على بساط الثلاثاء
61

( 1 )
سنطرح للحوار على بساط هذا الثلاثاء قضية ، لطالما كانت المواقف منها حادة إلى حد التصادم ، ولطالما كان ذلك المصطلح " المقاومة " موضع تنازع بين أطراف عدة ، هناك من يدعيه لنفسه احتكاراً ، وهناك من ينفيه عن الآخر جملة ، وتفصيلاً ، وامتد الاختلاف حول هذه القضية حتى شمل التعريف ذاته ، فمن هو " المقاوم " في الوطن العربي ..؟ ، وما هي هويته ..؟ .
وللحديث حول هذه القضية مناسبته ، فاليوم هو اليوم الأول من عام /2010 / ميلادية ، وهو يصادف الذكرى الـ45 لميلاد أم المقاومات العربية المعاصرة ، وأبوها " فتح " التي ولدت بدورها من رحم مقاومات عربية طردت جيوش الاحتلال الأجنبي من المحيط الذي كان هادراً إلى الخليج الذي كان حالماً بالثورة ، تلك الجيوش الغازية التي خلفتّ وراءها دولاً كيانية على أشلاء أمة مقسمّة ، وفي القلب منها مستوطنات صهيونية تحمل جنسيات دول النظام العالمي الذي كان جديداً في حينه ، وكان هذا كله كافياً لتحفيز مخاض ولادة مشروع للنهوض القومي العربي التقدمي التحرري ، في خمسينات القرن المنصرم الذي استولد من رحمه مشروع المقاومة " فتح " في منتصف عقد الستينات من القرن ذاته .. بعد أن انصرفت قوى عربية أخرى إلى محاولات انقلابية ، وحركات سياسية متعددة..
قد ينسب البعض هذا الكلام إلى ما يسمونه اللغة الخشبة ، التي فات زمانها .. ، وقد لا يتوقف الجيل العربي الجديد عند هذا الخطاب ، ليس لأنه لم يعاصر تلك الأيام ، وحسب ، ولكن لأن النتائج كانت كارثية بالنسبة إليه ، من حيث الواقع المعاش ، هزائم ، وخيبات يكتوي بلهيبها حاضراً مريراً ، ومستقبلاً مجهولاً ... لكن قبل ذلك كله ، وبعده ، لأن الأمة العربية لم تتمكن بعد من استئناف مسيرة النهوض ، والتنوير ، ليس للخروج من المحنة ، وحسب ، ولكن لإنصاف أجيال من المقاومين العرب شهداء ، وأحياء لم يبخلوا بالدماء ، والأرواح ، وإن كان افتقاد البوصلة قد عبث بالدماء ، والأرواح ، وبالأحياء أيضاً ... وبالتالي فإن التشويه لم يعبث بالحاضر فقط ، وإنما تم العبث بالتاريخ ، وطغى السلب على الإيجاب إلى حد تغييبه تماماً في محاولة للتيئيس ، والاستلاب ، والإحباط ..
( 2 )
لسنا هنا في وارد التأريخ للمقاومة المعاصرة في الوطن العربي ، فهذا حديث ذو شجون ، جلّ ما نأمل فيه هو أن تتواضع المقاومات الراهنة في الوطن العربي ، وتقبل الدعوة إلى الحوار ، والكلمة السواء حتى لا تهدر دماء الشهداء التي سفكت ، وتلك التي تنتظر ، كما سفحت دماء الشهداء خلال العقود المنصرمة على أوراق اتفاقيات ، ومعاهدات ، وصفقات لا تستحق قطرة دم واحدة للمساومة عليها ، وإن كانت ستضيف تكاليف جديدة من الدماء الذكية للتخلص من آثارها المدمرة .
نحن هنا ، ومن موقع التصادق ، والهم المشترك نأمل أن تصل هذه الرسالة إلى كل من يعنهم الأمر ، للتداعي إلى الكلمة السواء تفادياً لتكرار أخطاء ، وخطايا مرت على رؤوسنا جميعاً ، ذلك أننا نرى أن أزمات المقاومات الراهنة ، أو ما تبقى منها تكاد تكون تكراراً لأزمات أدت بالمقاومات السابقة عليها إلى ما أدت إليه ، والخطاب التبريري الراهن ، يكاد يكون هو ذاته ... !
إن العودة لذكرى ، وتداعيات ميلاد " فتح " لها ما يبررها هذه الأيام ، ذلك أن فهم ما يجري داخل " المقاومات الراهنة " في الوطن العربي ، وحولها يتوقف على فهم جذر المشكلات التي رافقت ولادة " فتح " ، وما تلاها من " مقاومات " حتى الآن .
لقد كان إعلان ميلاد " فتح " في اليوم الأول من عام 1965 حدثاً عربياً بامتياز ، ذلك أن المقاومة العربية في فلسطين التي شارك فيها مغاربة الوطن ومشرقييه عبر رموز لا مجال لحصرها الآن دخلت فلسطين لمقاومة الغزو الصهيوني من عز الدين القسام ، إلى فوزي القاوقجي ، إلى عزيز علي المصري ، إلى مجموعات فدائية تحت مسميات مختلفة من كتاب الفداء العربي ، إلى جيش الإنقاذ ، وإلى آخرهم ، أولئك الفدائيين العرب تفاعلوا مع المقاومين على أرض الواقع العربي في فلسطين عبر رموز فدائية لا يمكن حصرها أيضاً من أمين الحسيني وإلى قائمة طويلة من الفدائيين ، تلك المقاومة العربية على تنوعها ، والتي أشهرت السلاح في النصف الأول من القرن العشرين ، تم سحب البساط من تحت أقدامها ليس على يد الصهاينة ، وإنما على يد النظام الإقليمي العربي الذي أنتجته معاهدات سايكس بيكو ، وسان ريمو ، ومالطا ، ويالطا وإلى آخرها ، حيث دخلت تلك الجيوش "العربية" لترسم حدود ما عرف بعد ذلك بـ " دولة إسرائيل " .
ميلاد " فتح " عام 1965 بالنسبة لمشروع التحرير ، والنهوض العربي كان يعني استعادة للراية من أياد تلوثت بالصفقات ، والمساومات ، والخيانات ، والعجز .. ، وكان المعيار الذي سيحكم على تلك الخطوة نجاحاً ، أو فشلاً يتمثل في موقع الراية ، وهويتها ، وليس بمجرد انتزاعها .
( 3 )
لم تمهل الأحداث "حركة فتح" طويلاً ، فبعد عامين ونصف على إعلان ميلادها حدث زلزال الخامس من حزيران " يونيه " 1967 حيث تأكد المؤكد ، بهزيمة جيوش النظام الإقليمي العربي ، هزيمة مذلة ، وبالتالي فإن الأنظار العربية اتجهت نهائياً إلى المقاومة علهّا تبلسّم الكرامة العربية المجروحة ، وتنافس الجميع على تلك الساحة ، فلم تعد " فتح " وحيدة ، وبدأ التنافس داخل ساحة المقاومة ، وعليها ، حركة القوميين العرب أفرزت الجبهة الشعبية التي توالدت جبهة ديمقراطية وجبهة فلسطينية ، وقيادة عامة , و... ، وحزب البعث العربي الاشتراكي أفرز الصاعقة من دمشق ، وجبهة التحرير العربية من بغداد ، وهكذا ... , ومنظمات أخرى حملت هويات ناصرية ، وهويات شتى ...، ومنظمة تحرير فلسطين تم أقملتها إلى "منظمة التحرير الفلسطينية" .
