أسئلة الليبرالية

 د. كمال اللبواني

 

 

بعد إطلاق مشروع الوثيقة التأسيسية للتجمع الليبرالي الديمقراطي L D U  ( عدل )  و بعد الجدل السريع  الذي دار حولها ،  ثم  منع الاجتماع التحضيري الأول وما تبعه من تشويش متعمد  وممارسات  رخيصة  ,  والتي  كلها لم تعق انطلاق المشروع بطرق وأساليب متنوعة  .. 

بعد كل هذا وبينما تنتشر الوثيقة أفقيا بين الناس ،  لا بد من وقفة متأملة  ناقدة ، ومن إعادة التفكير في الأسئلة الحقيقية والجدية التي ما يزال يتوجب علينا نقاشها ، والتي طرحت في سياق التحضير السريع لا طلاق مشروع التجمع ، والتي ادعوا أصحاب الأقلام والفكر للمساهمة فيها , عبر نقاش عميق موسع  وهادئ على صفحات الانترنت  والمجلات  .

 سوف نكتفي هنا  بتلخيص أهم الأسئلة التي ما تزال مطروحة بجدية , والتي ما تزال أجوبتها متباينة ,  ليس لتباين الآراء في أغلب الأحيان , بل لعدم وضوح التعاريف والمصطلحات ، فالقسم الكبير كما بدا لي من الخلاف سببه  اعتماد منظومات لغوية مفهومية متخالفة .. وهذا ما يمكن تذليله . ليبق الخلاف في الآراء قائماً على نقاط معرفية محددة وواضحة  ومعبر عنها بنظام لغوي منطقي واضح ومتفق عليه إلى حد ما . فليس المطلوب منا في كل مرة أن نعيد إنتاج المفاهيم ، كما أنه ليس المطلوب فرض تعاربف مؤدلجة ونمطية على لغة المتحاورين .. وهذا بحد ذاته هام ، لأن القسم الأعظم من المحاورين ماركسيين سابقين , ويستخدمون مفاهيم نمّطتها الماركسية في سياق دعايتها الأيديولوجية ، وهو ما يقف وراء  فشل التفاهم  بينهم وبين الفكر الليبرالي , الذي صار يطرح بوضوح وجدية حديثاً في المجتمعات العربية ، التي بدورها كانت قد غرقت في بحر من اليساروية طيلة نصف قرن وأكثر .

منذ البداية كان الهجوم على الليبرالية يحمل طابعاً أخلا قياً , فالكثيرون  يريدون  التهجم عليها كما لو أنها الشيطان ، أو بوابته ، كما أن الغالبية  تطابق بين الطبقة أو الشريحة المبدعة  والظرف التاريخي لنشوء الليبرالية  ( من جهة ) وبينها كفلسفة ونتاج فكري معرفي أيديولوجي يمكن استخدامه بطرق وأشكال متعددة ( من جهة أخرى ) . أي تبعاً للظروف والحاجات المتغيرة ،(  حيث لولا قدرة البشر هذه على الإفادة من معارفهم وخبراتهم للتعامل مع ظروف متغيرة لما تقدمت الحضارة ). فكل من يعرّف الليبرالية ينطلق من الثورة الصناعية والبرجوازية ، وهذا جيد وضروري لكن في سياق دراسة نشوئها التاريخي ، وليس إعادة تداولها السياسي . فهل تبقى الليبرالية أسيرة ذلك ، وبالتالي لا يصح أن تعمل إلا في تلك  الظروف ، وهل هذا ينطبق على كل الأفكار والنظريات ونظم العقل العلمي والتاريخي والاجتماعي السياسي ؟ أي بشكل آخر  هل الحامل الاجتماعي لليبرالية واحد في كل زمان ومكان ، فنعترض  على أي حامل آخر وجد فيها فلسفة يمكن أن تطور واقعه وتحقق أهدافه ؟ أليس هذا نتيجة للمفهوم الطبقي المدرسي للماركسية السيكولاستيكية ؟ .

لذلك يستمر السؤال الأول والأهم  ما هي الليبرالية قائماً ؟ لأن البعض يراها فلسفة للحرية ( منظومة فكرية قيمية يمكن التعامل من خلالها مع المعرفة والسلوك ) ومنهم من يراها أيديولوجيا خاصة بشريحة مميزة من البشر ، هدفهم الربح المادي بدون أي قيود واشتراطات ( توحش القوة ) ؟ 

السؤال الثاني المطروح أيضا وعلى درجة اقل حدة .. ما هي الديمقراطية ؟ هل هي نظام حكم . أم نظام معرفة وقيم واجتماع .. هنا أيضاً يمزج الكثيرون بين النظام السياسي الديمقراطي ، وبين ما يسمونه الفلسفة الديمقراطية .. والتي هي صورة عن فلسفة الحرية لكنهم  يسمونها بأسماء مختلفة ( منها الديمقراطية المجتمعية  أو الثقافية أو ثقافة الديمقراطية .. ؟ )

وبالتالي يمكن بعد ذلك توضيح العلاقة بين الليبرالية والديمقراطية ، فإذا كانت الليبرالية هي الفلسفة ، وكانت الديمقراطية هي النظام السياسي الناتج عنها , فهنا لا بد من مطابقتهما وترابطهما . أما إذا كانت الديمقراطية فلسفة ونظام معاً ، فهنا تكون الليبرالية مجرد أيديولوجيا للطبقة التي تريد أكل المجتمع تحت مبرر الحرية ، لأنها  تمتلك القوة القادرة على تجيير آلية السوق لصالحها بالمطلق . وهنا لا بد من تحرير الديمقراطية من الليبرالية لكي لا تكون بوابة لحرمان البشر من حقوقهم ووسائل عيشهم  .

السؤال الثالث هل يمكن لليبرالية أن تطرح نظام ضمان يحقق ويطبق الغايات الأخلاقية التي ترمي إليها الفلسفة الاجتماعية . وهل يمكن لليبرالية أن تفعل ذلك  من دون الديمقراطية الحقيقية التي تؤمن تداول السلطة والثروة ، وهنا يطرح مفهوم تداول الثروة بشكل جدي في الفلسفات الليبرالية الجديدة ، بحيث يعبر عن سرعة وحجم  الحراك الاجتماعي بين الطبقات ( فيصبح الصراع الطبقي غير مرتبط بمجموعات بشرية محددة ، وغير موروث من الآباء نحو الأبناء ، بل مجرد تباين مؤقت ومشروط في الموقع من الثروة والملكية ، في مناخ يوجد فيه  الكثير من الوسائل المتوفرة للفرد ، والتي يمكنها تغيير انتماءه الطبقي  ) .

ثم هل يمكن للفلسفة الاجتماعية أن تحقق غاياتها النظرية والأخلاقية ، أم  تبقى مجرد دعوة تمتلك الأداة الخاطئة ، وهل يمكن للاجتماعية أن تتزاوج مع الديمقراطية التي تعتبر الحرية  شرطا من شروطها.. ما هي النماذج التطبيقية للاجتماعية والليبرالية ، وهل يوجد نظام ليبرالي حقق مستوى ضمان اجتماعي لائق بكرامة الإنسان في دول العالم الثالث  ، وهل يوجد نظام اجتماعي حقق درجة مقبولة من الحرية وأمّن مستوى معيشة مقبول في كل العالم ؟ .

أي هل التطبيق العملي ضروري للحكم على النظريات ؟ أم أننا يجب أن نبقى في الأحلام نرسم اليوتوبيا  الاجتماعية أو الليبرالية  ؟.

السؤال الرابع المطروح ما هي العلمانية ؟  وهل هي نتاج حتمي وملزم لليبرالية  ، وشرطاً من شروط الديمقراطية , التي تعطي كامل سلطة التشريع والتنفيذ للشعب وحده وبكامل حريته ، أي بتجرد عن سلطة رجال الدين . وهل العلمانية في هكذا تعريف تتناقض مع الدين ، أم أن الجانب المتواجد في الدين والذي يناقض الديمقراطية هو السبب في هذا الإشكال ، لأنه يريد تجاوز الديمقراطية وتشويهها عبر الدمج بين العلمانية والإلحاد وإنكار الدين ، وبالتالي يطالب بإقصائها عن الثالوث : علمانية ديمقراطية ليبرالية  ( عدل ) وهو في هذا  يجد المبرر فعلاً  في التناقض الشكلي السائد بين الحاكمية لله والحاكمية للشعب . وهل حل هذا الإشكال سهل وممكن دون أن يدمر احدهما الآخر ( اقصد الدين والديمقراطية ) وبالتالي كيف نفهم العلمانية كشيء غير مناقض للدين إذا ؟؟.. هنا لا بد من إعادة تفكير معمقة في مفاهيم وعقل الدين والنص الديني ، لكي نرى هل هناك حقيقة تناقض بين العلمانية كشرط للديمقراطية ، وبين الدين ؟

 

سوف نحاول تباعاً الإجابة على بعض هذه الأسئلة ونتأمل المشاركة والمساهمة  والنقد والتصحيح وصولاً نحو ازدهار الفكر السياسي العربي العملاني ( الذي يعمل في أرض الواقع ) و الذي يعاني من تخلف بنيوي مذري يعبر عن ، ويعيد إنتاج ، واقع سياسي واجتماعي أكثر بؤساً .. تحية لكم جميعاً وبانتظار أرائكم ،  لكن بهدوء و من دون مواقف محكومة بالصراع المؤدلج ، فكل منا بحاجة للمعرفة والحقيقة ليعيد تطوير أيديولوجيته ومواقفه .  .

 

 

2 - هل الليبرالية شمولية جديدة ؟

 

عندما وجهنا نقدنا لمجمل الحراك السياسي السابق وقلنا أنه يقوم على فلسفات شمولية ، و أنه يجب قلب مفاهيم السياسة وطرق ممارستها من سياسة تعني الأمر والتنظير والقيادة والحكم والسجون والعنف والثورة يمارسها أشخاص سوبر من نوع خاص  ، إلى سياسة تعني التفويض والتمثيل المشروط والمحدد الذي يتم بين أشخاص عاديين يعيشون حياة عادية  .. وقلنا أن ربيع دمشق   جسد قيما ومفاهيم وممارسات جديدة في السياسة والعمل السياسي  يمكن وصفها بأنها ليبرالية ،  قيل لنا أنتم مشروع شمولية جديدة ، تريدون استئصال الآخر وحرمانه من حقه في الوجود السياسي ، هكذا ببساطة تصبح  الدعوة الليبرالية شمولية هي الأخرى  بنظر الشموليين  ؟؟ !  لكن الموضوع يبدو   أكثر تعقيداً عندما يتم التطرق لمشاركة الأحزاب الدينية في العملية السياسية ؟ تلك المسألة التي فجرت حملة قمع جديدة ، لم تتوقف حتى الآن . ليس لأن السلطة التي تدعي أنها لا تريد حركات دينية أو فئوية ، تريد فعلاً ترك الحرية لحركات أخرى ، أبدا  . فهذا ما حاولنا فضحه عبر شروعنا في تأسيس تجمع ليبرالي ديمقراطي وعلماني فقمعته أيضاً  . لأن السلطة لا تريد حياة سياسية من أي نوع على الإطلاق ،  وتريد فقط الإبقاء على جدران الصمت وأشباح الخوف مسلطة على رقاب المجتمع تسهيلاً لاستباحة حقوقه ونهب خيراته .

هناك فارق بين أن ننتقد الآخر وهذا هو جزء من الممارسة السياسية ، فنوضح لماذا نحن نختلف عنه ولماذا نحن نعارضه ، وبين أن نقمع حرية التعبير ، فالليبرالية تبدأ من الحرية ومن الفرد الحر السيد على مصيره والذي لا يفوض سيادته لأي كان ، وهي بذلك تحفظ حق الاختلاف منذ البداية فكيف تكون شمولية ؟؟ ،

 أما الديمقراطية فهي الشكل الوحيد الذي يسمح  ويعترف ويحافظ على الاختلاف ضمن النظام السياسي المشترك الذي يقوم على مبدأ تداول السلطة الدوري تبعاً لنتائج اقتراع حر ونزيه ، فكل الأنظمة الأخرى تتطلع لطابع نمطي واحد مؤبد من السلطة ( تاريخي ملهم عبقري استثنائي ) .

و الفلسفة الليبرالية هي المنتج الحقيقي للديمقراطية كنظام سياسي ، في حين أن الفلسفات الشمولية  , لا تؤمن بها في الجوهر ، فهي تريد نمطاً معيناً من المجتمع ومن البشر والسياسة يخدم  غايتها التي تعمل لتحقيقها عبر وسائل قد تكون الديمقراطية أحدها ، فهي و إن قبلت بالديمقراطية ، فذلك لأنها مضطرة  وكإجراء مؤقت  في الطريق نحو المشروع الشمولي ، فديمقراطيتها المطروحة هي ديمقراطية ( ديسبوزابل ) ترمى بعد الاستعمال ، وبعد الوصول للغاية والتحكم بالسلطة والثروة و بعد السيطرة على ماكينة الدولة وأجهزتها المعنية  بالمراقبة والمعاقبة ، والتي  هي أداة الشمولية في فرض تصورها النمطي الواحد على كل الأفراد الذين هم ليسوا سوى أدوات وأرقام وعناصر وعبيد وعساكر في خدمة ( القضية .. السلطة .. الشخص !! )

تصبح الديمقراطية في حال قيامها على فلسفات شمولية   نوعاً من الهدنة و من توازن القوة المهدد بالانهيار  ، وليست تعبيراً أصيلا عن الذات وهنا الفارق ،  فكل ديمقراطية لا تستند إلى فلسفة ليبرالية ستكون هشة ، وكل سياسة لا تعبر عن الثقافة هي كذلك ، فالحال الطبيعي أن تنعكس شروط حياة الناس في الثقافة التي تنتج السياسة التي هدفها تغيير أو إعادة إنتاج شروط حياة الجماعة ( الاقتصادية الثقافية السياسية ) وهذا هو الطريق الطبيعي للديناميكية  ( الحركية )  الداخلية في التشكيلات الاجتماعية ، وللوصول إلى ديمقراطية سياسية لا بد من استنبات الفلسفة الليبرالية في المجتمع والثقافة ، لكي تتغير بالتالي  السياسة . ومن دون ذلك علينا ارتداء طربوش ديمقراطي على جسد شمولي وهو ما يتم الآن ، حيث تجري  تغييرات تجميلية لا تطال جوهر الأنظمة ولا حقيقة دورها المضاد للمجتمع حتماً لكونها استبدادية وفاسدة من حيث الجوهر والمضمون والبنية والدور .

وهكذا نعتقد أن  الليبرالية هي النقيض التام للشمولية وهي عندما تنتقضها ، لا تشكل شمولية جديدة  ، بل تعطي لكل إنسان الحق في الاختلاف ، فالليبرالية تبدأ من الفرد وتحترم حقوق الفرد بغض النظر عن الغايات الاجتماعية التي تطرحها الأيديولوجيات ، والفارق بين الليبرالية والفلسفات الشمولية أن الأخيرة تبدأ من الغاية والهدف والعقيدة التي تتجاوز الفرد وتجعله في خدمتها ، يستمد مشروعية وجوده منها ( القضية ) فالقضية هي الغاية والشعب مجرد وسيلة . بينما في الليبرالية يعتبر الإنسان الفرد  الحر هو الغاية ، والحرية هي شرط وجوده السياسي وأداته  في طريقه نحو الاندماج في الجماعة , عبر بوابة السياسة ونحو الغايات التي يحددها المجتمع لذاته  . لذلك من حيث المبدأ لا يمكن أن تكون شمولية ،  لأنها تقوم أساساً على الاعتراف بمشروعية وحق الاختلاف . بعكس الفلسفات الشمولية التي تقوم على التخوين والعداء والتكفير لكل ما هو مخالف لمشروعها الجماعوي ، وإذا اعترفت بوجود الآخر  سياسياً ( لظرف ما مؤقت ) فهي تسعى لاستئصاله ثقافياً ، وهدفها فرض نمط ثقافي وسياسي واحد على الجميع .

نعم لقد  اقتحمت  الممارسة الليبرالية  عالم السياسة الشمولي السائد بحكم التغير الخارجي والعولمة .. لكن هذه الليبرالية الطارئة لم يتم إنتاجها عبر بوابة الإنتاج الثقافي المجتمعي الداخلي ، لذلك بقيت الديمقراطية صعبة المنال وبعيدة ومشوهة .. مشروعنا هو التأسيس الثقافي لليبرالية ولقيم الحرية , لكي ننتج الديمقراطية من داخلنا ، فخلافنا مع الثقافات الشمولية هو خلاف من أجل الديمقراطية وليس ضدها وليس مشروع شمولية جديدة ، ومسعانا ليس استيرادها بل إنتاجها ..

