على بساط الثلاثاء
59

( 1 )
ترحيب : نستضيف هذا الثلاثاء ، وعلى بساطها : الأخ ، والصديق العزيز المثقف ، والمناضل ، الفنان التشكيلي الأستاذ إبراهيم حيدري ، ومجلة "الحوار" ونترك لهما دون تدخل بساط الثلاثاء ينثرون عليه أوراق حوار جرى بين الأستاذ حيدري ، وبيني ، وأشهد أنه في حينها ترك لي صفحات مجلته "الحوار" حيث تعرضت لمسائل أعرف أنها إشكالية ، وأنها تثير حفيظة البعض ، ورغم ذلك لم يتدخل الأستاذ حيدري إلا قليلاً ، كما أن صدر مجلة الحوار لم يضق ، فاحتضن الحوار كاملاً غير منقوص ، وهذا يرتبّ علينا أن نرد التحية بأحسن منها ، ليس بالاحتفاء بالأستاذ حيدري ، وحواره ، وحسب ، وإنما بفتح بساط الثلاثاء لشتى الآراء المتعلقة بموضوع الحوار ، فالاختلاف لايفسد للود قضية .
فقط نريد التأكيد أن الأخوة المواطنين من الأكراد ليسوا أقلية ، وليسوا طارئين على هذا الوطن ، إنهم من صلب وعصب هذا النسيج الاجتماعي ، وقد كانوا دائماً في مفاصل مشاريع التحرر والمقاومة والنهضة والمظالم الواقعة عليهم جزء من المظالم الواقعة على سائر المواطنين وبالتالي فإن الدعوات للتقوقع لا ترفع المظالم وإنما تزيدها طغياناً ، المواطنة والمساواة ثم المواطنة والمساواة ....
تقول حكايات التاريخ أن النمرود الفارسي الذي أمر بإحراق إبراهيم الخليل سأل عن فلان ..؟ ، فقيل له : إنه من أعراب فارس ، فسأل مستغرباً : وهل في فارس أعراب ...؟ فقال له كاتب التاريخ في مملكته : نعم ، إنهم الأكراد يا مولاي ...
لا أريد من ذلك أن أقول ، أن الأكراد عرباً ، أو أن العرب أكراد ، لكنني أريد أن أثبًت موقفاً ، بأنني ، أرفض نظرية النقاء العرقي جملة ، وتفصيلاً ، وأرفض العنصرية إلى حد الاحتقار ، وإنني عندما أتكلم عن الأمة ، كتكوين تاريخي ، وعن الأمة العربية تحديداً ، فإنني لا أعني عرقاً عنصرياً ، أو قبلياً ، وإنما أعني تشكيل حضاري من جماعات بشرية متنوعة ، قبائل ، وعشائر ، وشعوب ، تفاعلت فيما بينها ، واختصت بهذه الأرض ، فاكتمل التكوين القومي للأمة العربية ، وقبائل الأكراد كانت ، وما زالت في صلب هذا التكوين الحضاري .
أعرف سلفاً أن هذا لا يعجب دعاة التفتيت ، والتقوقع ، من كافة الأطراف الكردية ، أو غير الكردية ، لكن هذا لا يعني إلا أننا أكثر تصميماً من أي وقت مضى على الدعوة إلى الكلمة السواء ، والحوار ، ثم الحوار ، فمشاريع النهضة ، والتنوير ، يجب أن تنطلق ، وآن لهذه المحنة أن تمضي ، والجميع مدعو بلا استثناء ، وطوبى لمن يتقدم الصفوف ، ودروس التاريخ تقول أن الأخوة من الأكراد كانوا دائماً في مقدمة الصفوف ، بمواطنيتهم ، بالثورة الوطنية على الاستعمار ، بالكتلة الوطنية ، بالأحزاب التي حملت مشاريع النهضة ، وليس بأحزاب كردية .....!!
لا أعتذر عن هذا الترحيب الذي حمل بعض المواجع ، لكن صدقوني أنها ليست حكراً على جماعة بعينها ، إنها مواجعنا جميعاً ، فكل منا له نصيبه من هذه المحنة ، ولن نخرج منها بمواجهة بعضنا البعض الآخر ، وإنما بالنهوض معاً ....