ما يعنينا ، هنا ، أن المشهد في أواخر الستينات من القرن المنصرم يكاد يكون متطابقاً مع المشهد الحالي مع تغير الأسماء ، مقاومين ، وداعمين ، ومناهضين ، كان الحوار داخل المقاومة ، ومن حولها يدور حول هوية المقاومة ، هل هي عربية ، أم فلسطينية ؟ أم فلسطينية في إطار عربي ، أو غير عربي ، ثم ما هو موقع المقاومة ، وما هو الموقف منها ؟ هل يجب أن نساهم في تحديد هويتها ، ومسارها ..؟ ، أم هل يجب أن نلتحق بها ، كما هي ؟ وكانت التبريرات للمواقف الإقليمية جاهزة ، فالصهاينة يسعون للقضاء على "الهوية الفلسطينية" ، وبالتالي "فلسطنة" المقاومة مبررة ، وهذا يروق للأنظمة "العربية" التي تريد أن تلعب بالمقاومة كورقة ، وبالتالي فإن السعي إلى "القرار الفلسطيني المستقل" مبرر ، طالما أن الأنظمة العربية وافقت جميعها على عملية السلام مع "إسرائيل" ، وهذا يبرر أن تنخرط " المقاومة " في تلك العملية ، وأن لا تترك " عملية السلام " تجري من وراء ظهرها ...، وبما أن المقاومة لا يمكن أن تقوم إلا بالاستناد على تحالفات تمدها بالمال ، والسلاح ، فإن هذا يبرر لها تحالفات مع قوى ، وأنظمة تضطهد ، وتستبد بالشعب العربي ، ولو كانت تسعى للتسوية مع " إسرائيل " ..، وهكذا انحدر الخط التنازلي لمطالب المقاومة من تحرير فلسطين من البحر إلى النهر ، إلى "دولة ديمقراطية تضم الإسرائيليين والفلسطينيين " ، ثم إلى " سلطة " في الضفة وغزة إلى جانب "دولة إسرائيل" ، ثم إلى دولة في غزة ..والمناقصة مازالت مستمرة ...
لقد اختلفت المواقف في حينه ، هناك من قرر الالتحاق " بالمقاومة " كما هي ، وكان له مبرراته ، فالمعركة مع الصهيونية دائرة ، ولا تحتمل التفلسف ، والتنظير ، وهناك فريق آخر رأى أن " المقاومة " تتجه إلى الطريق المسدود ، وبالتالي فإن من الملح إنقاذ " المقاومة " من نفسها ، قبل فوات الأوان ، وكان لهذا الفريق مبرراته أيضاً .
دعونا هنا نقرأ بإمعان هذه الفقرة من رسالة وجهها عصمت سيف الدولة إلى الشباب العربي بعد مرور عامين على الخامس من حزيران " يونيه "1967 قال :
" أيها الشباب العربي لا تهربوا من مسؤولياتكم ... إن القادرين على النصر مسؤولون عن الهزيمة ، فأنتم المسؤولون ، وأن تخذلوا أمتكم بدلاً من أن تنصروها ، فلن يجديكم شيئاً أن تتهموا العاجزين عن النصر ، أو المخربين ، إنكم لستم أول أمة خاضت معارك التحرير ، إن وحدة العدو ، ووحدة الساحة ، ووحدة المرحلة تفرض عليكم أن تكونوا جبهة واحدة مع كل الذين يقاتلون ، والذين يقاتلون فعلاً فئتان مفرزتان عقيدة ، وغاية ، فلا تختلطان ، انتم القوى القومية التي تخوض في الأرض المحتلة معركة التحرر العربي في سبيل الوحدة ، والقوى الإقليمية التي تخوض المعركة من أجل إزالة آثار العدوان ، أو من أجل تحرير فلسطين ، ثم لا يزيدون ، أولئك حلفاء المرحلة رضيتم ، أم أبيتم ، وإن أبيتم فإنكم لا تخذلون سوى أمتكم ، ولا تعزلون سوى قوتكم ، ولن تجديكم عزلتكم فتيلاً ، والحلف غير الوحدة فلا يجديكم في المعركة شيئاً أن تطلبوا وحدة المقاومة مضموناً ، وتنظيماً ، تلك وحدة تنطوي على أسباب الفرقة ، فلم تلبث حتى تمزق الصفوف كرة أخرى ، إنما هي الجبهة العربية الموحدة ، بين القوى القومية ، والقوى الفلسطينية المقاتلة ، كذلك فعل كل الذين أحرزوا من قبلكم النصر في معارك التحرير ..."
هكذا ناشد عصمت سيف الدولة الشباب القومي العربي أن ينخرط في المعركة ، وأن لا ينتظر قيام التنظيم القومي ، بل ، ومن خلال التحام القوميين العرب المقاتلين في المقاومة ، يتم تشكيل في كل مكان من الوطن العربي " كتائب الأنصار " ، لتكون القواعد الجماهيرية العربية حاضنة للمقاومة تحمي ظهرها ، وتؤمن في البداية ، ودائماً ، وحتى النهاية سمتها القومية ، وتكون المقاومة العربية هي القبضة الضاربة لتلك الجماهير ، وليكن شعار المرحلة : التنظيم من أجل التحرير ، والتحرير من أجل الوحدة .
لقد أراد عصمت سيف الدولة من ذلك أن تمول المقاومة العربية نفسها ذاتياً من خلال قاعدتها الجماهيرية بشرياً ، ومادياً ، وذلك لحل مشكلة الإرتهان لأي قرار إقليمي ، أو دولي ، ذلك أنه كان قد شخص الواقع في ساحة المقاومة كما يلي :
" في الساحة منظمات تابعة لبعض الدول الإقليمية حيث امتدت أصابع الدول الإقليمية في شكل منظمات ترتدي ملابس الفدائيين على أجساد الموظفين ، والموظفون ملتزمون بأن يقولوا ، ويفعلوا ، أو أن يكفوا عن القول ، والفعل طبقاً لما تقرر حكوماتهم ، أليس غريباً أن دولاً لها حكومات ، وجيوش ، وقادة ، وأموال ولها جبهات مشتركة مع العدو ، أو أن الجبهات المشتركة مفتوحة لها إن أرادت تستغل إخلاص بعض الشباب المناضلين ، وحاجتهم إل ما عندها من مال وسلاح لتفرض عليهم أن يكونوا ممثلين لها في ساحة النضال الجماهيري المسلح في الوقت الذي تعفي قواتها المسلحة من عناء القتال ، ويحتفظ البعض بها " شرطة " لحراسة مقاعد الحكم ؟ ، قد يسأل البعض وما الضرر ما دامنت الحصيلة أن شباباً قد وجدوا عدة القتال في الساحة ؟ ، الضرر أن هؤلاء الشباب سيجدون أنفسهم أرادوا أو لم يريدوا منفذين إرادة الدول التي ربطتهم إليها بالمال ، والعتاد ، وتولت قيادتهم من بعيد عن ساحة المعركة ، الضرر أنهم سوف يضربون متى أرادت ، ويكفون عن القتال متى شاءت ، سواء اقتضت ظروف المعركة هذا ، أم لم تقتضيه ، الضرر أن فصائل من الشباب المناضلين سيتحركون في ساحة القتال الخطير في مسالك ترسمها لهم الدول الإقليمية فإذا هم فصائل متعارضة ، متناقضة ، متصادمة ، وإذا بالتجزئة الإقليمية التي فتكت بوحدة الجماهير العربية تنتقل بكل سلبياتها المخربة إلى صفوف المقاومة لتفتتك بوحدة المقاتلين .." ، "6 حزيران " يونيه " 1969".
