"علوية" الدستور الشهرستاني والغاء الاعتراف بالشرعية الدولية لحقوق الانسان

 المهندس الاستشاري/ سلام ابراهيم كبة

 

  قرار الجمعية الوطنية بالغاء المادة 44 من مسودة الدستور التي تنص علي الاعتراف بالشرعية الدولية لحقوق الانسان نسف حلم قيام نظام الحكم العلماني الديمقراطي الحقيقي الذي يضمن تثبيت وصيانة الحقوق والحريات العامة للمواطنين ، ويمنع بموجب القانون أي تجاوز على هذه الحقوق والحريات بأي شكل كان ومن أي جهة كانت من أجل ترسيخ قيم الديمقراطية في كيان المجتمع ، وترسيخ مبادئ السلام في العلاقة بين الشعوب واحترام إرادتها ورفض أفكار الحرب والعدوان والفكر الفاشي والظلامي المتخلف ... يعكس هذا القرار جوهر أصولية الاحزاب المتاسلمة – الشيعية العراقية الذي يعارض المسيرة المنتصرة للديمقراطية السياسية في العالم ويلح على الولاء لولاية الفقيه وجهابذة المرجعيات الشيعية وحوزاتها ويشيع المحافظة في الحياة السياسية ويرفع شعار  اصمت وكن مع مشروعي والا ( فستكون من الكافرين ) سيئة الصيت ... الطائفية الشيعية تتخوف من العلمنة وحقوق الانسان والمواثيق الدولية لأنها غير شيعية ، وبذلك تخسر هذه العصابات الطائفية مصداقيتها في  اطار نموذج العصر الحديث والثورة المعلوماتية وعصر الحداثة ومابعد الحداثة ... وهي تبرر فعلتها بحجج رددتها الدكتاتورية الصدامية في ان نصوص الشرعية الدولية لحقوق الانسان لا تتفق مع الظروف الوطنية والشريعة الاسلامية و"علوية" الدستور العراقي الوطني  على الاتفاقيات الدولية ... وهي المسوغات نفسها التي ساقها الرجعيون في مؤتمر فيينا عام 1993 لحقوق الانسان وحاولوا عبثا وقف المسيرة الانسانية الا انهم اصطدموا بارادة بشرية موحدة من كل الاديان والاتجاهات ومن الاسـلاميين المتنورين الحقيقيين حيث كانت الاغلبية الساحقة مع قرار الشرعية الدولية الملزم وطنيا كما هو دوليا وانه لا يتعارض مع المصالح الوطنية ولا مع غيرها. جاء في الاعلان النهائي لمؤتمر فيينا لحقوق الانسان عام 1993 : " جميع حقوق الانسان عالمية غير قابلة للتجزئة ويتوقف كل منها على الآخر ويرتبط به ".

   الشهرستاني يتنكر لدرجته ومكانته العلمية وتاريخه السياسي والمهني ب"علوية" الدستور العراقي الوطني  على الاتفاقيات الدولية ، وشتان بينه وبين عالم الذرة الشهير البروفيسور جوليو كوري الذي ساهم بفعالية في تأسيس  حركة السلم العالمية ، بينه وبين العالم البروفيسور عبد الجبار عبد الله اول رئيس لجامعة بغداد بعد ثورة تموز المجيدة 1958 .. ، بينه وبين العالم البروفيسور محمد عبد اللطيف المطلب .. الشهرستاني يتنكر لوحدانية العلم وانسانيته باصراره العيش في عقلية القرون الوسطى وما يسمى بالقانون الاسلامي ، شريعة وفقه واجتهاد وخزعبلات ، ومحاولة ارجاع العراق القهقرى بدستور على مقاساتها لتتحول الجمعية الوطنية الى الجمعية اللاوطنية ولتتحقق ما لم يتمكن منه صدام حسين وجرذانه بالقوة .. بل هذه المرة على يد ممثليه الجدد والمتجددين مادام الشعب العراقي يصر على الوطن الحر واللقمة الشريفة والحياة الهانئة السعيدة !