الآن دعونا نفرش بساط الثلاثاء لمجلة الحوار وللأستاذ العزيز إبراهيم حيدري :
( 2 )
مجلـــــــــــة
"الحـــوار"
المحامي حبيب عيسى أحد الذين قدموا من وراء الشمس
حاوره الفنان التشكيلي : إبراهيم حيدري
بعد أن استمع لسنوات عديدة أنين السراخس ، ونشر أوجاعه ومعاناته الإنسانية على منشر غسيل الحياة نتيجة أفكار حاول أن يطرحها للمجتمع الإنساني في زمن ، ما ، حينها كان لنا معه هذا الحوار :
المحامي حبيب عيسى من مواليد قرية المشرفة منطقة مصياف محافظة حماه عام 1945 ، أكمل دراسته الابتدائية والإعدادية والثانوية في مدارس القرية ومصياف وحمص ، عمل في مجال التعليم حتى عام 1969 حيث التحق بقسم الصحافة في معهد الإعداد الإعلامي ، وتخرج منه عام 1971 ليعمل في قسم الأخبار والبرامج التلفزيونية في التلفزيون السوري ، التحق بجامعة بيروت العربية لدراسة اللغة العربية ، ولم تتح له الظروف أن يكمل دراسته الجامعية فيها ، فالتحق بجامعة دمشق كلية الحقوق وتخرج منها ، تم انتدابه إلى جريدة الثورة عام 1972 ليعود بعد ذلك إلى مديرية البرامج الثقافية في التلفزيون العربي السوري ، ثم ندب مرة أخرى إلى جريدة الفداء بحماه عام 1976 ليعود بعد ذلك إلى الإذاعة كمشرف على إذاعة "صوت مصر العربية" حتى عام 1987 ثم إلى قسم النصوص في الإذاعة حيث تقدم باستقالته عام 1988 لينتسب بعدها إلى نقابة المحامين ، وما يزال محامياً حتى الآن .
حبيب عيسى من المتحمسين لفكرة القومية العربية ، والوحدة العربية ومن المعجبين بجمال عبد الناصر ، انتسب إلى الاتحاد الاشتراكي العربي في الستينات من القرن الماضي ؟، لكنه أعلن انسحابه من الاتحاد الاشتراكي بعد دخول هذا الحزب الجبهة مع النظام الحاكم في مطلع السبعينات ، ومنذ ذلك التاريخ وهو مستقل وداعية إلى أسلوب جديد في العمل القومي والسياسي ، يرى في الاستبداد ونظم الاستبداد العقبة الأساسية في وجه التطور ، تعرض لمضايقات عديدة كان آخرها اعتقاله في الشهر التاسع من عام 2001 بعد إسهاماته في ما عرف في ذلك الوقت بربيع دمشق ، حيث كان الناطق الرسمي باسم منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي ، تم اعتقاله في زنزانة منفردة لمدة تقارب الخمس سنوات قبل إطلاق سراحه مع بداية عام 2006 ، مازال حتى الآن داعية للحوار ، يرى أن العمل السياسي يجب أن ينتقل نقلة نوعية لإعادة الناس إلى ساحة العمل السياسي بعد أن أرعبها الخوف من البطش والاستبداد .
أصدر حبيب عيسى ثلاث كتب ، الكتاب الأول كان السقوط الأخير للإقليمين في الوطن العربي وقد صدر بعد زيارة السادات للقدس حيث اعتبر أن النظام الإقليمي من المحيط إلى الخليج مسؤولاً ومشاركاً فيما فعله السادات ، وقد منع الكتاب من جميع الدول العربية بما في ذلك سورية ، ثم كان كتابه الثاني الدولة القومية : شرعية الأساس مشروعية التأسيس حيث تقدم به كبحث علمي قانوني لنيل لقب أستاذ في المحاماة من نقابة المحامين ، إلا أن النقابة طلبت إليه سحب البحث ورفضت حتى مناقشته فأصدره في كتاب يحمل الاسم المشار إليه ، أما كتابه الثالث فكان النداء الأخير للحرية وهو يتضمن أوراق السجن ومرافعة قانونية قدمها شفهياً إلى محكمة أمن الدولة التي حاكمته بتهمة تغيير الدستور وإثارة النعرات الطائفية وحكمت عليه بعقوبات مجموعها حوالي 16 سنة اكتفت بالعقوبة الأشد وهي خمس سنوات .
