لم يكن هناك حسم في الأمور التي تحدث في كل لحظة تقريبا فإن المسلمين سينشغلون بها عن التفكير في القضايا الكبرى مما يفرض تخلفهم المستمر، و يضعف مستوى وعيهم بالقضايا الكبرى و هو ما يؤهلهم لقبول الاستبداد الممارس عليهم، و لذلك كان الحسم في العديد من العلاقات بين البشر رحمة بالمسلمين، و توفير الوقت و الجهد الذي يجب أن يصرف في أمور أهم تفيد مجموع أفراد المجتمع الذين يعانون في معظم بلاد المسلمين من الظلم و القهر و الاستعباد كأسس لتكريس الاستبداد على المسلمين.

أما دور الماركسية فيمكن اختصاره في :

1) الكشف عن بشاعة النظام الرأسمالي الذي لا يهتم إلا بتوسيع هامش الربح على حساب العمال بصفة خاصة، و سائر الكادحين بصفة عامة. و هو ما يؤدي إلى انتشار الأمراض الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي تكشف عن بشاعة هذا النظام سواء تعلق الأمر بالمركز أو بالأطراف حسب تعبير سمير أمين.

فانتشار الأمراض المختلفة في المجتمعات المحكومة بالنظام الرأسمالي المؤدي إلى تكريس المزيد من الاستغلال الذي كان يعتبر قبل ظهور الماركسية قدرا من عند الله لا مفر منه، و لا يمكن للعمال و الفلاحين و سائر الكادحين إلا الإذعان له حتى لا يعتبرون مخالفين لارادة الله، فيؤدي ذلك إلى اتخاذ الإجراءات القمعية المختلفة التي تباركها المؤسسة الدينية التي تخدم مصالح المتنبئين الجدد في جميع الديانات.

و قد بينت الماركسية بشأن الاستغلال الاقتصادي بواسطة اكتشاف قانون القيمة و فائض القيمة التي تبين حجم الأرباح التي تذهب إلى جيوب المستغلين، و مدى الحرمان الذي يعاني منه العمال الكادحون.

2) و نظرا لكون البورجوازية في النظام الرأسمالي هي المستفيد الأول، فإنها تسخر كل إمكانياتها المادية و السلطوية لتعميق استغلال العمال الذي لا يزيد المجتمع إلا بؤسا، و يرفع البورجوازية إلى مستوى التخمة.

فشراهة هذه الطبقة البورجوازية المستغلة تدفعها إلى توظيف الأجهزة الإدارية و القضائية و التشريعية لتكريس قمع العمال لجعلهم يذعنون للاستغلال الاقتصادي، و تعرضهم للطرد و التشريد و المحاكمات في حالة مطالبتهم بحقوقهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و رفع شعار "دعه يعمل دعه يمر" الليبرالي لا يهدف إلا إلى فرض الاستغلال الذي يعتبر تعبيرا عن "ذكاء" البورجوازية، و هو ذكاء يشبه إلى حد كبير ذكاء الحيوانات المفترسة في الغابة. و لذلك فهي توظفه لجعل كل الأجهزة القمعية في خدمة مصالحها الطبقية التي لا حدود لها ابتداء بالسلطة التنفيذية، و مرورا بالسلطة التشريعية و انتهاء بالسلطة القضائية، فكل السلط تكون في خدمة البورجوازية و مؤسساتها الاستغلالية المختلفة منذ قيام الثورة الفرنسية إلى يومنا هذا.

3) الكشف عن التناقضات القائمة بين شعارات البورجوازية و ممارستها، ففي الوقت الذي يدعي فيه البورجوازيون أن نظامهم الرأسمالي يحترم حقوق الإنسان، نجد هؤلاء البورجوازيين أول من ينتهك الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية لتناقض تلك الحقوق مع مصالحهم الطبقية، فيعاني العمال  في ظل النظام الرأسمالي من كافة أشكال الجهل و المرض، و الفقر، و الاستعباد، و لم يتمكن العمال من ضمان التمتع ببعض الحقوق إلا بعد كفاحات مريرة، و تقديم تضحيات كبيرة، كما انه في الوقت الذي يدعي فيه النظام الرأسمالي انه جاء ليحقق الحرية نجد أن هذه الحرية لا تتجاوز مجرد إطلاق يد الرأسماليين في الاستغلال البشع للكادحين وفق قاعدة "دعه يعمل دعم يمر".

و الماركسية عندما تكشف عن التناقضات القائمة بين القول و العمل، و بين النظرية و الممارسة في النظام الرأسمالي تكون قد قدمت إنجازا عظيما في التاريخ البشري. و هي بذلك لا تتوانى عن تعميق التناقضات من اجل تأزيم النظام الرأسمالي وصولا إلى إقناع الطبقة العاملة، و حلفائها و سائر الكادحين بعدم نجاعة هذا النظام، و النضال من اجل تحقيق النظام البديل.

4) تحسيس الطبقة العاملة بأهميتها في عملية الإنتاج نظرا لأن التضليل الذي يقوم به البورجوازيون يجعل الشغيلة تعتقد أن عملها هو منحة من البورجوازية، و ليس ضرورة موضوعية كما هو سائد في العديد من مناطق العالم. و دور الماركسية يكمن في إزالة الغشاوة عن أعين الطبقة العاملة، و جعلها تدرك أهمية عملها و ضرورته في عملية الإنتاج، و انه لا يكون هناك إنتاج بدون ذلك العمل.

و إن أهم ما يجعل البورجوازية تزداد استفادة في النظام الرأسمالي هو التضليل الأيديولوجي المسلط على الطبقة العاملة، و سائر الكادحين من اجل تأبيد النظام الرأسمالي، و الاستماتة في خدمته لتأبيد سيطرته. و أهم ما قامت به الماركسية هو الكشف عن ذلك التضليل الإيديولوجي و تشريحه و الكشف عن تناقضاته، و أثره على الطبقة العاملة، و سائر الكادحين و بيان خطورته على مستقبلهم، و وضع أيديولوجية بديل تجعل الطبقة العاملة و حلفاءها يمتلكون وعيهم الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي باعتبار ذلك الوعي مدخلا لممارسة الصراع الحقيقي ضد البورجوازية، و ضد النظام الرأسمالي في جميع طبعات المركز و المحيط.

