العرب وحوار الثقافات في عالم متغيّر (*) -

الدكتور عبدالله تركماني

 

 

بداية من الأهمية بمكان تحرير المصطلح، ذلك أنّ هناك خطأ شائعا في الحديث عـــن " حوار الحضارات " وكأننا نعيش في ظل حضارات متعددة، مع أنّ الواقع يقول أننا نعيش، بتفاوت بين عالمي الشمال والجنوب، في ظل حضارة واحدة تقوم على أسس الثورة العلمية والتكنولوجية الثالثة، خاصة ثورة الاتصال والمعلومات،‏ ‏وعلى ذلك من الأفضل أن نتحدث عن حضارة واحدة وثقافات متعددة‏.  وفي هذا السياق، أصبحت الدعوة لحوار الثقافات تمثل القاسم المشترك بين الكثير من المثقفين ورجال السياسة والدين والمفكرين، ليس فقط في العالمين العربي والإسلامي فحسب بل في الغرب أيضا.

ومما لاشك فيه أنّ أحداث الإرهاب التي شهدها العالم طرحت تحديا حقيقيا أمام كافة المبادرات الخاصة بحوار الثقافات لإثبات مصداقيتها وتأثيرها المتعدد الأبعاد،  سواء على دوائر صنع القرار أو وسائل الإعلام أو المراكز الأكاديمية والبحثية أو منظمات المجتمع المدني، فهذا التأثير وتلك المصداقية هما المعيار والحكم على صلة هذه المبادرات بالواقع المعاش والقدرة على إحداث تغيير إيجابى فى مناهج التفكير والسلوك والتعامل مع الآخر وتوصيفه بشكل بنّاء، والتفاعل معه بديلا عن الانعزال عنه أو التصرف من منطلق أنّ هذا الآخر هو العدو أو الخطر أو التهديد، وبدون تجاهل مرجعية قيم العدل والإنصاف والمساواة والاحترام المتبادل،  وعدم الادعاء باحتكار الحقيقة.

ويتزامن هذا الاتجاه مع التحولات العميقة التي يشهدها العالم على صعيد العلاقات الدولية بصورة عامة، وعلاقات شمال - جنوب بصورة خاصة، وعلى إثر ظهور اتجاهات جديدة، في مقدمتها المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني في العالم، تمثل قوة ضاغطة على مراكز اتخاذ القرار على مستوى السياسة الدولية، للدفع نحو ما يمكن أن نصفه بأنسنة القرارات الدولية كافة. فعلى عكس ما تزعم الأصوليات من كل حدب وصوب فإنّ مستقبل البشرية ليس للصدام الحضاري وإنما للتفاعل والحوار والاستفادة المتبادلة.

مكوّنات متغيّرة للثقافة وحوار الثقافات في عالم متغيّر

من المؤكد أنّ الثقافات لا تتطور جميعها بالإيقاع نفسه، فهي تشهد مراحل ذروة ومراحل هبوط، وفترات إشعاع وتوسّع، كما أوقات صمت وانكفاء. ولكن من المؤكد أيضا أنّ العالم غني بثقافات القارات الخمس، ومضطر إلى صياغة قواعد لتعايشها وانسجامها، ويحمل في ذاته القدرة على مواجهة تحديات تاريخه الكبرى . مما يفترض البحث عن أرضية مشتركة بين التقاليد المكوّنة للحضارة الإنسانية التي تتمثل في:

 (أ)- الاعتراف المتبادَل بالتقاليد المميّزة للثقافات المتعددة.

(ب)- تجاوز نقطة الاعتراف المتبادَل والاتجاه نحو تقبّل التفاعل بين الهويات الثقافية المتعددة والتي تسمح بالتعايش بين مختلف التنوّعات الثقافية.

والحال أنّ مختلف المنظومات الثقافية العالمية تتحسس الحاجة الموضوعية إلى صياغة وتقنين مقتضايات الكونية، حتى ولو اختلفت جزئيا في ضبط معايير ومحددات هذه الكونية، فلقد أصبح لعالم اليوم أطر مرجعية كونية لا يكاد يخرج عليها كيان سياسي أو ثقافي، أبرزها الوثيقة النظرية الاخلاقية العامة التي تؤسس النظام الدولي، أي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والنظام المؤسسي الدولي المتمثل في هيئة الامم المتحدة، والأطر التشريعية المتعددة المناحي والأوجه (الاتفاقات والقوانين الدولية الملزمة التي تزايدت مجالاتها بصفة كثيفة في الآونة الأخيرة).