كتب حبيب عيسى العديد من المقالات والدراسات وساهم في المؤتمر القومي الإسلامي ، وفي تأسيس العديد من المنتديات والجمعيات ، وهو ناشط حقوقي في الدفاع عن حقوق الإنسان ، ساهم بتأسيس جمعية حقوق الإنسان في سورية وكتب نظامها الأساسي .
- الأستاذ حبيب عيسى نرحب بك على صفحات مجلة الحوار ونستهل هذا اللقاء بالسؤال عن أهمية الحوار ( العربي – الكردي ) في إنشاء حالة مجتمعية سليمة في الوطن ...؟
ابتسم واخذ نفساً عميقاً ، ثم قال :
يا أخ إبراهيم ، اسمح لي بداية أن أعبر ، عن أن صياغة هذا السؤال تستفذني ، إننا في "دولة سورية" بأمس الحاجة إلى حوار وطني شامل ، وإننا في الوطن العربي بأمس الحاجة إلى حوار وطني شامل للأمة كلها ، أريد أن أصارحك بدون تحفظ ، إذا كنت أنت الآن ، وبسبب ظروف ، واستفزازات غير منكورة ترفض الآن أن يقال عنك أنك مواطن عربي في هذا الوطن ، فإنني ، وبكل رحابة صدر لا ما نع لدي على الإطلاق أن تعتبرني "كردياً" دون أي تحفظ ، بمعنى أنني أريد لهذا الحوار بيني ، وبينك أن يكون حواراً حقيقياً لا زيف فيه ولا رياء ، أن يكون حواراً بين مواطنين في مجتمع واحد ، التنوع فيه اغتناء، والتوحد فيه قوة ، إن هذا يعيدنا إلى السؤال الجوهري ، من هم العرب ..؟ من هم الأكراد ...؟ وإذا شئت من هم السوريون ... وهل هذه الانتماءات تلغي بعضها البعض ، تنفيها ، أم أنها انتماءات متوازنة لكل انتماء شروطه وقواعده، وانه يمكن أن تبقى هذه الانتماءات دون أن يشكل أحدها اعتداء على الآخر، أو إلغاء له ، أو إنكار ...؟
هل تريدنا يا أخي في القرن الواحد والعشرين أن نعتمد النظرية العرقية في تحديد تشكيلات الأمم ..؟ وهل هناك أمة مكونة من عرق نقي وحيد ...؟ ومن يقول بهذه النظرية هذه الأيام ..؟ ، وإلى أية نتائج ، وحروب ، وكوارث أدت مثل هذه النظرية العنصرية البائدة ..؟
نحن ، هنا يا أخي ، وفي هذه المنطقة من العالم أمة من البشر المقهورين المعتدى عليهم من الداخل ، ومن الخارج نرزح تحت عصور من الاستبداد والقهر، لم توفر جماعة ، ولم توفر عرقاً، ولا ديناً، ولا مذهباً، ولا طائفة ، لا يمكن أن نواجه كل هذه المشكلات ، وكل هذا الظلام إلا بالفهم العميق لمشكلاتنا ، إلا بالسعي للارتقاء بالإنسان كفرد وبالبشر كجماعات إلى مستوى المواطنة ، والتساوي في الحقوق والواجبات والسؤال الجوهري في هذا كله ، هل المشكلة بيني وبينك ..؟ أم المشكلة بيننا معاً وبين قوى الظلام ، والاستبداد، والتعسف ، والغزو في الطرف الآخر ...؟ ما هو واجبنا .. ما هي المهمات الملقاة على عاتقنا ...أنت وأنا .. هل يكفي أن نستغل الغريزية والبهيمية التي تولدت عن عصور الاستبداد ونبني عليها مزيد من التفتيت والصغر والتدمير للمجتمع ، أم أن مهمتنا كدعاة لعصر جديد من التنوير والنهوض تكمن في أن يخرج شعبنا من أوكار الغريزية والبهيمية إلى أنوار الحرية والمساواة والمواطنة ، وإلى احترام التعددية في مختلف المجالات، من تلك التعددية التي تتعلق بوجودنا على الأرض ، إلى تلك التعددية التي تتعلق بعقيدتنا عن القوى الكامنة في السماء ، وما وراءها ..؟