( 4 )
بعد عام من تلك الرسالة التي وجهها عصمت سيف الدولة إلى الشباب العربي للالتحام بالمقاومة ، لكن في إطار المشروع القومي العربي التقدمي ، أصدر مفكر عربي آخر هو ناجي علوش كتاباً تحت عنوان " الثورة الفلسطينية أبعادها وقضاياها " صدر ضمن "سلسلة المفكر العربي عن دار الطليعة في بيروت" وجه فيه انتقاداً حاداً لما قاله عصمت سيف الدولة .
قال ناجي علوش : ( إذا كان الدكتور عصمت سيف الدولة يطرح فكرة " كتائب أنصار المعركة " فلا شك بأن تطور المعركة مع الصهيونية سيدفع قطاعات أوسع فأوسع من الجماهير العربية لدخول المعركة من أبوابها المختلفة ... ) ، وأضاف السيد علوش : ( إن الثورة الفلسطينية لم تحدد برنامجها القومي حتى الآن ، كتابة .. إن هذا القصور ليس ناتجاً عن أن الثورة الفلسطينية ، إقليمية ، ولكنه ناتج عن أن بين الثورة الفلسطينية والجماهير العربية حواجز ، وسدوداً ، لم يكن بإمكانها أن تجتازها مرة واحدة ، ولا في سنة واحدة ، ولكن الثورة الفلسطينية تتخطى هذه الحواجز والسدود واحداً ، فواحداً .. وما أظن الوقت الذي تعلن فيه برنامجها القومي بعيداً ، هل يدرك المثقفون العرب هذه الحقيقة ؟ .. إن الكثيرين منهم مازالوا يرفضون إدراكها لا ، لأنهم يواجهون مشكلة معقدة ، ولكن ، لأنهم يناقشون القضايا مناقشة سطحية ، وسفسطائية ، ويطلقون الأحكام جزافاً .. إن الفرق بين الدكتور عصمت سيف الدولة مثلاً ، وبين رؤوف نظمي ، وكلاهما مثقف ، وكلاهما من الجمهورية العربية المتحدة ، هو أن الدكتور رؤوف نظمي انضم إلى قواعد المقاتلين ليخدمهم بكل ما يملك ، وليساعد الثورة على البقاء ، والنمو ، والتقدم ، وهو من داخل صفوف الثورة ينتقد ، ويوجه ، ولكنه يعرف أن مهمته الأساسية هي أن يساهم في تثبيت وجود الثورة ، وتنميتها ، وتطويرها ...أما الدكتور عصمت سيف الدولة فقد اختار أن يبدأ من خارج الثورة لماذا ؟ لأن الثورة إقليمية ، وهو قومي ، والقومي لا يساهم في ثورة إقليمية على الرغم من أنه يعترف بأن الثورة الإقليمية هي وحدها التي ستخلص لقضية التحرير حتى النهاية ، ومع ذلك فهو يعلن للجمهور واثقاً ، ومؤكداً ، بأن المقاومة الإقليمية لن تنتصر ، لأن الذي سينتصر هو نفيها ، أو نقيضها القومي ، ويلذ للدكتور عصمت سيف الدولة أن يؤكد على الصفة الإقليمية للثورة الفلسطينية ، لأنه قومي ، والقومي بالطبع ضد الإقليمية ، ولكنه يعلم ان التركيز على الإقليمية صفة للثورة ، والتركيز على نقدها ، لا يخدم الثورة حتى لو ارتبط بالتأكيد على دعمها ، لأن التأكيد على الإقليمية صفة للثورة لا يطرح قضية تطويرها ، بل يطرح قضية إيجاد بديل قومي لها .. ولقد وقع الدكتور عصمت سيف الدولة في الشرك ... نسي عصمت سيف الدولة أن القوى المضادة التي تريد أن تطعن الثورة يهمها ان تطعنها في المقاتل لتشوهها ، في نظر جماهيرها .. ) ،( حزيران – يونيه 1970 ) .
( 5 )
لن أعلق بكلمة واحدة على ما قاله عصمت سيف الدولة ، ولا على الردود التي جاءت على لسان ناجي علوش ، ولكنني أردت من هذا العرض الموجز لموقف رجلين لاشك في إخلاصهما لفكرة المقاومة ، ولفكرة القومية العربية ، معاً ، كل من منهجه ، أن يطل الجيل العربي الجديد على تلك المرحلة التاريخية من الواقع المعاش هذه الأيام ، هل المقاومات الراهنة في الواقع العربي تتعّزز ، وتقوى ، وتتطور ، بالحوار ، والنقد ، وتصحيح المسار ، أم بالالتحاق بها ، واعتبار أي نقد لها يخدم القوى المعادية ، والصهيونية ، والإمبريالية ...؟ ، سأترك الجواب للأخ "أبو إبراهيم" الأستاذ ناجي علوش ذاته ، الذي أعاد طبع الكتاب ذاته " الثورة الفلسطينية أبعادها وقضاياها " في "طبعة ثانية" ، وكتب هو ذاته مقدمة "الطبعة الثانية" التي صدرت في أيلول – سبتمبر 1978 ، أي بعد ثمانية سنوات فقط من "الطبعة الأولى" ، كان خلالها ناجي علوش يكتوي بنيران التجربة المرة من داخل الثورة الفلسطينية ، في الوقت الذي كان فيه عصمت سيف الدولة يواصل رفع الصوت للمقاومة الفلسطينية ، ويحذرهم : " أنتم تتقدمون ، ولكن على الطريق المسدود " ويكتوي في الوقت ذاته بنيران الإقليمية ليس في فلسطين ، وحسب ، وإنما في مصر أيضاً ... فماذا قال الأستاذ ناجي علوش في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه المشار إليه ...؟ ، قال ، وبالحرف الواحد مراجعاً نفسه ، وهو من القلائل الذين امتلكوا الشجاعة ليقول كلمة الحق ، ولو كانت على نفسه ، قال ناجي علوش ، بالحرف : (إن هناك قضايا عدة جاءت في هذا الكتاب "الطبعة الأولى" ، وهي بحاجة إلى بحث ، ومناقشة ، من هذه القضايا ما يتعلق بالمصطلحات ، والمفاهيم ، ومنها ما يتعلق بالتحليل ، والمواقف ، وسأورد هنا بعضها ... رؤوف نظمي ، وعصمت سيف الدولة ... كنت قد أقمت مقارنة بين رؤوف نظمي ، وعصمت سيف الدولة الأول ماركسي جاء ، وانضم إلى صفوف الثورة ، والثاني اتهم الثورة بالإقليمية وطالب بتكوين كتائب عربية تعطي الثورة قوميتها ، اعتبرت موقف الأول صحيحاً ، والثاني سلبياً ، ولقد أثبتت الأحداث ، أن رؤوف نظمي الماركسي ، الممارس جاء لخدمة اليمين الفلسطيني ، اعطى الأولوية المطلقة للممارسة ، على النظرية ، ووضع القوانين النظرية الثورية في خدمته ... ، أما عصمت سيف الدولة ، فقد ظل يدافع عن أفكاره عن الثورة العربية ، والوحدة ، والديمقراطية ، ولم ينظرّ للسادات أو للنظام السعودي ، إن هذه التجربة تعلمّنا أن الممارسة وحدها لا تكفي وأن الممارسة الفردية التي لا يحكمها منهج ، ولا برنامج لا تؤدي إلى شيء ، وأن .... " الأفاقين الثوريين " يلعبون أدوراً تخريبية ، أما بالنسبة لفكرة عصمت سيف الدولة ، فقد كنت أنا من مؤيديها ، وطرحتها في مجلة " الثورة الفلسطينية " أوائل سنة 1969 كما طرحت بديلاً لها في كتابي هذا .. قلت : إن المشاركة العربية الفعالة ، والمنظمة ، هي التي تحول الثورة الفلسطينية إلى ثورة عربية ، وذكرت العوامل التي تحكم ذلك ... ، لقد قسوت على عصمت سيف الدولة آنذاك ، لأنني أردت أن يكون المناضلون إيجابيين ، وأن ينغمسوا في المعركة ، ولذلك أبرزت دور رؤوف نظمي ، وقد سقط رؤوف نظمي ، فيما بعد .. ولكن الفكرة التي أردت إعطاءها آنذاك مازالت قائمة ، وهي عندما تتحرك الجماهير ، هل ننغمس في نضالها ، أو نجلس منظرين لثورة مثالية ؟ ، هذه هي القضية ، أنا مع الانغماس في الثورة ، والتفكير داخلها ، وقد يدخلها أفاقون ، وسقط ، وحتى جواسيس لن يلبثوا أن ينكشفوا ...) "أيلول – سبتمبر 1978" .
