معهد الحرب والسلم   

كنت أشاهد بريبة كيف ادعى مسؤولون سوريون أنهم يحملون شعلة المجتمع المدني في البلاد.

في الأسبوع الماضي، تناثرت عبارات مثل "منظمات المجتمع المدني" و"عملية التنمية" على الصفحات الرئيسية للصحف الرسمية وكذلك للصحف التي تتحكم بها الحكومة، كما لو كانت تلك المفاهيم ابتكرت حديثاً من قبل الحكومة السورية.
في 23 كانون الثاني من العام الحالي، استضافت دمشق ما سمي المؤتمر الرائد في مجال دور المنظمات غير الحكومية في عملية التنمية. وفود عالمية من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة شاركت في الحدث الذي أقيم تحت رعاية السيدة السورية الأولى أسماء الأسد.

بدون إشعار مسبق، وعلى مرأى الاعلام الدولي والمسؤولين الغربيين، التمست الحكومة السورية من الشعب المساعدة في دفع عملية تقدم البلاد إلى الأمام. طلبوا منا أن ننخرط أكثر في التحديات الاقتصادية والاجتماعية مضيفين أن التقدم لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مشاركتنا الفاعلة.
وهذا ببساطة أمر مثير للسخرية، فهذه اللفتة الخاصة بالعلاقات العامة تجاهلت بعض الحقائق الأساسية التي تقف خلف عدم مشاركة السوريين في الحياة العامة، والتي تفسر لماذا تعطل المجتمع المدني السوري ولماذا أصيب بالشلل... وكذلك لماذا علينا توخى الحذر في قراءة نوايا الحكومة.

منذ عشرة أعوام، وفي أعقاب وفاة الرئيس حافظ الأسد، اتخذت حركة (لم تعمر طويلاً) مبادرة شجاعة لإحياء المجتمع المدني في البلاد وعرفت باسم ربيع دمشق. وبعد عقود من حكم الحزب الواحد والمنهجية المتبعة في اسكات أي صوت معارض، اعتقدت مجموعة من المثقفين والناشطين في مجال الحقوق المدنية بأن اللحظة بدت مواتية لقيادة مسيرة سلمية نحو الديمقراطية... كانوا ينثرون البذور في الأرض القاحلة في محاولة للترويج لمفاهيم مشاركة المواطنين في صناعة القرار والحياة العامة بعد أن أصبحت هذه الأفكار غريبة كلياً على الأصعدة الاجتماعية والتربوية.

كانوا بصدد إنشاء منتديات لمناقشة تصور حقبة جديدة حيث الناس يمكنهم التكلم علناً. لقد كانوا يعملون تحت شروط صعبة جداً في مواجهة أجهزة مخابرات تخنق المجتمع، وقانون طوارئ يشرّع المحاكم المؤقتة والاعتقال لأجل غير مسمى... لكن سرعان ما تم سحق محاولتهم تلك. معظم هؤلاء الرواد هم اليوم بالسجن أو في المنفى أو هم غارقون بالصمت. وخلال عشر سنوات، تم حل معظم المنظمات غير الحكومية المستقلة، أو وضعت تحت رقابة مشددة.
وفي الوقت نفسه، يقول المسؤولون أن عدد المنظمات غير الحكومية العاملة في مختلف المجالات مثل الصحة والبيئة والتعليم ، قد ازدادت وبشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية! ربما هذا صحيح، ولكن أي نوع من المنظمات تلك التي يتحدثون عنها؟
غالبية هذه المجموعات هي جمعيات خيرية مع انتماءات دينية وذات أدوار لا تتخطى جمع التبرعات وتوزيعها على المحتاجين. بعضها يعمل في مجال القضايا الاجتماعية والبيئية لكن مع دعم واشراف من قبل زوجات مسؤولين رفيعي المستوى.

حقيقة أن النظام الآن يستهدف إظهار صورته كضامن للمجتمع المدني لم تأتي عن طريق الصدفة. ففي السنوات الأخيرة، كانت الحكومة تتجه نحو الانتفاح الاقتصادي للبلاد عبر لفظ 40 عاماً من الاشتراكية العسكرية وتتوجه نحو اقتصاد السوق الموجه. هذا يحتاج إلى اعتماد مجموعة من المفاهيم الغربية في مجالات الحكم المحلي والمشاركة المدنية، والتي من المفارقة أنها وصفت سابقاً ولوقت طويل بـ "الامبريالية والأفكار الاجنبية". لكن هذه الأمر لا يزال مقبولاً من السلطات طالما أنه لا يتخطى شرعية ومصالح طبقة البعث الحاكم.
عامل آخر يمكن أن يفسر الحماس المفاجئ لاحتضان المجتمع المدني وهو أن البلاد ستوقع عاجلاً أم آجلاً اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. وهذا الاتفاق من شأنه أن ينطوي بالضرورة على الحاجة للمنظمات غير الحكومية التي يمكن أن تتلقى الدعم والتمويل من الاتحاد الأوروبي. وإذا أردنا البقاء على مستوى المعالجة السطحية، فسيكون من الجلي أن فكرة المجتمع المدني كما تتصورها الحكومة السورية هي مجرد ذريعة.

اتحادات التجارة تخضع لرقابة شديدة من قبل السلطات. الاحزاب السياسية المستقلة والمجموعات المدنية لا يسمح لها بالوجود. النشاطات الشبابية غير مسموح بها باستثناء تلك التي تنال مباركة الرسميين. فهل من المتاح وجود منظمات غير حكومية نشطة حينما تكون الحقوق المدنية الاساسية والحريات العامة غير محترمة؟
ما هو بالضبط المجتمع المدني المثالي الذي يشير له المسؤولون السوريون؟
هذه هي الأسئلة التي يمكن للناس أن تفكر بها أو تتأمل بها في وسائل الاعلام أو وراء الأبواب المغلقة للمؤتمرات، لكن مفهوم المجتمع المدني يبقى غريبا عن الناس العاديين في سورية.


متدرب في معهد الحرب والسلم (مغفل الاسم)

المادة الاصلية في موقع معهد الحرب والسلم:الادعاء الزائف للنظام السوري حول المجتمع المدني !