إن فتح هذا الموضوع والوصول إلى تلك التداعيات يغريني بقليل من التفلسف الذي أرجو أن لا يضيق صدرك ، وصدر مطبوعتك منه .. فالإنسان من وجهة نظري ، وكما قال شيخنا ، شيخ القوميين العرب المعاصرين عصمت سيف الدولة ، الإنسان هو مصنع الجدل ، وهو مصدره وهو هدفه في الوقت ذاته ، وبالتالي فهو العامل الأساسي في تطور المجتمعات أو في استنقاعها ... والإنسان بهذا المفهوم قد انتقل من الفردية إلى الأسرة ، إلى العشيرة ، إلى القبيلة وهو في هذه المراحل كلها كان رحالة ساعياًُ وراء حاجاته ، أو محتمياً من الأخطار بالكهوف ... ثم وفي مرحلة لاحقة بدأ البشر يستقرون في أرض معينة ويختصون بها فتحمل أسماءهم ، أو يحملون أسماءها فتحولوا إلى شعوب ومدن وحضر وبدو وتفاعلوا فيما بين بعضهم البعض فكوّنوا أمماً وحضارات وأقواماً فناضلوا لتجاوز مرحلة الشعوبية والقبلية ليكونوا الدول القومية بعد نضالات دامية ، وفي بعض المناطق التي تطور فيها البشر إلى مرحلة معينة نجدهم الآن يتنقلون إلى مرحلة ما بعد الدول القومية ، إلى الدولة القارية وربما في مستقبل لاحق إلى الدولة العالمية ... فالتطور إذن يمكن أن نحدد له بداية ، وهي حتى الآن ليس متفقاً عليها ، لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون له نهاية إرادية إلا في حالة وحيدة هي نهاية عصر الإنسان ، فالإنسان جدلي ، وبالجدل الاجتماعي في الجماعة لا يمكن للإنسان أن يصل إلى نقطة يقول فيها هذا هو خط النهاية ، وأن لا تطور بعده ، لأن هذه النقطة في هذه الحالة لن تكون سوى نهاية هذا الكوكب ، أو بالمفهوم الديني يوم القيامة .
إنني بهذا يا صديقي لا أتهرب من السؤال إلى العموميات كما قد تظن ، وإنما أدخل إلى جوهره فلا شك أن الإنسانية ليست سواء في تطورها ، هناك عوالم متزامنة في وقت واحد ، عالم أول وثان وثالث وإلى آخره .. هذا صحيح ، ولكن الصحيح أيضاً أنه في العالم الأول كما يسمونه استنفذ البشر المقدرة على التطور من خلال مؤسسات الدول القومية التي احتاجوا إلى بحار من الدماء لإقامتها ، والتفلسف حول مكوناتها وضرورتها وخلودها ، وهم الآن باتجاه الدولة القارية ، دولة أوروبا الموحدة رغم كل الاختلافات والتباينات والأعراق والمصالح .. إنهم يبحثون عن المشترك بينهم لتعزيزه ، ويبحثون في المختلف عليه لتذليله ...
في القسم الثاني من العالم الأول ، ونعني به دولة الولايات المتحدة الأمريكية توجد أمة هناك يسمونها اليوم الأمة الأمريكية تكونت من شعوب الأرض ، ومن مختلف الأمم والقبائل والعشائر والأعراق والأديان والطوائف والمذاهب الوافدة .. تتدرج ألوانهم من الأسود الفاحم إلى الأبيض الناصع وما بينهما من تدرجات وألوان ، لم يمض على تعارفهم مئات السنين تناحروا فيما بين بعضهم البعض ، استعبد بعضهم البعض الآخر لدرجة العبودية المطلقة ، خاضوا حروباً أهلية طاحنة ، وجرت من خلال ذلك بحور من الدماء .... ثم استنفذوا ذلك كله ليكونوا الآن جميعاً الأمة الأمريكية التي يتفاخرون بالانتماء إليها ...