ولعل منبع تجدد الإشكال راجع إلى تصادم حقيقتين بارزتين: أولاهما، الالتزام الجماعي بمقتضيات الكونية الناتجة عن مسار توحد البشرية واقتران مصائر أبنائها عبر آليتي توحد الأنظمة الاتصالية وتوحد الاقتصاد العالمي. وثانيتهما، الإقرار النظري والمعياري بحق الثقافات في الاختلاف والتمايز وتماثلها من حيث القيمة والمشروعية من جهة أخرى. والواقع أنّ مكمن الإشكال عائد إلى صعوبة صياغة تأليفية لهاتين الحقيقتين، اللتين لا اعتراض عليهما من حيث المبدأ.

وهكذا، بدلا من المزاعم الخرقاء عن اختلاف الحضارات المعاصرة وصراعاتها المزعومة ينبغي التحرك نحو الاهداف الطبيعية التي يتحرك بها الواقع، والكشف عن المضامين الأخلاقية الكامنة في أغلب ثقافات الجنس البشري، والتي تنشد حرية الإنسان وانتصاره المتلاحق على اختناقات الضرورات المختلفة. فمن حكمة مصر والشرق الأدنى القديم، الأخلاقية والروحية والعلمية، تغذت العقلية اليونانية لتفرز نظاما نظريا متكاملا للحكمة الفلسفية استطاعت مصر البطلمية، ثم الرومانية من خلال مدرسة الإسكندرية، إعادة توظيفه عبر الأفلوطينية والأفلاطونية الجديدة لمصلحة الإيمان المسيحي، في إطار سعيها الرائد إلى التوفيق بينه وبين العقل. كما استطاعت الحضارة العربية - الإسلامية استيعابه وإخضاعه لإلهام العقيدة الإسلامية التوحيدية. حتي كان العصر الحديث الذي شهد الحوار بين العقلية الأوروبية وبين التراث العلمي والفكري للعقل العربي، سواء ما يمثل ماهيته أو ما يمثل قراءته للتراث اليوناني. أي أنّ كلتا الحضارتين الكبيرتين حاورت الأخرى فعلا عبر الدورة التاريخية المعروفة، وبحسب قدرة كل منهما على صوغ نموذجها الجذاب أو الفاعل الذي يدعو الأخرى إلى أن تحتذيه أو تقتبس منه على قدر حاجتها أو قدرتها.

 

العرب وحوار الثقافات

 السؤال الجوهري والمحوري الذي يطرح نفسه في العالم العربي، هو: كيف نحاور؟ وحول ماذا ؟ ومع من ؟ وهل يمكن الحوار مع الآخر أصلا إذا كان الحوار في أغلب الأقطار العربية مكبوتا ومقموعا ؟ كيف يمكن لنا أن نضبط آلية الحوار الثقافي والتفاعل الحضاري مع العصر ؟ وأين يقف عالمنا العربي من  التغيّرات العميقة التي شهدها العالم ؟ وهل فهم منطق المرحلة الجديدة بمقوّماتها ومعالمها ومنطقها النوعي الجديد ؟ وهل استجاب لمنطق المرحلة على الأصعدة الفكرية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الشاملة ؟ وما مدى الاستجابة للمرحلة على صعيد التخطيط والتنظيم والممارسة ؟ .

وبداية، يجدر بنا أن نحاول تحديد موقع الثقافة العربية في عالم المتغيّرات الكبرى منذ تسعينيات القرن الماضي‏، للتعرف علي أوجه قصورنا ومناطق إخفاقنا‏.‏ ولا نظن أنّ أحدا يستطيع أن تصل مكابرته إلى إنكار ذلك القصور والإخفاق‏.‏ فقد بدأنا القرن الحادي والعشرين، أي بعد قرن ونصف من بداية النهضة‏ العربية الحديثة،‏ ونحن أبعد ما نكون عن حلم التحديث الحقيقي‏.‏ إذ عانينا انشطارا مستمرا بين القديم والجديد‏، بين الأصالة والمعاصرة‏.‏