5) و للوصول إلى ذلك لابد من قيام الماركسية بنقض الفكر الرأسمالي و تأسيس فكر الطبقة العاملة، و هو أهم ما أنجزته الماركسية بامتياز و لازالت تقوم به. فمن استفادتها من الإبداعات العلمية المتطورة، و من الفلسفة البورجوازية نفسها قامت الماركسية بوضع منهج للتحليل و التفكير يمكنها من دراسة التناقضات القائمة في الأنظمة الاقتصادية ما قبل الرأسمالية، و انتهاء بالنظام الرأسمالي وصولا إلى الكشف عن قوانين تطور المجتمع و انتقاله من نظام اقتصادي إلى نظام اقتصادي أعلى وصولا إلى النظام الاشتراكي الذي تسود في إطاره العدالة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية.

فنقض الفكر الرأسمالي يعتبر حجر الأساس الذي قامت عليه الماركسية لأنه لولا ظهور الرأسمالية ما كان هناك فكر رأسمالي و ما وجد من ينتقد ذلك الفكر، و ينقضه، و مادام الأمر كذلك فعملية النقض تلك تعتبر ضرورة  تاريخية بامتياز تلازم الرأسمالية و تتطور بتطورها، إلى أن تقضي عليها. و هذا التلازم الذي بدخل ضمن ضرورة الرأسمالية و الماركسية سيكون محكوما بالاستفادة المتبادلة من التطور الذي يحصل في بنية النظام الرأسمالي، و من الإبداعات الماركسية في نفس الوقت، و لكنها الاستفادة المحكومة بقانون النفي، و هو ما يثبت بطلان مقولة نهاية التاريخ التي ابدعتها الرأسمالية في تجددها بسبب استفادتها من الأزمة التي يعيشها النظام الاشتراكي. و انهيار ما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي كقلعة للاشتراكية، لتعتبر أن النظام الرأسمالي سيبقى قائما و إلى الأبد. و لولا تصدي الماركسية لهذا النوع من الفكر لأصبحت تلك النظرية كتقليعة رأسمالية جديدة بمثابة قرآن منزل من السماء. و لكنها الماركسية بمنهجها الاشتراكي العلمي تصدت لهذه النظرية، و كشفت عن بطلانها و ستنقض كل نظرية رأسمالية كيفما كانت قوتها و عليها فقط أن تجدد نفسها كما تجدد الرأسمالية نفسها.

6) و لتحقيق ذلك التجدد لابد من دور آخر للماركسية يكمن في الاستفادة من العلوم، و تطور تلك العلوم لصالح تطور و تطوير قوانين الاشتراكية العلمية درءا للجمود الذي أصابها و جعلها عاجزة مرحليا عن الكشف عن التناقضات التي لازمت تطور النظام الرأسمالي في جميع المجالات.

فاستفادة الماركسية من تطور العلوم يدخل في سيرورتها و صيرورتها، و يعتبر خاصية أساسية ملازمة لها لاعتبار واحد و هو أن الماركسية تومن بأن لا شيء ثابت في الوجود المادي، و مادامت كذلك فإن الماركسية نفسها تتطور و إلا فإنها ستصاب بالجمود الذي أدى إلى تحلل نظامها و انهياره فيما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي الذي كان محكوما بما عرف بالجمود "العقائدي" الذي جعل الماركسية و الاشتراكية غلافا لصعود طبقة انقضت على النظام الاشتراكي، و حولته إلى نظام رأسمالي هجين يعاني من مختلف الأمراض الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و ما وقع في الاتحاد السوفياتي يعتبر اكبر دليل على ضرورة تجدد الماركسية من خلال تعامل الماركسيين معها على أنها تتجدد باستمرار، و أن حياتها في تجددها، و أنها لا تعيش و لا تستمر إلا باستفادتها من تطور العلوم و الآداب و المعارف المختلفة لمواجهة التحديات الكبرى التي تطرح أمامها و خاصة عندما يتعلق الأمر بتحديات العولمة التي تفرض إعادة النظر في المقولات الماركسية التقليدية، و العمل على تطور قوانين التحليل العلمي للماركسية التي تحولت في مرحلة الجمود العقائدي إلى كتاب مقدس يستظهره الماركسيون كما يستظهر أهل الكتاب كتبهم كتعبير عن الانتماء إلى الماركسية بينما نجد أن الممارسة تتناقض مع المقولات الجاهزة نفسها.

7) و أهم دور قامت به الماركسية هو الكشف و لأول مرة في التاريخ البشري عن تمرحل التاريخ، لأنها هي وحدها، و بعد الدراسة المعمقة للتاريخ، و قف مؤسسا الماركسية على تحديد المراحل التاريخية الكبرى عن طريق تطبيق قوانين الدياليكتيك المادي على التاريخ البشري ليجد أن هذا التاريخ مر بمراحل المشاعة و العبودية و الإقطاع و الرأسمالية و الاشتراكية و يهدف إلى الوصول إلى المرحلة الشيوعية التي ينتفي فيها وجود أجهزة الدولة التي يفتقد  مبرر وجودها، و ذلك على مستوى التاريخ الأوربي على الأقل. و يمكن أن تختلف مراحل التاريخ البشري عن ذلك في مناطق أخرى إلا أننا مع ذلك الاختلاف سنجد تقاربا في التمرحل، لو وجد من يقوم بالدراسة الهادفة و المتأنية لتاريخ آسيا و إفريقيا و أمريكا إذا تم احترام توظيف القوانين الاشتراكية العلمية، لنقف على مراحل تطور كل قارة على حدة و كل قطر من تلك القارة إلا أن التحريف الذي يلحق الماركسية ادخل الماركسية و الماركسيين في متاهات التحليل الذي يفتقر إلى العملية رغبة في التشويش و سعيا إلى خدمة الطبقات المستفيدة من الأوضاع الاستغلالية القائمة، و تماشيا مع الطبيعة الانتهازية للبورجوازية الصغرى التي تقود عملية ذلك التحريف تجسيدا لنزعتها الانتهازية، و هو ما قاد إلى ظهور اتجاهات لا تحمل من الماركسية إلا الاسم، و تهدف في معظمها إلى التشويش على الماركسية. و لذلك و حتى تلعب الماركسية دورها في القراءة العلمية للتاريخ البشري على المستوى العام، و على المستوى الخاص، لابد من إعادة الاعتبار إلى الماركسية كعلم، و كمنهج و كهدف، بإعادة قراءتها في تطورها  قراءة علمية من اجل الوقوف على جوانب التحريف التي لحقتها منذ ظهورها إلى يومنا هذا و بواسطة القوانين العلمية التي أبدعتها الماركسية نفسها لتمكين الماركسيين من استحضار الدور الرائد للتحليل الماركسي في الكشف عن التطور الذي حصل في واقع معين، و القوانين التي تحكمت فيه، وصولا إلى توظيف كل ذلك في عملية التغيير الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي التي أصبحت تراوح مكانها بسبب غياب التحليل العلمي الماركسي.