أريد أن أسألك وبصراحة هل ما يجمع الياباني القادم من أقصى الشرق بالايرلندي القادم من أقصى الغرب والشمال ، بالأسود القادم من أعماق أفريقيا ، بالإنسان الثلجي القادم من القطب الشمالي ، هل ما يجمع بين هؤلاء ليكونوا فيما بين بعضهم البعض الأمة الأمريكية أكثر مما يجمعني بك مثلاً ..؟ وهل ينتقص من مكانة أولئك ومن خصوصيتهم أن ينتمون جميعاً إلى أمة واحدة هي الأمة الأمريكية ؟ فلماذا يعتبر بعض الأكراد أن انتماءهم إلى الأمة العربية ينتقص من خصوصيتهم عوضاً أن يعتبروا أن هذا الانتماء يعزز خصوصيتهم ويغنيها ..؟
بل ودعني انتقل بالسؤال إلى نقطة متقدمة ، ألا يوجد عرب أمريكيون ..؟ ألا يوجد أكراد أمريكيون ..؟ كيف يستقيم أن يشترك العرب والأكراد في تكوين أمة واحدة هي الأمة الأمريكية ، ويرفضون في الوقت ذاته أن يكونوا هنا، وفي موطنهم الأصلي المشترك فيما بينهم عبر عصور التاريخ أمة واحدة ...؟
دعني يا أخي إبراهيم أن أقدم لك رؤيتي، وأن أطرحها للحوار والنقاش العام .. فالمشكلة من وجهة نظري كامنة في الاتفاق على المفاهيم والمصطلحات ، هناك خلط عجيب بريء أحياناً ، ومشبوه في أغلب الأحيان بين مفهوم الأمة والمفهوم العنصري والعرقي ، لقد اتفقنا على ما اعتقد انه لا توجد أمة واحدة في العالم تتكون من عرق نقي فنحن كقوميين عرب عندما نتحدث عن الأمة العربية لا نتحدث عن عرق أو عنصر من عناصر الأمة وإنما نتحدث عن مكوناتها الأثنية والدينية والإقليمية ، نتحدث عن حضارة مشتركة ساهم فيها بشر اختصوا بهذه الأرض وتفاعلوا فيما بين بعضهم البعض وأضحوا أمة واحدة لكل فرد منها كامل الحقوق وعلى كاهله جميع الواجبات دون انتقاص أو تزيد ، والخلط جاء من ناحيتين الأولى تتعلق بنتاج الاستبداد وإفرازاته الذي دمر النسيج الاجتماعي للمواطنين وأعادهم إلى عصور ما قبل المواطنة والثانية ترتبت على الأولى ذلك ان العودة إلى ما قبل المواطنة فتح سجلات الجماعات البشرية التي كونت الأمة ، والتي اختلفت بطبيعة حياتها فبعضها استقر في أرض معينة والبعض الآخر بقي قيد الترحال ، والذين استقروا باتوا شعوباً والذين استمروا في الترحال حافظوا على بداوتهم وهناك من بقي بين بين ، فغدونا أمام حضر ومدن وبداوة واستمدت كثير من الجماعات أسماءها من المناطق التي اختصت بها أو كانت مجال حركتها ، يمانية ، شامية ومغاربية من قيس وكندة وخزامة وكلب وبني هلال يغربون وبني هلال يشرقون ، وشعوب مستقرة قبطية ونبطية وسومرية وأكادية وآشورية وكلدانية وكنعانية وفينيقية وفرعونية والذين اعتلوا الجبال أكراد والذي اتجهوا إلى المغرب أمازيغ وإلى آخرهم ...