خطأ نظرية الصراع بين الإسلام والغرب

تعاني أطروحة " الصراع الثقافي والحضاري بين مجتمعات الإسلام والغرب " من نقص حاد في إدراك الجدليات الثقافية الحاكمة لمجتمعات العالم المعاصر، وفي إدراك علاقات التمايز داخل كل مجال ثقافي -  اجتماعي. وتنطوي هذه الفرضية على ثلاثة معطيات  فكرية تستدعي نقدا يكشف عقمها: إنها تنطوي على ادعاء لا تاريخي، وعلى وهم أيديولوجي، وعلى قراءة انتقائية لا موضوعية. ففي القول بوجود ماهية إسلامية مطلقة حاكمة للمجتمعات التي تدين شعوبها بعقيدة الإسلام، ماهية عصية على التبدل والتكيّف والتطور، وغير قابلة للتعين إلا بما هي جوهر مغلق واحد أحد، لا يأتي عليه مكان أو زمان، ولا يتسع لأي نوع من التعدد فيه، حتى وإن كان من جنس التعدد في الوحدة . إنّ هذا الادعاء لا أساس له في واقع جدلية التاريخ وتطوره.

وأما الوهم الأيديولوجي، ففي افتراض الغرب كيانا واحدا متجانسا لا تمايز فيه، ومطلقا مجردا لا تعدد أو نسبية في نسيجه. وهو غرب الديمقراطية وحقوق الإنسان التي حفظ لمواطنيه آدميتهم وكرامتهم ، ومكّنهم من الحقوق والأدوات والمؤسسات التي توفر لهم إمكان التعبير عن آرائهم وإمكان تنظيم وجودهم وتقرير مصيرهم وإدارة شؤونهم بأنفسهم.

وأخيرا، فإنّ القراءة الانتقائية غير الموضوعية تتجلى أكثر ما تتجلى  في الإصرار على النظر إلى العلاقة بين الإسلام والغرب بوصفها علاقة صدام وصراع فحسب، والتشديد على طبيعتها الانتباذية دون سوى ذلك من الصور والحالات التي سبق وشهدها تاريخ تلك العلاقة بين الطرفين في العصر الحديث على الأقل، وخاصة منها علاقة الحوار والتفاهم.  

إنّ الغرب الحديث لا يمكن اختزاله في مشهد جيوش الاحتلال، بل هو كذلك مدونة الحقوق المدنية وحريات الإنسان على نحو ما بشرت به أدبيات الأنواريين، وجلجلت بها كل من الثورتين الفرنسية والأمريكية وتضمنها لاحقا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهي قيم اكتسبت بعدا كونيا وتبنتها قطاعات واسعة من الشعوب والنخب الفكرية والسياسية في مختلف مناحي المعمورة الكونية، بما في ذلك في أرضنا العربية والإسلامية الواسعة .

امتلاك العرب لخبرة كبيرة في مجال الحوار

يمتلك العرب خبرة كبيرة في موضوع " حوار الثقافات فالإسلام في ثقافته، وبالتالي، في حضارته الكلاسيكية كان مدرسة في الانفتاح. إن الحضارة العربية ـ الاسلامية شارك في صنعها الهنود والفرس والمسيحيون واليونان، وقد تشكلت على قاعدة توليف حضاري معقدة لكن مبدعة، حيث صهرت حضارات الهند والصين وفارس إلى حد يصعب معه وصف التأثير والتأثر في مجالات " جيوحضارية " كهذه.

كما بلور التراث العربي – الإسلامي، في العصر الوسيط، صورة متخيلة عن العالم والحضارات والأمم الأخرى، ولم يكن المعيار الديني هو المعيار الوحيد الذي حكمت به الثقافة العربية على الآخر، فقد اعتمدت على معيار الحضارة والعمران، ونظرت إلى كل أمة وجماعة بمدى مساهمتها في العمران، وما تختص به في أحد أبوابه، وهو ما أفضى إلى نوع من النسبية الثقافية، تجلت بشكل واضح عند الجاحظ والتوحيدي وابن خلدون، إذ خصوا كل أمة وحضارة بدور مميّز في مجال العمران.

متطلبات وشروط الحوار الناجح

ثمَّة أهمية كبرى لصياغة استراتيجية عربية للحوار مع الثقافات الأخرى، مما يستدعي القيام بدور نقدي مزدوج :

(1)- الاستيعاب النقدي لفكر الآخر، بمعنى المتابعة الدقيقة للحوار الفكري العميق الذي يدور في مراكز التفكير العالمية، وفي العواصم الثقافية الكبرى.