السؤال الصعب  المتبقي  هل تتسامح  الديمقراطية مع منظمات معادية للديمقراطية ؟  نعم   ,  لكنها لا تشركها في الحياة البرلمانية .. فمن يرفض فكرة أن البرلمان هو السلطة التشريعية الحرة ذات القرار الحر ،  هو الذي  يضع نفسه خارج حلبة اللاعبين .. ولكن يبقى  له الحق في الوجود وإعلان الرأي ، إنما الاشتراك في الانتخابات له شروط ، فالمطلوب ليس قمع الحركات الدينية و القومانية الفئوية  ولا الماركسية المطالبة بديكتاتورية البروليتاريا والاستيلاء على الملكية الخاصة ، بل حرمانها من حق المشاركة في الحكومات الديمقراطية ومنعها من الوصول للسلطة ، حرصاً على الديمقراطية ، قبل أن تعترف بها وتحفظ حقوق الآخرين فيها ، وتصوغ برامجها التي تحفظها وتصونها ، وقبل أن  تعترف بقوانين اللعبة الديمقراطية نظرياً وبنيوياً  وسلوكياً وبرنامجياً ، وهنا لا يجب أن نتوقف عند صنميه الاسم و عند الشعار الأجوف المرفوع .

فالموضوع ليس موضوع قمع حرية تعبير وحق تشكيل أحزاب وجمعيات ، والتي  يجب أن تكون حرة ومطلقة وشاملة وغير منقوصة ،  بل هو اعتماد قانون انتخابي يضمن سلامة نظام الحكم الديمقراطي وبقاءه ، وهنا ومن أجل ذلك ولإدراكنا بعمق المشكلة ومن خلال مطالعة التجارب المحيطة بنا اقترحنا أن يكون الحل بواسطة  مجلسين  تمثيليين واحد للمجتمع المدني ..وواحد للمجتمع الأهلي .  والقوى التي تعجز عن توفير شروط المساهمة في الحياة البرلمانية المدنية  ، لا يجب أن  نقصيها عن المشاركة في الحياة السياسية ، بل سوف  تكون محترمة بقدر ما تمثل من قوة مجتمعية . وسوف تراعى مصالحها ، لكنها لا تحكم كل البلاد  بعقلها الفئوي  ومشاريعها الجزئية . حتى لو كانت أغلبية .. لأن نتيجة وصول جماعة فئوية للسلطة حتى لو تم عبر صندوق الاقتراع فسوف تكون ما يعرف  باسم ديكتاتورية الأغلبية ، التي تنتهك فيها حقوق الأقليات لمجرد أنها أقليات  ، فالأغلبية نظام ديمقراطي صحيح لكنه ليس مطلقاً ، بل مشروطا باحترام حقوق معينة للأقلية وللفرد ، فلو قررت أغلبية إعدام شخص تعسفاً .. هل يحق لها ذلك .. ؟؟

الحركات الليبرالية لا يمكن أن تكون عنيفة أو سرية أو عسكرية الطابع والانضباط  وليس فيها زعامات وشخصنات وأوامر وتوجيهات  بل تقوم على  توافقات  على أرضية القبول والمشاركة والمساواة  ، و قيمة كل عضو فيها بما يساهم به في العمل العام . وحتى عندما تحكم هكذا حركات وتحاول أن تحتكر السلطة فهي فاقدة للعصابة الداخلية ( الأوليغارشية )  التي تتحكم بالحزب ، وعندها ستتشكل معارضة داخل حزب السلطة ذاته وينهي الديكتاتورية ، فالوسيلة الليبرالية هي الضمانة لنجاح الديمقراطية وهي حصانتها ضد الغرق في شمولية جديدة ، والوسائل الأخرى خطرة وغير مضمونة خاصة عندما نراها وهي في المعارضة عاجزة عن إنضاج أي تجربة سياسية ديمقراطية  داخلية ، بل تستنسخ وتكرر ما تفعله السلطة في التسلط الديكتاتوري وعبادة الفرد وتغليب الخاص على العام و تجيير المشروع السياسي لحساب شخصي .. 

باختصار الديمقراطية غاية الليبرالية ،   في حين أنها قد تكون وسيلة الشمولية المؤقتة .

 

3- الفلسفة والأيديولوجية

 

ما يهمنا في هذا المقال هو العلاقة  بين الفكر والسلوك   .... الفكر كتعبير  معقد عن الخبرة ، والفكر السياسي ( خصوصاً ) كحصيلة للخبرة في الحياة الاجتماعية الاقتصادية ، وعلاقته بالسلوك السياسي الموجه نحو تغيير أو إعادة إنتاج شروط  هذه الحياة ، فالبشر يعيشون ويعانون ويدركون ويكونوا معارف وخبرات يتم تلخيصها وتداولها على شكل أفكار ، ثم من هذا العالم الذهني المثالي ينطلقون نحو السلوك الذي يخدم مصالحهم وإرادتهم . وهكذا يصبح الذهن الاجتماعي مكان تجمع الأفكار العامة ،  و تأطير أنماط الرأي العام ، لكن تنظيم محتوى هذا الذهن  يتم عبر الفلسفة ، فالفلسفة هي الموقف الوظيفي من عالم مختلط وغير منظم من المعارف والأفكار والقيم والأحكام ، الفلسفة تنظم عالم المفكر في سياق عقلي منطقي متماسك ، وتضعه في قالب لغوي منضبط ، لتسهل اختيار أنماط السلوك بناء على معرفة ودراية وترابط معقول  بين المعرفة والغاية ، وبذلك تسهل  الفلسفة عملية بلورة  وإنتاج أيديولوجيا تتوجه نحو الواقع للتأثير فيه  ، فتكون الأيديولوجية  عندها  تعبيراً عن الانتقال من عالم الفلسفة وقبله الفكر والذهن ، نحو السلوك والبرنامج التنفيذي الذي رغم كونه ينطلق من عالم الفكر لكنه يصل به عالم التنفيذ ، فيحسب الإمكانات وينظم الجهود  ويضع البرامج الكفيلة بالتأثير  المادي على وقائع الحياة وشروطها ، كما أن الأيديولوجية من جهة ثانية هي أيضا مشروع يتم بواسطته  الانتقال من الفردي نحو الجماعي ، من الخاص نحو العام ، لأنها تقوم بصياغة  المصالح الفردية المختلفة في مشروع عام يحققها جميعاً ومعاً .

وأداة الأيديولوجيا هي الجماعة السياسية التي تؤمن بها وتعمل من أجلها وتراكم الجهود في سياقها . فيشعر جميع المنضمين إلى أيديولوجيا ما أن مصالحهم المباشرة ( بما فيها رغباتهم ) سوف تجد طريقها للتحقق بطريقة ما , وبنسب مقبولة ضمن الهدف السياسي العام الذي تضعه الأيديولوجية ( فهدف الديمقراطية مثلاً سوف يعني للكاتب وللعامل  معاني مختلفة لأن كل منهما سوف يستخدمه لتحقيق غاية مختلفة ) ومع ذلك يجتمع كلاهما عليه ، وكذا الحال في الليبرالية ( كمفهوم للحرية ) فهي تعني للرأسمالي حرية التنافس والإنتاج والتبادل ، وقد تعني  للمجتمع المقموع الخلاص من الشمولية التي يعاني من آثارها كل فرد من أفراده بطرق ونسب مختلفة ، ليصبح مشروع الخلاص منها هو مشروع جميع من  ضاق ذرعاً بالتعسف والاستبداد وعبادة الفرد والظلم ... وهكذا وصولاً نحو أيديولوجيات أكثر تحديداً  وخصوصية مصممة لتخدم شرائح اجتماعية محددة وصغيرة ، وهو ما يسود  بعد انجاز المهام الوطنية الكبرى ، وبعد استقرار الحياة السياسية الديمقراطية .

فالليبرالية هي  أولاً فلسفة .. ومع ذلك يمكنها أن تتبلور في أيديولوجيا سياسية عامة ثم مخصصة  ، فهي بشكل ما يمكنها أن تكون أيضاً أيديولوجيا بالتعريف العملي العلمي ، وهي أيضاً تريد أن تقيم الدولة والدستور على أساسها , مثلها مثل بقية الأيديولوجيات الشمولية وغير الشمولية ، والفارق يكمن في أن الليبرالية تقيم الدولة على أساس حرية الفرد وحقوقه وحق الاختلاف ، وهو ما يؤسس للمواطنة الحرة ، بعكس الأيديولوجيات الشمولية التي تصادر حق الفرد لو تعارض معها .. وعندما تحدثنا في الوثيقة التأسيسية  عن الدولة الأيديولوجية الشمولية قصدنا تلك التي ترفض الاعتراف بالفرد ، ولم نقصد أن الليبرالية ليست أيديولوجية هي الأخرى بشكل من الأشكال ..

وإذا كانت الليبرالية فلسفة وأيديولوجية سياسية ، تكون الديمقراطية مجرد نظام حكم يعبر عن هذه الأيديولوجيا ، وتطبيق لها في  عالم النظم  السياسة ، وهي بذاتها هدفاً مباشراً لهذه الفلسفة والآيديولوجيا . ، لأنها تهيئ الفرصة الحقيقية للحرية الفردية ولحقوق الفرد  الراغب في الانضمام للجماعة ، والعمل معها دون التخلي عن سيادته ، فحرية كل فرد هي التي تكون المجتمع الحر , وهي التي تصون النظام الديمقراطي ، وانطلاقاً منها وحدها يمكن للمجتمع أن يحقق غاياته الجماعية الكبرى . أما تجاوز هذه الحقوق الفردية فسوف  يجر  النظام السياسي سريعاً نحو مطب الاستبداد ويجيره لخدمة مصالح أنانية وضيقة .. وهذا ما تثبته التجارب المريرة .. فكل أيديولوجيا سياسية تتغاضى عن الحقوق الفردية لصالح شعار عام وهدف مغري ، تهمل الوسيلة وبالتالي تخسر الغاية ..

وإذا قام العلم باستنباط المثالي من المادي ، والعلاقة من الظاهرة والمفهوم من الوجود ، وشكّل للحقيقة جسداً وأداة خالصة منزهة ، فإن الفلسفة ليست علماً لأنها ليست منزهة عن الغاية ، وتخدم فقط الحقيقة بذاتها ولذاتها  ( حتى لو كانت تدعي ذلك )  ، فكل فلسفة تنطلق في عملية تنظيمها للمفكر من موقف أيديولوجي ضمني مضمر فيها يوجه جهودها لتعود في النهاية لتهيئة الأرض نحو إعادة إنتاج تلك الأيديولوجيا  بشكل موسع .. فالفلسفة هي توجه نحو الفكر من موقع محدد  ينتمي إلى عالم الواقع ، الفلسفة موقف  قيمي من المفكر ، وآليّة لتنظيمه وتسهيل التعامل معه انطلاقاً من حاجات ومصالح محددة ، وعندما تتغير شروط حياة الناس يعيدون تنظيم أفكارهم ليستنبطوا الأجوبة على الأسئلة الجديدة  المطروحة ، وهكذا تصبح الفلسفات آليات فكرية لمعالجة قضايا مختلفة .. وهنا يمكن لفلسفة معينة أنتجتها خبرة اجتماعية معينة في ظرف تاريخي محدد أن تكون صالحة لمعالجة ظرف تاريخي آخر ، فالحامل الاجتماعي الذي يتبنى الفلسفة ويطبقها هو  حامل متغير ، كما أن الفلسفة ذاتها قابلة للتطوير والتعديل والتطور ، والهجرة والانزياح والتبادل  ، ومن الجمود أن ننظر للفلسفة على أنها  مقترنة فقط بصانعها الأول ، لأنها  نتاج قابل للتداول والاستعمال بطرق وأشكال ومواقع مختلفة .

وكل أيديولوجيا هي أيضا شركة مساهمة مغفلة ، تحاول إلغاء التناقضات الفردية وتوحيد الأفراد الذين ينكرون خصوصيتهم شكلياً ,  في سياق عملية  الاندماج ضمن  شعاراتها العامة المزينة بمسحة من القيم والنبالة ،  لكن يتوجب على الأيديولوجيا في النهاية  أن تترجم إلى حصص فردية معروفة ولا بديل عنها ، فالآيديولوجيا تجيد نفش الريش والإيهام أنها هي فقط الحق والحقيقة والخير والأخلاق ، وأنها منزهة عن الأنانيات ، ولكن كل ذلك لا يجب تصديقه ، و لا يجب الاكتفاء بما تقوله الأيديولوجيا عن نفسها ،  بل لا بد من الأخذ بعين الاعتبار نوعية العاملين في خدمتها ونوعية مصالحهم ومنافعهم  ومطالبهم منها ، وهذا ما يحدد الجوهر والهدف الحقيقي والفعلي لكل أيديولوجيا ، فالشعار أحياناً يكون كاذباً ومناقضاً للممارسة ، ومن رفعوا شعار الحرية مارسوا الاستبداد ، لأنهم عسكر وطلاب سلطة مطلقة ، ومن رفعوا شعار إلغاء الملكية الخاصة سرقوا الأوطان واحتكروا الثروات والمنافع وسخروا الدولة لخدمة شخوصهم وحولوا الوطن لإقطاعة خاصة بهم  .. أي أن المطلوب دوماً هو  التأكد من أدوات الأيديولوجيا ووسائلها قبل الحكم عليها ، وهي التي تحدد جوهرها ، وليس شعارها المرفوع ، و الذي هو مجرد ريش ملون في الكثير من الأحيان . نضرب مثلاً شعار الحرية والعدالة الطنان والذي رفعته أحزاب مستبدة وظالمة وفاسدة  ومجرمة سلوكاً وتكويناً وممارسة .

إن ساحة صراع الأيديولوجيات هي الفلسفة , ونقد الأيديولوجيا يتم بالفلسفة ، وتطورها يتم بتطور الفلسفة .. وكل نقد ونقاش سياسي هو جهد فلسفي يهدف لإعادة تنظيم الأفكار لتنتج نمطاً معيناً من السلوك , يحقق غاية مبطنة مسبقا وموقف محدد . وتقع ضمن هذا السياق عملية  اعتبار أن  الليبرالية هي  مجرد  أيديولوجيا اقتصادية خاصة بطبقة من المستثمرين الذي يريدون التحرر قدر الإمكان من التزاماتهم الاجتماعية ،  وإطلاق حرية السوق وحدها بعد إلغاء دور الدولة في الضمان الاجتماعي ، وهذه العملية لا تخفي الرغبة في إلغاء وجود الليبرالية كفلسفة و كآيديولوجيا للحرية ، عبر قيامها بتعميم الخاص (  المرتبط  بنوع معين من الليبرالية ) على العام , وبالتالي إلغاء مشروعية وجودها ، ومثل هكذا عملية تأتي  ضمن سياق فكري فلسفي يضع مقدماته بشكل تعسفي ومبرمج . تعبر عنه الماركسية الأصولية المدرسية التي رغم ادعائها بالجدل لكنها كانت أقرب إلى اللاهوت الصنمي . 

وعليه نقول أن المجتمعات التي عانت كثيراً من طفيلية الدولة وتسلطها الشمولي , ومن نوع حديث من الإقطاع السياسي الجائر الفاسد , تصبح مهيأة لتبني فلسفة الحرية ورفع شعار الليبرالية ، من أجل تحقيق الحرية وضمانات الفرد , في مواجهة نظام و سلطة  استباحته وأنكرته نهائياً , وحولته لحيوان داجن لا حول له ولا قوة ، يعمل بأمر ويصفق بأمر ويبكي بأمر ويرقص بأمر ويبايع بأمر ، مجرد عبد رقيق بدون أجر ولا كرامة ولا حقوق  ، سلبت منه  كل مقومات وجوده وشخصيته لصالح استلاب كامل ومطلق .. وبعد كل هذا يأتي من ينكر عليه حقه في تبني الليبرالية لمجرد أنه غير برجوازي ( باعتقاده أن الحرية فقط لهؤلاء ) أما العبيد المضطهدين فعليهم (لكي يحق لهم المطالبة  بالحرية ) أن يمتلكوا عشرة ملايين ( باعتبارها الحد الأدنى للإفادة من القانون رقم عشرة الشهير ) ، وهنا قد يقول من يقول :  ليطالبوا بالحرية وليس بالليبرالية .. ونقول لماذا هذا الفصل بين الفلسفة وأيديولوجيتها .. ولماذا نصر على تقزيم الليبرالية إلى مستوى أيديولوجية فئوية ، مع أنها فلسفة عامة ومتبلورة ، وناضجة ومهيمنة ، طبعت النهضة الحضارية الحديثة بإجمالها ..  السبب بسيط لأنهم ماركسيين وضد الرأسمالية ، ويريدون القول أن الاشتراكية الماركسية وليس الرأسمالية هي الطريق نحو الحرية والازدهار ,  وهو ما ثبت عكسه بالمطلق ، دون أن نهمل مشاكل وأخطاء وعثرات الرأسمالية ووحشيتها في الكثير من الأحيان ، خاصة عندما لا تتشارك مع التزام النظم السياسية بمجتمعاتها ، وعندما تتخلى عن دورها في ضمان كرامة وحقوق كل فرد كشرط لا بد منه للقبول بقانون السوق الحر  ..