ما يعنينا الآن أن انتماء جميع هؤلاء إلى امة واحدة لا ينتقص من حقوق أي منهم ، بل على العكس يحصنها وينميها . والمجال لا يتسع هنا للخوض في التفاصيل ، لكن وباختصار شديد فإن هذه الجماعات البشرية التي اتجهت إلى التوحد ، وهذا هو التطور الايجابي والطبيعي ، عادت إلى النكوص في عصور الاستبداد الذي أوقف هذا التطور ، وعادت كل جماعة تبحث عن المشترك فيما بين أفرادها وفي الوقت ذاته عن ما يميزها عن سواها ، فانكفأ الواقع إلى الوراء ، إلى عصر التفتت الاجتماعي والوطني ، وهذه هي المحصلة الأكيدة للاستبداد عبر العصور وحتى يومنا هذا ... ساهم في هذه الردة إلى ما قبل المواطنة القراءة الخاطئة والمغلوطة والتعسفية لإحداث التاريخ حيث تم نسبة تحرير الأرض العربية وتوحيدها وطرد الغزاة الفرس شرقاً ، والغزاة الرومان غرباً إلى عرب الجزيرة العربية دون سواهم ، والحقيقة أن جميع الجماعات البشرية شعوباً وقبائل وجماعات ساهمت في عملية التحرير هذه ، وعملية التوحيد التي تلتها ، و إلا ما كان لها أن تتم ، وما كان لتلك الحضارة أن ترى النور ... المشكلة من وجهة نظري تولدت بعد ذلك .. فبعد دولة يثرب التي كانت دولة مدنية يحكمها دستور ( الصحيفة ) إلى دولة الخلفاء الراشدين التي كانت مرحلة انتقالية ، أما لترسيخ وقوننة الدولة المدنية العادلة وإما لاختيار نموذج الدول الاستبدادية السائدة في ذلك الوقت على الطريقة الكسروية أو القيصرية ، وللأسف فقد انتصر النموذج الاستبدادي ، فكانت المحصلة الحتمية لهذا الاستبداد تدمير بنية الأمة وحضارتها ، فعادت القبلية تطل برأسها بين مختلف القبائل ، قبائل لها امتيازات ، وقبائل تحت نير الاضطهاد ، وكذلك بدأت الشعوبية تطل برأسها بين مختلف الشعوب ، ثم بين مختلف الشعوب والقبائل معاً ، كلما كانت سطوة الاستبداد تشتد ، كلما كان الشرخ الاجتماعي والوطني في ربوع الأمة يتفاقم ، وكلما كان المستبد يتوحش في استبداده كلما كان شأنه يتضاءل في مواجهة قوى الهيمنة الخارجية ، وهكذا ... وبعد ان كان الخليفة يحتمي بكونه ولي الأمر وله على الناس حق الطاعة غدا يبحث عن الاحتماء بالبعض لقهر البعض الآخر وينتقل حق الخلافة من انه حق لجميع أبناء الأمة إلى حق محصور بقبيلة معينة ، ثم وفي مرحلة لاحقة بعشيرة معينة ، ثم وفي مرحلة أخرى بأسرة واحدة ، ثم أن الخليفة هو ابن الخليفة بالوراثة ، وكان هذا التصغير في مكانة الخلافة تقابله وبردة الفعل قوى المعارضة من ذات الطبيعة ، فبعد أن كانت المعارضة تبحث عن الحق في مكونات المجتمع بدأت تتقوقع داخل فئة واحدة ، ثم حوصرت الإمامة لتكون حق لبيت واحد ثم و بالتوارث أيضاً حتى بات إمام المعارضة وفقيهها الذي له حق الطاعة أيضاً من أسرة واحدة ، وهكذا بدأت العقيدة التوحيدية تفقد وهجها مع اضمحلال الدولة العادلة فأضيف إلى عوامل التفتيت القبلية والشعوبية عوامل التفتيت المذهبي والطائفي ، وهذا أدى من حيث النتيجة إلى تفتيت بنية الأمة التي تجزأت دولتها ، ثم ومن الأصغر إلى الأصغر فبتنا أمام خلفاء دمى بيد الغزاة ، وأمام معارضات هزيلة منقسمة على نفسها في الوقت ذاته ، هذا كله من حيث النتيجة أدى إلى انهزام الجميع شعوباً وقبائل ففقدت الخلافة سلطتها ، وفقدت المعارضة مقدرتها على الفعل الإيجابي فتحول القرار إلى المماليك والطباخين والجواري والموالي ، ثم فقد حتى هؤلاء سلطتهم وانتقل القرار إلى الغزاة مباشرة فتدفقوا من أقصى الشرق يقيمون الأهرامات من جماجم شعبنا ، وتوافدوا من أقصى الغرب ينظمون المذابح ويبثون الفتن ، واستمر هذا كله ، بالضبط هذا كله، إلى يومنا الراهن وإن كان بأسماء حديثة وبأشكال وأساليب معاصرة ، وتحول الواقع العربي إلى رزمة من المشكلات في كل المجالات وبين مختلف الجماعات .. ومن هذه المشكلات ، ما تسمونه أنتم المشكلة الكردية ..
