لم نكن نشك يوما بأن النوايا الحقيقية للساسة الإيرانيين تجاه الأمة العربية هي غير تلك التي يظهرونها ، على الرغم من قدرتهم الفائقة على تغليف ما يضمرونه للعرب ، تارة بغلاف الدين وأخرى باسم فلسطين ومعاداة الصهيونية والامبريالية .
هذه السياسة نجحت إلى حد كبير في خداع الكثيرين من البسطاء المتدينين الذين اعتبروا ثورة الخميني انتصارا للاسلام على العلمانية الكافرة المتمثلة بحكم الشاه ، كما استطاعت ، للوهلة الأولى ، من خداع الكثيرين من العرب القوميين الذين ظنوا واهمين بأن إغلاق السفارة الاسرائيلية في طهران وإحلال منظمة التحرير الفلسطينية مكانها – على أهمية هذا العمل – قد جعل من إيران حليفا للأمة العربية في مواجهة أعدائها . وبما أننا حكاما ومحكومين مهزومون فقد أراحنا هذا الشعور وهو أننا كسبنا إلى صفنا حليفا قادرا على التصدي لأعداء الإسلام – كونه لبس عباءة الدين – وكذلك التصدي لأعدائنا الإمبرياليين وأذنابهم – كونه قطع علاقاته مع اسرائيل وأغلق سفارتها في طهران – ولم نعد نتحسب لأي عمل سلبي قد يأتينا من جيراننا الشرقيين ، لدرجة أن البعض قد وضع مقاديره في أيديهم وربط مصيره بمصيرهم حتى أنهم أغمضوا أعينهم عن كثير من الدلائل التي بدرت من القادة الإيرانيين على مطامعهم في الوطن العربي وعلى رغبتهم الجامحة في السيطرة عليه وإحياء إمبراطوريتهم الفارسية من جديد لتقوم على أنقاض وأشلاء هذا الوطن الممزق .
ربما يستغرب البعض من طرح هذا الموضوع الآن ويتساءل عن المبرر لذلك . والجواب على تساؤلهم نجده في الحظر الذي أعلنته إيران على كل الطيارين وشركات الطيران التابعين لها بعدم استخدام اسم " الخليج العربي " أو حتى استخدام اسم " الخليج " مجردا من النعوت عند تحليقهم فوق الخليج العربي أو فوق إيران ، بل لا بد لهم من استخدام اسم " الخليج الفارسي " وإلا منعوا من الهبوط في المطارات الإيرانية وحظر عليهم الطيران في أجوائها .
هذا التصرف العنصري من جانب " الجمهورية الاسلامية الإيرانية " يجعلنا متأكدين من أن إضافة صفة " الاسلامية " لاسم الجمهورية الإيرانية ليس إلا ديكورا وذرا للرماد في العيون حتى تتمكن من استغلال اسم " الاسلام " ومن بعده استغلال اسم " فلسطين " للتغلغل إلى الوطن العربي لتقويضه من الداخل ومن ثم السيطرة عليه . ونتساءل ما الذي تغير من عنصرية إيران التي كانت أيام الشاه عما هي عليه الآن ؟ فعندما أرادت دول الخليج أن تنشئ وكالة للأنباء باسم " وكالة أنباء الخليج العربي " رفض الشاه هذه التسمية ووضع دول الخليج تحت مطرقة التهديد حتى غيرته . وها هو آية الله العظمى روح الله الخميني يرفض تسمية الخليج " الخليج الاسلامي " ويصر أن يبقى اسمه كما كان أيام الشاه " الخليج الفارسي " رغم أن عنوان ثورته " الاسلام " وليس " الفارسية " . ويأتي اليوم تلامذة الخميني ليؤكدوا على عنصرية دفينة خلف أكوام من الشعارات الاسلامية ليحظروا التحليق فوق الأراضي الإيرانية على كل شركة طيران لا تلتزم بتسمية الخليج بالفارسي . فإذا كانوا يحتجون بأن اسمه تاريخيا " الخليج الفارسي " فإننا نذكرهم بأن من أطلق عليه هذه التسمية هي بريطانيا – زعيمة الدول الاستعمارية في ذاك الوقت لأسباب لا يجهلها أحد – وأنه كان يعرف قبل ذلك باسم " خليج عمان " . وإذا كان الأمر كما يدعون بنسبته تاريخيا إلى " الفارسي " وأن على العرب احترام التسميات التاريخية وعدم المساس بها ، فلماذا تعطون لأنفسكم الحق بتغيير الاسم التاريخي لمدينة المحمرة العربية بخرمشهر الفارسية ، واسم الأحواز ( عربستان ) بخوزستان ؟ ألم يكن الخليج كله عربيا غربه وشرقه حين كانت الأحواز عربية حتى سنة 1925 عندما احتلها شاه إيران رضا خان بمؤامرة دنيئة مع بريطانيا وأسر حاكم المحمرة – عاصمة الأحواز – الشيخ خزعل الكعبي وأبقاه في السجن حتى مات ؟ ألم تكن قبيلة كعب العربية ، وما زالت حتى يومنا هذا ، تقيم مضاربها على الساحل الشرقي لخليجنا العربي ؟ فمتى توقفت أطماع حكام إيران في الوطن العربي ؟
عندما قامت الدولة الصفوية وقويت شوكتها هاجمت العراق واحتلته ، وكذلك احتلت الساحل الشرقي للجزيرة العربية المعروف آنذاك بالبحرين . وفي عهد الشاه المقبور وبمؤامرة مع بريطانيا أيضا احتلت إيران الجزر الإماراتية الثلاث في مدخل الخليج العربي وهي طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى ، وقد كان من المأمول أن تعيد " الجمهورية الاسلامية الإيرانية " – عملا بعدل الاسلام ورفضه للظلم – أن تعيد الحق لأهله الذي اغتصبه الشاه الظالم وصنيعة الاستعمار ، ولكنها رفضت كل دعوات حكام الإمارات للتفاوض حول الجزر أو إحالة النزاع لمحكمة العدل الدولية .
ونحن نتساءل الآن ما هو الموقف من القرار الإيراني الذي ستتخذه بعض الدول العربية التي كانت تدافع عن إيران وعن إسلامية ثورتها ، وأنه ليس لإيران تطلعات فارسية . هل ستطلب من طياري خطوطها الجوية أن يلتزموا بالقرار الإيراني ويسموا الخليج بالفارسي على الرغم من تدريسه في مدارسهم باسم الخليج العربي ؟ نعتقد بأن إيران لم تحسب أي حساب لمشاعر حلفائها العرب حين حشرتهم في وضع محرج لا يحسدون عليه ، فلا هم قادرون على إغضاب حليفتهم إيران بعدم التقيد بأوامرها ، ولا هم يجرؤون على استبدال اسم " الخليج العربي " بالخليج الفارسي " في الكتب المدرسية وفي الخرائط .
إننا نرى بأنه لم يعد أمام الخطوط الجوية العربية – لحفظ ماء الوجه – إلا حل من اثنين : إما وقف الرحلات الجوية لإيران وعدم التحليق في أجوائها ومنع الطيران الإيراني من استخدام المطارات والأجواء العربية كمعاملة بالمثل ، وإما أن تمتنع الخطوط الجوية العربية عن تسيير رحلات إلى إيران ، والسماح للطيران الإيراني باستمرار استخدام المجال الجوي العربي والهبوط في المطارات العربية ، وهذا أهون الشرين على الرغم من الخسائر الكبيرة التي ستتكبدها الخطوط الجوية العربية.
وفي الآونة الأخيرة ، وبعد جلاء الأمور أمام حتى الناس البسطاء ، أخذ المواطن العربي يتساءل : هل بدأت إيران بالتخلي عن التقية في سياستها لأنها أصبحت قوية بما فيه الكفاية ؟ وهل هذا القرار هو أول الغيث في سلسلة قرارات إيرانية مماثلة ؟ الجواب سيحمله لنا المستقبل القريب ، وكل آت قريب .
دمشق في 26/2/2010
حركة الاشتراكيين العرب
الخليج هل هو عربي أم فارسي ؟ - حركة الاشتراكيين العرب