هنا يتضح الخلاف بين الاشتراكية ( الاجتماعية ) وبين الليبرالية فكلاهما له نفس الهدف ، ولكن الوسيلة مختلفة بين دولة تملك وتوزع وبين اقتصاد حر ودولة تضمن ألا ينهار أحد بنتيجة التسابق الحر نحو البؤس والفقر والحرمان .

ويتضح أيضا الخلاف  حول مصطلح الليبرالية والحرية ، فالحرية السياسية كشرط للديمقراطية تطرح باستقلال تام  عن نمط الإنتاج ، فهل هذا الاستقلال صحيح وقائم أم أنه تعسفي ، وكيف تكون السياسة منفصلة عن الاقتصاد و تكون البنى الفوقية متناقضة مع البنى التحتية ( ماركسيا هذا غير مقبول ) وبالتالي يمكننا اعتبار موقف الماركسيين متناقض مع مقدماتهم ومع نظريتهم ذاتها . فنقول أن السياسة هي أداة تغيير الاقتصاد وهي التجسيد الفوقي لبنى الحياة الاجتماعية الاقتصادية المنعكسة في الثقافة التي سرعان ما تبلور تعبيراتها في الأيديولوجيات والسياسات و البنى والنظم السياسية . و لا بد من روح واحدة وانسجام بين مكونات الحلقة الاجتماعية وهو ما تقول به الماركسية ، أو أن هناك تناقض ، وبالتالي ظرف ثوري تتغير بموجبه تكوينات الحلقة ، وعلى هذا لا يمكن أن تنتصب نظم سياسية للحرية على قاعدة شمولية ، أي على  علاقة إنتاج مقيدة بشدة وتلغي كل فرصة و كل حرية للفرد ،  بل تلغي وجوده وملكيته الخاصة ، ولا تعترف به إلا كرقم في سياق مشروع ثوري وغايات تتجاوز الفرد كثيراً .. فإذا طرحت الحرية انطلاقاً من بنى تحتية شمولية فهي ليست إلا وسيلة للخلاص منها ، وليست تعبيرا عنها ، ولا تجسيداً لها ولا وسيلة لإعادة إنتاجها . لأن الديمقراطية السياسية هي على نقيض ولو جزئي مع الشمولية الاقتصادية ومزاوجتهما لم توفق تاريخياً , فسرعان ما انهارت النظم السياسية التي تتبنى الاقتصاد الشمولي نحو الاستبداد .

من هنا جاء شعار نهاية الأيديولوجيا لا ليعبر عن نهاية دور الأيديولوجيات في الحياة السياسية الداخلية  ، ولا ليقول أن الليبرالية ليست أيديولوجيا ، بل ليقول أن عصر بناء المجتمعات لأهداف أيديولوجية قد انتهى بنهاية عصر القوميات وعصر الإمبراطوريات الدينية والمعسكرات الأيديولوجية .. وأن المجتمع هو  الآن هدف بذاته ولذاته وبغض النظر عن طموحاته ، أو أحلام ثورييه . أي أن  تشكيل الدولة والمجتمع ليس مجرد وسيلة لتحقيق الحلم القومي أو الطبقي أو  الأخلاقي أو الديني .. نهاية الأيديولوجيا تعلن الاعتراف بأولوية الفرد والمجتمع على كل عقيدة لاحقة ، وهي ما تدعوا له الليبرالية . مع أنها أيديولوجيا كذلك . ومن هنا الالتباس في المفاهيم الذي تسبب في تشويش الحوار ..

ونهاية التاريخ تعني نهاية عصر الأمم المؤدلجة كلاعبات في مسرح التاريخ ، وولادة عصر المجتمعات الديمقراطية التعددية  ذات المصالح , التي تدخل مع بعضها مرحلة من التعاون والتبادل بغض النظر عن مشاريعها الخارجية ,  التي لا يجب أن تعني تدمير الآخر ونفيه وإلغاءه أو دمجه في الذات .. وهنا تأتي آليات العولمة المرنة ، لتنظم عملية اندماج طوعي وتدرجي في نمط لم يحدده أحد كآيديولوجيا مسبقة ، بل تبدعه البشرية في طريق ارتقائها . وهنا تتجلى عملية المنافسة بين قيم الحضارات الكبرى التي تحاول أن تقدم كل منها أكبر كمية من المساهمة في تكوين العالم ، لأن المرشح هو ظهور نمط حضاري جديد وكوني يعجن كل المكونات التاريخية المستقلة للحضارات ،  ويصوغ منها نمطاً جديدا ، يفترض فيه أن يضم ويحتوي نسباً غير متساوية من مساهمات الشعوب والأمم .

فصراع الحضارات ليس صراعاً وصداماً عسكريا يلغي به كل طرف الطرف الآخر ،  بل هو صراع فكر وعقل وفلسفة وأدب وفن ووظيفة وفعالية ، وبمقدار ما تثبت أي منظومة معرفية - قيمية أهميتها وفعاليتها ( كما هي الحال مع  السلع الأخرى ) بمقدار ما تثبت مكانها في البنيان الجديد وتعزز مساهمتها .

ونحن عندما نطرح صياغة الدستور على أسس الفلسفة الليبرالية نؤكد تفاهمنا مع الحداثة والعولمة ومتطلبات  العصرنة والاندماج ، دون أن يعني ذلك إلغاء الهوية والخصوصية التي عليها أن تساهم بنصيبها في ذلك ، ودون إسقاط مبدأ التعاون الإقليمي ، والاندماج القومي ، الذي يمكنه أن يتم في سياق العولمة وضمن مناخ الديمقراطية وليس ضدها ونقيضها .

فالليبرالية كفلسفة ، ومن ثم كآيديولوجيا فرضت انتصارها وسيادتها ونمطها على كل الأشكال السياسية والاقتصادية  ، والديمقراطية هي تجسيدها السياسي الحقيقي والشرعي في مجال أنظمة الحكم السياسية ..

 

 (4 ) - الليبرالية والاجتماعية

 

 

أجبرت الليبرالية الاقتصادية بعد انتصارها في الأمم الأوربية القومية حديثة التكوين ، والتي أنجزت مرحلة الثورة البرجوازية ، أجبرت على تبني درجة متزايدة من الضمان الاجتماعي بسبب نضال الفقراء والعمال ضد استغلال رأس المال وجشعه الذي لا يشبع ، ولم يحدث هذا بسهولة أبدا ..  فقد خاضت المجتمعات الصناعية صراعات مريرة وطويلة حتى  توصلت إلى النظم الديمقراطية ، وإلى بناء دولة الضمان الاجتماعي ، حتى صار هذا  الضمان و تلك الحريات , شرطاً ملازماً لحرية السوق ، إذا تم التغاضي عنهما سرعان ما يعود الصراع للعلن بسرعة وبحدة . ففكرة الحرية لم تكن لتستمر وتنتصر من دون قبول ورضا ( بدرجة ما ) من عموم طبقات المجتمع ، وهكذا تم تحقيق توازن ما مقبول اجتماعياً ، زاوج بين الحرية وبين التزام الدولة بكل فرد من أفرادها .

في حين لجأت بعض الحركات السياسية الثورية لاختصار الطريق وعدم انتظار البرجوازيات الضعيفة في بلدانها  حتى تحقق الضمان المنشود ، فقررت القيام هي بذاتها بانجاز مهام الثورة البرجوازية على قاعدة العدالة الاجتماعية منذ البداية ، وبواسطة استخدام الدولة كمالك سيد لكل شيء ، أي بالاقتصاد المخطط وليس باقتصاد السوق والتنافس الحر . وهكذا ضحت بالحريات الاقتصادية وسحقت البرجوازية في بلدانها ، ومن ثم ضحت بالحريات السياسية على مذبح العدالة والتقدم ، وككل دولة شمولية احتكارية تستطيع في البداية تحقيق تقدم ما في قطاعات معينة بفرضها نظام استهلاك صارم ونظام عمل مجهد .. ولكن الثمن البعيد لهكذا تقدم مصطنع كان ينعكس على شكل تراجع شامل وكلي في كل معدلات النمو والحضارة ،  ومع السنين انكشفت الكذبة الكبرى فلا تقدم حصل ولا حضارة ، وكل ما هنالك أرقام كاذبة وواقع يزداد سوءاً وفشل متراكم وفساد مستشري .. وكما حصل في كل المنظومة الاشتراكية العظمى ، انهارت كلها بنفخة هواء أثناء مواجهة صادقة مع الحقائق .. ولم تجد من يبكي عليها أو يدافع عنها ، ضمن جيوش من الذين ربتهم على قدسية النظرية الاشتراكية والذين خبروها واقعاً وممارسة ..

نعم لقد فشلت الدولة ذات الاقتصاد الاشتراكي في تحقيق الحلم بالعدالة فضحت بالحرية ولكنها لم تحقق العدالة بل أنشأت نوعا جديدا من الإقطاع ونوعا رهيبا من الفساد ، وعطلت كل إمكانيات المجتمع وقتلت روح المبادرة .. ولا داعي لتكرار ذكر كل ما نعاني منه ..

نعود للطريق الآخر .. الطريق الذي يحترم اقتصاد السوق والحرية في الإنتاج والاستهلاك والعمل ، والذي يعتمد آليات العرض والطلب كمحدد رئيس للأسعار وكموجه للإنتاج .. والاستثمار .. وندرك مدى ميول رأس المال للاستغلال ومدى قدرته على توظيف ماكينة السوق لصالحه ، ولكننا مع الإصرار ومنذ البداية على دور الدولة في الضمان يمكننا أن نلطف من هذا كله ، فخبرة الشعوب الطويلة ترشدنا نحو  تبني آخر  وأرقى نموذج من الليبرالية ، وهو نموج الحرية مع دور الدولة في الضمان ، ضمن نظام سياسي ديمقراطي .

فالليبرالية الاقتصادية لم تنتج تلقائياً النظام السياسي الديمقراطي بل تطور هذا النظام بعد تعميم مفهوم الحرية على الجميع ، وبعد البحث عن وسائل تمكن كل إنسان من ممارسة حريته ، وبعد أن فرضت كل شرائح المجتمع حقوقها المتساوية في نظام الانتخاب والترشيح ، أي المشاركة في الحياة السياسية والدفاع عن مصالحها ،  فكل المجتمع الحديث عمل على تطوير وتصنيع الديمقراطية وهي ليست ثمرة مباشرة وتلقائية للثورة الصناعية أو لليبرالية الاقتصادية أو حتى الطبقة البرجوازية  .

لذلك قلنا أن اشتراط الديمقراطية مع الليبرالية أمر ضروري جدا ، كما هو الحال في اشتراط الليبرالية وحرية السوق مع الضمان الاجتماعي ، فكلاهما متلازمان أيضاً إذا أردنا ألا نكرر مآسي مر بها غيرنا وخاض صراعاً اجتماعياً طويلاً قبل تجاوزها ..

والحديث عن درجة وسيطة من حرية السوق الجزئية ومن الاقتصاد المخطط جزئياً ، و المدار من قبل الدولة ، لا يعدو كونه مزج نظم غير متجانسة  ، سوف ينتج عنه تشوهات اقتصادية من نوع جديد ، والحقيقة أن الذين يطالبون بهكذا نوع هجين هم العاجزين عن فهم المتغيرات ، و هم قليلي الخبرة الذي يجدون الحكمة في الخطوات الصغيرة . وهم لو رسموا الخط البياني لتحركهم لعرفوا إلى أين  يسيرون ، لكنهم يفضلون بطء المسير ، ويبدو أن هذا ناتج عن حاجة رموز الفساد لوقت كافي يمكنها من تغيير آلياتها ووسائلها ، ويتناسب مع قدرتها على ابتلاع قطاعات الاقتصاد الحرة الناشئة الجديدة .

يجب أن  تكون هناك حرية وقانون سوق لكن مع ضمان فعال ، ومع ديمقراطية ، ومن دون ذلك لن يحدث استقرار اجتماعي ، وسوف نحقق أمرين : تحفيز الإنتاج وتشجيع التنافس بواسطة نظام السوق الحر ، وتنظيمه الطبيعي الذي يلغي الأزمات التي تخلقها عطالة أجهزة الدولة في التخطيط الاشتراكي ، و قباحة ذوقها وقلة عقلها وإدارتها السخيفة والخاسرة . وسوف يكون بالإمكان تلبية الدوافع الأخلاقية التي حملتها الحركات الاشتراكية والتي تتحدث عن كرامة الإنسان وعن محاربة  استلابه  وحرمانه .. فكل هذه الأمور سوف تتقلص للحد الأدنى ، وهذا ما عجزت الاشتراكية عن تحقيقه ، الاشتراكية التي عممت الفقر والعبودية بدل أن تحرر العمال منهما ..

وما يقال عن دور المجتمع وعن درجة  العدالة وتكافؤ الفرص ، فهذا  يتقدم باستمرار بواسطة سرعة التحول بين الطبقات التي أنتجتها عملية دوران رأس المال السريع ،  و تنامي الطابع الجماعي للملكية ، والطابع الجماعي للإدارة ، و تداول الثروة يتم بسرعة ملحوظة على شكل  هبوط أو صعود عبر الطبقات .. والفرص الحقيقية لتغيير الطبقة متوفرة وبكثافة ، وهكذا  يتحقق شيء مشابه لما حاولت الاشتراكية القيام به , لكن بشكل تلقائي ومن دون إلغاء للحريات ،  بل عبرها ، ومسيرة البشرية تتجه نحو شكل متطور من الملكيات الفردية _ الجماعية بحيث لا تكون الملكية الفردية مطلقة ومتعسفة ، بل تكون ملكية حقيقية لكنها موظفة ضمن المشروع الاجتماعي ، ومقوننة ، فكل من يريد التصرف بملكيته عليه أن يراعي القانون ونظم التأمين والضمان ومكافحة التلوث والهدر ووو وهكذا يتحول المالك إلى مالك مقنن منضبط محاصر .. لا يستطيع أن يستخدم ملكيته بطريقة متوحشة .  

يجب أن نحسم أمرنا ونخطو بسرعة نحو الليبرالية لكن ليس قبل الحرية السياسية لأن أي تغير اقتصادي سوف يعود بالنفع فقط على رموز الاستبداد والفساد المتحكمين بالسلطة والثروة ، والذين هم غير مؤهلين للقيام بأي عملية إصلاح من أي نوع كان ، سوى إصلاح جيوبهم وامتيازاتهم لتخليد سلطانهم ..

لا يمكن الحديث عن إصلاح في ظل سلطة الفساد ، حتى الإصلاح الاقتصادي الذي يجب أن يبدأ بإعلان  كل مسؤول عن ذمته المالية ، وهذا مستحيل بسبب تورطهم بدرجة فظيعة ومرعبة من الفساد ، وبأرقام خيالية .. فأول طريق الإصلاح هو محاربة الفساد ، وأول خطوة في محاربة الفساد هو محاكمة السلطة التي تتشكل من تحالفات رموز الفساد .. وهكذا ينكشف عقم دعوى الإصلاح ، والذي لا بد أن يبدأ سياسياً وبعد أن توجد سلطة إصلاحية تضع برنامج إصلاحي مراقب من قبل الشعب ومرضي عنه ومصوت عليه وبمساعدة من قطاعات المجتمع ..