( 6 )
في العام ذاته 1978 سرّب "برونو كرايسكي" مستشار النمسا ، أن بلاده تقوم بدور الوسيط بين " دولة إسرائيل " ، و"منظمة التحرير الفلسطينية" ، وأن الأخ أبو عمار أكد له أن منظمة التحرير الفلسطينية على استعداد للاعتراف " بدولة اسرائيل " مقابل " عملية سلام " تؤدي إلى " دولة فلسطينية " إلى جانب " دولة اسرائيل " .
كان الخبر في حينه صاعقاً ، ويصعب تصديقه ، حضر الدكتور عصمت سيف الدولة إلى دمشق ، حيث اصطحبه الأخ هاني الحسن ( أبو طارق ) إلى بيروت ، اجتمع مع قيادة المنظمة برئاسة أبو عمار ، وقد تعمّد الدكتور عصمت سيف الدولة أن يكون الحوار مع أبو عمار بحضور جميع " الأبوات " الذين ذهب أغلبهم شهداء ، الآن .. قال عصمت سيف الدولة : هل صحيح ياأبو عمار أنك ستعترف " بدولة إسرائيل " تحت أي ظرف ، أو مبرر .
قال : لا .. يا أخ "أبو محمد" لن يحصل هذا ، أبداً .
- إذاً ، ما هذا الذي قاله كرايسكي .. ؟
* كذب ... ، يا "أبو فلان" ... أنزل إلى الأرشيف ، وأحضر للأخ أبو محمد التكذيب الذي نشرناه في الصحيفة ذاتها التي نشرت تصريح كرايسكي .
في المساء عاد الدكتور عصمت سيف الدولة إلى دمشق ، قلت ، ما الأخبار ؟ قال لي : عدت بهذا ، ودفع إلي ورقة في وسطها خبر صغير يتضمن ، أن مصدر رسمي باسم منظمة التحرير الفلسطينية نفى ما جاء على لسان برونو كرايسكي ، لم ننام يومها ، فقد كان من المؤكد بالنسبة إلينا أن " المنظمة " ستضطر لذلك حصاراً ، أو إرغاماً ، أو عجزاً ، لأن النظام الإقليمي العربي الذي أقام " دولة إسرائيل " أولاً يريد أن يشهر علاقته بها أخيراً .. وأن يلقي عن كاهله مسؤولية القضية الفلسطينية ، فطالما أن "منظمة التحرير الفلسطينية" تسعى إلى الحصول على "القرار الفلسطيني المستقل" ، فإن النظام الإقليمي "العربي" ، يريد أخيراً أن يمنحها هذا الشرف ، " بالقرار المستقل " ، لتعترف " بدولة إسرائيل " ، أولاً ، حتى يكون اعترافه بها بعد ذلك ، تحصيل حاصل ...
( 7 )
عام 1982 كان عاماً حاسماً ، فقد دخلت "إسرائيل" بيروت ، وكانت فرصة تاريخية ذلك ان "إسرائيل" لم تدخل لبنان " الدولة " فقط ، وإنما بات "الجيش الإسرائيلي" بين يدي المقاومة اللبنانية ، والمقاومة الفلسطينية ، والآلاف من الشباب العربي من كافة الأقطار الذين التحقوا بالمقاومات الفلسطينية ، واللبنانية في حينه ، وكان الحلم ، أن ذلك سيفرض ، أن تنتقل المقاومة من مرحلتها الفلسطينية ، واللبنانية ، إلى مرحلتها العربية ، لكن الواقع الموضوعي في الأمة العربية ، والواقع الذاتي للمقاومات ، كان أبعد ما يكون عن اقتناص الفرص التاريخية ، فقد كان المشروع القومي العربي الهضوي التنويري التحرري ينحدر بتسارع مخيف إلى الكارثة بفعل تفتت بنيته ، وفقدان السمت الصحيح إلى الأهداف الكبيرة التي أكسبته الشعبية الكاسحة ، أولاً ، أما المقاومات ، لبنانية ، وفلسطينية فقد كانت تعاني من انعكاس ذلك الواقع الموضوعي على حركتها ، وبالتالي فهي محاصرة من الجهات الثلاث ، الواقع العربي الموضوعي المتردي ، والأزمات الذاتية ، والعدو الصهيوني ، الذي يدق أبواب بيروت .. وكانت النتيجة أن ألقي بالمقاومة الفلسطينية ، ومن التحق بها من العرب ، إلى البحر ، وقد توزعت على ثلاث قوافل بحرية ، الأولى باتجاه تونس ، والثانية باتجاه طرطوس ، والثالثة باتجاه الحديّدة .. ورغم انه قيل يومها أن الذين تم إلقائهم في البحر ، هم المقاومين الفلسطينيين ، أو من تبقى منهم ، فإن تلك اللحظة المأساوية شهدت أن جميع أولئك العرب الذين كانوا قد التحقوا بالمقاومة في لبنان كان عليهم أن يخوضوا البحر مع القوى التي كانوا قد التحقوا بها على البر اللبناني .
ترتب على ذلك مواقف ، ومسارات أدت إلى ما أدت إليه ، فيما بعد ، نتوقف عند بعض المحطات .
أولاً – على صعيد ما تبقى من المقاومين في لبنان ، كان عليهم أن يواجهوا مصيرهم ، "بعد أن غادر الحلفاء" ، بمواجهة الجيش الصهيوني الذي اقتحم عاصمتهم ، وبالفعل بدأت بوادر مقاومات فردية ، أولاً ، ثم توسعت ... شارك فيها مقاومون من مختلف الطوائف ، والمذاهب ، ثم ، ومن قوى سياسية مختلفة ، أجبرت العدو الصهيوني على إعادة الحساب ، ووضع الخطط للهروب من الشعب العربي في لبنان ، المتحرر من قيود أجهزة دولة إقليمية ، تقيّد حركته ، وتمنع مقاومته ، لكن الفراغ الذي خلفهّ انحسار المشروع القومي العربي ، التحرري ، وانهيار البني الحزبية للأحزاب السياسية في لبنان ، إضافة إلى الوضع الإقليمي العربي ، وغير العربي ، المحيط ، ترافق مع انتعاش قوى طائفية ، ومذهبية ، ودينية ، لسد الفراغ .. وأنتج ، فيما بعد ، ما أطلقنا عليه " مقاومات الأمر الواقع " ، فعوضاً من انتقال المقاومة إلى المرحلة القومية العربية ، انتكست إلى مرحلة مادون الإقليمية ....