(2)- النقد الذاتي للأنا العربية، باعتبار أنّ ذلك هو الخطوة الأولى في أي حوار جاد.

المهم ألا نعتقد، نحن العرب، أنّ الصراع الدائر في العالم اليوم هو " صراع حضارات "، أو يمكن أن يكون كذلك، فننكفئ على ذواتنا، ونولي وجوهنا شطر الماضي، أكثر مما فعلنا، فنخرج من عصرنا وعالمنا ذاتيا، ونظل موضوعيا مادة لفعل الآخرين وموضوعا لإرادتهم وسمادا لتاريخهم. المهم أن نظل أوفياء لمبدأ التوحيد الذي قامت عليه حضارتنا وثقافتنا، ولمبدأ النقص والاحتياج الذي في جبلة البشر وفطرتهم، إيمانا منا بأنّ مبدأ النقص والاحتياج هو نفسه مبدأ التقدم.

كما أنّ الحوار مع الآخر يوفّر مكاسب كبيرة: فهو يجنّبنا تصادما محكوما بالخسارة، نتيجة اختلال المعادلات الاقتصادية والعسكرية والسياسية بين الطرفين العربي – الإسلامي والغرب، ويشكّل صمام أمان لمجتمعاتنا حين يجنّبها اندفاع العولمة إليها بشكل غير منضبط، كما يوفّر أجواء مناسبة للاحتفاظ بالذات وتقاليدها وشخصيتها المستقلة المتفتحة .

العرب والحوار في الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية

لعبت المجموعة العربية دورا بارزا خلال مناقشات موضوع حوار الثقافات داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث أكدت إيمان الدول العربية بالحوار ونبذها للصراع بين الثقافات. وعقب جريمة 11 سبتمبر/أيلول 2001 أقر وزراء خارجية الدول العربية المبادرة التى طرحها أمين عام الجامعة العربية لإقامة تجمع فكري عربي، لبلورة صيغة عملية ومحددة تشمل سبل مواجهة الحملة ضد العرب والمسلمين ،وتصحيح مصادر الخلل الفكرى والثقافى داخل العالم العربى وصورة العرب والمسلمين فى الخارج. وقد أعدت الأمانة العامة للجامعة العربية ورقة عمل تضمنت برنامج عمل يشرح تاريخ وإسهام الحضارة العربية - الإسلامية فى الحضارة الإنسانية،  وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن العرب والمسلمين من خلال حملات لصالح العرب فى الدول الغربية. وبالفعل اجتمع في مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية مجموعة من المفكرين والمثقفين العرب يومي 26 و 27 نوفمبر/تشرين الثاني، وتدارست الأوضاع الدولية التي تدعو إلى النظر في العلاقة بين الحضارة العربية – الإسلامية من جهة، والحضارات الأخرى لاسيما الغربية منها من جهة أخرى، وما شاب هذه العلاقة من مظاهر سوء الفهم أو التشويه.

وأصدرت المجموعة " إعلان ملتقى المفكرين العرب "، وقد ورد في بنده التاسع " تأصيل وتعميم ثقافة السلام والعدالة التي تمنع حدوث الصراعات، وهو الأمر الذي يتطلب تسوية النزاعات الدولية والإقليمية القائمة لاسيما الصراع العربي – الإسرائيلي بطريقة عادلة ومتوازنة، وطبقا للشرعية الدولية، والإسهام في قيام نظام دولي جديد يقوم على احترام حقوق الإنسان في العالم دون تفرقة أو تمييز ".

وفي برنامج العمل الذي أقرته دعت إلى " تأسيس جائزة سنوية من جامعة الدول العربية، تمنح لمفكر أو مؤسسة تقدم إسهاما فكريا متميزا في مجال تعزيز حوار الحضارات، وإعادة تأسيس الخطاب العربي والإسلامي والتعريف بالحضارة العربية – الإسلامية ". كما دعت الدول العربية ومؤسسات المجتمع المدني للمبادرة بتشكيل لجان وطنية على المستوى العربـي " تعنى بقضايا الحوار الفكري والتجديد والتواصل الثقافي ". وقد جاء برنامج العمل استجابة لنداء الأمين العام للجامعة، الذي قال في كلمته الافتتاحية " أدعوكم لأن نناقش الخطوات والبرامج التي تمكّننا من التعامل مع التحديات التي تواجهنا، وما أرجوه هو ألا تكون اجتماعاتنا لمجرد النقاش وإنما للاتفاق على برنامج عملي قابل للتنفيذ السريع، حيث لا يتحمل الأمر أي وقت ضائع .. ".