إذا علينا الاختيار بين أمرين أحدهما أقل ضرراً من الآخر ، بين ليبرالية مقيدة ومشروطة بنظم ضمان لا ندري مدى قدرة الاقتصاد والمجتمع على تحملها ، وبين نظام شمولي يفقد فيه المواطن والمنتج والمستهلك كل حريته ، ويصبح تحت رحمة مسئولي الدولة البيروقراطيين الفاسدين ، والخيار قد حسم  وكل القوى السياسية بما فيها السلطة واليسار تطالب بقانون السوق ، لكن فقط يبقى على المنظرين أن يغيروا خطابهم التقليدي ويفهموا أن خيار الليبرالية أصبح وحيدا بعد 42 سنة من الشمولية التي قطعت أنفاس المجتمع ، وصار من الضروري الخلاص منها وفوراً ،  ومن دون تدرج لأن ذلك لا يعني سوى مزيداً من التشويه ، وهذا ما شرحناه في برنامجنا الاقتصادي الليبرالية المدرج في الوثيقة .

 

 (5 ) - الليبرالية والديمقراطية

 

 

 

كثيرا ما يجري الخلط بين الديمقراطية والليبرالية من حيث المعنى والمدلول ، وهذا شيء مختلف عن الربط بينهما كمفهومين متميزين ، واحد يعتبر ( الليبرالية ) بمثابة فلسفة وموقف من الحياة وطريقة في التفكير وتنظيم للوعي ووضع للأولويات ، وآخر يعتبر ( الديمقراطية ) كتوصيف لنظام حكم محدد و ذو مواصفات محددة  ، نحن قلنا أن الليبرالية فلسفة ، وأن الديمقراطية نظام حكم ، وهما مفهومان مختلفان منفصلان في الدلالة  ، لكننا قلنا أن الديمقراطية هي النتيجة الطبيعية لليبرالية ، وأن المجتمع الصناعي الذي حمل فكرة الليبرالية وأنضجها , هو الذي أنتج الديمقراطية ليس فقط برغبة البرجوازية بل أيضاً وعلى درجة أكبر بنضال العمال والفقراء ضد استغلال رأس المال ، ومحاولة احتكاره للسلطة والثروة بحيث صارت هذه الديمقراطية ضمانتهم ضد الاستلاب والتهميش والاستغلال . مع الحفاظ على مبدأ الحرية وفلسفة الحرية ، لذلك قلنا أن الليبرالية بنظرنا تقوم على قدمين هما حرية السوق وضمان كرامة الانسان .

فالذي يربط بين الليبرالية والديمقراطية هو ضرورة عملهما معاً , فالليبرالية من دون ديمقراطية ستفتح المجال واسعاً أمام الجشع والاستغلال ، كما أنه من الصعب أن نقيم الديمقراطية  على فلسفات شمولية .

وبعد هذا لا بد  من العودة لموضوعة الديموقرطية التي يبدو أنها هي أيضاً عرضة للتشويش المؤدلج الذي يهدف لاحتكار حق الفهم والتحليل والتنظير بنمط أيديولوجي محدد ( يساروي ماركسوي ) لا يستطيع أن ينتج سوى العبث والاحباط والديماغوجيا .

كثيراً ما نسمع عبارات من نوع  (الديمقراطية لا تستورد ولا تفرض ، لنا ديمقراطيتنا الخاصة ، ديمقراطية ننتجها من الداخل .. ديمقراطية تناسب واقعنا الاقتصادي ، وتناسب هويتنا وديننا ، وخصوصيتنا .. )  والسؤال المطروح هل هناك ديمقراطية أم ديمقراطيات ، وهل  المقصود بالتنوع هو  شكل الدستور أو نظام الحكم, أم مبادئ الحكم ومرجعياته الأساسية .. وهل الديمقراطية مجرد نظام حكم أم هي شيء ثقافي واجتماعي ، ومن ثم سياسي . ولماذا تطرح الخصوصية أليست وسيلة للتهرب , فالأنظمة ترى أن الديمقراطية لا تناسب واقعنا ( تقصد واقعها الاستبدادي ) .

بداية علينا أن نجيب على سؤال ماهي الديمقراطية ؟ و لن ندعي أننا نملك الحقيقة لكننا نتبنى الرأي الذي يقول بأنها نظام حكم محدد الصفات والمبادئ ، التي قد تختلف في الأشكال والتفاصيل المتعلقة بنوع الحكم رئاسي أم وزاري  أم ملكي رمزي ، ونوع وعدد المجالس التشريعية وأنظمة الانتخاب ـ والتصويت .. الخ لكنها كلها يجب أن تضمن مجموعة مبادئ وشروط لا بد من توفرها معاً وجميعاً لكي تبقى الديمقراطية حية , حيث يفترض  أنها  تموت لوخسرت عضواً مكوناً من أعضائها وأركانها .

الديمقراطية كنظام حكم له مبادئ محددة هي : أن السيادة العليا ملك  للشعب وهو مصدر كل سلطة ، وأن الشعب ينتخب بحرية من ينوب عنه ويمثله ضمن مناخ من الحريات السياسية تشمل حرية التعبير وتشكيل الأحزاب , ووفق نظام انتخابي وعمليات انتخابية تعددية لها معايير محددة . ومراقبة بشكل محايد ، وأن هذه المجالس التمثيلية هي الوحيدة ذات الحق في سن القوانين وتشكيل الحكومات وحلها .

يقوم نظام الحكم الديمقراطي على سيادة القانون الواحد المطبق على الجميع والذي تسهر السلطة التنفيذية على تطبيقه ، والمحروس والمراقب من قبل سلطة قضائية ومن قبل عموم الشعب ووسائل الاعلام الحرة ، ويعتمد على مبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء وحياديته ، وتكافؤ الفرص واحترام حقوق الانسان وضمان حقوق الأقليات وعدم طغيان الأغلبية والاعتراف بشرعية وجود معارضة وبتداول سلطة دوري .

بعد هذا هل توجد فروقات بين أنظمة الحكم الديمقراطية ؟  نعم ... لكنها لا تطال الجوهر , فروقات في نظام الانتخاب نظام المجالس وظيفة الرئيس وظيفة رئيس الوزراء .. إلخ وهذه أمور لا خلاف كبير عليها بعد   توفر الشروط الأولية للحكم الديمقراطي . ومن هنا فكل حديث عن خصوصية لا معنى له , بل هو تهرب  من مواجهة الحقيقة ورغبة في تزييف الجوهر وانكاره .

السؤال الثاني كيف نحقق الديمقراطية ؟  بالرجاء والتوسل ؟ ؟؟؟  وهل يوماً أعطت السلطات المستبدة الحرية بدون ضغوطات حقيقية وجدية قهرتها ، ماهي هذه الضغوطات ، بكل تأكيد الجماهير الناس أصحاب الحق والسيادة الذين يريدون تقرير مصيرهم بحرية وبالتوافق ، لكن شكل هذا النضال يختلف من النضال السلمي المطلبي والنشاط الثقافي إلى التظاهر والاحتجاج وذلك يتبع نوع ردود فعل السلطة ومقدار الحريات المتوفرة ، وفي النهاية النضال السلبي ثم العصيان المدني ، كل هذه الوسائل هي وسائل مشروعة وتحقق الديمقراطية وأمينة للهدف ، لكن هناك وسائل قد تخون هدفها وتحرف النتيجة نحو نتيجة أخرى ، وهي العنف والعمل السري والقتال والتآمر ، كل ذلك باعتقادنا لن يحقق الديمقراطية بل سينجب سلطة مستبدة أخرى , لذلك نرى أن الوسيلة ليست بريئة ، وأنها هي بذات تحتاج لتمعن وامتحان وافادة من الخبرات ،

 أما أنها تستورد وتفرض  من الخارج ؟  تستورد نعم , فكل القيم والمثل والأفكار والأنظمة وكل شيء ذهني من نتاج الماضي أو الآخر يمكن استيرادة وتشغيله في أي مكان وتبعاً للظروف،  من يستورد نظرية نيوتن يستورد مبادئ مونتيسكيو ، لا ضير في ذلك ، والافادة من خبرات الآخرين هي سنة الحياة .

أما أنها تفرض فهذا غير متوقع لأن الكل يريد أن يأخذ ، ولم يسبق أن فرضت الحرية على أحد يعتبر نفسه عبداً ، أما اذا كان المقصود هو الضغوط الخارجية ؟ فهي بكل أسف ضرورة ملحة لكسر شوكة أنظمة فاشية مستبدة ولغت في قوت ودماء شعوبها . فنحن نرحب بكل ضغط خارجي يهدف لكسر شوكة الاستبداد ويدعو للحريات واحترام حقوق الانسان , ونشجع الجميع على تحمل مسؤولياتهم الانسانية تجاه الشعوب الأخرى التي تعاني بسبب أنظمة حظيت ولفترة طويلة برعاية وحماية الغرب ,  الغرب الذي غير اليوم مواقفه بعد أن وقف وجهاً لوجه مع نتائج سياساته أقصد ظاهرة الارهاب ، فالارهاب ليس سوى نتيجة وردة فعل على  سياسات الغرب في منطقتنا ، ولا نقبل أن يتهم ديننا ولا مجتمعنا ولا تاريخنا بأنه ارهابي ، الارهاب هو ظاهرة سياسية محدود بظرف سياسي هم مسؤولين مباشرة عنه ، فإذا غيروا رأيهم وسياساتهم فهذا جيد ,  ونحن سنتعاون مع السياسات الجديدة التي لا تدعم الاستبداد وانتهاك حقوق الانسان وحرية المجتمعات ، ولا تستبيح البشر وتستعبدهم ، لأننا بشر نحب أن نعيش بحرية وكرامة ، ونحب بقية أخواننا في الانسانية ، ونحن طلاب حق وحرية , ونكره العدوان والظلم وسفك الدماء .

لتأت الديمقراطية من المريخ ، لكنها لن تأت  إلا من الداخل , ولن ينتجها إلا حركة شعبية , ولن يحرسها سوى وعي الناس وايمانهم . يمكن للخارج أن يضعف النظام ويمكنه اسقاطه , لكنه لا يمكنه بناء نظام ديمقراطي بدون أصحابه , أي بدون مشاركة فاعلة وحقيقية من الناس ، وما يبنيه بغياب ذلك هو نظام عسكري فاسد جديد .

فالديمقراطية هي نظام  يمكن استيراده وتصديره ، ككل قانون وككل مفهوم ، وأن تفرض لا بأس  فالذي يعيق الديمقراطية هو التعسف والاستبداد , وازالة التعسف والاستبداد قد يحدث بفعل داخلي أو خارجي أو بتعاونهما . لكن في النهاية لا بد من الوصول للحريات ولا بد من الاحتكام لارادة الناس الحرة .. لكي نقول أننا أنجزنا الديمقراطية .

 

 ( 6 )       الاقتصاد - الثقافة – السياسة

 

 

ربما كانت الخطوة الأهم في دراسة علوم المجتمع ، والنظم الاجتماعية هي تحديد آلية الحركة داخل هذه المجتمعات : من يتثأر بمن ؟ ومن يتبع من ؟ومن يغير من ؟ ، ضمن دوامة عامة معقدة لكنها غير عشوائية , بل ذات غايات ووظائف تكمل بعضها البعض .

 ومن دون التعريف بمكونات المجتمعات ومن ثم باختلاف تلك المكونات ,  و بعلاقة تلك المكونات مع بعضها , وبالتالي بآلية تبادلها التأثير ، وبنمط الديناميكية الاجتماعية الداخلية العاملة فيها ، سوف نبقى من دون ذلك عاجزين عن ايجاد وسيلة التغيير والتبدل والتدخل الفاعل الهادف لتحقيق أهداف محددة , ويبقى تعاملنا مع الظواهر تعاملا فوضويا عبثيا غير محسوب ولا عقلاني .

والمسألة على ما يبدو ليست بذلك التبسيط الذي حاولت المادية التاريخية ( الماركسية ) شرحه .. و تقسيمها البنيان الاجتماعي إلى بنى تحتية وبنى فوقية ما كان ليوضح آليات التدخل والعمل من خلال الديناميكية الداخلية ذاتها ، حيث تركت الفعل للتغيرات التحتية ، وحذفت دور العوامل الفوقية ، وصار على من  يريد التدخل الذاتي الفاعل أن يمر عبر طريق الثورة والتمرد وتحطيم الحركة الاجتماعية التلقائية ,  واجبارها على السير وفق ارادته الثورية المحروسة بالحزب الجيش المنضبط , والتي تعطل بدورها  ارادة البشر وقوى المجتمع , وتستبدلها بارادة جهاز التخطيط الحزبي , بحيث تسير كل الأمور ليس حسب طبيعتها التلقائية السلسة , بل بالتدخل الفاعل للطبقة الثورية , التي عليها أن تصنع التاريخ بيديها .. أي بالثورة والانقلاب والديكتاتورية وليس عبر التعبير الحر عن الذات والتسلل الطبيعي التلقائي للحوادث . 

فالبنى التحتية ( قوى الانتاج المكونة من بشر و أدوات ) هي التي تحدد وبشكل حاسم البنى الفوقية ( علاقات الانتاج ونظم السياسة ونمط وتكوين الثقافة ) وبالتالي على كل طالب تغيير أن ينتظر البنى التحتية لكي تغير هي وليس هو  ، أو أن يلغي التاريخ الطبيعي الذي يصنعه البشر الأحرار الذين ينخرطون في الحياة الاجتماعية ، ويستبدله بتاريخ قسري مصنوع بالقوة العسكرية ، ويقوم بفرض بنية فوقية تعطل وتغير البنى التحتية بشكل جذري , فتعيد النظر بكل علاقات الانتاج , مما يسمح بحدوث قفزة في تطور  قوى الانتاج لكي تنتج في النهاية واقعاً جديداً ، وبنى فوقية جديد ، وبانتظار حدوث هذه القفزة يجب الاحتفاظ بالسلطة والدفاع عن البنى الفوقية الثورية الجديدة بواسطة القوة والاكراه والحديد والدم ، و هذا هو مبدأ الشرعية الثورية المعروف  .

هذا المفهوم الثوري الانقلابي عن السياسة (التي هي أداة تجسيد الارادة وتأثيرها على البنى التحتية ), هو نتيجة حتمية للمفهوم الميكانيكي للتعامل مع التاريخ والمجتمع ، بحيث تم منذ البداية الغاء  فردية وارادة الانسان وقدرته على الاختيار ، لصالح خضوعه الأعمى لضغوطات مادية ، فينتفي دور الثقافة والدين والمعرفة والتربية , لصالح هيمنة المصالح المادية والغرائز البهيمية بشكل مطلق ، فكل حديث عن قيم ومثل ودين وأخلاق ومعارف وديمقراطية وحرية هي مجرد خدعة برجوازية ، ليس لها معنى قبل الاستيلاء على السلطة ونزع ملكية وسائل الانتاج ، وجعلها ملكية عامة مدارة ليس بقانون السوق والارادة الحرة للبشر في التبادل والانتاج والاستهلاك ، بل بقرارات وخطط الحزب الثوري القائد الذي يقود المجتمع ويوجه التاريخ بخططه العبقرية وبقائده الملهم .

وهكذا تنتفي آليات التفاعل بين الثقافة والسياسة ، ومن ثم بينها وبين الاقتصاد الذي ينعكس على الثقافة , لكن ليس بشكل ميكانيكي , بل عبر بوابة المخزون المعرفي القيمي الأخلاقي الموروث في المجتمعات ,  والذي يحتفظ بأثر كبير في تكوين المجتمعات ( بشكل خاص الدين كمنظومة معرفية قيمية متكاملة تتبنى فلسفة تشمل وتفسر كل شيء ) ، وتنتفي أيضاً آليات تنظيم النشاط المادي للمجتمعات ، والمرتبطة بالحاجات والامكانيات والرغبات الكثيرة والمعقدة التي تحرك البشر , ويتم تبسيط الانسان إلى آلة تحتاج إلى كم محدد من الطاقة  والراحة ، ومقدار من الصيانة ، لكي تعمل بطاقتها القصوى في ماكينة الدولة الشمولية .  وتنتفي فردية الفرد وحقوقه الأساسية وارادته ، وتجير لصالح جهاز يفرض نفسه بالقوة ، ثم سرعان ما سوف يسخر هذه القوة لتحقيق مصالح جزئية ضيقة وأنانية ، فيتكون لدينا نمطاً جديداً من العبودية تحت شعارات ثورية ومساواتية .

هذا هو المحتوى الأساسي للفلسفة الشمولية الثورية بصيغتها الماركسية ، والتي أخذت عنها كل الفلسفات الأخرى والتي هي نموذج مشابه  للفلسفات الفاشية القومية التي تقوم على مفهوم الأمة المقدسة والدولة الحديدية والمواطن الجندي .