ثانياً – على صعيد المقاومات الفلسطينية تداعت إلى مجلس وطني في الجزائر للإجابة على السؤال : هل تعترف منظمة التحرير الفلسطينية "بإسرائيل" ..؟ ، أم آن الأوان للتخلص من الأساليب الإقليمية الفاشلة ..؟ ، وكان الخيار الأول أكثر واقعية بالنسبة للبعض تحت إدعاء أنه لا بدائل في واقع عربي مترد ، وظروف دولية معقدة ... وكان السؤال عن البديل يطرح بصيغة تعجيزية ، وكأنه لا بديل ..!! فتوجه عصمت سيف الدولة إلى المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية في الجزائر ، وطرح عليهم "البديل" ، ودعاهم للحوار قال لهم : ( نعم ، هناك بديل ، لابد أن تكون معارك بيروت قد أقنعت منظمة التحرير الفلسطينية بجدواه بعد تردد طويل ) مذكراً بما كان قد كتبه للمنظمة في كانون الثاني – يناير 1975 عندما قال : ( إن الثورة الفلسطينية قد اقتربت – وهي تتقدم – من نهاية المطاف ، وعليها أن تتمرد على ذاتها لتكون قابلة للالتحام العضوي مع القوى القومية التقدمية إيذاناً بمولد الثورة العربية ) ، وأضاف : (بكل الإخلاص الصادق الذي لا نملك غيره – الآن – نقول أن مرحلة " الثورة الفلسطينية " قد أوشكت على نهايتها ، وحققت أقصى ما تسمح به طاقتها ، وظروفها الإقليمية ، وعليها أن تعّد نفسها من الآن ، لتكون جزءاً عضوياً من متطلبات المرحلة المقبلة : الثورة العربية .. إن مسؤولية هذا الميلاد التاريخي لا تقع على الثورة الفلسطينية وحدها ، وإن كانت تتحمل قدراً كبيراً من المسؤولية عنه ، اما باقي المسؤولية فيقع على أولئك الذين يطيب لنا الحديث عنهم تحت عنوان "القوى القومية التقدمية" .. فإن كانت الإقليمية داخل المقاومة الفلسطينية ، وخارجها قد حالت دون ان تتطور الثورة الفلسطينية ، إلى ثورة عربية بإقامة حواجز بينها ، وبين الجماهير العربية العريضة .. فها هي معارك بيروت قد ألقت بالثورة الفلسطينية في محيط الجماهير العربية بعيداً عن الحصر الإقليمي .. هاهي قد أعادتها عنوة إلى رحم أمتها العربية ، لتولد من جديد ، ثورة عربية ، وهي قادرة الآن على أن تتطهر من جراثيم الإقليمية داخلها ، وهوام الإقليمية خارجها ، وهذا بديل ، أكثر البدائل حسماً في معركة تحرير فلسطين ..."
فانقسم المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وتقاتل المنتفضين مع المنتفض عليهم ... وانتهى الأمر إلى مدريد ، ثم أوسلو ، ثم...
ثالثاً – القافلة البحرية من المقاومين ، والتي نزلت ميناء طرطوس حملت معها العديد من الأخوة ، والأصدقاء ، والمناضلين العرب ، الذين كانوا قد التحقوا بالمقاومة ، وانخرطوا في صفوفها ... منهم من غادر على الفور ، ومنهم من استقر لفترة زمنية ... أحد هؤلاء الأخوة من "الإقليم الجنوبي" ، اتصل بي في منتصف ليلة باردة من أواخر عام 1982 ، وقال أنه مضطر للقاء بي ، في الحال ، وأغلق الهاتف .. بعد برهة قصيرة ، كان على باب البيت ، وبرفقته ثلاثة من الشباب يرتدون ثياباً سوداء ، ويطلقون لحى كثيفة ، وبينما كنت أمد يدي للترحيب بهم ، كان صديقي يعرفني بهم : الأخ أبو حسين ، الأخ أبو الباقر ، الأخ أبو رضوان ..
أكمل صديقي التعريف ، بعد أن جلسنا ، قال : أن الشباب كانوا رفاق نضال له ،عندما كان في بيروت ، وكانوا معاً في فصيل ، من فصائل الحركة الوطنية في لبنان ، وأن الشباب حضروا من لبنان ، للقاء بي ، فبادر واحد من الشباب إلى الحديث قائلاً : إننا نعرفك من خلال كتابك " السقوط الأخير للإقليميين في الوطن العربي " ونتفق مع الكثير من الأفكار الواردة فيه ، وأننا بعد خروج " المقاومة الفلسطينية " قررنا تشكيل مقاومة مركزها جنوب لبنان ، لطرد العد الصهيوني ، وأن لدينا رغبة ، وحاجة أن تكون بيننا ، وأننا حضرنا فعلاً لاصطحابك .. ، ونرجو أن لاتخيّب أملنا ....
كان الجو ثقيلاً ، ورائحة الدماء من مجاذر صبرا وشاتيلا تعبق في سمائنا ، وتلك الدعوة التي يحملها هؤلاء الفدائيين قد تكون مخرجاً من الأزمة الذاتية ، على الأقل ، والداعون إليها يبدون في منتهى الجدية ، والمصداقية .. ودار حوار طويل ، لا تتسع له هذه العجالة ، كان لابد من الاستفسار ، من قبلي ، وكانت المصارحة من قبلهم بدون تحفظ ، فالمقاومة الوليدة هي " حزب الله " والظروف الموضوعية تقتضي تركيبة معينة ، تحددها الطبيعة الديموغرافية في جنوب لبنان ، والحاجة إلى المدد بالمال ، والسلاح تحتمّ علاقات بعينها مع . .. ، وأن العدو الصهيوني في البيت ، ومواجهته لا تحتمل التأجيل ، والتنظير ..
كان لابد أن يكون جوابي بذات الصراحة ، والتصادق ، باختصار شديد شرحت وجهة نظري ، وقدمت للأخوة قراءة عن التجارب المرة مع المقاومة لتحرير فلسطين ، وكيف فتكت جرثومة الإقليمية بنا ، وبالمقاومة معاً .. وأنني أرى أنه قد آن الأوان للانتقال إلى المقاومة العربية ، وليس الانحدار إلى ما هو أدنى من الإقليمية ، إلى المذهبية ، كنت اتمنى أن أرى بينكم عمر ، وجورج ، ومعروف . على الأقل .. خاصة وأن العدو الصهيوني لا يستثني بيتاً واحداً في لبنان من العدوان عليه ، وأن المقاومين ، والشهداء يتسابقون لمواجهته ، الآن ، من سائر فئات الشعب ، وطوائفه ، ومذاهبه ، فلماذا تريدون حصر المقاومة ، وحصارها في مذهب معين ؟؟ ... إنني أشكركم على ثقتكم ، وأتشرف بهذه الدعوة .. لكن الأسباب ذاتها التي ابتعدت بالمقاومة الفلسطينية عن حاضنتها القومية العربية ، وجعلت منها هدفاً سهلاً للعدو .. أراها ، للأسف ، ترافق ولادة ما تدعون إليه ، لهذا فإني أرجوكم إعادة النظر ، لبناء مقاومة ، هويتها ، هي بالذات هوية الأمة العربية ، عند ذلك ، وعند ذلك فقط ، سنكون معاً ، وسأكون على استعداد لمرافقتكم على الفور ... تشعب الحديث ، وطال ، وكان الواقع المتردي يمد الأخوة بالكثير من الحجج ، والأدلة على ما يعتقدونه من صوابية موقفهم .. ، واستمر الحوار إلى أن أنطلق آذان الفجر .. فنهض الشباب للصلاة .. وغادروا على أمل العودة لاستكمال الحوار ... لكن تلك العودة ، للأسف ، لم تتم ..!!!