الشرعية الدولية لحقوق الانسان – مرجعية المرجعيات لا تحتاج الى الاموال ولا الميليشيات – العصابات المسلحة القروسطية او الادعاءات بالوكالة من السماء او بالمهدي المنتظر والاطلاقات الدينية والمكابرة بغباء ... بل الى الثقافة السياسية الجديدة والوعي الجديد بدولة القانون ونموذج الدولة الحديثة. وليس للمجتمع او للدولة او للسلطات الدينية او لأي قوة ذات تأثير ونفوذ الادعاء انها صاحبة الحق او الفضل بمنح حقوق الانسان للافراد لأنها حقوق لا تعطى ولا تمنح ولا توهب من احد بل يكشف عنها في الدساتير والعهود والمواثيق والاعلانات . ولا تعني حقوق الانسان تحريره من الاضطهاد السياسي والاجتماعي والديني والعرقي ... فقط بل منحه الحق في حرية التعبير والانتماء السياسي والفكري والآيديولوجي والديني والمذهبي وتحريره من الفقر والفاقة والجهل والمرض .. حقوق الانسان والديمقراطية وجهان لعملة واحدة ! وتعني ثقافة حقوق الانسان بالوعي العام المقاوم للظلم وحماية شرعية حقوق الانسان .وتصطدم هذه الثقافة بزيف ادعاءات الرأسمال الكبير كونه حامي حمى الديمقراطية وحقوق الانسان بتحويله لهما الى حفلات تنكرية في سبيل تحقيق مصالحه ومطامعه !     

 حقوق الانسان في الفكر الانساني الحديث هو انتقال مهم في الموقف من العالم وزاوية النظر اليه .. انتقال وضع مفهوم الانسان في مركز الصدارة والاهتمام بدل مفهوم الرب لينتقل مركز التفكير البشري من السماء الى الارض . واقرت الجمعية الوطنية الفرنسية " اعلان حقوق الانسان والمواطن " في آب سنة 1789 وتلخصت في حق الحرية وتفرعاتها مثل حرية المواطن والصحافة والانتخاب والتعبير عن الرأي ... الخ.ورفع هذا الاعلان حق الملكية الى منزلة المتراس للحرية ، والمستمتع بهذا الحق لا يكون مفتقرا الى الآخرين ولا الى مساعدة الدولة ويصبح حرا . وكتب اديب اسحق عام 1871 مقالة في جريدة التقدم بعنوان " في الحقوق والواجبات الطبيعية "جاء فيها : " حقوق الانسان هي احكام الشرائع الطبيعية النافذة في النوع الانساني المستقلة والمنفصلة عن كل شريعة دينية وكل سياسة مدنية ". وتطرق احمد لطفي السيد عام 1913 في مقالة " حقوق الكافة وسلطة التشريع "في صحيفة الجريدة الى حرية التعليم ، حرية القضاء ، حرية الصحافة ، حرية الخطاب ، حرية الاجتماع ...وكتب عن حقوق الانسان والشعوب وحرياتها  فرانسيس مراش ، ولي الدين يكن ، امين الريحاني ، عبد الرحمن الكواكبي ، سلامة موسى ،جرجي زيدان ، ناظم الداغستاني ، خليل سعادة ،فرح انطوان .. وآخرون.  

    وتتكون الشرعية الدولية لحقوق الإنسان من:

1.      الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الامم المتحدة في 10/12/1948 ويضم (30) مادة.

2.      العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والبرتوكول الاختياري الملحق به الذي بدأ نفاذه بتاريخ 16/12/1966.

3.      العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حسبما ورد في قرار (2200) عام 1966 (الامم المتحدة).

4.      الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري قرار (2106) عام 1965 عن الامم المتحدة .

5.       الاتفاقية الدولية لمنع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها قرار (3068) عام 1973 عن الامم المتحدة.

6.      اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المراة قرار (24/180)عام 1979.

7.      اتفاقية مناهضة التعذيب وضروب المعاملة القاسية عام 1984.

8.      اتفاقية حقوق الطفل عام 1989.