في حين أن الفلسفة الليبرالية تعترف أولاً بالفرد ، وتعترف ثانياً بالحرية كطريقة وحيدة للتعبير عن الذات والرغبات , وبالتالي تعترف بآليات التعبير الحر كطريقة نحو تشكيل التجمعات البشرية ، ومن دون تلك الحريات التي يتمتع بها الفرد لن تكون هناك ظاهرة اجتماعية طبيعية وعفوية ، بل ظاهرة مصطنعة ( سجن ) سرعان ما ينهار ويتحطم لأنه يفتقد لآليات اعادة انتاجة وترميمه الذاتية التلقائية ، المعبر عنها بارادة البشر المتجددة والحرة  .

كما أنها ترى أن قانون السوق ، أي حرية التبادل والانتاج والاستهلاك هي المحددات الطبيعة للنشاط الاقتصادي ,وهي التي تعكس وبشكل طبيعي وعفوي حاجات البشر ورغباتهم ومتطلباتهم ، وهي آليات لا بد منها لتحقيق التوازي والانسجام  بين حاجات البشر وبين نشاطهم الاقتصادي .

ومهما كانت هذه الآليات فسوف تبقى ضرورة وشرطا لكل نظام اقتصادي - سياسي ، وكل تدخل لردم الهوة بين الفقر والغنى ، أو لتلبية حاجات المحرومين والمجتاجين ، لا يجب أن تلغي هذه الآلية الحرة . مع ضرورة التأكيد على حاجة المجتمع لضمان الكرامة الانسانية وتكافؤ الفرص ، وحاجته لتوفير الشروط المقبولة أمام جميع أفراده للتعلم والعمل والتربية والصحة  ، وهي مسؤوليات اجتماعية لا يجوز التهرب منها ، لكنها لا تشترط من أجل تحقيقها أن نلغي آليات السوق العفوية الحرة ، والمحروسة من الغش والاحتكار .

فالحالة الطبيعية التي تنطلق فيها الدوامة الحركية الداخلية للمجتمعات هي تأثر الثقافة بنمط الحياة وبالحاجات والرغبات المتولدة من الانخراط في النشاط المادي ، لكن هذا التأثر ليس انعكاساً مباشراً في مرآة  ، وصورة طبق الأصل ، بل يمر عبر مخزون كبير من المعارف والخبرات والقناعات , التي تضيف خبرتها وبصماتها وتساهم بصياغة نمط رد الفعل السياسي على تلك الشروط ,  وتوجه سلوك الانسان للتعامل مع تلك الشروط تغييراً أو اعادة انتاج , وهكذا يساهم الاقتصاد في ترسيم الثقافة السياسية التي توجه الفعل السياسي الذي يغير الاقتصاد , وهكذا تكون هذه الحركة هي الطريق الطبيعي العفوي الحر للديناميكة الاجتماعية ، مع ملاحظة دور المخزون المعرفي القيمي الموروث والمستورد والمتضمن في الذهن الاجتماعي والذاكرة الجمعية . و تأثيره  لا يقل أهمية عن تأثير شروط الحياة التحتية . وبالتالي تكون كل سياسة انعاكاساً لثقافة وكل ثقافة هي تكون حر وتعبير تلقائي عن الواقع التحتي والمحمول الذهني المتوارث للمجتمعات معاً وسوية .. لذلك لسنا دوماً بحاجة لنكرر تاريخ من سبقونا لكي نحقق ما حققوه ,  بل أحياناً يكفي تناقل الخبرات وتبادل الثقافات لكي نحقق الشرط الأهم في انتاج النظم الاجتماعية والسياسية . ولا يكون  الحديث عن ضرورة وجود حامل اجتماعي طبقي متميز المصالح دوماً صحيحاً ، إلا اذا أخذ بعين الاعتبار العامل الذهني والمعرفي والقيمي المزروع في الذهن الاجتماعي بالوراثة أو بالتعليم أو بالتبادل . فتصبح العوامل التحتية، التي تولد التقسيم الطبقي الماركسي المعروف ، مجرد محرضات ، لكن الشكل النهائي لردة الفعل سوف يعبر عن النمط الثقافي السائد أيضاً .

أي أننى لكي نحقق الحرية لا يجب أن ننتظر ثورة صناعية وبرجوازية قومية صاعدة ، ولا ننتظر وجود مستوى معين من التطور المادي لكي يحق لنا المطالبة بالديمقراطية .. وهكذا مروراً بالعدالة والضمان الاجتماعي , فكل ذلك من الممكن أن ينعكس في السياسة بتأثير الثقافة المتبادلة بين الشعوب دون ضرورة البحث عن الشروط التحتية التي أوجدته في لحظة تاريخية معينة . البشر دوماً يبحثون عن الأفضل ويتعلمون ويحاولون الافادة مما تعلموه , والكثير من المشروعات السياسية جاءت لتعبر عن أحلام وتمنيات اجتماعية , وجدت من ينصارها بطريقة أو أخرى ، ولا يجوز لنا أن نشترط عليهم  الانضمام لطبقات تشريحية محددة لكي نقبل ارادتهم السياسية .

أخيراً سوف ننتقل للموضوع الأعقد في أسئلة الليبرالية وهو العلمانية ، والتي لا يمكن الحديث عن ليبرالية ولا ديمقراطية من دونها ، وبالنظر لطبيعة الدين وبشكل خاص الاسلامي ، كان لا بد من مناقشة هذا الموضوع مطولاً لإزالة الالتباس القائم بين الموروث والدين  والهوية ،  وبين الحداثة السياسية والاجتماعية المطلوبة . 

بداية نرى أنه من الخطأ تعريف العلمانية ( بفتح العين ) أنها عملية  فصل الدين عن الدولة ، فهذا يعني فصل الثقافة عن السياسة وهذا  مستحيل ، و فصل الشعب عن معتقداته , لأن الدولة تعني الشعب الذي شكل سلطة سياسية على أرض محددة ، وحتى لو استخدمنا مصطلح الدولة للتعبير عن السلطة السياسية فقط ، فمن الخطأ أيضاً الحديث عن فصل الدين عن السلطة السياسية . فهذا يعني حرمان الدين من حق التأثير على المنتوج السياسي الآيديولجي ، والذي يعتبر تعطيلا لحرية البشر ولدور الثقافة الهام في انتاج السياسة ، وهذا هو محتوى النقد المحق الذي يوجهه المتدينون للدعوة العلمانية ، لذلك  اكتفينا عندما قدمنا ورقتنا ,  بمفهوم محدد للعلمانية يقول بضرورة تحييد رجال الدين  عن التأثير المباشر بأي سلطة سياسية تشريعية . وهذا شيء مختلف وضروري وهام من أجل الديمقراطية ، حيث تكون سلطة الشعب مطلقة وحرة فيها ، وتكون ارادته وحدها هي التي تتحقق عبر آليات تمثيل وانتخاب وتفويض نزيهة ومباشرة  ، لكن هذه الارادة لا بد أن تعكس الثقافة والدين ، انما هذا الانعكاس يمر حتما عبر ارادة الناس الحرة ، والتي لا يجب أن تصادر أو تقيد لصالح فتاوى فقهاء ، أو مواعظ رجال دين من أي نوع كانت ، والتي لا يجب اعتبارها أكثر من أراء واجتهادات يأخذ بها من أراد طوعاً وبكامل حريته . فالعلمانية هي بالضبط تحييد رجال الدين عن السلطة السياسية ، مع الاحتفاظ بحقهم في السلطة المعنوية على من يريد اتباعهم وتقليدهم ، لكن من دون أي أداة قانونية تنفيذية تراقب وتحاسب وتلزم وتعاقب ، وهذا بالتالي يمنعهم من  قمع حرية التعبير و اعاقة سلطة الشعب ، باسم الدين والتفويض الالهي .

 ولكن العلمانية من وجهة نظرنا  أبداً ليست هي إلغاءً  للدين ولا تقليلاً من دوره ، بل فقط التأكيد على  جعل دور الدين يمر عبر ارادة الناس الحرة , وليس مباشرة من رجل الدين للسلطة ، وجعل التدين أمر حر وطوعي , وضمان الاعتراف بكامل حق الاعتقاد , وبشرعية كل الديانات , كخيارات حرة يختارها البشر , ومساواتها سواسية بالاحترام والحقوق . وهذا أساسي ولا بد منه لتحقيق الديموقراطية ، وهو شرط الليبرالية ونتيجة لها .

وفي مقالات قادمة سوف نشرح ماهو الدين وما علاقته بالسياسة . ولماذا هو هام وضروري لاكتمال الحلقة الاجتماعية ,  ولماذا ايضاً ضرورياً حرمان رجال الدين من السلطة المباشرة على المجتمع . 

 

 ( 7 ) - الدين والدولة

 

 

الدين ما دان له الناس بمحض  إرادتهم ،  أي هو  ذلك الانضباط الطوعي النابع من الإيمان والقناعة التي ترسخت في الضمير ، فالضمير  يحاكم السلوك ويضبطه ويعطيه صفة الخير والشر ، وهو الذي يتكون نتيجة التجربة الحياتية ، والتربية والتعلم ، ونتيجة تبني منظومة معرفية - قيمية معينة ( عقيدة دينية  ) تنظم المعارف ( فلسفة ) ثم تبني موقفاً قيمياً منها ، وتقترح نمطا سلوكياً وضوابط ومعايير يفترض بالمؤمن أن يتقيد بها ,  فتحكمه ويدين لها , بحيث يصبح متدينا : أي صاحب ديانة ولديه ضوابط داخلية تضبطه ومنظومة قيمية معروفة تحركه  ، فالدين  علاقة قائمة بين الإنسان وبين سلطة أعلى يتحكم إليها ويتصل بها عبر دواخل نفسه ، لأنها تحتجب  عن عالمه المادي الفيزيائي  ، لكنها  موجودة في عالمه المعنوي التصوري الميتافيزيائي , وتؤثر في سلوكه وتهيج ضميره ، وما يعذبنا ضميرنا لأجله هو ديننا ومعبودنا الحقيقي ، وليس ما ندعي ونتظاهر ، فالدين هو حاكم حقيقي داخلي يسكن الضمير , وهو سلطة داخلية تعطي للأشياء والسلوك صفة الخير والشر .

في حين أن الدولة ( أي السلطة السياسية )  هي سلطة مادية قانونية خارجية  تنفذها أجهزة المراقبة والمعاقبة والتي تفرض احترامها بالقوة الفيزيائية ، بغض النظر عن ضمائر وإرادة الناس وقناعاتهم .

والعلمانية تعني تحديداً فصل تلك السلطتين عن بعضهما . وليس الغاء أي منهما ,  لأنه  هناك على الدوام فرق كبير وهام بين سلطة الدين وسلطة القانون ، وعقاب الدين وعقاب الدنيا . مع العلم أنه وجد على الدوام أيضا ،  أناس يحلمون  في مطابقة القانون مع الضمير ، فيتحقق تنفيذ القانون بشكل طوعي ، لكن هذا الحلم كان يصطدم بحقيقة أساسية قاسية لا مهرب منها : ماذا يحدث لو رفض القلة الامتثال لصوت الضمير ونداء الحق ؟، ثم  من له حق  ادعاء تمثيل الضمير والنطق باسمه وتحديد قانونه ؟ أي  تمثيل الضمير الذي يحاول أن  يتقمص  السلطة العليا التي نحتكم إليها ويتمثلها في ذاته ( أي الله : الاله الكلي الواحد المرمز في مفهوم الإله كممثل للكائن الاجتماعي في الضمير ، والمتحد  مع مفهوم الرب  : الرمز الممثل للقوى التي تتحكم بالطبيعة ، والتي دمجت فلسفة التوحيد بينهما أقصد بين ترميز الطبيعة وترميز المجتمع في عنصر  واحد متحد ومنسجم )  ،

من يستطيع أن يكتب ذلك القانون المعبر عن سلطة الضمير ، من هو المؤهل ليصوغ القانون المطابق لإرادة الحق ( الله )  ، من هو الذي يتصل بمنبع الضمير والدين ويسأله عن الشريعة ، هل هذا المنبع يتراءى للجميع بشكل واحد ، هل هو مستقل عنهم ، أم يوجد بهم ومن خلالهم ،  وهل كل الضمائر موحدة ، وهل سنة الكون هي التوحد وفق نمط واحد ،  أم هي الاختلاف والتفاعل و التلاقح ، والتطور  نحو المزيد من الرقي ، وهل الكون متغير ومتطور أم أنه ثابت لا يتبدل  ولا يتحول ، ومن ثم هل هناك نص أو نظام قانوني متكامل حرفي واضح مطابق للسلطة العليا الإلهية على الدوام ، يجب علينا إتباعه دوماً وكما هو من دون تغيير ، أم أن كل النصوص والشرائع الدينية ، التي هي محاولات في ذلك الطريق ، هي نصوص عمومية تفهم بمقاصدها واتجاهها وليس بحرفيتها ، وأن الحكم النهائي يعود لما تقوله ضمائرنا الحرة  في هدي تلك الدعوات  ؟؟؟ .

طبعاً حاول السلاطين عبر العصور المزج بين سلطانهم و سلطة الدين ، ومن ثم لي عنق الدين ليضم بين ثناياه ما يرسخ تسلطهم ، و كانوا حريصين على تدبيج نصوص فقهية تشريعية تقولب الضمائر وتجبرها على قبول الانقياد  الأعمى لنظام يدعي أنه ينطق باسم الحق ( الله الخالق ) لكنه في النهاية يخدم مصالح جزئية وأنانية واستبدادية  ، وكانوا على الدوام يجدون  الفقهاء المستعدين لأداء ذلك الواجب الشرعي ، والذين هم قادرين على أن ينتجوا الفقه المناسب لاستمرار السلطة بيد المستبدين ( حتى لو جاهروا بكفرهم ) ، وأن  ينتجوا الفقه الذي يبعد  الناس عن حقهم في اختيار  سلطتهم ومحاسبة حاكمهم الذي ينحرف عن قانونهم الذي يرتضوه بحرية ، فتختلط العبودية لله التي تمر عبر الضمير ، في العبودية للسلطان التي تتم عبر الشرطة ، فيجبر الناس على السجود في المساجد ( لله شكلا  وللسلطان فعلا او كلاهما معاً ) بما يتضمنه  ذلك من شرك بالله وخضوع للطاغوت  ، تحت سطوة  مطوعي الحاكم   وجلاديه ، الذين يجبرون الناس على الخنوع والطاعة  و  الرقص في الشوارع في أعياد القائد الامام  ، أو البكاء والنحيب واللطم عليه في حال وفاته ..

المشكلة إذا هي أن  يفرض على الناس إتباع دين لم يختاروه بحرية ، واتباع شيء أخر غير ضمائرهم باسم الشريعة التي أرسلها الرب وارتضاها لعباده ، عبر خدعة تقول :  أنه لا يملك تأويلها إلا  رجال الدين أصحاب الحق الحصري في النطق باسمه ، وتفسير نصه ، وتوجيه عباده ، ثم بالتالي فرض طاعة نظام قانوني لم يختاروه ويرتضوه بملء إرادتهم ( وكأنه شريعة الله الخالدة ) بما يتضمنه من مصالح وغايات أنانية ودنيوية تخص المتحكمين بالبشر الراغبين في استبعادهم بأبسط السبل وأعقدها . .

أي أن المسألة هي  مسألة حرية ، فهل الإنسان حر أم لا  ؟ هنا نتوقف   عند سؤال : كيف تكون مؤمناً بالله الخالق المسير للكون الذي أرسل الرسالات بالهدى والحق ، ثم تكون حراً في اختيار  ما ترى أنه ضميرك ومسؤوليتك التي لا يمكن تجييرها ولا تفويض أحد بها .  وهل هذه الحرية جزئية ومشروطة بما ورد في نص ما أو تفسير ما .. أم هي محدودة فقط بأمرين هما سلطة الضمير ومشيئة  الله . التي تسمح أو تمنع تنفيذ إرادتنا رغماً عنا بتحكمها بالكون ، وبالتالي نستطيع أن نعتبر  كل سلطة سياسية مادية بشرية على أنها  سلطة غير مقدسة مهما كانت ، بل يتوجب أن يتم التوافق والتعاقد عليها برضا الناس الأحرار ، وليس لها أي مصدر آخر للشرعية ، لا من النص ولا من الفتوى  .