( 8 )
رابعاًً : بتاريخ 14 كانون الأول – ديسمبر 1992 انعقد في بيروت المؤتمر العالمي الرابع لدعم " الانتفاضة الإسلامية في فلسطين " ، ورغم أن الانتفاضة حينها كانت شاملة عرب فلسطين بتوجهاتهم السياسية ، وأديانهم ، وبالتالي لا مبرر لحصر تسميتها بتيار إسلامي معين ، فإنني لبيّت الدعوة ، وكان حضور حزب الله ، وحماس طاغياً ، يومها ، للمرة الأولى التقيت بالأخ حسن نصر الله ، وأهديته كتابي " الدولة القومية شرعية الأسا س مشروعية التأسيس " ، وكان الإهداء لمقاوم عربي ... ، وقد استمعت من عمائم متنوعة من حيث الألوان ، والتشكيل ، إلى نعي للتيار القومي العربي ، وتردد التساؤل أكثر من مرة : أين هم أولئك القوميون العرب ؟ يومها قدمت مداخلة ، قلت فيها : ( إن الذين يتنادون لدعم الانتفاضة في فلسطين يجدون أنفسهم لو تبصروا واقعهم أنهم أولى بالدعم ليرتقوا إلى مستوى الانتفاضة في فلسطين ، أو إلى مستوى قريب منها ، فيتنكبّون مسؤولياتهم التاريخية لتوسيع دائرة الانتفاضة كي تشمل وطن العرب بأكمله ، بل وأوطان الشعوب المقهورة في هذا العالم أيضاً ، ويحاصروا مراكز العدو ، وقواعده ، واحتكاراته ، ومصالحه فبذلك ، وبذلك فقط يتم فك الحصار عن الانتفاضة في فلسطين .. إن القاعدة الصهيونية في فلسطين ليست إلا قاعدة إنذار مبكر لقوى الهيمنة الدولية في قلب الوطن العربي مهمتها الأساسية صيانة ، وتقديم قطع الغيار لتلك الكيانات الإقليمية التي تحتل أرض الوطن العربي ، وتزرع الاستبداد ، والتعسف ، والطغيان في كل مكان ، وتؤمّن لقوى الهيمنة الدولية طرق النهب ، والاستهلاك بالطرق المناسبة من جهة ، وتسهر على شل مقدرة الأمة العربية من جهة أخرى لأن السيطرة على الوطن العربي تعني أن ما يليه شرقاً في آسيا ، وما يليه جنوباً في أفريقيا أصبح تحت السيطرة ، والتحكم ... لقد كان أولى بتلك الحجارة التي تدمي رؤوس العدو الصهيوني في فلسطين أن تحّفذ عقولنا ، وإراداتنا لإبداع أساليب ، وتحرير إمكانيات ، وتحريك أدوات قادرة على تهديد مباشر ، لقواعد ، ومراكز ، وقوى دول الهيمنة الاستعمارية المنتشرة في الوطن العربي ، ليس بهدف فك الحصار عن الانتفاضة في فلسطين ، ولكن لفك الحصار عن إرادتنا ...، لقد كان الاجتهاد في الإسلام عامل تطور ، وتقدم ، وتعامل حي مع الظروف البشرية المتغيرة ، تحّمل عن طريقة أجدادنا الأوائل مهام حمل الرسالة ، والإجابة على الأسئلة المستحدثة ، والإشكالات المتجددة ، بعد انقطاع الوحي ، ووفاة خاتم النبيين ، لكن الفتنة ، وما تبعها ، وما ترتب عليها ، من ظلم ، وجور ، واستبداد ، واقتتال ، وتفرقة ، وفتك ، وخوف حتى أضحت الكلمة تساوي الحياة ذاتها ، تلك الفتنة ، وضعت حدوداً فاصلة بين أصحاب تلك المذاهب ، فتعمق الافتراق ، والاغتراب ، وتحّول حملة بعض تلك المذاهب إلى جماعات خائفة ، أو مخيفة ، قاتلة ، أو مقتولة ، وأدى هذا بدوره إلى الثأر ، والثأر المضاد ..ولست أنا الآن ، هنا ، بصدد البحث عن الحق والباطل في كل ما جرى ، فالحق بيّن ، والباطل كذلك ، وعلى الحق أناس من المذاهب كافة ، ومع الباطل كذلك .. ، البحث هنا محصور ، بنتائج تلك الفتنة ، فقد سالت دماء غزيرة .. وقد ترتب على ذلك كله خطاب قطعي حاسم ، كل طرف ينسب إلى نفسه الإسلام ، ويحجز الجنة لصالحه ، بحيث لا مكان للآخرين فيها .. لقد مر على الفتنة حوالي ألف وأربعمائة عام ، وأدت إلى الكوارث التي تعرفون ، وتعيشون ، فهل خطر ببال أحد منكم أن يضع حداً حاسماً لها ..؟ ، إنني لا أدعو إلى التسوية بين الحق ، والباطل : فالحلال ، حلال أبداً ، والحرام ، حرام أبداً ، ولكنني أدعو إلى وقفة حق يتداعى فيها الجميع إلى كلمة سواء يتبادلون المعارف ، ويدققون المواقف ، ويخرجون على الناس بخطاب إسلامي واضح ، لا لبس فيه ، ولا غموض ، فمن غير المعقول ، ولا المقبول أن يبقى الخطاب الديني العدائي الذي صيغ في ظل المذابح ، والاقتتال ، والاضطهاد ، والفتن ، هو الخطاب السائد ، حتى الآن .. ، وبغض النظر عن الجواب ، فإن الخطاب التلاعني ، التكفيري ، العدمي ، الذي أنتجته الفتنة ، في كل فئة ، اتجاه الفئات الأخرى ، آن له أن يعاد النظر فيه ).