و ما يدعيه بعض المحللين من أن الماركسية أصبحت متجاوزة يدخل في إطار التحريف الذي ذكرنا، خدمة للرأسمالية التي تسعى بكل الوسائل إلى تأبيد سيطرتها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و موظفة في سبيل ذلك كل الوسائل بما فيها الدفع باتجاهات ماركسوية للتشويش على الماركسية، و باسم الماركسية. كما تدفع باتجاهات اسلاموية معينة للتشويش على حقيقة الإسلام، و باسم الإسلام خدمة للرأسمالية التي افتعلت عن طريق ذلك التوظيف المشبوه صراعا مريرا بين الإسلام و الماركسية. و كأن الرأسمالية تحترم الإسلام و تعتبر جزءا منه في الوقت الذي نجد فيه أن الاستغلال الرأسمالي يتنافى مع العدالة التي دعا إليها الإسلام، تلك العدالة التي لا تتحقق إلا في الآفاق التي تسعى الماركسية إلى تحقيقها.

8) و للوصول إلى تصحيح مسار الماركسية العلمي، تكشف الماركسية الدور الذي يلعبه التنظيم بصفة عامة، و التنظيم الحزبي بصفة خاصة، و الذي يهمنا منه هو تأسيس حزب الطبقة العاملة الذي يتبنى الاشتراكية العلمية كأيديولوجية للطبقة العاملة بناء على أن هذا الحزب هو الذي يعمل على :

أ- نشر الوعي العلمي في المجتمع ككل، باعتبار ذلك الوعي دورا رائدا في تنوير جميع أفراد المجتمع عن طريق إزاحة الفكر الخرافي و الممارسة الخرافية من الواقع الذي يتحرك فيه حزب الطبقة العاملة.

ب- بث الوعي الطبقي في صفوف الطبقة العاملة بصفة خاصة باعتبارها المحرك الرئيسي لدائرة الإنتاج، و في صفوف الكادحين بصفة عامة حتى يدركوا بعمق مصلحتهم الطبقية التي تستلزم وحدتهم و نضالهم من اجل حمايتها و الدفاع عنها. و التناقض القائم بينها و بين المصالح الطبقية للمستغلين سواء كانوا مالكين لوسائل الإنتاج أو منظمين لعملية الإنتاج.

ج- الدفع بالطبقة العاملة و سائر الكادحين إلى الانتظام في مختلف التنظيمات الجماهيرية، و خاصة النقابية و الشبابية من اجل العمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية للجماهير الشعبية الكادحة، و تحسيسها بدور التنظيم في نسج لحمة الوحدة بين الكادحين.

د- العمل على تفعيل التنظيم السياسي الخاص بالطبقة العاملة و سائر الكادحين لتحقيق الأهداف المرحلية و المتجسدة في التحرير و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية و الأهداف الاستراتيجية المتمثلة في القضاء على أسس الاستغلال المادي و المعنوي و بناء المجتمع الاشتراكي الذي تؤول فيه ملكية وسائل الإنتاج إلى المجتمع ككل.

ه- المحافظة على الوحدة الأيديولوجية و التنظيمية و السياسية للطبقة العاملة، تلك الوحدة التي تعتبر أساسية و ضرورية للمحافظة على وجود وعي طبقي حقيقي في صفوف الطبقة العاملة و حلفائها و إتاحة الفرصة أمام استفادة الشغيلة من التطور الذي يحصل في المعرفة الفلسفية، و في العلوم و التقنيات من اجل تجديد الفكر و تطوير الممارسة.

9) و حزب الطبقة العاملة هو وحده القادر على قيادة تحالف الكادحين في الاتجاه الصحيح من اجل:

أ- تشريح الاختيارات الرأسمالية أو الرأسمالية التبعية من اجل الكشف عن تناقض تلك الاختيارات مع مصالح الطبقة العاملة، الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية إلى جانب حلفائها الكادحين و بيان مدى عمق الاستغلال الذي يستهدف العمال و سائر الكادحين في إطارها من اجل امتلاك الوعي و بضرورة نقضها و العمل على مناهضتها.

ب- المساهمة في تفعيل النضال الديمقراطي في جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية سعيا إلى فرض ديمقراطية حقيقية من الشعب و إلى الشعب.

ج- جعل الجماهير الشعبية الكادحة تملك وعيها الطبقي لتلتحم فيما بينها و تسعى إلى احترام حقوقها، و فرض احترام تلك الحقوق على المسؤولين و على الطبقة الحاكمة.

د-جعلها تلتحق بالتنظيمات المختلفة النقابية و الجمعوية و الحقوقية من اجل التمرس على وضع الملفات المطلبية و النضال من اجل تحقيق تلك المطالب و بالوسائل المشروعة.

ه- تهيئها لاستيعاب أيديولوجية الطبقة العاملة المعبرة عن مصلحة الكادحين الطبقية، و توظيف تلك الأيديولوجية لمناهضة الأيديولوجيات الإقطاعية و البورجوازيات الإقطاعية و البورجوازية و البورجوازية الصغرى.

و- إعدادها لتبني الموقف السياسي لحزب الطبقة العاملة من مختلف القضايا الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و الدفاع عن ذلك الموقف و الترويج له، و توظيفه لمناهضة مواقف الأحزاب ذات الطابع الإقطاعي و البورجوازي، و البورجوازي الصغير.