ومن جانبها شكلت منظمة المؤتمر الاسلامى فريق خبراء حكوميين، قام بوضع برنامج  تنفيذي،  أكد على وحدة البشر ومسؤوليتهم المشتركة عن إعمار الأرض وإشاعة العدل والسلام فيها ودور كافة الشعوب والحكومات فى نشر روح التفاعل والتواصل والترويج لثقافة الحوار والتسامح، باعتبار ذلك البديل الوحيد للمواجهة والصراع وثقافة الانفراد واستبعاد الآخرين. ودعا برنامج العمل إلى عقد لقاءات بين المتخصصين فى الحكومات والمنظمات المختلفة لإشاعة الإيمان الحقيقى بالتعددية والعمل على اكتشاف ما هو مشترك بين الثقافات المختلفة، وإجراء حوار واسع حول قضايا العدل الاجتماعى ومكافحة الظلم.

وفي سياق هذا الاتجاه، لابد من وقفة عربية مع النفس لتحليل الموقف والعمل على الاستفادة من دروس زلزال 11 سبتمبر/أيلول، والتخطيط لما بعده، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ثم العمل على بناء الثقة والبدء بحوار جدي بنّاء يقوم على ركائز ثابتة أبرز عناوينها:

(1)              – توحيد المواقف بين العرب من أجل وضع أسس المبادئ العامة لمثل هذا الحوار، وحل الخلافات والاختلافات حول أمور كثيرة تسيء للإسلام وتتيح في المجال للآخر لكي يرفض التعاون مع كيان واحد واضح المعالم.

(2)              - نبذ التطرف والعنف واستخدام لغة العقل والمنطق في الحوار وتأكيد الاحترام للآخر وقوانينه ومبادئه.

(3)              - إشراك المسيحيين العرب في الحوار مع الغرب، وتشجيعهم على لعب دور فاعل في هذا المجال، والتخلّي عن السلبية نتيجة لممارسات معروفة، ولا سيما بالنسبة للجاليات المقيمة في الغرب والولايات المتحدة الأمريكية بالذات، وهي فاعلة ومؤثرة.

(4)              - التمهيد لهذا الحوار بحملة إعلامية وثقافية في الغرب تستخدم العقل والمنطق بأسلوب حضاري يشارك فيه أبناء الجاليات العربية والإسلامية بشكل فاعل، لأنهم أدرى بشعاب الغرب من المنظّرين والمثقفين المزعومين الذين يتصدرون موائد الحوار ومؤتمراته في ديارنا.

هذه الركائز وغيرها، مما لا يتسع لها المجال هنا، لا بد أن تنطلق بسرعة لمنع انتشار رقعة الشرخ الذي تسببت به عمليات نيويورك وواشنطن ومدريد ولندن، والحرب في أفغانستان، والإجرام الصهيوني في فلسطين، والاحتلال الأمريكي للعراق. ولعل الندوات المتعددة التي قامت بها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم حول حوار الثقافة العربية مع المناطق الثقافية المختلفة ( الإيبيرية، والأوروبية، والروسية .. )، وكذلك الندوة الدولية لحوار الثقافات والحضارات التي انعقدت في صنعاء خلال يومي 10 و 11 فيفري/شبـاط 2004 و " نداء صنعاء " الذي اعتبر " التعليم عنصر لا غنى عنه لتغذية الحوار وتحقيق استدامته "، وما أعلنته جامعة القاهرة مؤخرا، في 13 أوت/آب الماضي، عن بدء تنفيذ مشروعها لإنشاء مركز جديد يحمل اسم " مركز حوار الحضارات "، يتبنى بالدراسة والتحليل قضايا الشأن الثقافي وتصحيح صورة الثقافة العربية لدى الآخر. وما قامت به تونس منذ سنوات بإحداث كرسي " حوار الحضارات " في جامعة علوم الدين " الزيتونة "، لعل ذلك يعزز التوجه العربي نحو حوار ثقافي عميق مع الآخر.