( 9 )
خامساً : بتاريخ 27/10/1997 انعقد "المؤتمر القومي الإسلامي" في بيروت ، وكانت العلامة الفارقة في جلسة الافتتاح كلمة الأخ حسن نصر الله ، التي قال فيها : ( تعاني الأمة من أخطار مباشرة : إن ظواهر الانعزال القطري تنمو على حساب الوحدة ، ويواجه عدد من البلدان العربية ، والإسلامية أشباح حروب أهلية أليمة ، ومخاطر اهتزاز الوحدة الوطنية ، وتواجه دول أخرى مخاطر تقسيم فعلي .. إن الدعوة ، والعمل على الوحدة العربية ـ وهي في صلب أساسيات الفكر القومي ـ مثال على ما نقول ، إننا لا ننظر إلى الوحدة العربية باعتبارها عاملاً تجزيئياً للعالم الإسلامي ، على ما شاع في بعض الأدبيات ، بل إننا نرى أن أي شكل من أشكال الوحدة ، وبأي مستوى ، ليس فقط أمراً طبيعياً ، ومطلوباً ، بل ، وعامل قوة ، وأيضاً حافزاً إضافياً لمزيد من الوحدة والمنعة .. إن المقاومة من صلب واجبات جميع أبناء الأمة ، دون استثناء ، ومن دون اعتبارللتصنيف الفكري ، أو السياسي ، أو الاجتماعي ، ولا نظن أننا نحتاج للإيضاح ، أن المقاومة ليست فقط عملاً عسكرياً مباشراً ، ويومياً .. وإنما تتخذ أشكالاً مختلفة ، وتعبيرات شتى تستطيع الأمة استنباطها في ضوء تطورات الأيام ، وتعقيدات المواجهة .. إن تيار المقاومة أصبح مركز الإجماع الوطني الوحيد ، وحصل على التفاف ، وتعاطف شعبي من قبل كافة الطوائف ، والفئات اللبنانية ، تحّول لاحقاً إلى إجماع سياسي نادر ، بالرغم من أن البلد خرج بالكاد من الحرب الأهلية .. بل إن هذا التعاطف الشعبي انتقل كما تعلمون إلى مجمل الشارع العربي ، والإسلامي ، وقد كان لدعوتنا إلى ابتكار صيغة مرنة تتيح مشاركة الشباب اللبناني في عمليات المقاومة من دون التوقف عند الخلفية السياسية ، أو الفكرية ، أو المذهبية ، المزيد من القبول ، والاهتمام ، وسنعلن عن هذه الصيغة في غضون الأيام القليلة المقبلة ، وأود أن أؤكد ، أن أي تيار سياسي ينخرط في أعمال المقاومة ، والقتال ضد العدو سيحظى بالقبول ، والامتداد الشعبي المتنامي بالرغم من أننا نعتقد أن ما يقوم به شرف له ، وواجب عليه ، وهو في ذلك يسهم تلقائياً في تجذير خط المقاومة ، والممانعة في الأمة ، ويسهم بدوره في تعزيز المناعة ، والوحدة الوطنية الداخلية ...) .
ولعليّ ، لا أنسى ، أننا في " المؤتمر القومي الإسلامي " صفقنا بحرارة لما قاله الأخ نصر الله ، وخاصة للفقرة الأخيرة المتعلقة بفتح أبواب المقاومة ، لتتجاوز بنيتها المذهبية .. لكن هذا ، وبكل أسف ، لم يتحقق ...!
فبعد أكثر من عامين عل ذلك في 21/1/2000 وفي افتتاح " المؤتمر القومي الإسلامي "أيضاً ، قال الأخ نصر الله : " لقد وصلنا إلى المرحلة التي يشعر الناس فيها أنهم أمام فتنة طخياء عمياء يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ، يلتمسون فيها علائم الحق ، وعلامات الطريق ، وسيخشون فيها إن هم قاموا أن يخوضوا في فتنة ، وإن هم قعدوا أن يتركوا الواجب ، ويحيدوا عن الصراط ..." ، أدركت يومها كم يعاني ... لقد عبّر تماماً عما يجول بخاطري من إحباط ...
( 10 )
سادساً : لن أدخل في تفاصيل السنوات العشر الأخيرة ، بعد ذلك ..رغم الجراح ، والآلام ، والمآسي .. ذلك ، أننا ، وتماشياً مع ما قاله الأخ ناجي علوش في بداية هذا الحديث ، لا نريد أن نقول ما تستغله القوى المضادة التي تريد ان تطعن المقاومة ، ويهمّها أن تطعنها في المقاتل ، لتشوّهها في نظر جماهيرها ..
لكننا في الوقت ذاته ، لن نتهرب من مسؤوليتنا التاريخية ، التي تحّتم علينا أن نصدق المقاومين القول " المقاومة على مختلف مذاهبها الآن " باعتبارها ، للأسف الشديد ، مقاومات مذاهب دينية ، موضوعياً ، مهما كانت تسمياتها ، أن نصدقها القول ، لا أن نصّدقها ، لأنها بأمس الحاجة إلى ذلك ، في وسط ، من ضجيج المنافقين لها ، وقرقعة سلاح الأعداء المتربصين بها ...
هناك اعتراف واجب ، يجب أن نسّجله هنا حتى يتم وضع هذا الحديث في مكانه الصحيح ... فنحن القوميون العرب ، الذين نحلم باستئناف مشروع النهضة ، والتحرير ، والتنوير ، والتقدم ، والعدالة ، والمساواة .. مدينون لتلك المقاومات ، مهما كانت مذاهبها .. وأقاليمها ... تلك المقاومات التي برزت إلى الوجود بسبب تعثر مشروع التحرر القومي العربي ، والفراغ الذي أحدثه هذا التعثر .. ذلك أن الواقع الموضوعي لا يحتمل الفراغ من جهة ، كما أن هذه الأمة العربية أثبتت عبر تاريخ مديد من المحن ، والغزو ، والطغيان ، والاستبداد ، وغياب مرجعية مؤسساتية واحدة ، فلا دولة ، ولا جيش ، ولا اقتصاد ، ولا .. بل على العكس من ذلك تعّج الأرض العربية ، بمؤسسات تنتهك وحدة الوطن ، والأمة ، وتمارس الاستبداد ، والطغيان ، والنهب ، والفساد ، وانتهاك الحريات والحرمات ... ، ورغم ذلك كله ، ما أن يتعثر مشروع للمقاومة ، حتى يبرز مشروع مقاوم آخر .. من حيث لا يدرك الأعداء ذلك ..يؤكد أن هذه الأمة العربية أقوى من المحن ...
نقول ذلك ، لنؤكد أن الأمة مدينة للمقاومين ، أياً كانوا ، حتى للذين لا يعرفون ، أو لا يعترفون على هويتها ، فهم من أبنائها البررة ، والأمة مدينة لدماء الشهداء ، وللمقاومين الأحياء الذين حافظوا ، ويحافظون على جذوة الحياة في هذه الأمة ، والتي ترفض الموت ، والاندثار ..
لكن هذا لا يعني أن تبقى الأمة العربية في حالة رد الفعل ، أو في حالة الدفاع عن النفس ، بالممكن المتاح ... فقد آن الأوان أن يتنادى المقاومون العرب ، المقاومون بالثقافة ، المقاومون بالفكر ، المقاومون بالعلم ، المقاومون بالاقتصاد ، المقاومون بالحريات العامة ، وحقوق الإنسان ، المقاومون بالعدالة ، والمساواة ، والمقاومون بالفنون ، والمقاومون بالسلاح أيضاً .. إلى الكلمة السواء ، لبناء مؤسسات نهضوية ، ومقاومة ، ومدنية ، تصون دماء الشهداء ، وتحفظ حياة كريمة للأحياء ...
وبما أن أي مشروع جدي للنهوض ، والتحرر يبدأ من الواقع ، كما هو ، وبما أن هذا الحديث خاص بالمقاومة المسلحة ، فإن المقاومات المسلحة التي افرزها الواقع خلال العقود المنصرمة مدعوة للحوار ، والمراجعة ، وهذه مسؤولية تشمل سائر القوى ، والعناصر الحية في المجتمع العربي .. للخروج من المحنة التي استوطنت هذه الأمة العربية أكثر مما يجب .
إنني أقدّر أهمية خصوصية هذا الحديث ، وكم كنت أتمنى أن تتيح لي الظروف الصعبة ... سبل الحوار ، وجهاً لوجه ، لكن تعثر ذلك ، فرض عليّ هذا الحديث ، لأنني ، وبكل التصادق ، ورغم كل مظاهر القوة التي تبديها المقاومة ، أشعر بخوف شديد عليها ، ربما أكثر من أي وقت مضى ، وعلى رموزها أيضاً ، وقد رأيت أن من واجبي أن أقرع جرس الإنذار ، رغم أنه يتعذر علي أن أنقل كل هواجسي ... عبر هذه الكلمات ......