أقول لك هذا يا أخي ابرهيم ، وأنا أعرف أنني أقدم إليك رؤية خلافية ، فليكن ، دعنا لا نخاف الاختلاف ، دعنا نواجهه ، دعنا نتصادق ونضع معتقداتنا وآرائنا وأفكارنا على الطاولة ، نناقشها ونقلبها ونعدلها ونصححها ... دعنا نكف عن اللعب من وراء ظهور بعضنا البعض .. لقد مر زمن مديد من الخوف والخوف المضاد ، من التكفير والتكفير المضاد ، من التعسف والتعسف المضاد ، من الإلغاء والإلغاء المضاد ، من المذابح والفتن ، والمذابح والفتن المضادة .
لقد آن لهذا المسلسل المأساوي أن يتوقف ، آن لنا أن ندرك أنه لا نجاة لنا معاً ، ولا نجاة لأحد منا إلا بادراك حقيقة المشكلات وتشخيصها والبناء على مدركات حلها وأن نكف عن البناء على الأوهام والزور والفهم الخاطئ للواقع وللمشكلات معاً ... لقد آن الأوان كي نشق طريقنا من نفق الفتن والإلغاء ، من نفق التلاعن والتشاتم والنفي والقتل والطغيان إلى أنوار الحوار والتشاور ومواجهة المشكلات الحقيقية ، وإدراك كنهها وطبيعتها وصولاً إلى إيجاد الحلول لها .
هذا يعني أن تشخيص المشكلات ، وإدراك أسبابها الحقيقية مقدمة أساسية لأي حوار جدي ، أما ما قبل ذلك فنحن أمام شيء آخر لا يمكن أن نسميه حواراً .
وبهذا المعنى ذاته دعني أصارحك ، وأكون صادقاً معك مهما كان هذا التصارح وهذا التصادق جارحاً، فأقول: أننا الآن نفتقد الحوار الجدي، وأن هناك الكثير من التكاذب والنفاق من جهة، وهناك الكثير من القذف والنفي والتقوقع من جهة أخرى ... نحن الآن نفتقد الحوار في المجالات كافة وعلى الصعد كافة وبين مكونات المجتمع العربي كافة .. نحن الآن كائنات خائفة مذعورة مهزومة من الداخل ، خائفة حتى الموت من الآخر ، وفي مثل هذه الحالات يشعر العقلاء والحكماء والأصلاء والوطنيون من جميع الفئات أنهم في حالة حصار وعجز ، وتطفو على السطح المليشيات وهنا لا أقصد المليشيات المسلحة فقط وإنما المليشيات على الأصعدة كلها الثقافية والاجتماعية والسياسية ، ويصبح الخطاب الغرائزي البهيمي هو الأعلى ... وبالتالي فنحن نفتقد الحوار الكردي الكردي ، نفتقد الحوار العربي العربي ، نفتقد الحوار داخل الأسرة الواحدة .. نفتقد الحوار حتى مع أنفسنا ، ما نحتاجه الآن هو قراءة موضوعية للواقع كما هو للمشكلات كما هي ، لا كما يزيفونه ويزيفونها ، وفي هذه الحالة ، وفي هذه الحالة فقط يبدأ الحوار الوطني على صعيد الأمة كلها ، بمكنوناتها كلها ،لأننا سندرك حينها أنه لا نجاة لفريق أو لفئة أو لطائفة أو لأثنية أو لمذهب أو لإقليم بمعزل عن نجاة الجميع فأنا لست مؤمناً بالفرقة الناجية ، وأن الآخر من الوطن هو في النار ... إذا بقينا على ما نحن عليه فنحن جميعاً في النار ...وبالتالي إما أن ننجو جميعاً كافة ، وإما أن نبقى في قاع هذا العالم الذي يتطور ويتقدم ، ونحن نختلف على الطريقة التي نذبح بها بعضنا بعضاً ...