لم يكن صعباً حتى في باكورة انتشار الدين تدبيج نظام من الفقه والتفسير والشرح يتعامل مع شكل ومنطوق النص ، بغض النظر عن روحه ، وينتهي  بدين سلبي اتكالي يبرر انسحاب العامة من ساحة السياسة , التي تركت لكل فاسد ومجرم , حيث أن الحكام لم يكونوا أبدا يتبعون ابسط قيم وأخلاق الدين , مع أنهم  يقدمون أنفسهم  كتجسيد للشريعة ( خلفاء لله ) ، ويلعنون  كل من يعارض سلطانهم المقدس ، وقد تكرر ذلك بصور وأشكال مختلفة وبشكل يندى له الجبين ، حتى زماننا هذا .. مما  استوجب التفكير الجدي في ضرورة فصل سلطة الضمير عن سلطة السياسة والشرطة ، ثم استوجب  جعل سلطة الشرطة خاضعة لإرادة الناس الحرة ، التي يفترض بها أن تعكس صورة ضمائرهم لكن من دون وصاية ، وهذا هو الجوهر العميق لليبرالية والديمقراطية والعلمانية ( عدل ) ومحتوى ترابطهم وتلازمهم معاً ضمن أي  نظام سياسي حقوقي يحترم إرادة الناس  ، وهذا ما يوضح لماذا تكون  العلمانية هي التعبير الأفضل عن قيم الدين وغاياته  ، والضمانة الأرقى  لعدم تشويهه وتوظيفه في مشروع تسلطي شمولي قهري ، يخالف كل قيم وأخلاق الدين باعتباره دعوة للحرية والحق والمحبة والعدالة ، وباعتباره سلطة طوعية ذاتية  تكمن داخل النفس التي تتصل بالخالق وتعيش حضوره الدائم عبر الإيمان .

 

وفي هذا السياق لا بد أن تطرح مجموعة هامة من الأسئلة :  لماذا لم تبرز  مسألة العلمانية قبل العصور الحديثة ، ولماذا صارت اليوم ضرورة لكي يستمر الدين ، ولماذا لم تستطيع أوربا القفز فوقها في مسيرة تطورها ، ولماذا كانت العلمانية هي الطريق الوحيد لإنقاذ الدين من الاندثار ، ولماذا أجبر الدين على إجراء إصلاح جوهري يجعله متكيفاً مع قيم الحرية وبشكل خاص الحرية السياسية ، وهل يتوجب على الدين الإسلامي انجاز هكذا نقلة ، وما هو محتواها العقلي والفكري والفقهي ؟؟؟.. في المقالات التالية  سنحاول وضع خطوط عريضة لإجابات أولية على هذه الأسئلة .

 (8 )-  تاريخ العلمانية

 

 

لا شك أن الدين  كان  يلعب دوراً سياسياً بارزاً وأساسياً في التشكيلات الإقطاعية ما قبل الرأسمالية ،  في ظل غياب الدولة القانونية القادرة الفعالة ، وفي مواجهة الدولة الإمبراطورية العسكرية القائمة على العنف المحض ، وفي ظل حاجة المجتمع الماسة لقوى الضبط والردع الداخلي ..وبالتالي لا بد من استعمال  سلطة الدين كسلطة قانونية اجتماعية مباشرة تحرس وحدة المجتمع وتضامنه ، ومن هنا  كان كل  تشكيك في الدين وكل ضعف في قدرته على الإقناع ، وكل تمرد على سلطته تحت دعوى الحرية ، كان  يعني المزيد من انفراط اللحمة الاجتماعية والمزيد من الانهيار نحو الوحشية في مستوى الجماعة  ، و يعني ازدياد طابع الدولة الاستبدادي في مستوى السياسة ، التي إذا تخلت عن قيم الدين توحشت أكثر فأكثر  ، .. وبالتالي كان  من المبرر إلى حد ما  اعتبار كل هرطقة وكل ارتداد بمثابة  عدوان مادي ومعنوي مباشر على الجماعة , التي تشعر بالتهديد الخطير  في مستوى مصالحها وأمنها ونظامها القائمين بشكل أساسي على القناعة والخوف من الله ، واحترام التقاليد ، تحت رعاية سلطة الدين المباشرة على الناس والمندمجة مع سلطة العرف ، والتي تمتلك جهازا تنفيذيا أهلياً  يتحرك بالعرف والعادات ، قد يتعاون أحياناً مع جهاز السلطة السياسية الاقطاعية الملكية الدينية الممتزجة معاً .

ولم يكن من المنطقي أو من المفيد فصل سلطة الشيخ العشائري ( الإقطاعي )  عن الشيخ الديني  ، فكل منهما يكمل الثاني ، وكلاهما بعيدان ومتمايزان عن سلطة السلطان العسكرية الخراجية الخارجية المتسلطة بالقوة على  الوحدات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية .  في ذلك الوقت السلطة الفعلية التي تحكم سلوك البشر داخل وحداتهم هي سلطة الدين والعرف ، ولم يكن الانتماء للمجتمع يمر عبر الانتماء للدولة ، التي لم تكن إلا قوة قهر خارجية تختص في فرض النظام العام والطاعة على المقاطعات والقرى والأحياء  ,   ففي  المرحلة  الإقطاعية كان  الدين  يلعب  دوراً سياسياً قانونياً تنفيذياً هاماًً داخل  الإقطاعية وكان نفوذ رجال الدين السياسي  يعطي الحكم  قدراً من القيم والأخلاق تجعله مقبولاً  ، وتلطف قسوته ووحشيته ،  أما  خارج الإقطاعيات  ، أو خارج التركيب الأهلي البطريركي ، فتسود  سلطة الدولة ( السلطنة )  التي يجسدها   الملك أو الوالي  بجيشه الذي يجبر المقاطعات على دفع الخراج ، وقد كان مرتبطاً بالكنيسة ، أو الخلافة أيضاً  ، وله مرجعية دينية تحاول التوفيق بين مصالحه السلطانية الخاصة  ومصالح العامة . 

أما في المجتمع  الرأسمالي فقد تحطمت  الحدود  الإقطاعية، وتفكك المجتمع الأهلي ، وانهارت سلطة العرف والدين  , وتعاظمت  قوة الدولة والملك ، وصارت سلطتهم  تتحكم بشكل حاسم في سلوك  ليس الإقطاعيات  بل الأفراد أنفسهم ، وبشكل مباشر وفردي ، فتراقب الأفراد  وتحاسبهم بشكل شخصي ودائم ، من دون المرور عبر سلطة الدين والعرف والهيئات الأهلية الأخرى ..  لذلك  تغير دور الدين ، بسبب تغير دور الدولة وقدرتها ،  ودور الجيش ( القوى المسلحة عموماً )   ايضاً ، وصار هناك جهاز شرطة كبير يراقب ويحاسب ويأمر وينهي ويتدخل في كل لحظة ، وكل مكان ، لذلك تقلصت الحاجة لسلطة الدين السياسية والقانونية ..  لكن هذا  لا يعني أبداً  أن حاجة البشر  للقيم  والمثل والأخلاق والضوابط  والمعايير (  الأديان ) قد انتهت , بل  يعني فقط تغير دور هذه  الأديان  في آلية إنتاج  السياسة ، من التعبير المباشر والتجسيد الفوري  بسلطة يمارسها رجال الدين ، إلى سلطة معنوية تحكم مجموع البشر وتجعلهم يختارون القانون الذي يعبر عن قناعاتهم ويقينهم , أي الدين ولكن بشكل غير مباشر ، فيمارس الدين سلطته عبر ارادة الناس ويمر عبر صندوق الاقتراع ، ومن هنا تنتفي الحاجة لدور رجال الدين السياسي ويصبح من الممكن بل من الضروري فصل و تحييد رجال الدين عن السياسة ، وتجريدهم من كل  سلطة سياسة يمارسونها على الناس ، مع الاحتفاظ بقيمتهم المعرفية ، ودورهم الإرشادي ، والاعتراف بأثرهم على تكوين الضمائر . لتصبح السلطة السياسية خاضعة فقط للسلطة التشريعية المنتخبة من الشعب عبر آليات التمثيل الصحيحة .. وهذا هو جوهر العلمانية . التي تهيئ لأول مرة فرصة حرية الاعتقاد الكاملة .

أصبحت سلطة  الدين هي الخضوع لدستور ثقافي أخلاقي مزروع في مستوى القيم والضمير والتربية ، بينما سلطة الدولة هي قوة إخضاع قانوني خارجي ، والأمة الدينية هي التي ترتكز في أساس اجتماعها على سلطة الدين بشكل رئيسي ، بينما الدولة - الأمة هي التي ترتكز في أساس اجتماعها على سلطة الدولة أولاً وأساساً ، وهذا لا يعني عدم وجود دولة في الأمة الدينية ، أو عدم وجود دين في الدولة- الأمة  .

إن هدف الدين هو بناء الجماعة الأهلية أي بناء الإنسان الاجتماعي  ، فيما وراء الدول وقبلها وأمامها وبعدها . ولا دولة بدون جماعة ، ولا سياسة بدون دين ، أي بدون مستودع وخزان رئيسي للقيم الإنسانية والمثل والفضائل الأخلاقية ، ولا يجوز تحطيم فعالية وقيمة الثروة الروحية المجودة  في الدين ، والتي ليس لها مصدر آخر في الممارسة السياسية والقانونية  غيره ، لا أقصد بالدين  دين معين يخص طائفتي كما يشيع ، بل الدين الذي هو مركز وخلاصة ونواة الثقافة الاجتماعية وموقفها القيمي  ، مهما كان نظام الترميز الأسطوري الذي تعتمده ، والذي هو محط إجماعها  وتقديسها الفعلي ، الدين القادر فعلاً على تشكيل الضمائر ، وعلى  الربط بين المعارف والقيم وبين السلوك العملي  ، لأن وظيفة الدين وطقوسه وما يرتبط بها هي تشكيل وتفعيل ما يسمى بديناميك عالم الروح  ، عالم المعاني والقيم الضرورية لتغذية وجود الفرد والمجتمع والتي تميز الإنسان عن الوحش ، وتحافظ على عالمه  المعنوي الروحي  إلى جانب عالمه  المادي .

وهدف الدولة هو حراسة النظام الاجتماعي القائم بواسطة الأداة السياسية التي تتكون من قوى الضبط والمراقبة والمعاقبة ، والإخضاع والإجبار ، التي تطبق القانون  نظرياً ( حيث أحيانا يكون تعسفياً أو يعكس إرادة فرد واحد )  و الذي يجب أن  تضعه سلطة تشريعية تعكس مشيئة ومصالح فئات أو طبقات مختلفة من داخل الجماعة أو خارجها ، والتي يحتوي  التاريخ السياسي على  سجل صراعها  المرير على ملكية  و تدجين وتطويع وإخضاع الدولة ، لرغبات وحاجات القوى المنتصرة في المجتمع والتي تحاول إخضاعه لهيمنتها ، والتي اكتشفت بعد صراعها المرير فيما بينها أن  نظام الديمقراطية هو الشكل الوحيد القادر على إنهاء  حالة الصراع والعنف السياسي ، واستبداله بالتداول السلمي الديمقراطي .

هذه  الدولة كانت قد  تطورت في حجمها وتشكليها ومؤسساتها وفعاليتها بشكل كبير مع صعود الرأسمالية ، فتضخمت بشدة وصارت قادرة على مراقبة وتوجيه كل سلوك لكل مواطن فيها ، مما جعل مسألة تدجين سلطة الدولة مسألة جوهرية وأساسية في المجتمعات الحديثة ، وهنا جوهر القضية  ، إنه تراجع  دور وقيمة الدين في التنظيم والرقابة الاجتماعية الرسمية ( السياسة ) ، لصالح تطور دور الدولة ، ثم بروز مسألة السيادة على هذه الدولة ، التي لم تكن فيما مضى ذات أهمية كبرى بالنظر إلى كون الدولة قوة ردع مادية عسكرية على هامش أوفي خدمة السلطة الدينية المدنية الروحية .. فبعد تنامي قوة الدولة وأثرها وفعاليتها التي نلمسها جيداً في مجموعة الدول الشمولية التي قامت على يد النازية والشيوعية ، والتي تفتش على الضمائر والنوايا ، وتسيطر على سلوك وعقل وعواطف الإنسان وتحوله إلى مجرد آلة ميكانيكية يتحرك بأمر ويأكل بأمر ويعمل بأمر ويصفق بأمر ويرقص بأمر ، ثم يبكي بأمر  ، أي تحوله إلى كائن هزيل مسلوب لا حول ولا قوة له ، فلو وقعت هذه الدولة تحت رحمة سلطة مستبدة تستمد مشروعيتها من ذاتها وتجدد لنفسها ، وليس هناك من يحاسبها ، لوصلنا إلى نظام رهيب من القمع والاستعباد يفوق النظام العبودي ، وكل ذلك قد يحدث باسم الدين ومن أجله .. وهنا المشكلة .. لذلك أصبحت مسألة السيادة على هذه الدولة هي المسألة الأهم التي تقض مضجع الشعوب  والطبقات والشرائح والأفراد  الذين   اشتد تنافسهم على ملكية هذه الدولة ، وعلى تأثيرهم فيها وعلى توجيهها .

ومن هنا بروز مسألة الحريات والديمقراطية مع العلمانية معاً ، كعوامل مشتركة وحاسمة في تدجين الدولة وأنسنتها وجعلها أداة خدمة للمجتمع وليس ضده . مع ملاحظة أن طغيان الدولة قد ترافق مع تزايد انهيار فعالية الأثر الديني واضمحلاله ( أي سلطة الضمير والقيم والوازع ) , الذي تسبب فيه تطور المعارف والعلوم والفلسفات الحديثة ، التي سحبت البساط المعرفي من تحت المقولات الدينية التقليدية ،  ففقدت المنظومات المعرفية الدينية  بسرعة مفعولها المقنع وقوتها الروحية . وتراجع في النتيجة دور الدين من الساحة الفكرية والإيمانية الفعالة والمؤثرة ، وتراجعت بنفس الوقت  حاجة المجتمع لذلك التأثير بوجود الدولة القوية القادرة ،  وبرزت مسألة السيطرة على تلك الدولة ، كمسألة أساسية في الحياة السياسية المعاصرة ، وتضاءل دور الدين في الحياة العصرية عامة ، لكن إلى حين ، حيث ستكتشف البشرية في طريقها للمزيد من الارتقاء حاجتها للقيم والضوابط الداخلية ، وتعاود النظر في مخزونها الديني لتستمد منه ما تحتاج إليه ، لكن العولمة جعلت من مثل هذا الارتداد بوابة لصراع ديني ومذهبي إذا لم تتطور عملية مصالحة فلسفية سريعة, تجمع بين كل الديانات وتوفق بينها على أساس الاحترام ، إي اذا لم تقترن العولمة الاقتصادية بعولمة ثقافية وسياسية  . 

أصبحت الدولة هي الأساس في قيام المجتمعات الحديثة , التي صارت تعتمد على البعد السياسي أكثر كثيراً من اعتمادها على البعد الثقافي ، في عملية ضبط سلوك أفرادها ومؤسساتها ، ونشأ ما نعرفه اليوم بالدولة - الأمة ، وصارت الدولة مجموعة كبيرة من المؤسسات التي تدير وتتحكم بالكثير جداً من فعاليات المجتمع ونشاطاته ، ولم تعد مجرد قوة قمعية خارجية بالنسبة للمجتمع (كانت الديانات  تهملها ولا تعيرها اهتماماً ) بل صارت الدولة  أداة الحركات الشمولية التي تهدف إلى فرض تسلطها الصارم على المجتمع ، عبر استخدام  مؤسسات الدولة  وقدرتها على احتواء النشاطات الاجتماعية المختلفة ، ومن بينها  حركات دينية جديدة تحاول التأقلم مع الواقع الجديد وتطوير الديانات بما يتناسب معه ، أي مع وجود دولة جبارة ، أقصد بالضبط الأصولية ، التي تتبنى نظرية الدولة الشمولية الحديثة  الهادفة لخدمة الدين نظرياً ، فهي تمزج باستخدامها مصطلح الإمام بين الدين كمستوى ضميري وروحي ، والدولة كمستوى قمعي خارجي ، أي بين سلطة الشيخ الفقيه  الروحية وسلطة الحاكم المادية العسكرية  . لذلك صارت مسالة الحريات مسألة جوهرية في النظم السياسية المعاصر ، بالنظر إلى مسعى السلطات المطلقة  المستمر نحو الطغيان على المجتمعات والأفراد ، وصارت عملية ضمان هذه الحريات جزءا لا يتجزأ من واجب الحفاظ على دورها الاجتماعي في خدمة التشكيلة وليس ضدها . وصار الانتماء للمجتمع المدني وتعزيز مؤسساته هو الضامن لكبح جماح الدولة وطغيانها ، وهو الشكل الاجتماعي الذي يستطسع التأثير المباشر على سلوك مؤسسات الدولة ومواجهتها ، في حين يصبح الانتماء للمجتمع  الأهلي بشكل متزايد أقل قيمة وفعالية ويتراجع باستمرار . فالمجتمع المدني هو الحضن الذي تنشأ فيه وعليه الديمقراطية ، وغيابه أو تدميره هو هدف الديكتاتوريات و شرط إعادة إنتاجها لذاتها .