ماذا يجب على العرب

المسألة أننا لم نحسن الخروج من عجزنا وقصورنا لكي نتحول إلى مشاركين في صناعة العالم بصورة غنية وخلاّقة. ولعل ما أعاقنا عن ذلك هو الحمولات الأيديولوجية والمسبقات الدوغمائية التي منعتنا من استثمار طاقاتنا على الخلق والتحوّل، بقدر ما حملتنا على أن لا نعترف بإنجازات الغرب والتعلّم منه، أو التي جعلتنا نتعامل مع هذه الإنجازات بعقلية تقليدية شعاراتية عقيمة وغير منتجة. لذلك يجب علينا:

 (1) – الإقلاع عن رفض الحضارة الكونية: يعاني رفض مفهوم الحضارة الكونية من ثغرتين خطيرتين: أولاهما، عدم إدراك أنّ القيم هي، من حيث الأساس والمنطلق، كونية تستهدف الإنسان في عمومه، حتى ولو كانت خصوصية الخلفية ضرورة. وثانيتهما، أنّ مفهوم الكونية حاضر بقوة في كل الثقافات، ومن ثم فمن التناقض رفض الكونية ذاتها باسم الاستناد لثقافة متميزة تدافع عن كونية مغايرة. وهذا أحوج ما يحتاج إليه العرب : المساهمة في تنمية المجال التداولي وتوسيعه وإتقان لغته، خاصة ما يتعلق منه بـ " المجتمع المدني العالمي " ومنظماته غير الحكومية، لأنه الفاعل الجديد في العلاقات الدولية .

 (2) – التوجه إلى الحداثة: هنا تبرز مهمة المثففين بالتوجه إلى الحداثة كهدف وككل متكامل، بما ينطوي عليه ذلك من تبنّي لسلطان العقل على النقل، والفصل بين الخطابين الديني والسياسي، والتخلّي عن الشعارات والأوهام، وفهم اتجاه الحقبة التاريخية المعاصرة، والدعوة إلى التحديث السياسي باعتباره المدخل الحقيقي لأي تحديث آخر، والدفاع عن المواطنة التي قوامها المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، والتمسك باحترام الحق في الاختلاف انطلاقا من نسبية المعتقدات والقناعات حسب قول المفكر الجزائري مالك بن نبي  " رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأيهم خطأ يحتمل الصواب " .

(3) – إعادة صياغة الخصوصية الثقافية العربية: إذ يبدو واضحا أننا أحوج ما نكون إلى إعادة صياغة الخصوصية الثقافية العربية، بمعنى أننا في أمسِّ الحاجة إلى عملية إحياء ثقافـي .

 (4) – ضرورة دعم حوار الثقافات: ما دام حوار الثقافات من منطلق التنوّع البشري الخلاّق أولا، وبحثا عن أفق متوازن للتفاعل بين العام والخاص، العالمي والوطني ثانيا، وقائما على الاعتراف بالآخر وحقه في الاختلاف والتميّز بخصوصيته ثالثا، وداعما لقيم العدل الاجتماعي وآفاق الحرية الفكرية والإبداعية رابعا.

(5) – ضرورة التكيّف مع معطيات التطور: إذ يجدر النظر إلى أنّ الثقافة العربية والفكر العربي، شأنهما شأن أي ثقافة أو فكر، لا بد من أن يكونا في حال تكيّف دائم مع معطيات التطور الفكري والثقافي العالمي المتسارع. ويبدو أنّ الخطوة الأولى في محاولة التعاطي مع العصر تكمن في فهم لغة الخطاب العالمي المعاصر، التي يتم التعامل بها بين أطراف هذا العالم الجديد، وخاصة القوى الغربية المؤثرة، وبالتحديد فهم توجهات هذا العالم نحونا. إذ أنّ البحث في قضية الحوار بين العالم العربي والخارج هو بحث في المستقبل، وأية دراسة للمستقبل لا بد أن تنطلق من صورة العالم، ونماذج تطور النظام العالمي في أبعاده السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والثقافية .

 (6) – ضرورة مراجعة التجربة القومية المعاصرة: المراجعة تبدأ بما قدمه العرب والمسلمون في نصف القرن الأخير من مشروعين، أو بالأحرى خطابين فكريين وسياسيين علي درجة كبيرة من الأهمية، هما: الخطاب القومي العربي، أمثلته كانت في مصر وسورية والعراق وليبيا والجزائر. والخطاب الإسلامي، نماذجه كانت في السعودية وإيران والسودان وباكستان ثم في تركيا مؤخرا، مع بعض الاختلافات. لكنّ جزءا من الالتباس النظري والإخفاق العملي في الخطابين، ربما باستثناء نماذج ماليزيا وتركيا، كان مرده السقوط في شرك الانكفاء على الذات وتجاهل قيم التقدم الإنساني المعاصرة، وعدم التواصل مع العالم بلغته ومنطقه‏، وهكذا لم يحسن الخطابان العروبي والإسلامي الكشف عن آفاقهما الإنسانية الرحبة، على الأقل في موقفيهما من العالم المعاصر وقيمه.