ز- الدفع بها في اتجاه الالتحاق بحزب الطبقة العاملة و تعضيده و توطيد صفوفه، و جعله سائدا في الواقع الذي يتحرك فيه حتى يستطيع القدرة على التأثير في الحياة العامة، و في الحياة السياسية و يلعب دوره في جعل الكادحين يقودون عملية التغيير الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي.

ح- و بذلك يكون حزب الطبقة العاملة هو المعبر الفعلي عن إرادة الكادحين، و هو القادر وحده على التوجيه السليم في صفوفهم و الساعي إلى جعلهم حريصين على التحلي بإرادة التغيير الفعلي.

10) و تعمل الماركسية بمنهجها العلمي الدقيق و المتطور على نقض المنطلقات المثالية، و بيان دورها في تكريس تضليل الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة. و نقصد هنا بالمنطلقات المثالية ما يعتمد في تحليل الظواهر الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية مما لا علاقة له بتجليات الواقع الذي يزخر بتلك الظواهر حتى و إن كانت تلك المنطلقات مادية صرفة لأن التحليل الملموس للواقع الملموس يقتضي الانطلاق من معطيات ملموسة لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بتكون الظاهرة. و  معطيات من هذا النوع لا تكون إلا مادية، و تحليل من هذا النوع سيجنب المحلل الماركسي الوقوع في عملية الإسقاط أو قياس واقع على واقع مخالف، أو نقيض كما ساد في العديد من الأنظمة التي كانت تدعي الاشتراكية أو داخل العديد من الأحزاب التي تدعي تبني الاشتراكية، و النضال من اجلها.

و من المثالية اعتماد نتائج تحليل لنين للواقع الذي عاش فيه لتحليل واقع آخر أو لتطبيق نتائج تحليل لنين على ذلك الواقع الذي يختلف جملة و تفصيلا عن واقع لنين.

و من المثالية الاستهانة بالعلم و نتائجه و اعتماد المنطلقات الخرافية لتحليل الواقع و محاولة فهمه اعتمادا على الفكر الخرافي السائد، ليتحول الواقع بذلك إلى مجرد ظواهر خرافية تقف وراءها كائنات خرافية لا قدرة للبشر على إدراكها.

كما انه من المثالية محاولة فهم الواقع انطلاقا من القناعة الدينية و الفكر الديني فكأن العقائد جاءت لتعطي تفسيرات أبدية للواقع في الوقت الذي يعرف الواقع حركة أبدية متغيرة و متطورة على مستوى الطبيعة و الاقتصاد و الاجتماع و الثقافة و السياسة، و هو ما يقتضي اخذ تلك الحركة بعين الاعتبار بدل اعتماد نظرة الثبات إليها. فالقناعة الدينية تستهدف منظومة القيم الأخلاقية من اجل صقلها و جعلها تسير في اتجاه تحقيق كرامة الإنسان. و هذا الاستهداف لا يمكن أن يكون منطلقا للبحث العلمي الدقيق، و الكشف عن القوانين المتحكمة في الظواهر و عدم اعتماد القناعة الدينية في التحليل العلمي لا يمكن أبدا أن يتناقض مع القناعة الدينية لاعتبارات نذكر منها :

أ- أن العقيدة تتخذ صفة الثبات، و البحث العلمي يتخذ صفة التحول بسبب التطور الذي يعرفه الواقع على جميع المستويات.

ب- أن العقيدة بنصوصها و شعائرها تستهدف صقل الروح و تربيتها و إعدادها لتكريس احترام كرامة الإنسان بينما نجد أن البحث العلمي يستهدف تطوير  الواقع المادي الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي.

ج- العقيدة و البحث العلمي يستهدفان معا الرفع من قيمة الإنسان المادية و المعنوية حتى يتبوأ مكانة سامية في هذا الكون و يعيش حياة كريمة تحفظ كرامته، و تفرض عليه السعي إلى المحافظة على تلك الكرامة.

و بذلك تكون الماركسية بموضوعيتها، و بمنهجها العلمي الدقيق وسيلة ناجعة لمعرفة الواقع معرفة علمية دقيقة و إدراك ما يجب عمله لتطوير الواقع تطويرا ينسجم مع يجب أن يكون عليه الإنسان.

و الذين يرفضون المنطلقات المادية الملموسة و يتمسكون بالمنطلقات المثالية إنما يسعون إلى تكريس الاستغلال لخدمة مصالح طبقية معينة تستفيد من اعتماد المنطلقات الدينية حتى  يتم اعتبار الاستغلال الممارس على أفراد المجتمع قدرا من عند الله، و الأمر ليس كذلك فالله تعالى لا يكون إلا عادلا و العدل من أسمائه الحسنى، و مادام كذلك فالعدل الذي تسعى إليه الماركسية لا يتناقض مع عدل الله الذي يتضمنه قوله تعالى "و أن تعدلوا هو اقرب للتقوى".

11) اكتشاف المنطلقات العلمية الذي يعتبر إبداعا ماركسيا بامتياز لتأسيس فكر اشتراكي علمي حقيقي. فإن الفكر الاشتراكي العلمي ليس مجرد وهم، انه المقولات و القوانين المكونة لمنهج التحليل العلمي التي نرى انه لابد فيها من :

أ- مادية الواقع المتجسدة في الواقع نفسه، و بمختلف مكوناته الروحية و المادية بمظاهر طبيعته و بمجتمعه، و بقوانينه الطبيعة الاجتماعية، بتراثه الحضاري و ما يزخر به من علوم و آداب و ثقافة، و بعاداته و تقاليده و أعرافه، بكل تحولاته التي لا ترى بالعين المجردة.

ب- القوانين الطبيعية التي اكتشفها و يكتشفها العلم الحديث في كل يوم تقريبا، سواء تعلق الأمر بالطبيعة أو بالمجتمع لأن تلك القوانين المكتشفة تساعد على فهم الواقع في أبعاده المختلفة لأجل توظيف ذلك الفهم في إعادة صياغة الواقع.

ج- الأصل هو الوجود أولا ثم بعد ذلك يأتي التفكير الذي يقود إلى عملية الاستدلال على ذلك بكل الوسائل الممكنة بما فيها الجانب الروحي الذي يشترط فيه الوجود الاجتماعي.