 

فالذي حدث ببساطة هو تغير الظروف فما كان منطقياً وصحيحاً وأخلاقياً ، صار غير ذلك ، هل نطبق ما هو الآن غير صحيح وغير مفيد وغير أخلاقي ، هل نقبل بعبودية لسلطات مستبدة فاسدة مدمرة تحت ذريعة العبودية لله ، أم نتحرر من الطغيان والعبودية والطواغيت بكل أشكالها ونعتبر ذلك هو جوهر الدعوة الدينية  .  هل نتبع الشكل القديم بغض النظر  عن الهدف والغاية ، أم نحتفظ بالهدف والغاية ونطور الشكل بما يتناسب مع الظرف ..  المسألة ليست بحاجة للتفكير ، لكنها تنحصر بسؤال : ما هو الشكل الذي يجعلنا أحرار دون أن تكون تلك الحرية تمرداً على الإيمان والدين وعصياناً لله .. هل تطور العقل من سنة الكون وهل هذا مخالف لطبيعة الأشياء ، وهل تطور العقل سوف يؤثر على تطور فهمنا للدين؟  وهل في ذلك ضير ، وهل صلاح  النص لكل زمان ومكان سببه  تطور العقل بتطور الظروف ، أم ثبات الظروف والنص والعقل معاً .. ، ببساطة هل يمكن  تغيير عقلية فهم الدين ، لكي نتمكن من انجاز هذه القفزة والمصالحة بين  كل من معتقدنا وإيماننا بالله والرسول والكتاب ، وبين عيشنا  في ظروف متغيرة كثيراً عما كانت عليه أيام السلف ؟ ..  وبالتالي لا تعود  مسألة السلف الصالح تعني أن نتبع أدوات عيشهم ، بل قيمهم وطرائقهم في مواجهة مشاكلهم .. هنا يظهر فارق كبير  بين إسلام متحجر يتمسك بالشكل حتى لو دمر المضمون ، وإسلام منفتح متطور يحافظ على الحق والخير ضمن منهج أخلاقي قيمي معرفي مرن ومتسامح مع الشكل لصالح الغرض والغاية والوظيفة . فهل يبيح لنا النص القرآني ذلك .. وأي عقل نستخدم وأي قراءة ستنتج عن هذا العقل ؟؟؟؟  لنحاول :  - يتبع -  .

 

 

 

الاصلاح الديني ( 9 ) 

 

 

قلنا ان الذي حدث ببساطة هو تغير الظروف فما كان منطقياً وصحيحاً وأخلاقياً ، صار غير ذلك ، والسؤال هل نطبق ما هو الآن غير صحيح وغير مفيد وغير أخلاقي ، هل نقبل بعبودية سلطات مستبدة فاسدة مدمرة تحت ذريعة العبودية لله ، أم نتحرر من الطغيان والعبودية والطواغيت بكل أشكالها ونعتبر ذلك هو جوهر الدعوة الدينية  .  هل نتبع الشكل القديم بغض النظر  عن الهدف والغاية ، أم نحتفظ بالهدف والغاية ونطور الشكل بما يتناسب مع الظرف ..  المسألة ليست بحاجة للتفكير ، لكنها تنحصر بسؤال : ما هو الشكل الذي يجعلنا أحرار دون أن تكون تلك الحرية تمرداً على الإيمان والدين وعصياناً لله .. هل تطور العقل هو سنة من سنة الكون ، أم هو مخالف لطبيعة الأشياء ، وهل تطور العقل سوف يؤثر على تطور فهمنا للدين؟  وهل في ذلك ضير ، وهل صلاح  النص لكل زمان ومكان سببه  تطور العقل بتطور الظروف ، أم ثبات الظروف والنص والعقل معاً .. ، ببساطة هل يمكن  تغيير عقلية فهم الدين ، لكي نتمكن من انجاز هذه القفزة والمصالحة بين  كل من معتقدنا وإيماننا بالله والرسول والكتاب ، وبين عيشنا  في ظروف متغيرة كثيراً عما كانت عليه أيام السلف ؟ ..  وبالتالي لا تعود  مسألة السلف الصالح تعني أن نتبع أدوات عيشهم ، بل قيمهم وطرائقهم في مواجهة مشاكلهم .. هنا يظهر فارق كبير  بين إسلام متحجر يتمسك بالشكل حتى لو دمر المضمون ، وإسلام منفتح متطور يحافظ على الحق والخير ضمن منهج أخلاقي قيمي معرفي مرن ومتسامح مع الشكل لصالح الغرض والغاية والوظيفة . فهل يبيح لنا النص القرآني ذلك .. وأي عقل نستخدم وأي قراءة ستنتج عن هذا العقل ؟؟؟؟  لنحاول :

 

كل محاولة تجديد تشريعي سوف تصطدم بمسألة لا يمكن القفز فوقها ، ( القرآن هو مصدر التشريع ) وهو نص  منزل فيه أحكام تشريعية قانونية وحدود وعقوبات ، من يخالفها يخرج عن الدين بحكم النص ، فكيف نترك أمر التشريع للبشر وقد ورد فيه النص الحرفي . أليست كل دعوة  علمانية إذن  تعني التنكر لكتاب الله ورفض الطاعة لما ورد فيه من حدود .

حاول الفقهاء في مرحلة مبكرة من الإسلام السياسي إلغاء العقل ، واستخدموا بشكل خاص الحديث النبوي لتحجير العقل فيما يدعون أنه عقل الرسول الذي علينا كلنا إتباعه ( مثله مثل القرآن ) فأصبح القرآن مقترناً بالحديث ثم بالتفاسير والشروح واجتهادات الأئمة ( الأربعة أو الخمسة ) الأكبر في المذاهب الإسلامية ، . بكل تأكيد إن  عقل الرسول هو الأقدر على قراءة القرآن  وتفسيره وترجمته لسلوك في زمانه ، لكن في زمان آخر ؟ .. قد لا يكون ؟؟  ، ومن هنا جاء نهي الرسول لأصحابه كتابة أي شيء عنه سوى القرآن . فكيف بعقول بقية الأئمة والمفسرين ؟؟

هل المخرج من هذا المأزق   يتعلق بطريقة التعامل مع النص أي في العقل الديني ( اقصد طريقة عقل البشر للدين ) الطريقة التي تتطور مع تطور العقل الإنساني ، وكيف  نتأكد  أننا نتعامل مع الدين والنص والوحي بالطريقة العقلانية والمنطقية , التي تنسجم مع روح الرسالة والدعوة ومع سنة الكون ومع غايات الخلق ، من دون الاحتكام لعقولنا التي وهبنا إياها  الله وجعلتنا مستخلفين ومسؤولين ، هل يجب علينا الاقتناع بما هو غير مقنع لنا خوفاً من التجديف ، أم علينا  إعلان قناعتنا والاحتكام لعقلنا دونما خوف من كفر او زندقة  ، وهل كل من يخالف طريقة عقلنا أو عقل إمام معين هو كافر يجب تطبيق الحد عليه ، فتندلع حروب التكفير بين المذاهب والفرق والشيع ، وينعدم العقل النقدي والتطور ، وتتحول الحياة لتكرار كئيب لمسائل لا تقنع ولا تفيد أحداً , بل فقط تتوافق مع قيد نحن وضعناه بايدينا ، أي نحن قيدنا أنفسنا بسبب خلل منهجي في العقل الذي تعاملنا به مع الدين .   .

هنا بكمن كما أسلفنا الفارق بين إسلام متحرر وإسلام متحجر ، وهنا يكمن  جوهر  التجديد الإسلامي  المنشود  ، وجوهر الصراع الرمزي الموعود بين من يمثل  الدجال الذي يرى الدين بعين واحدة ، وبين من يرى الدين بقلبه ولبه ويمثل المهدي ، أي هذا هو الإصلاح والتجديد  الذي صار الإسلام بحاجة ماسة إليه لكي ينسجم مع العصر والعقل الإنساني المتطور والظروف الإنسانية المتغيرة . فكل تجديد كما نقترح لا بد أن يتوجه للعقل وليس للنص ، وكل محاولة  لتطويع اللغة والتلاعب بالألفاظ لن تكون مقنعة ، لأن النص يجب أن يقرأ  بلغة أهله ودلالاتها في زمانهم ومكانهم ، ولا يجوز تطوير نظامها الدلالي ، أو استخدام نظام دلالي حديث مغاير   لأن ذلك يعني نصاً جديداً ، وهنا أشير إلى محاولة الدكتور محمد شحرور التي اقتصرت على محاولة تطوير اللغة  أكثر من محاولة تطوير العقل ، لذلك رغم أهميتها وتوجهها الصحيح ، بقيت عاجزة عن انجاز تحول نوعي في نمط التفكير  الإسلامي  .  

أي أن  عظمة  القرآن ليست في منطوقه بل أكثر منها  في معناه ، وليست في شكله ، بل أكثر منها في جوهره ، وليست في أمثلته الحرفية بل أكثر منها  في مقاصده البعيدة ، أما قدرته على التلاؤم مع كل زمان ومكان،  فلا تكمن في نفي صفة التغير والتبدل عن أحوال الخليقة ، بل  تكمن في نصه الرمزي المفتوح الذي يبيح إمكانية تطور  العقول ثم إمكانية تطوير المعاني  والدلالات ، والناتج النهائي لعملية القراءة ، فتصبح التطبيقات والحديث والاجتهاد مجرد أمثلة تطبيقية تفهم في سياقها ، ويستنبط منها عبرتها وغايتها ، تماماً كما هي حال مجموعة كبيرة من القصص القرآنية , التي هي ليست تاريخاً بل عبراً وأفكار ومبادئ ، لذلك لا مانع من  تعدد قراءات القران وفقاً لتعدد العقول القارئة ، ثم وفقا لاختلاف المسائل التي نبحث عنها فيه  . وهذا هو سحره وإعجازه ، أما تطوير العقل فهو يعني  تطوير نظم التفكير ونظم القراءة واللغة معاً  ، وهي التي شهدت أخيراً تطوراً هائلا  في كل جوانبها ، والتي حاول الدكتور شحرور الافادة منها .

كيف يكون القرآن كتاب الله ؟

الله سبحانه ليس شيئاً  في هذا الوجود ، أو يقابل هذا الوجود .. فالوجود لا يتكون من شيئين هما : المخلوقات والخالق ، بل من جوهر  واحد هو  الله : فهو الأول والآخر والظاهر والباطن ، فهو رب لعالمين اثنين  :  عالم الغيب وعالم الشهادة , و مخلوقاته التي جاءت من روحه ليست إلا جزءاً منه  . لكن ما نراه من الكل هو الجزء ونحن لا ندرك الكل لأننا جزء  ، ونحن نرى من الله الجزء الذي كشفه لنا ، ولا نرى ما احتجب من وجوده في عالم الغيب ، لكننا ندرك بحدسنا وعقولنا  أن هذا الوجود المحسوس والملموس ليس كل شيء ، وأن هناك قسما آخر مكمل  لا يستوي ناموس الكون من دونه . الله هو الكل الذي لا يدرك ، لأن الإدراك العقلي مرتبط بالنوع والنوع يقوم بالمقارنة وهذا من صفات الأجزاء  . 

و العلاقة التي تقوم بيننا وبين الله ، والتي تمر عبر نوازع الضمير ، والتي نصلي لتجديدها ، هي علاقة ذاتية  دائمة متجددة ومستمرة ، لذلك فالوحي ليس فقط ذلك الذي نزل على شخص واحد وانقطع , بل هو مستمر  ومتصل مع كل المخلوقات ، فالله قريب مجيب ، وهو يوحي للنحل ، ولأم موسى ، ولكن فضل محمد صلى الله عليه وسلم على بقية البشر أن الله قد  أجاز له أن ينطق باسمه  ، وهذا أيضا بسبب درجة التقوى التي توصل إليها و درجة تقربه من الله ، فأوحى  له ما أوحى  من المعاني , مما جعله ينطق بذلك الكتاب باسم الله ، فأول الآيات تقول له اقرأ باسم ربك ، أي بالنيابة والوكالة . ثم تبدأ كل آية بالتذكير بأن هذا النص هو باسم الله ، أي انه بظاهره ليس كلام الله ، فكلمة الله ليست لفظاً وصوتاً عربيا ،  بل خلقاً ووجوداً ، وأمره كن فيكون ،  والمسيح كلمة الله وكذلك آدم والدنيا كلها كلماته ، فالله جل جلاله  لو نطق خلق ،  وكتابه ليس ذلك الكتاب المسطور وحده ، بل هو كتابه المنظور  الذي يضم كل مخلوقاته .. وكلماته وآياته موجودة في الطبيعة وفي الإنسان وفي السماوات والأرض قبل أن توجد في الكتاب الذي نرتل  ، وهكذا يمكننا أن نفهم أن ما انطبع في ذهن الرسول ليس الكلمات العربية ذات القواعد والقوافي والفواصل والتشكيل  التي نقرأها ، بل المعاني والأفكار ، التي وجدت لنفسها ظاهراً بشرياً يحملها كما يحمل كل مخلوق محتواه الإلهي  , فتم التعبير عنها بهذا  الظاهر الرمزي الشعري المفتوح الدلالة عبر تغير وتبدل العقول ، لذلك لا نستغرب ورود التكرار بصور ونماذج مختلفة لذات المعنى والدلالة في النص المقدس ، وفي أكثر من مكان ، فهذه الأفكار قد وجدت شكلها وصياغتها بما يتوافق مع زمان ومكان وقوم وثقافة وظرف ، ولهذا السبب نلحظ تغير الأسلوب في نهاية  الدعوة عن بدايتها  . حيث يمكننا  الحديث عن  تاريخية  ظاهر النص وشكله  ، لكن ما ورد فيه من قيم ومثل ومن أفكار معرفية ، هي التي تنطبق مع حقيقة الوجود الثابتة المتكونة من نواميس حاكمة للوجود لا تتغير ولا تتبدل ، والقرآن  إلى الآن لم يصطدم بأي اعتراض علمي جدي وهنا معجزة القرآن ، وهذه قضية تحدي مفتوحة لمن أراد من دون خوف ولا وجل ، فمن يجد تناقضا بين النص والعلم عليه أن يعلن ويقول ، فنحن نعتقد أن القرآن يعكس في محتواه صورة الحقيقة  ،  وهذا هو الشيء المعجز الذي يفوق قدرة  أي شخص ، ولم لا طالما  أن كل معرفة هي الهام من الله تعالى الذي علم آدم الأسماء كلها ، وعلم الإنسان ما لم يعلم . .

ولا يمكن فهم الرسالة السماوية إلا في سياق الخلق العام الذي يتجه نحو  الارتقاء ، أي اعمار الكون وجعله على أفضل صوره ، ومسؤولية الإنسان في إتباع ذلك المسعى وهو مكلف بهذه المهمة ، فبعث الرسول إنما كان لإتمام مكارم الأخلاق ، وبني على الاعتراف بما سبق من وحي ومن معارف وقيم وحضارات ، ولما كانت الأخلاق تتطور وترتقي كان الهدف  الأساسي  هو الخير والحق في أرقى صوره وأشكاله ، ولما كان الحكم دوماً هو عقل الإنسان ، الذي كرمه الله به ، وتسبب في تحميله المسؤولية ، فكان من الواجب إتباع ما يهدي إليه العقل وعدم التنكر للأسئلة التي يسألها ، وللقضايا التي يثيرها ، و يوجب السير على هدى النتائج التي يتوصل إليها ، طالما أنه بالعقل وحده يؤمن الإنسان و به وحده يتميز عن الحيوان ،  ولما كان العقل ذاته يتطور بتطور وسائل الحصول على المعرفة وتداولها ، كان من الطبيعي تطور النتاج العقلي ، وكذلك تطور فهمنا  للنص المقدس ، طبقاً لتطور العلوم ولتطور الآداب وبشكل خاص علوم الخطاب والقراءة ,  وهذا من سنن الكون التي تجعل  هذا النص قابلاً للاستمرار منبعاً للقيم والمعرفة ، وليس وسيلة تجميد وتحجر تخالف سنة الكون الخالدة  في التغير والتبدل والتطور ( تلك السنة التي لا تبديل لها / أي التغير والارتقاء بعينه /  ).