 (7) – ضرورة حوار الذات بروح نقدية: الخطوة المنطقية الأولى نحو الحوار يجب أن تكون حوار الذات بروح تأملية نقدية، وبرؤية عميقة وبعيدة لسياق التطور العالمي ومعالم دورنا الحضاري الممكن ومقوّمات تحقيقه، وعناصر الإعاقة في الوصول إليه. مسلحين في كل ذلك بشجاعة المصلحين، وبالمستقبل الذي يعيد للعقل مكانه وللمنهج التاريخي النقدي سلطانه، ثم بمعرفة عميقة للغير ومصالحه كما يراها راهنة ومستقبلية، وبنظام تفكيره وأولوياته إزاء ما يهمنا من قضايا، وبرغبة صادقة وأمينة في التفاعل البنّاء القائم علي الثقة والصدق في بناء وخدمة المصالح المشتركة، من منطلق الاحترام المتبادل وروح الشراكة العادلة والأخوة الإنسانية الناضجة.

وفي هذا السياق، يجدر بنا أن نقلع عن تحميل مسؤولية عجزنا وتأخرنا على الآخر الغربي، فإذا نسبنا مسؤولية كل ما نتعرض له من إجحاف وظلم قومي إلى الآخرين، فلن يكون من الممكن أن نحدد لأنفسنا مهاما خاصة بنا، وسنظل أسرى منطق دائري يجعلنا نعكف على انتظار الخلاص بالصدفة. بينما المطلوب أن نتحرر من هذه النزعة، وأن نجري تغيّرات ثقافية جوهرية، تتضمن- قبل كل شيء- الاعتراف بمسؤوليتنا المباشرة عن أوضاعنا الراهنة وعن مصائرنا، ومن ثم عن المعطيات الأساسية لمستقبلنا في الإطار العالمي.

(8) – ضرورة التمييز بين الوعين الماضوي والمستقبلي: لابد من أن نميز بين نوعين من الوعي الثقافي: وعي ماضوي تقليدي، ووعي مستقبلي استشرافي. الوعي الأول وعي أصولي نقلي، يحاول أن يشد حياتنا إلى الوراء، وذلك على نحو يغدو معه سؤال المستقبل سؤالا غائبا في حياتنا وليس عنصرا تكوينيا من عناصرها الحيوية.

وأما الوعي الثاني فهو نقيض الوعي الأول، لأنه وعي يفتح أفق التجريب والاحتمالات، ويقيس على الحاضر في حركته إلى المستقبل، ولا ينشغل بالماضي إلا بوصفه عنصرا من عناصر الحاضر الذي يقبل التحوّل والتطور والمساءلة.

إنّ معركة العرب اليوم مع ضعفهم وهامشيتهم قبل كل شيء آخر، ثم وبعد ذلك مع العوامل التي تعطل إرادتهم وتحول بينهم وبين امتلاك عناصر ومقوّمات اليوم، سواء أكانت خارجية أم داخلية. أما تجاهل كل هذه المخاطر والاكتفاء بتوجيه الأنظار صوب الصراع الحضاري مع الغرب، فلا يعدو أن يكون تصميما مقصودا لهدر المزيد من الوقت والطاقات في مواجهة وهمية لن تصلح من أحوالنا وشروط وجودنا، بل على العكس سوف تسهم في تكريس الوضعية العربية البائسة والعاجزة.

 

 

تونس في 8/9/2005                               الدكتور عبدالله تركماني

                                                  كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

 

  (*) - محاضرة قدمت في إطار الدورة السنوية لـ " معهد العلاقات الدولية – الجمعية التونسية للدراسات الدولية " تحت عنوان " مجتمع المعلومات ومستقبل الشراكة " في الفترة ما بين 5 و 23 سبتمبر/أيلول، وفي إطار ندوة " الحضارات: الصدام والتعاون " في 9 سبتمبر/أيلول 2005 .