د- التطور الذي يحصل باستمرار في الطبيعة و في المجتمع الذي يخرج عن إرادة الإنسان و يكون محكوما بالقوانين الطبيعية و الاجتماعية و هي قوانين موضوعية لازال الإنسان منشغلا بالبحث عنها. و العمل على اكتشافها موظفا في سبيل ذلك كل الإمكانيات العلمية التي اصبح يتوفر عليها.

و الماركسية لا تتوقف عند حدود تفسير الواقع، و لا تعمل على تغييره بل تسعى إلى التعمق في فهم تلك المنطلقات التي تقود إلى ضبط منهج التحليل العلمي الماركسي الهادف إلى اكتشاف ما يجبه من اجل تغيير الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي، تغييرا يكون في خدمة تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية التي تعتبر ركائز لتحقيق كرامة الإنسان التي هي قوام وجوده الاجتماعي.

و بذلك السعي الماركسي يصبح الإنسان حاضرا في عمق الوجود و عاملا باستمرار على حماية وجوده الذي لا يقوى و لا يتوطد إلا بحفظ كرامته في أبعادها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و الحقوقية و المعرفية و العلمية و الروحية، و هي أبعاد ضرورية لوجود الإنسان أولا، و لحفظ كرامته ثانيا.

و هكذا نجد انه في كل تفكير علمي سليم لابد من منطلقات سليمة. و المنطلقات السليمة تحتاج منا إلى التوقف  عندها، و هو ما فعلته الماركسية منذ ظهورها، و هو ما تفعله و ستفعله إلى ما لا نهاية. لأن العلم الماركسي هو علم المستقبل، و ليس ما يدعيه علماء المستقبليات الذين تختلف منطلقاتهم، فينتجون فكرا مثاليا لا علاقة له بالعلم. ويساهمون بسبب ذلك في تضليل شرائح عريضة من أفراد المجتمع و هو ما لا يقوى عليه إلا المضللون الذين يسمون أنفسهم مستقبليين.

12) جعل الطبقة العاملة و سائر الكادحين يحملون آمالا في المستقبل بدون حدود، و هو أمر لم يكن قائما قبل ظهور الماركسية. فقد كان السائد هو قبول العمال و الكادحين بما يمارس عليهم من قبل المستغلين من العمال و الكادحين. و الماركسية عندما تقلب الوعي و تعيده إلى طبيعته، إنما تحوله من وعي زائف إلى وعي حقيقي في فكر و وجدان و ممارسة العمال و الكادحين. و لذلك نجد البورجوازيين و الإقطاعيين و كل المستفيدين من الاستغلال يفقدون صوابهم، و يسعون إلى مقاومة الماركسية بكل الوسائل، و يوظفون بالدرجة الأولى الدين الإسلامي و سائر الديانات الأخرى، و يعملون على إنشاء تنظيمات دينية متطرفة للعب هذا الدور، و يخترقون سوق الكتاب و الإعلام السمعي البصري و المكتوب/المقروء، بما يؤدي إلى خلق تيار عام في المجتمعات البشرية يجعل الجماهير الشعبية الكادحة و المقهورة تحارب الماركسية على أنها دعوة إلى الإلحاد، و هو ما يعطي الشرعية للاستغلال و يؤيده، و يعمل على تعميقه باعتباره قدرا، و ليس ممارسة طبقية استغلالية تقود المستفيدين من الاستغلال إلى تعميقه، و اعتبار ذلك أقصى ما وصلت إليه البشرية، أو ما اصبح يعرف بنهاية التاريخ.

و لتحقيق حمولة الآمال في المستقبل في صفوف العمال و باقي الكادحين لابد من :

أ- امتلاك الوعي الطبقي المتمثل بالخصوص في إدراك العلاقة القائمة بين العمال و باقي الكادحين من جهة، و المستغلين من البورجوازيين و الإقطاعيين و سائر المستفيدين من عملية الاستغلال من جهة أخرى، ثم العلاقة القائمة بين العمال و وسائل الإنتاج، و ما يحصل عليه العمال، و ما يذهب إلى جيوب المستغلين.

ب- إدراك أهمية التنظيم على جميع المستويات، و أهمية الانخراط فيه و دوره في تقوية صفوف الكادحين، و فرض احترامهم، و انتزاع مكاسب اقتصادية لصالحهم، لأنه بدون إدراك أهمية التنظيم، لا يحضر في وجدان العمال و في فكرهم، و في ممارستهم الرغبة في التنظيم، و السعي إلى نشأته، و الانخراط فيه.

ج- المساهمة في بناء معرفة مكونات المصلحة الطبقية للعمال و الكادحين عن طريق تكوين ملفات مطلبية و عامة تكون موضوعا للنضال بواسطة الإطارات النقابية  و الجمعوية و الحقوقية.

د- وضع برامج للنضال تتناسب مع طبيعة التنظيم الجماهيري الذي ينخرط فيه العمال و الكادحون من اجل انتزاع المزيد من المكاسب لتحسين الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية للعمال و الكادحين.

ه- المساهمة الإيجابية و الفعالة في بناء البرنامج السياسي لحزب الطبقة العاملة، و سائر الكادحين حتى لا يكون ذلك البرنامج مملى من فوق، و حتى يراعى فيه تعبيره عن واقع بعينه. مما يجعل المعنيين به ينخرطون في النضال من اجل تحقيقه في أفق التغيير الشامل للنظام الاستغلالي القائم في مكان ما.

و بالدفع بالعمال في اتجاه امتلاك الوعي الطبقي، و الوعي لا يكون إلا طبقيا، و العمل على اجرأة ذلك الوعي، فإن العمال و سائر الكادحين يحولون اليأس إلى أمل، و الاستسلام إلى مقاومة الاستغلال، و الخضوع للنظام الاستغلالي إلى رفض ذلك النظام، و السعي إلى تغييره بنظام آخر ينتفي فيه الاستغلال.

