الإخوان المسلمون في سورية: هل هم خارج السياق؟ ....

أم أن ما يطلب منهم هو خارج النص؟

أعلنت جماعة الإخوان المسلمين في سورية مشروع "ميثاق الشرف" في 3 أيار 2001 ، ثم دعت إلى مؤتمر "لندن" الذي انعقد في النصف الثاني من آب 2002 وحضرته قيادات إسلامية وقومية ويسارية من معظم فصائل الطيف المعارض في سورية، حيث تم اعتماد "ميثاق الشرف الوطني" بإجماع الحاضرين للمؤتمر. ثم دعت إلى مؤتمر صحافي في لندن أواخر كانون الأول 2004 أعلنت فيه مشروعها السياسي لسورية المستقبل.

ومنذ إعلان ميثاق الشرف وحتى الآن وجماعة الإخوان المسلمين تتعرض إلى هجوم غير مبرر من بعض الكتاب، القليل منهم "لامنتمي"، وأكثرهم اندرج في حملة منظمة عبأتها أجهزة الأمن، القصد منها تشويه صورة الجماعة في نظر الشعب السوري، الذي أثبتت عمليات الرصد أنه ما يزال يحمل في نفوس أفراده الاحترام لهذه الجماعة. 

المعارضة الحقيقية التي ترفض تفرد نظام حزب البعث في حكم سورية، تعتبر أن هذه الجماعة موجودة على الساحة، وإن من حقها أن تدلي بدلوها، -مهما كان حجمها بين باقي الفصائل السورية الأخرى- في مستقبل سورية، سواءً بقي حزب البعث في السلطة، أو تم إنهاء تفرده بها. وهي بهذا التوصيف لا تسعى وراء التأكد من صدق أو كذب الاتهامات التي يوجهها البعض إلى جماعة الإخوان المسلمين،.

نحن نرفض ابتداء أسلوب الإقصاء أو الاستبعاد الذي يسلكه البعض–وقد يكون هذا البعض لا يمثل إلا شخصه- تجاه هذه الجهة المعارضة أو تلك، عند احتساب قوى المعارضة على الساحة السورية.فهو بهذه الحيثية،لايختلف كثيرا عن نظام حزب البعث الذي أقصى الجميع إلا نفسه عن الساحة السياسية. كما نرحب بأي فصيل يعتبر نفسه واحدا من المعارضة،ليس له أكثر مما لغيره إلا بمقدار ما يبذل أكثر.

لن نقف طويلا عند تصريحات فردية لعدد من الكتاب، وهؤلاء هم واحد من اثنين، الأول عزل نفسه عن غيره، وأغلق أمام عينيه نوافذ الحقيقة، يردد مفردات جوفاء، لا يريد أن يخرج عنها، لأنه ببساطة حصر نفسها داخل محيط موروثاته الضيقة.

وحبس الثاني نفسه على تشويه صورة الإخوان المسلمين فهو يصفهم بأنهم طائفيون حينا، وظلاميون واستئصاليون، ودعاة عنف أحايين أخرى. وقد استقى هذه الاتهامات من أبواق الإعلام البعثي، وتسريبات أجهزة المخابرات، لتخويف قصار النظر من البديل الإسلامي الذي يمثله الإخوان المسلمون إذا ما أقصي حزب البعث عن السلطة.

 غير أن هذه الحيلة لم تنطل على أحد. فقد تصدى لهذه الظاهرة كتّاب سوريون، معظمهم يساريون، ومنهم نصارى،وبينوا أن المقصود من تلك الاتهامات هو إطالة عمر نظام حزب البعث. 

ولكن لا بد من الوقوف،ولو قليلا، مع بعض أحزاب المعارضة السورية، في داخل سورية وخارجها. حيث رحب أكثرها بجماعة الإخوان المسلمين كشريكٍ معارضٍ، مقبولٍ في اللعبة السياسية السورية.

اللافت للنظر أن هذا الترحيب ظهر وكأنه لم يكن ليحصل إلا بعد أن نبذت الجماعة العنف، وقبلت بالتعددية وبمبدأ تداول السلطة في سورية.ما يوهم وكأن الإخوان المسلمين كانوا قبل ذلك ضد الديمقراطية، وأن برنامجهم السياسي كان مبنيا على استعمال العنف وسيلة للإقناع. فهل حقا كان الإخوان كذلك؟

ونحن إذ نسعد باجتماع كلمة فصائل المعارضة على المضي قدما بتحويل سورية من حكم الحزب الواحد إلى الحكم الديموقراطي عبر صناديق الاقتراع. إلا أنه لا بد من تصويب ما عُلِّقَ عليه الترحيب. فليس صحيحا أن الإخوان كانوا يرفضون التعددية ومبدأ تداول السلطة في سورية، وأنهم كانوا يعملون على حمل الآخر بالعنف على ما يريدون. ولا بد من كلمة توضح الحقيقة لمن أراد أن يعرف هذه الحقيقة.