قد يسأل الأخوة في المقاومات الراهنة ...ما العمل ..؟؟ ، هل المطلوب أن تتوقف المقاومة ، وتلقي السلاح ، بانتظار أن يتغيّر الواقع العربي ....؟؟ ، ثم أين هي تلك القوى العربية القادرة على تغيير هذا الواقع ...إلى الأفضل ....؟؟ .
نجيب على الفور ، وبحسم ، لا .... ليس المطلوب إلقاء السلاح ، المطلوب هو العكس تماماً ، المطلوب تعزيز السلاح ، وتحصينه ، وهذا لن يكون ، على المدى الاستراتيجي إلا بأن يكون السلاح ، سلاح الأمة ، كل الأمة ، بحيث لا يمكن حصر وجوده في مكان دون آخر ، أو بجماعة دون أخرى ........
وإننا إذ نقر بمشروعية تلك الأسئلة ، ننبّه إلى أن الواقع العربي يعج بالأسئلة الصعبة من كل الأطراف ، ولكل الأطراف بما في ذلك المقاومة ، وعلينا أن نستمع إلى بعضنا البعض ، بدون تعال ، أو غرور ، من أي طرف كان .... إننا ، وبقدر ما يطيق هذا الحديث ، نقول أن مسؤولية تغيير الواقع العربي إلى الأفضل ، لا تستثني المقاومة ، كما أن مسؤولية تحصين المقاومة لا تستثني القوميين العرب التقدميين ، فالمقاومة ، والمقاومة المسلحة تحديداً ، عنصر هام من عناصر التغيير الإيجابي في الوطن العربي ، لها مكانتها ، وموقعها ، وحيثياتها ، في قلب مشروع النهوض ، والتحرير ، والانعتاق ، من الطغاة ، والمستبدين ، والمستغلين ، والفاسدين ، والغزاة ، وهذا يقتضي أن تكون المقاومة في القلب من مشروع النهوض ، والتحرير القومي ، تعززّه بالمقاومة ، والتضحيات ، ويعززّها باحتضانها ، ومدّها بكل ما تحتاجه من إمكانيات بشرية ، ومادية ، ومعنوية ...، ويحّصنها في الوقت ذاته من الأرتهان لقوى مضادة ، أو محاصرتها من أية جهة كانت ، فلا يتم العبث بدماء الشهداء ، أو هدر الدماء في غير مكانها ، وزمانها الصحيحين ، هكذا نرى أن المسألة تتعلق بالتكامل بين عناصر مشروع النهوض ، والتحرير ، والتقدم في الوطن العربي ، بما في ذلك المقاومة ، بل إن المقاومة في القلب من ذلك المشروع ....، أمّا أن يضع أي من عناصر النهوض ، والمقاومة ، نفسه خارج المشروع النهضوي القومي ، فإن ذلك يكشف المقاومة ، ويعّرضها للهلاك ، كما أنه ، وفي الوقت ذاته ، يجعل مشروع النهوض القومي كسيحاً غير قادر على الانطلاق ، بل قد يؤدي للأسف الشديد إلى تصادم هذين العنصرين ، فيضع المقاومة في خنادق مضادة تحت تبرير التعامل مع الظروف ، والضرورات التي تقتضيها المرحلة ، وفي المقابل تتخلى الأمة عن احتضان مقاوميها ، فتنكشف ، وينكشفون ، للأعداء ........
إن كون المقاومة مسلحة ، وتمتلك إمكانيات كبيرة ، وكون مشروع النهوض القومي العربي منحسر ، وأعزل ، ومحاصر بالعدوان ، وكيانات التجزئة ، وبالاستبداد ، والفساد ، والغزاة ، لا يعني أنه يحق للمقاومات الراهنة أن تتعالى على مشروع أمتها العربية ، أو تخرج من حاضنتها الجماهيرية العربية ، وإنما عليها أن تضع نفسها في سياق مشروع أمتها ، وإلا فإنها ستكون مهددة بالضياع ، والتصفية ،مهما امتلكت من القوة ، والإمكانيات ....
إننا ، وبكل وضوح ، نقول أنه لا يعيب المقاومة في جنوب لبنان أنها لم تكمل مشوارها جنوباً لتحرير فلسطين ، وأن المستعمرات الصهيونية آمنة في الجليل ، كما لا يعيب المقاومة في غزة أنها لم تكمل مشوارها شمالاً ، وشرقاً ، وأن المستعمرات الصهيونية آمنة هناك ، ذلك أن أقصى ما استطاعته ، بواقع تكوينها ، وتركيبتها ، وإمكانياتها ، هو أن تشّكل قوة ردع تمنع العدو الصهيوني من التغلغل مرة أخرى في جنوب لبنان ، أو غزة ، وهذا بحد ذاته ليس بالهين ، على أية حال .. ، وكذا الأمر في العراق ، وغير العراق ، بين المحيط والخليج ....... لكن المقومة بمفهوم الأمة هي التي ستقتلع المستعمرات الصهيونية من فلسطين ، وهي التي ستطرد الغزاة الأمريكيين ، وغير الأمريكيين من العراق ، ومن غير العراق ، وستزيل كل العوائق لتقوم دولة العرب على كامل الأرض العربية ، وبالشعب العربي كله ، دولة العدل ، والمساواة ، والتنمية ، والديموقراطية ، والعلم ، والحقوق المصانة لكل أبنائها ، دولة التقدم التي تسّخر كافة الإمكانيات لبناء حضارة تليق بهذه الأمة ، دولة لا تعتدي ، ولا تقبل العدوان من أحد ....
إن المقاومة القادرة على حمل مشروع الأمة العربية ، تحريراً ، ونهضة ، ووحدة ، هي المقاومة التي تحمل هوية الأمة ، حصراً ، وبناء مشروع الأمة في النهوض ، والتنوير ، يقتضي التأسيس له من الواقع ، كما هو ، والواقع كما هو مقاومات متنوعة تتهددها المخاطر ، ومشروع نهوض قومي متعثر ، والمطلوب حوار ، وتصادق يؤدي إلى تقاسم المهام ، فالعمل قسمة ، في إطار المشروع الواحد ، فلا تنزلق المقاومة إلى تناقض مع مشروع أمتها للتحرر ، والوحدة ، وكذلك لا ينزلق القوميون التقدميون تحت أي اعتبار للتخلي عن احتضان المقاومة ، وإنقاذها من الأعداء ، ومن نفسها إذا اقتضى الأمر ذلك ، فليتداعى هذين العنصرين الرئيسيين إلى الحوار ، والكلمة السواء من موقع المساواة ، والتصادق لبناء مشروع التحرير ، والنهوض ، والتنوير في هذه الأمة
والكلمة السواء تقتضي شيئاً من التواضع .. وفي هذا الإطار أستذكر قول لواحد من قادة المقاومة ، قال فيه : " إن دولة إسرائيل أوهى من خيوط العنكبوت ." ، إنني إذ أصادقه على ذلك تماماً ، فإنني أقول ، من موقع الحرص ، والقلق ، للمقاومات الراهنة .. وأنتم كذلك إذا لم تسارعوا لتأخذوا مكانكم الصحيح في مشروع تحرير أمتكم ، ونهضتها ، وتتجاوزوا مذهبياتكم ، وإقليمياتكم ، بالانتقال بالمقاومة إلى مرحلتها القومية العربية ، ولا تدعوا الغرور يذهب بكم إلى مقتل ، كما ذهب باللذين من قبلكم ... والسلام على من اتبع الهدى ......
دمشق : 1/1/2010 م – 16 محرم1431
حبيب عيسى