13) احترام مقومات الشعوب الروحية و الحضارية، لأن تلك المقومات تعتبر شيئا ماديا ملموسا في حياة الشعوب، و لا يمكن أبدا استئصالها و القضاء عليها. و من عملية المنهج العلمي الماركسي الاعتراف بتلك المقومات، و استحضارها في التحليل الملموس للواقع الملموس، و في هذا الإطار لابد أن تستحضر الماركسية معتقدات الشعوب، و دور تلك المعتقدات في تحقيق وحدة كل شعب على حدة. و في العمل على إيجاد علاقات الاحترام بين الشعوب التي تجمعها نفس المعتقدات على اختلاف ألسنتها و ألوانها و انتمائها إلى قارات مختلفة، كالشعوب الإسلامية، و الشعوب المسيحية ... و هكذا.

و الماركسية عندما لا تستحضر المقومات الروحية و الحضارية للشعوب المعنية بالتحليل الماركسي تفتقد كونها علمية. و هي بذلك تفقد مبرر وجودها، لأن المقومات المستهدفة بالاعتبار تقود إلى :

أ- استحضار التاريخ الذي عاشه شعب من الشعوب، و ما حصل فيه من تطور اقتصادي، و اجتماعي، و ثقافي، و مدني، و سياسي و ما ترتب عنه من اكتساب مجموعة من المعتقدات. و ما تكون من عادات و تقاليد و أعراف. و اثر كل ذلك على حياة الأفراد و الجماعات و دوره في عملية التحول على المدى المتوسط و البعيد، أو في الجمود الذي تعرفه الحياة.

ب- استحضار المعتقدات السائدة و دورها في تحقيق وحدة الشعب و العوامل التي ساعدت على ذلك، و ما مدى تأثيرها في حياة الناس و توجيه سلوكهم الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي.

ج- استحضار الإبداعات الحضارية التي تربط الشعوب بتاريخها و جعلها تستحضر التاريخ من اجل الاستقواء به أمام الشعوب الأخرى، و الاستعانة به على الحاضر من اجل مستقبل افضل.

د- استحضار مكتشفات الشعوب العلمية، و إبداعاتها في هذا المجال و دور كل ذلك في تكون تراث روحي لدى شعب من الشعوب برفع مستواه إلى صدارة الشعوب المتحضرة.

و باستحضار هذه المكونات الروحية للشعوب تكتسب الماركسية موضوعيتها التي هي الجوهر فيها. و تعرب في نفس الوقت عن عدم عدائها لما هو روحي و عقائدي لتتجاوز بذلك التحريف الذي لحقها، و لتسترجع مكانتها في أوساط الكادحين لأن التحليل المادي للواقع لا يعني أبدا التركيز على الجانب المادي، بل يعني استحضار كل العناصر المكونة لذلك الواقع حتى و إن لم تكن مادية لدورها في توجيه حركة الواقع باعتبارها حركة مادية صرفة، و الحركة لا تكون إلا مادية.

و إذا سلمنا بالفصل  بين المثالي و المادي في المنطلقات، فإن ذلك الفصل لا يمتد أبدا إلى مكونات الواقع التي تجمع بين ما هو روحي أو عقائدي الذي يوجد ملازما للمجتمع البشري، و بين مادية ذلك الواقع و في ذلك المجتمع.

انه إذن التحليل الماركسي الذي لا يلغي أي عنصر من عناصر الواقع، و بالتالي فإن نفي أي عنصر سيؤدي إلى عكس ما يهدف إليه التحليل العلمي الصحيح، و يتوصل إلى نتائج قد لا تكون علمية، و هذا هو الخطأ الذي وقع فيه الماركسيون حينما اعتبروا المكونات الروحية و العقائدية لشعب من الشعوب مكونات مثالية، و لا يعتبرونها في التحليل ليتوصلوا بعد ذلك إلى نتائج تؤدي إلى إعلان العداء للماركسية من قبل حاملي المعتقدات المختلفة، و هو ما تعاني منه الماركسية إلى اليوم.

14) عدم التمييز بين الناس على أساس اللون أو العرق أو الدين أو اللغة، لأن العلم الماركسي يرفض ذلك التمييز لاعتبارات نذكر منها :

أ- أن المستهدف بذلك العلم هو الإنسان أنى كان لونه أو جنسه أو لغته أو دينه أو عرقه، فهو الإنسان بخصائص معينة يجب استحضارها في التحليل دون توظيفها في التفريق بين الناس و العمل على استثمارها في تحقيق الوحدة في إطار التنوع.

ب- أن الغاية هي تحقيق كرامة الإنسان كيفما كان، و أنى كان جنسه أو لونه أو عرقه أو دينه.

ج- أن دعم تحقيق الكرامة لا يتم إلا بتمتيعه بحقوقه الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية لأنه بدون تمتيعه بها تبقى كرامته مهدورة.

د- أن حماية تلك الكرامة لا تحصل إلا بتوفير الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية. فالحرية تمكن الإنسان من التعبير عن آلامه و آماله، و طموحاته و تطلعاته الفردية و الجماعية. و الديمقراطية تمكنه من المساهمة في تقرير مصير وطنه الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي. و العدالة  الاجتماعية تتيح له فرصة الاستفادة من الخدمات الاجتماعية و من دخل يتناسب  مع حاجياته المادية المعنوية.

و هذه الاعتبارات وغيرها توضح لنا إلى أي حد يصير العلم الماركسي وسيلة لتحقيق الوحدة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية بين البشر على مستوى الدولة الواحدة، أو على مستوى مجموعة من الدول أو على المستوى العالمي. و هذه الوحدة في الرؤيا و في التصور و في الممارسة هي أرقى ما يمكن أن يحققه الإنسان، و قد كان العلم الماركسي سباقا إليه من اجل رفع مكانة الإنسان إلى مستوى تحقيق الكرامة الشاملة التي لا تتقيد لا بالدين و لا بالعرق و لا باللغة و لا باللون. و قد حدا حدو العلم الماركسي ما اصبح يعرف بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي كان وراء صدور مجموعة من المواثيق الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و مجموعة من المواثيق الدولية المتعقلة بحقوق المرأة و الطفل و العمال و نشطاء حقوق الإنسان. إلا أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و ما تلاه من مواثيق لم يرق إلى التصور الذي  أبدعه العلم الماركسي الذي رصد أسباب الانتهاكات الحقوقية الحقيقية، و المتجلية بالخصوص في عدم وضع حد ابدي لاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان و بكافة الوسائل الاقتصادية و الاجتماعية و الأيديولوجية و السياسية، و هي وسائل ترتبط أساس بالأنظمة الاستغلالية السائدة.