   من دون احترام حقوق الإنسان وإقرار مشروعيتها التي حددتها المواثيق واللوائح الدولية فان النظام السياسي القائم يفقد أسباب تواجده. وهي كالمجتمع المدني ليست أفكار دخيلة على العراقيين عربا وكردا وأقليات ، ولا هي بقصائد شعر موسمية.. وهي كالحرية ليست بمائدة تهبط من السماء على طالبيها .. بل تتطلب النيات الحسنة والتواضع والمصداقية والعمل الجدي وتضامن جميع القطاعات التي تنشد السلام الاجتماعي والعدالة الاجتماعية والمدنية... وتبقى القيم البالية لاسيما العشائرية او القبلية والطائفية منها معرقلة لتأسيس أرضية صالحة لقيام المجتمع المدني واحترام حقوق الإنسان.

    حقوق الإنسان مبدأ إنساني عام وثمرة نضالات تاريخية للبشرية . والعبرة ليس فيما تطرحه الدساتير واللوائح والوثائق الحقوقية والسياسية بل في التطبيق وخلق الانسجام المتكامل بين الحرية الفردية والأمن العام . وحياة الأمن والطمأنينة هي ضمانة الحقوق الإنسانية فالأمن حق في الحياة المعقولة حيث يرتهن أمن الفرد بأمن الجماعة ، ويعتمد التمتع الخاص بالحق على التمتع العام به والعكس صحيح أيضا . فالحرية والأمان ينتميان الى مصدر واحد... والبلد والسلطات الحرة أكثر أمنا من البلاد والسلطات غير الحرة. وبانتهاك حقوق الإنسان تتجه البشرية الى الهمجية وتصبح الحضارة أداة لهمجية معصرنة!.

   قرار الجمعية الوطنية بالغاء المادة 44 من مسودة الدستور التي تنص علي الاعتراف بالشرعية الدولية لحقوق الانسان تعني الضوء الاخضر للتساهل مع التمردات المسلحة ، ومع العصابات ، ومع جهلة البعث . وتعني الضوء الاخضر لمسلسل الجرائم الدموية والمهازل الظلامية ومحاكم التفتيش القاعدية والصدرية والغدرية والعبث بمقدرات أبناء شعبنا. لا مجال لمقايضة الجهود الفعالة لمكافحة الإرهاب وحماية حقوق الإنسان. ان حقوق الإنسان تشكل، مع الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، أحد أفضل السبل التي تضمن الحماية من الإرهاب.

قرار الجمعية الوطنية بالغاء المادة 44 من مسودة الدستور التي تنص علي الاعتراف بالشرعية الدولية لحقوق الانسان تعبير عن الهوس الدائم بخنق حرية المرأة ووضعها خلف الحجاب وتسليط الهيمنة عليها في البيت والعمل والجامعة والشارع وفي كل مكان... والهوس الشاذ بالتلذذ في رؤية الاطفال في المناسبات الاسلامية والشيعية وهم يجبرون على حمل الخناجر ويجرحون رؤوسهم بالامواس لتسيل منها الدماء وتلك المناظر السادية التي تفرض على طفولتهم المنتهكة وصفهم بطوابير طويلة وهم يؤدون  الشعائر الدموية في عاشوراء وغيرها ارضاءا لآيات الله العظمى والصغرى  . قرار الجمعية الوطنية بالغاء المادة 44 من مسودة الدستور دعوة صارخة لأشاعة الولاءات اللاوطنية والارتزاق الماورائي والتشدد الغلوائي والاصولية الرجعية والجاهلية والفساد .

    "علوية" الدستور العراقي الوطني  على الاتفاقيات الدولية ابتكار ادلجة اكاديمي عنصري الطابع والمضمون للشهرستاني البروفيسور . وتتيح المدرسة الشهرستانية كمنهج وقالب واحكام مذهبية وفق النموذج الشمولي الجديد محاصرة الفكر وتقييد حريته وتضيق الخناق على الابداع والعقيدة لتتسمم الحياة الروحية للشعب وتتشوه نفسية المواطن وليشاع الاغتراب في المجتمع . وتشيع الهرطقة الشهرستانية عبادة الطغاة وتمجيدهم بالصور والاناشيد والاعلام ، وتعطل اجتهاد وعلم اجيال كاملة من المفكرين والعلماء فتعتبرهم جهلة عقيمين ، وتلحق افدح الاضرار بالسياسة والعلم والعقل  .