الجريمة .. والعقاب .......  في نسختها اللبنانية

الطاهر ابراهيم

 

مع أني لا أرغب كثيرا في أن أتناول الشأن اللبناني إلا بمقدار ما يتعلق بالشأن السوري. فإن جريمة اغتيال الحريري كانت أفظع من أن ينحصر أثرها داخل حدود لبنان.وهي على كل حال لم تبعد ،في كثير من تداعياتها، عن مجريات الأمور في سورية.

ولقد كان مفاجئا، للكثيرين من اللبنانيين والسوريين على حد سواء، قيام الأمن اللبناني باعتقال الثلاثة الكبار من ضباط الأمن اللبناني السابقين مع رئيس لواء الحرس الجمهوري العميد مصطفى حمدان، يوم 30 آب الماضي.

ولم يكن وجود علاقة بين هؤلاء الأربعة وبين الجريمة هو المفاجأة، بقدر ما كان مجيء الاعتقال على غير القياس في لبنان وفي سورية، وفي كسر حاجز الهيبة الذي كان يحيط بهؤلاء المتنفذين. ولقد كانت العادة أن يقوم هؤلاء ونظراءهم في سورية ولبنان باعتقال الناس. أما أن يُعتقلوا ،ولو بعد استقالاتهم، فهذا يعني أن القضية قد دخلت في منعطف جديد .ولذلك فقد ذهب الناس في ذلك مذاهب شتى.

وفي هذا الفصل من رواية "الجريمة والعقاب"، سنقصر مقالنا على انعكاسات هذه الجريمة على اللبنانيين، وردود أفعال بعض الشرائح والاتجاهات على الساحة اللبنانية،على أن يكون موضوع مقالنا القادم هو انعكاسات هذه الجريمة على الساحة السورية.  

الذين استنكروا الاعتقال، اعتبروا أن الإدانة لم تثبت حتى الآن بشكل قطعي، وأن الاعتقال سوف يسيء إلى المعتقلين وأسرهم، خصوصا إذا ظهر أن الأمر مجرد اشتباه. ونستعجل فنقول لهؤلاء:إذا ما ظهرت براءة الأربعة الكبار ،بعضِهم أو كلِّهم، فستكون هذه البراءة مع الفرحة التي ستعم المتهم وذويه، أكبر تعويض عما لحقه من إهانة الاعتقال وذل السجون. وحتى يدرك المعترضون قيمة هذه الفرحة،ما عليهم إلا أن يذهبوا إلىأي من اللبنانيين الذين اعتقل أحد من أقربائهم ،من دون ذنب، أيام كان لضباط الأمن الثلاثة هؤلاء صولة وجولة، وكيف كانت تنسيهم فرحة إخلاء سبيلهم ما لحق بالمعتقل وأهله من هم وكرب.

أكثر الناس يعتبر الاعتقال الاحترازي الذي يتم بحق المتهمين القضائيين أمرا مقبولا، وهم على كل حال ما يزالون في نظر القضاء مشتبها بهم. وربما كان الجرم بسيطا لا يتعدى إساءة أمانة في إحدى دوائر الحكومة. ولعل هذه الحيثية هي التي تجعل الذين يرحبون باعتقال الأربعة الكبار يجادلون عن رأيهم قائلين لمن استنكر: أليس الرئيس الحريري، وباقي التسعة عشر الذي قضوا معه في الانفجار، أحقّ بأن يتحفظ على من تحوم الشبهة حولهم ،ولو بشكل جزئي، بأنهم شاركوا بشكل أو بآخر في الاغتيال؟.          

الحياة أغلى ما يملكه الإنسان.والاعتداء على حياة الفرد هو أفظع أنواع العدوان عليه، حتى لو كان هذا العدوان قد تم بأبسط صوره،كأن يكون في شجار حول بعض متاع الحياة. لأنه سيخلف اضطرابا بين أسرتين، قد يتضاعف هذا الاضطراب إلى الثأر والثأر المتبادل، وربما مر وقت طويل قبل أن يندمل الجرح بينهما.

أما إذا كان هذا العدوان على الحياة هو من النوع الذي استهدف الرئيس الحريري ورفاقه، فهو عدوان على المجتمع بأكمله، لأنه استهدف أمن لبنان بكسر التوازن الطائفي الهش الذي يحكم لبنان منذ الاستقلال.

الذين خططوا لاغتيال الحريري –أيٌا كان هؤلاء- مجرمون عتاة، احترفوا الاغتيال وسيلة لإرغام خصومهم على السكوت الأبدي،بعد أن عجزواعن إقناعهم بالحجة والبرهان للتنازل عن مواقفهم والقبول بما يريدون.

جريمة اغتيال الحريري جريمة خطط لها مدبروها لتكون "جريمة كاملة".ومن قام بالجريمة خبيرُ أرضٍ و"حرامي دار". فعل ما فعل وهو لا يخشى أعين الرقباء. وإلا لكان انكشف أمره منذ اللحظة الأولى. وهذا المجرم له سلطان أيضا، ويتمتع بحرية الحركة،ويستطيع أن يبرر وجود عناصر العدوان بسبب أو بآخر، فيما لو انكشف الأمر في أية لحظة وقبل أن  تكتمل الجريمة.وعليه فلا بد من أن يكون على علاقة وثيقة بمن يهيمن أمنيا على بيروت وغيرها من المدن والبلدات اللبنانية.