ابتداء، لا يحق لأحد ،كائنا من كان، أن ينصّب نفسه قيّما،يقبل هذه الفئة في سلك المعارضة لسبب ما، ويرفض قبول أخرى لسبب آخر. فهو بهذه الحيثية سوف يجعل آخرين يتصدون له بالقول: نريد منك أيها القيّم أن تأتي لنا بمن يقيّمك أنت أيضا.

كما أن كل فصيل يأخذ مشروعيته من كونه تشكيلا سوريا أصيلا، كل أعضائه من أبناء سورية، أبا عن جد. فهو ،بهذه الحيثية، لا يحتاج إلى شهادة حسن سلوك، ليكون له من الحقوق ما لباقي السوريين. وبهذه الحيثية أيضا، يستطيع أي فصيل أن يشارك في صنع القرار مهما كان حجمه على الساحة. ويبقى حجم هذه المشاركة في صنع القرار متوقفا على حجمه  الذي أفرزته صناديق الاقتراع.

واستطرادا، ما ذنب الإخوان المسلمين إذا كان لهم من الثقل أكثر مما لغيرهم؟ مع العلم أن هناك أكثر من فصيل معارض له ثقل كبير على الساحة السورية. وتبقى مسئولية الفصائل المعارضة، التي لا تتمتع بالتأييد، أن تعدل من توجهاتها، ما يجعل الشارع السوري يطمئن لها ويلتف حولها.

وفي سياق اتهام الإخوان المسلمين بالعنف، فإن نظام حزب البعث استعمل هذه التهمة ضد خصومه لتشويه صورتهم. وإذا كان الإخوان المسلمون قد استدرجوا أو تورطوا أو شاركوا في أحداث 1979-1982 ،سمّ الأمر بما شئت، فإن أكثر الأحزاب السورية، التي عملت على الساحة السورية، لم يبرأ مما اتهم به الإخوان المسلمون.   

 "الكتلة الوطنية" التي قادت النضال في سورية ابتداء من عام 1928 وحتى الاستقلال، قامت مجموعة منها باغتيال المناضل السوري الدكتور عبد الرحمن الشهبندر عام 1939 . كما اغتال أعضاء من الحزب القومي السوري العقيد البعثي "عدنان المالكي" عام 1955 ، ومع ذلك فقد سمح  لهذا الحزب مؤخرا من قبل النظام أن يكون في الجبهة التقدمية ويدخل الحياة السياسية السورية من جديد.

ولم يشذ حزب البعث عن التقنين لاغتيال الخصوم، حتى طاول الاغتيال الشخصيات البعثية الهامة، بعد أن أطيح بها. فصلاح البيطار الذي كان واحدا من اثنين أسسا حزب البعث في عام 1947 ورئيس أول حكومة بعثية في آذار 1963، تم اغتياله في باريس عام 1981 . كما طاول الاغتيال اللواء محمد عمران أول وزير دفاع في حكومة البعث عام 1963 ،بعد إزاحة شركائهم الناصريين، أُرْسِل إلى بيروت من اغتاله عام 1970 .

وفي المقلب الآخر فإن مساهمة الإخوان المسلمين في العمل الديموقراطي في سورية بعد الاستقلال كانت أوضح من أن تنكر. فبعد أن شاركت بفاعلية بتحرير سورية من الاحتلال الفرنسي وقدمت الشهداء. شاركت في صياغة الدستور بعد الاستقلال في شخص مؤسسها الشيخ مصطفى السباعي بعد أن انتخب عضوا في الجمعية التأسيسية،كما كان عضوا فاعلا في لجنة صياغة الدستور.

ولقد دخل الإخوان المسلمون في تحالف مع بعض وجهاء النصارى في حلب وحماة في الانتخابات التي جرت في عام 1961 بعد الانفصال، ما يدحض تهمة الطائفية التي يرميها بها خصومها من الموالين لنظام حزب البعث.

بل إن الأستاذ عصام العطار المراقب العام للإخوان المسلمين كان واحدا من اثنين –الثاني هو رشدي الكيخيا زعيم حزب الشعب- رفضا التوقيع على وثيقة الانفصال التي كرست فصل عرى الوحدة بين سورية ومصر عام 1961 ، بينما وقعها خمس وعشرون شخصية من رؤساء الأحزاب، منهم أكرم الحوراني وصلاح البيطار عن حزب البعث، وخالد بكداش عن الحزب الشيوعي.

ومع أن أحدا لم يطالب الأحزاب القومية أو اليسارية أو الليبرالية بأن تتخلى عن توجهاتها، فقد رأينا من يطلب من الإخوان التخلي عن إضافة الإسلام إلى إسمهم، مع أن الإسلام دين أكثر من 90% من سكان سورية.

أخيرا فإن الإخوان المسلمين لا يزعمون أنهم يمثلون وحدهم الإسلام السني في سورية. فالإسلام أوسع من أن تحتكره في سورية هذه الجماعة أو تلك. وفي التأصيل الإسلامي فإن جماعة الإخوان المسلمين هي واحدة إلى جانب غيرها من الهيئات الإسلامية على الساحة السورية.

الطاهر إبراهيم   كاتب سوري معارض يعيش بالمنفى.