فالحديث عن حقوق الإنسان في مجتمع يتكرس في إطاره الاستغلال هو مجرد تلميع للنظام الاستغلالي السائد فيه، و إكسابه شرعية الاستمرار في تكريس ذلك الاستغلال.

و لذلك فحقوق الإنسان يجب أن تكون مقرونة بالسعي إلى القضاء على الأنظمة الاستغلالية الهمجية و هو ما يرى العلم الماركسي نجاعته، و سبيلا حقيقيا إلى تحقيق كرامة الإنسان على جميع المستويات.

15) إعطاء مضمون جديد للديمقراطية، قائم على أساس الحرية و العدالة الاجتماعية. فالمضمون الذي كان سائدا عن الديمقراطية هو المضمون الانتخابي وفق قوانين انتخابية قد لا تكون محترمة في معظم الأحيان. و قد يطالها التزوير الذي تشهد به الوقائع في معظم الدول بما فيها الدول التي تدعي أنها قطعت أشواطا بعيدة في هذا الإطار.

أما العلم الماركسي فلا يرى الديمقراطية إلا من المنظور الشمولي الذي يشمل المضامين الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية على مستوى الممارسة اليومية.

فالمضمون الاقتصادي للديمقراطية لا يتحقق إلا بالتوزيع العادل للثروة وفق قاعدة " لكل حسب حاجته و على كل حسب قدرته" و هي قاعدة  لا تستثني أي إنسان من الاستفادة الاقتصادية في حالة وجود عائق مانع من العمل بصفة مؤقتة، أو بصفة دائمة. و هذه الرؤية لكيفية توزيع الدخل تقطع الطريق أمام أمرين اثنين :

الأمر الأول : الاستبداد بالثروة دون سائر مستحقي تلك الثروة  كما يحصل في النظام الاستغلالي.

الأمر الثاني : التقاعس عن العمل الواجب حتى تتم الاستفادة من الدخل بشرط أن يكون العمل متناسبا مع المؤهلات التي يتمتع بها الإنسان.

و المضمون الاجتماعي لا يتحقق إلا بتعميم الخدمات الاجتماعية على جميع أفراد المجتمع كالتعليم و الصحة و السكن و التشغيل و كل الخدمات الأخرى لأنه بتلك الخدمات تتحقق إنسانية الإنسان على المديين القريب و البعيد، و بانعدامها يحال الإنسان على الحرمان الجزئي أو الكلي من تلك الخدمات، و هو ما يعتبر مسا بكرامة الإنسان و إهدارا لها.

أما المضمون الثقافي فيعني إتاحة الفرصة أمام المكونات الثقافية من اجل المساهمة في الإثراء الثقافي، و منع قمع أي مكون كيفما كان، ذلك أن القمع يتناقض مع الممارسة الديمقراطية.

وبخصوص المضمون المدني للديمقراطية فيتجسد في المساواة بين الناس بقطع النظر عن جنسهم أو لغتهم أو عرقهم أو لونهم أمام القانون كيفما كان مستواهم المادي أو الأدبي، و مهما كانت مسؤولياتهم الإدارية و السياسية.

و على المستوى السياسي فإن مضمون الديمقراطية يستهدف الحريات العامة، و حرية الانتماء الحزبي و النقابي، و المساهمة في إقرار دستور ديمقراطي، و وضع قوانين انتخابية سليمة، و اكتساب حق الترشيح و التصويت لكل الناس على أساس المساواة و حق تحمل المسؤولية السياسية أنى كان مستواها.

و نظرا لأن العلاقة القائمة بين الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية و ما يصطلح على تسميته بالديمقراطية في ظل مجتمع استغلالي تنتفي فيه الحرية و العدالة إنما هو ممارسة تهدف إلى التضليل، و تلميع الأنظمة الاستغلالية الاستبدادية و إكسابها شرعية الاستمرار، و إيهام الناس بصلاحيته. و بذلك تصبح الديمقراطية محرفة عن الهدف من وجودها لتخدم أهدافا لا ديمقراطية في إطار اختيارات لا شعبية، و هو ما يجب التصدي له و تعريته على المستويات القريبة و المتوسطة و البعيدة من اجل إعادة الاعتبار إلى المفهوم الصحيح للديمقراطية الذي لا يتحقق إلا في إطار الربط الجدلي بين الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية التي لا تعني في عمقها إلا تحقيق المجتمع الاشتراكي في نهاية المطاف. و لكن برؤى جديدة، و تصور جديد يعكس حقيقة المنهج الماركسي العلمي، و يأخذ بعين الاعتبار مظاهر التحريف التي لحقت الاشتراكية و المجتمع الاشتراكي الذي لا يكون إلا عادلا و متحررا و ديمقراطيا، و ينبذ الممارسة الدوغمائية التي لا تعني إلا إيجاد مبرر لتكريس استبداد معين، و مصادرة الآراء الأخرى.

16) التعامل مع الواقع باعتباره كيانا متطورا في جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و على مستوى العلوم و الآداب و الفنون، لأن علمية العلم الماركسي تقتضي التعامل مع الأشياء على أنها متحولة باستمرار و هذا التحول يسير في اتجاه التطور :

أ- على المستوى الاقتصادي نجد أن العلم الماركسي أتبث أن المجتمعات البشرية مرت بمراحل اقتصادية رئيسية تتلخص في مراحل المشاعة، و العبودية، و الإقطاع و الرأسمالية ثم الاشتراكية مع اختلاف في المرور من نفس المراحل من منطقة إلى أخرى. نظرا لاختلاف الشروط الموضوعية التي تؤدي إلى إنضاج شروط بروز مراحل معينة أو عدم إنضاجها.