عند ما يقرر إنسان ما أن ينهي حياة إنسان آخر، بعيدا عن حكم القانون الذي يحتكم إليه الناس من خلال القضاء المختص، فإنه يبتعد أكثر عن إنسانية الإنسان، ويقترب أكثر من حيوانية الحيوان ،الذي يعيش شريعته -شريعة الغاب- ولا يعرف إلا أنيابه وسيلة للوصول إلى فريسته.

الحكومات المستبدة عندما تفشل في استمالة قلوب المواطنين،لأنها لا تعمل إلا على خدمة مصالح قادتها على حساب المواطنين، فإنها لا تعترف إلا بالقبضة الأمنية، وسيلة لترسيخ استبدادها من دون أن يعارضها أحد. وإذا ما استطاع أحد أن يتجاوز الحواجز المتعددة التي أقامتها لمنع قوى الاعتراض من الوقوف في وجه هيمنتها، فهذا يعني في رأيها-أي شريعة الغاب- محاولة منه لتقويض سلطتها، ولا بد من إسكاته نهائيا.

عقب اعتقال الحريري وقيام المظاهرة الكبرى في 14 آذار،رفضت شخصية لبنانية سياسية تتمتع باحترام كبير، فكرة إقالة قادة الأمن اللبناني،ومنهم الثلاثة الكبار، قبل أن تظهر نتائج التحقيق، بحجة أن هذه الإقالة ستكون إساءة لسمعة هؤلاء وأسرهم. ولو أنها دعت لإقالتهم على الأقل لأنهم فشلوا في إحباط المحاولة الآثمة، لكان ذلك أقرب للعدل.

وما زلت أذكر حتى الآن تعليق الرئيس "ديغول"،عند ما بلغه خبر اغتيال الرئيس الأمريكي "جون كنيدي" حيث قال موجها كلامه إلى قائد الشرطة الأمريكية :"هذا الغبي كيف لم يمنع هذا الاغتيال". ولو سلمنا أن التقصير فقط كان هو ذنب قادة الأمن اللبناني، لوجب إبعادهم، لأن التقصير جريمة يحاسب عليها رجل الأمن أكثر مما يحاسب غيره عليها.    

وصدق من قال: إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة      وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.

سوء الظن بالناس ليس دائما منقصة. فهو يورث الحذر. وقديما قيل "سوء الظن من حسن الفطن". وعلى الأقل كان يجب إقالتهم بدافع التقصير، ومن ثم يكون التحقيق في الجريمة بعيدا عن تأثير سلطتهم.

الذين طالتهم الشبهة في التخطيط والتنفيذ لجريمة اغتيال الحريري،من داخل لبنان وخارجه ،دعوا إلى عدم تسييس التحقيقات. ولقد كانت جريمة الاغتيال سياسية بامتياز، لم تستهدف ثروته، بقدر ما استهدفت إسكات صوته السياسي المعتدل في لبنان.

لقد كان الحريري –رحمه الله- يدعو إلى لبنان مستقل داخل المنظومة العربية. ولأن هذا الموقف لم يكن ليعجب من أرادوا أن يكون لبنان تحت سيطرة المافيا السياسية والاقتصادية ،فقد اتجهت نيتهم إلى إزاحة الحريري سياسيا، ولكن بأسلوب إجرامي، استهدف حياته على طريقة عصابات المافيا.

ولذلك لم يكن عجبا أن تتجه الأنظار إلى أباطرة الأمن في لبنان،–مع التأكيد على أنهم ما يزالون في خانة الاشتباه-خصوصا وأنهم كانوا هم المسئولين عن أمن الرئيس الحريري وغيره من السياسيين.

الذين اشتركوا في جريمة اغتيال الحريري، أرادوا أن يقولوا للبنانيين: هذا جزاء من يقف في طريقنا.ولسوء حظهم، فإن هذه الجريمة جاءت في وقت تغيرت فيها المعطيات الدولية. فالذين كانوا يغضون الطرف عن جرائمهم،لم يعد من مصلحتهم السكوت عن هكذا جريمة.  ولأنهم يعرفون كيف كان يتصرف هؤلاء المجرمون،فقد أشاروا وعلى الفور باصبع الاتهام إلى من يعتقد أنه المشتبه رقم واحد قبل أن يصدر القضاء حكمه.

يبقى أن نقول أن بعضا من الذين شملتهم أريحية الرئيس الفقيد، حيث مدّ لهم يده رفعهم بعد أن كانوا نكرات، وحالفهم فصاروا أعضاءً في هيئات حكومية مرموقة. هؤلاء عضوا اليد التي امتدت إليهم وشاركوا ،ولو من طرف خفي، في إزهاق روح الشهيد الحريري رحمه الله تعالى.

اعتقد أنه قد حان الوقت لكي يدفع الذين خططوا لهذه الجريمة، ليس ثمن هذه الجريمة فحسب، بل ثمن كل جرائم الاغتيال السياسي التي كان لبنان مسرحا لها.

الطاهر إبراهيم    كاتب سوري معارض    يعيش في المنفى