وعلى هذا يمكننا أن نعتبر المتشابهات (  الأمثال والتشريعات ) الواردة في النص كنماذج تطبيقية توضيحية ، متوافقة مع زمن ومكان وظرف ، وما يجب علينا أخذه منها في زمان ومكان آخر ليس حرفيتها  بل غايتها وخبرتها  وعبرتها ، لنعيد تجديد الشريعة بما يناسب ظرفنا دون التخلي عن الاتجاه العام للقيم والأخلاق .   وعلى هذا يكون تجميد شكل وظاهر ومنطوق النص وتثبيته عند المتشابه ، بمثابة  تنكر لأم الكتاب وللآيات المحكمات ، وهي طريقة ميكانيكية ستاتيكية  سيكولاستيكية لفهم النص ، تقتل روحه وتجعله متناقضاً مع غايات الدين ، وهذا  في النهاية  إساءة للنص وللدين ولعظمة القرآن ، كما أن فرض الشريعة بشكلها الذي طبقت فيه بزمن معين ،  هو تجميد لسنة الحياة في التطور والتغير ، فكيف يتم اعمار الكون إذا تجمدنا .

 نحن  لن  نخالف القرآن طالما أننا نتبع الحق الذي يدلنا عليه عقلنا بصدق وشفافية  ، ونتفكر ونبحث ونتعلم ونجتهد ، وليس المطلوب منا البقاء في حدود شكل معين من التطبيق ، بل المطلوب هو السعي الدائم نحو نماذج أرقى حتى لو خالفت حرفية بعض أمثلة النص ( التي تخص تجربة وظرف وأسباب نزول محددة )  ، ومنها مثلاً نظام العقوبات ونظام الزواج ونظام الإرث ، وأسلوب  نشر الدعوة ..  وحتى طريقة ممارسة الشعائر ، فكل تلك وسائل لغايات أكبر ، والوحي لم يغلق والعقل الإنساني لم ينته دوره ، ولم يتوقف إنتاجه ، لكن ما أغلق وحرم هو النطق باسم الله بعد محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين  . وهو بالضبط ما يحاول بعض الفقهاء المسلمين فعله ، بواسطة تنصيب أنفسهم أوصياء على النطق بالحق ، واحتكاره واحتكار تفسير وتأويل  قراءة القرآن ، وتنصيب أنفسهم بدائل  عن عقل كل إنسان ، من أجل تحويله لعبد تابع لهم ، ناشرين نوعا من الإتباع الأعمى ومشجعين الاستقالة من المسؤولية والتكليف الذي كلف به كل إنسان .. فالعبودية لله تكمن في الاستمرار في التفكر والبحث عن أرقى الوسائل لإعمار الكون ونشر الفضيلة ، مهتدين بمنهج كتاب الله وما تعلمنا من علوم .

 هذا الإنسان الذي خلق على صورة الله ، ليس الصورة الجسدية الشكلانية بل الصورة الروحية التي تتبع الحق والخير والجمال .. وعندما دعا السيد المسيح للمحبة أدرك أن العلاقة بين الإنسان وخالقة هي ليست كالعلاقة بين المالك  والعبد ، بل  أشبه بالعلاقة بين الأب والابن ، وقال أنتم بمثابة  أبناء الله الذي أحبكم ولطف بكم ، والذي تنضمون لملكوته بمحبتكم وعملكم الصالح  .. هنا ننوه أيضاً أنه لا يجوز  فهم هذه  الرموز الدينية ، بشكلها وظاهرها لأنها تصبح تجديفاً على الله ،  لكن قيمتها  تكمن في معناها الرمزي والدلالي ، وهذا ينطبق أيضا على الشريعة ، فتعدي حدود الله ليس في التهرب من تطبيق الشريعة الحرفية (   قطع اليد والرأس والجلد )  بل تعدي حدود الله يتم عبر  الفساد في الأرض وإتباع الشر وأذى الناس . وسلبهم حقهم في الحياة  الحرة التي هي مجرد امتحان ، لا معنى ولا مبرر له من دون تلك الحرية .

 

 

الليبرالية والدين ( 10 والأخير  )

 

الحرية والمسؤولية الفردية هي اساس الدين ، وما يجزى عليه المتدين هو ذلك السلوك الطوعي النابع من الارادة الحرة والطوعية والتي تعتمد المثل قبل المصالح . ولا يمكن تشكل سلوك ديني من دون توفر الحرية ,  فالعبودية لله تعني التحرر من كل سلطان آخر غير سلطان الحق الذي يصرخ به الضمير الذي يمثل صوت الله في دواخلنا . والله الذي يتحكم بكل شيء وحده ، ترك للانسان الحرية ،  و ليس لأحد أن ينصب نفسه بديلا عن الله يفرض إرادته على الآخرين  ، فكل إنسان في النهاية تحت ألطاف الله ، و هو برغم حريته في الاخيار ومسؤوليته ,  لكنه  لا يملك حتى مصيره ، وليس له أن يشاء حتى يشاء الله ، فالسيد الوحيد المالك المسير للكون هو الله شئنا أم أبينا ، والذي لم يشارك أحد في ملكوته ، وما تبقى من مخلوقات تدين له وتخضع طوعاً وكرها، ومن محبة الله ولطفه بعباده ، ومن دواعي مسؤوليتهم ومحاسبتهم أن ترك لهم حق الاختيار ، وكون لهم إرادة حرة  ، ووضع فيهم ضميرا محاسباً ، وتركهم يختارون ويشاءون ويفعلون ، ويؤمنون ويكفرون ، لكن ما ينتج عن أفعالهم هو فقط ما ييسره  الله ،فالله هو من يسير الكون كما يريد ، والله ليس في حاجة لأن  يتدخل لتغيير إرادة البشر وثنيهم عما يريدون عنوة ( وإلا لما استحقوا الحساب ) ، كما أن الله لا يناقض في كل لحظة ناموسه وقانونه المستمر الحاكم لكل المخلوقات ( القضاء )  ، لأنه  يتدخل باستخدام وسيلة أخرى لا تتناقض مع الناموس الحاكم لكل وجود والذي يمكننا ادراكه بعقلنا والافادة منه ( القضاء )، ولكنه  يتدخل  بواسطة (  القدر  : أي بواسطة التحكم بالزمن ) ، وهو ما نسميه الصدفة ، فتزامن حدوث الأشياء  ضمن حركية شاملة لا تنتهي تحكم كل شيء في الوجود ,  هي طريقة التدخل الإلهي الفاعل في الكون ، ( لا تلعنوا الدهر فأنا الدهر )  و طريقة تحقق المعجزات ليست في مناقضة ناموس الكون وقانونه ( القضاء ) ،  بل في انجاز غايات لا يمكن أن تتحقق بدون توجيه عامل الزمن والتحكم به بشكل حكيم ومنضبط ، من أجل  غاية مرسومة بعناية تحسب كل شيء وتحيط بكل شيء . فكل حركة في الكون محكومة بقدر وزمن وسرعة والأصل في الوجود هو الحركة التي تمزج بين الزمان والمكان . حيث ينعدم انفصال المكان عن الزمان عندما نصل سرعة الضوء ، ولا يمكننا عندها لا قياس المكان ولا الزمان ، أي نصل للشكل الأولي المكون لهما والذي يصعب علينا تصوره لأننا نبدأ من السكون الافتراضي  الي يجعلنا نعتقد بوجود العدم واللانهاية . حيث نعجز عن  تصور الكون انطلاقا من الحركة الثابتة فيه أي من  سرعة الضوء   ( الله  نور السماوات والأرض ) .

وعندما تتصادف الأشياء فهي لا تتصادف عشوائياً كما نتوهم (لأننا ندرك الجزء فقط ، ولو كانت لنا القدرة على عبور الزمن وتغطية المكان , لأدركنا الغايات التي تتحكم في الزمن وفي الوقائع والتي هي دوماً علمية وخاضع لقوانين ثابتة ) فهذه الصدفة التي نتوهم أنها عشوائية ، هي التي تضبط سير الكون وتضمن أن لا تذهب به إرادة البشر بعكس ما يريد الخالق ، لكنها  أيضاً لا تلغي مسؤوليتهم وحريتهم ، المبنية على إدراكهم وعقلهم لقوانين  الكون ( القضاء )  ومحاولتهم  التحكم بها والافادة منها ، ليبقى بعد ذلك  التوكل الذي يغطي الجانب الذي لا يتحكمون به ولا يعقلونه ، وهو شيء ما يتعلق بالزمن .

بهذه الطريقة نخط طريقاً جديداً ومختلفاً لفهم القضاء والقدر ، والحرية والقدرية ، والعقل والتوكل ، والرزق والسعي ، والعمر والصحة ،  و بها نستطيع أن نفهم الآية وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ، على أنها ليست إلغاءً لإرادة الناس ومسؤوليتهم وحريتهم ..   وهكذا نعلم أننا لسنا مسؤولين عن النتائج بل عن السعي ، وعلينا فقط أن نسعى ، وما سيحدث  مرهون بمشيئة الله ، لكنه أيضاً لن يحدث من دون توفر الظروف العلمية لحدوثه والتي علينا السعي من أجلها ، وارادتنا وعملنا جزءا منها ، فلا ننتظر أن تمطر السماء الذهب والفضة  ،  أيضاً  لا نعترض على سير التاريخ ، فنتطرف ونفرط ونغالي في استخدام الوسائل ، لأننا نتوهم أننا نحن نصنع التاريخ ، وأنه متوقف فقط علينا  ، ولكن نحاول كسب ثواب السعي نحو ما نراه أنه الخير وأنه الحق ، وفق الأسس والوسائل التي تنسجم مع الغايات ، فالوسيلة  بحد ذاتها هي غاية ، والمؤمن لا يستخدم الوسيلة الخطأ من أجل غاية صحيحة ، لأن التاريخ ليس مسؤوليته , والنصر ليس بعمله فقط , وهو من عند الله ( وهذا يجب توضيحه لكل المتشددين فكرياً و عبادياً وجهادياً ) الذين يستعجلون النصر باستخدام الوسائل الخاطئة  ، وهكذا نتقبل التاريخ ونساهم به  ، ولا نخاف ولا نتوانى طالما أن الله معنا في كل خطوة ، وأن ما سيحدث لنا سيحدث بمشيئته ، وليس لنا سوى أن نتقرب أكثر من الحق ونسعى نحوه متكلين على الله العليم الخبير البصير اللطيف بعباده   ، وعلى هذا أيضاً فليس لنا أن نجبر الناس ونصادر إرادتهم وحقهم في خوض الامتحان الذي أراده الله لهم ، بما فيه حقهم في الاختلاف ، لأننا في  النهاية لن نكون مسؤولين عن النتائج وعن هدى الناس بالقوة ،   بل فقط عن أنفسنا وعما بذلناه من جهد وما اتبعناه من قيم ومثل ، وعن استجابتنا لصوت ضمائرنا التي تنطق دوماً بالحق ، فنحن نعيش دوماً الحضرة الإلهية ونتصل بها عدة مرات كل يوم ، ولسنا بحاجة ماسة لمن يقودنا على طريق  الحق ويفرض علينا وصايته  ، وإن كان من واجبه ومن حقنا عليه ، أن يرشدنا ويدلنا على طريق الخير بالحسنى والموعظة الحسنة فقط . 

إن قوة  الدين تظهر في ساحة اشتغاله أي في  الضمير ، وفي تلك الرابطة بين الإنسان وربه  ، أما قوة  القرآن  فهي في داخله ، في محتواه المتوفر لكل من يقرأ ، والقرآن ليس بحاجة إلى قوة سياسية قانونية تفرض سلطانه ، أو تحرسه ، لأن سلطانه الحقيقي على عقول وضمائر البشر  ، وهذا أقوى وأهم ، ومن الخطأ أن نكلف شخصاً أو فقيهاً في تفسير وشرح واقتباس الشريعة منه ، فهذا واجب كل من يقرأ ويفهم ويتفكر ، لأن محتوى القرآن متجدد بتجدد الحدث والظرف والقراءة والحاجة والعقل ، وهذا  هو الكنز الثمين فيه , وليس نظامه التشريعي القانوني الذي ضرب مثلاً لزمان ومكان معينين ، و قدم جواباً عمليا على أحداث زمنية محددة ، يتجاوزها الزمان ويصبح بالإمكان تطويرها باتجاه أشكال أكثر رقياً وحضارة وأقل وحشية  .

عندما يتحدث أحدهم  عن نظام سياسي قرآني ، لا يتنطح أحد ليرينا متى كان هذا النظام  مطبقاً على السياسة  وما هو شكل تطبيقه  ، بل الكل ينكر أو يزور التاريخ الذي يقول باستحالة تطبيقه السياسي بشكل واحد جامد ،  بشكل مطابق للصورة المثالية المرسومة عن المرحلة التأسيسية ، والتي لا يوجد ما يدل على أنها هي ذاتها صورة واقعية ..  بل إن الجميع يتوقفون باندهاش أمام الصور الأسطورية المرسومة بعد قرون  للشخصيات الإسلامية الأولى ، ويكررون الحكايا المدهشة عن العدالة والاستقامة والنزاهة ، والتي تعتمد على قوة الشخصية وإيمانها ، وليس على النظام الذي يجبر الشخصيات على سلوك معين ، فإذا لم تتوفر تلك الشخصيات ماذا نفعل ؟ طبعاً يطالب  من يدعون ذلك ضمناً أن نعتبرهم  هم وحدهم ( ربما لأن لهم ذقوناً شرعية ) ورثة تلك الشخصيات ونسخاً عنها ، وخير خلف لخير سلف ،  وتشطب بعد ذلك  كل الأحداث والشخصيات والقصص التي يذخر بها التاريخ ، والمليئة  بما يعاكس ما يقال ويحكى من قصص وأساطير وخيالات ، والتي ليست غير صور قبيحة للتسلط والاستبداد والفجور والإجرام . ويتم التعمية على أهمية النظام قبل الشخص ، لضمان النزاهة .

تستفيد تلك الدعوات من تزايد  الرغبة في العودة للدين وفي تأكيد دور الدين , بسبب انتكاس عملية التقدم ,وبسبب الفقر الروحي والمعنوي الذي تعاني منه الحضارة بالمقارنة مع التقدم التكنولوجي ،  وبسبب التثبت سياسياً في الزمن الإقطاعي في الدول الاستبدادية , حيث يلعب فيه الدين دوراً هاماً مكملاً .

نحن لا نعترض أبدا على عودة الدين , كدين يعمل في مستوى القناعة والضمير والقيم والأخلاق والطقوس .. نحن نعترف بأنه ما يزال المنبع  الأساس للقيم  والمعاني والأخلاق ، ونحن بحاجة ماسة إليه .  لكننا نعترض على جعل الدين مطية للراغبين في الاستبداد السياسي وباسمه ، فممارسة الدين  شيء مختلف عن ممارسة السياسة ، والسلطة الدينية تقع في مستوى الضمير والقناعة ، بينما السلطة السياسية تقع في أيدي أشخاص قد يوسوس لهم الشيطان ، ولا يجب تركهم ينحرفون ويتعسفون ، بل  لا بد  من وضع النظم والقواعد التي تجعلهم يؤدون دورهم الذي فوضهم به الناس بأغلبيتهم وبقرارهم الحر ..  الدين عندها  لا ينتج السلطة مباشرة ، بل يؤثر في البشر الذين يختارون السلطة بحرية وتبعاً لإيمانياتهم .لأن الحرية هي شرط تكون الدين والوازع الداخلي .

 فالعلمانية هنا تتطابق مع قيم الحرية والليبرالية ، وتنسجم مع الدين ، و لا تعني إنكار الدين ولا  تجاهل دور الدين ، ولا تعني حذف الدين أو محاربة التدين ، بل تضع حداً أمام طموح رجال الدين لاستغلال مكانتهم الدينية في احتكار وممارسة السلطة السياسية الاستبدادية ، العلمانية تحاول أن تجسد قيم الحرية والدين معاً ، و تمنع انحراف الدين  وقفزه من موقعه الحقيقي ، إلى موقع آخر يهدده هو ذاته ويسيء إليه . ويحوله من أداة لتعزيز القيم ، إلى وسيلة للتعسف والاضطهاد .  ( فالأمر والإمارة أي الحكم هي شورى بين الناس ، تخضع لإرادتهم الحرة ، أي لصندوق الاقتراع ) وعلى هذا يكون  مركز نزول الوحي الجديد ومكان صياغة الشريعة: هو اليوم في مجالس التشريع المنتخبة بحرية ، وليس مجالس الإفتاء .

انتهى