ب- على المستوى الاجتماعي نجد أن المجتمع يرتبط بشكل كبير بالمراحل الاقتصادية  المختلفة، فيتطور بتطور الاقتصاد و تتطور تبعا لذلك معارفه، و طرق عيش الناس، و كيفية التفكير و التعامل، مما ينعكس على تطور العادات و التقاليد و الأعراف و القوانين لينتقل الناس من مستوى اجتماعي إلى مستوى آخر مختلف عنه. فالمجتمع المشاعي ليس هو المجتمع العبودي، و ليس هو المجتمع الإقطاعي، و ليس هو المجتمع الرأسمالي، و ليس هو المجتمع الاشتراكي. لأن كل مجتمع يشكل نقلة نوعية عن المرحلة التي سبقته و سيستمر ذلك التطور إلى ما لا نهاية حتى في إطار النظام الواحد فإنه يستمر في التطور حتى يستنفذ مهامه، و يجنح إلى التفسخ لاعطاء نظام آخر.

ج- و على المستوى الثقافي نجد أن الثقافة أيضا تتطور تبعا لتطور أحوال الناس الاقتصادية و الاجتماعية. فالثقافة باعتبارها تعبيرا عن مختلف المقومات التي تحكم سلوك الناس و توجهه، لا يمكن أن تبقى ثابتة، بل تتطور تبعا لتطور المجتمع الذي يعرف تطورا في القيم التي تكون سائدة فيه.

د- و على المستوى المدني، فالنظرة إلى الإنسان تتغير من مرحلة إلى أخرى فهو في مرحلة المشاعة عاش المساواة الطبيعية، و في مرحلة العبودية يفقد جزء مهم المجتمع حريته، و في مرحلة الإقطاع يستعبد الإقطاعيون معظم البشر بواسطة الأرض التي يسيطرون عليها، و في مرحلة الرأسمالية يرغم العمال على بيع قوة عملهم إلى الرأسماليين الذين يملكون وسائل الإنتاج. أما في المرحلة الاشتراكية، فالناس أمام القانون سواء و لا وجود لأي تمييز على أساس جنسي أو عرقي أو لغوي أو ديني لأن أهم ما تقوم به الاشتراكية هو تذويب الفروق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و القومية و الجنسية و اللغوية و الدينية.

ه- و على المستوى السياسي نجد أن الممارسة السياسية في مرحلة المشاعة رهينة بإرادة الطبيعة و في العبودية تصير السلطة المطلقة بيد الأسياد الذين يفعلون ما يشاءون في العبيد دون حسيب أو رقيب  و في الإقطاع يكون الأمر بيد الإقطاعيين الذين يتحكمون في كل شيء. و في المرحلة الرأسمالية يكون النظام الرأسمالي ملمعا نفسه بما يسميه بالديمقراطية المنتجة للنظام البرلماني، أما المرحلة الاشتراكية الحقيقية – إذا تحققت- فالذي يسود هو الشعب الذي يستطيع –حينذاك- تقرير مصيره بنفسه.

و تبعا للتطور الذي يحصل في المجال السياسي نجد تطورا آخر يتعلق بالممارسة الأيديولوجية التي تختلف من مرحلة إلى أخرى، كما تختلف حسب تطور و اختلاف الطبقات الاجتماعية.

17) و من أهم ما أنجزه العلم الماركسي اكتشاف أن تاريخ البشرية هو تاريخ الصراع بين الطبقات، و ليس تاريخ الوقائع و الأحداث و السلالات و السلوك و الأنظمة التي حكمت.

و هذا الاكتشاف العلمي في مجال التاريخ يعيد الأمور إلى حقيقتها و يسعى إلى إعادة الاعتبار للطبقات الاجتماعية التي تنسب صراعاتها إلى الأفراد، و هو ما لم يكن واردا في التاريخ حسب المفهوم الماركسي. فالأفراد يمكن أن يلعبوا دورا تاريخيا معينا إلا أن ذلك الدور لا يتجاوز مجرد تجسيد دور الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها ذلك الفرد.

و بناء على هذا الاكتشاف العلمي الماركسي العظيم، فإن تاريخ البشرية ابتدأ بانقسام المجتمع إلى طبقتين رئيسيتين تسيطر فيه إحداهما على الطبقة الأخرى و تسخر الطبقات الوسطى لخدمة تلك السيطرة و دعمها.

و لذلك لا نجد حديثا وافيا عن مرحلة المشاعة، لأن هذه المرحلة لم تعرف صراعا بين البشر الذين كانوا يشكلون جزءا من الطبيعة و يصارعون ضمنها انطلاقا من حاجتهم إلى الغذاء و الكهوف و الأمن من الحيوانات المفترسة. و هي أمور وظف فيها البشر وسائل بدائية للحصول على حاجتهم، و الدفاع عن أنفسهم، و ضمان استمرار الجنس البشري. و هذه الوسائل تطورت مع مرور الوقت لتصبح وسيلة للسيطرة على مكونات الطبيعة بما فيها جزء مهم من البشر الذين يرغمون على خدمة من يملك وسائل التطور لينقسم المجتمع إلى طبقة الأسياد المالكين لوسائل السيطرة الطبقية، و العبيد الذين لا يملكون أي شيء من ذلك. و نظرا للاستغلال البشع الذي مورس على العبيد في هذه المرحلة فإنهم ينتفضون للخلاص من العبودية و يصارعون من اجل ذلك. و قد أدى صراع العبيد إلى انفراز مرحلة أخرى بعد اكتشاف الزراعة و أهمية الأرض و هذه المرحلة هي مرحلة الإقطاع التي يتحول فيها العبيد إلى اقنان (عبيد الأرض) يخدمون الأرض لصالح الإقطاعيين الذين يملكونها. و عملية استغلال الأرض كانت وراء أبحاث عدة اقتضت تطوير المعارف المختلفة المتعلقة بإنتاج البضائع المستعملة في استغلال الأرض، و هو ما يؤدي إلى حصول تطور في العلوم و الآداب و الثقافة، و هو ما أدى إلى اكتشاف الآلة البخارية التي شكلت ثورة في حياة البشرية لمساهمتها في تطوير وسائل إنتاج البضائع التي أفرزت أهمية العمل في المشاغل التي تحولت فيما بعد إلى معامل تجذب إليها عبيد الأرض الذين كانوا يصارعون من اجل التحرر من الارتباط بالأرض لتأتي بعد ذلك المرحلة الرأسمالية التي ينقسم فيها المجتمع إلى طبقتين رئيسيتين : طبقة البورجوازيين الذين يملكون وسائل إنتاج البضائع و