هذا لا يعني على الإطلاق أنني أبسط المشكلات ، أو أنني لا أعترف بخصوصية بعض المشكلات لجماعة معينة أو واقع محدد ... على العكس من ذلك فإنني أرى في هذا التنوع عنصراً إيجابياً ، لكنني في الوقت ذاته لا أرى مبرراً لاختلاق مشكلات ، أو تضخيم مشكلات موجودة ...
على صعيد الواقع في دولة سورية هناك تنوع ، هناك فوارق ، نعم .. في دمشق ذاتها كانت الفوارق حادة بين الميادنة والشواغرة والصالحيون ، الآن أضيف لها الفوارق بين الطبالة والـ 86 وجرمانا والدويلعة وعش الورور وجبل الرز وإلى آخرها، في المدن والأرياف ذات الفوارق بين المدن، بين أهل حلب، وأهل دمشق، وأهل اللاذقية ، وما بين الحماصنة، والحمويون ... وأهل الحسكة والدرعاويون وأهل السويداء ... هذه فوارق ، لكنها الفوارق الطبيعية داخل المجتمع الواحد يضاف إليها فوارق بين المذاهب ، بين المتصوفة ، بين الطوائف ، بين البدو والحضر ، بين سكان الريف وسكان الوديان ، هناك فوارق أثنية بين الآشور والأكراد والشراكسة والسريان ، وهناك فوارق بين الأكراد أنفسهم ومع التركمان وقبائل البدو وسكان الحضر ...
لكن هذه فوارق طبيعية تغني الحياة الاجتماعية وتعزز التراث الحضاري للأمة .. لكن أن يدعي البعض أن هذه الفوارق تصلح لأن تكون حدوداً مانعة لانتماءات سياسية ، وقوى سياسية منعزلة اجتماعياً وثقافياً وفكرياً عن سواها وفي مواجهة كل الآخر ...فهذا هراء ، وهذا تخريب وهذا رجعة، و رجعية إلى ما قبل الوطنية ..
دعنا نعود قليلاً إلى التاريخ القريب ، ودون الغوص في الماضي السحيق ، فقد لا يطيق البعض من الأكراد أن أذكرهم بأن بعضهم ينتسب إلى قبائل عربية معروفة ، وأن شجرات أنسابهم لا تخفى على أحد .. ونحن لا نتحدث عن عائلات الأشراف من الأكراد وحسب ، على أية حال دعونا نعود إلى الماضي القريب ، في مطلع القرن الماضي عندما دخلت جيوش الاستعمار الفرنسي إلى سورية أنبرت قوى المجتمع دون تفريق للمقاومة ، كانت القيادة في الشمال للمجاهد إبراهيم هنانو ، وكان المقاومون معه من فئات الوطن المختلفة ، هل يذكر التاريخ حادثة واحدة تقول أن أحداً ما في هذا الوطن تساءل مجرد تساؤل إن كان إبراهيم هنانو كردياً أم لا ...؟ في الساحل السوري كانت القيادة لصالح العلي ، وكان المقاومون من مختلف فئات الشعب ، وفي تنسيق يومي مع المقاومين من مختلف فئات الشعب وفي تنسيق يومي مع المقاومون في حماه وفي الشمال ، هل يذكر التاريخ أن أحداً تساءل عن مذهب صالح العلي .. في السويداء كانت القيادة لسلطان باشا الأطرش وكان المقاومون من فئات الشعب المختلفة بل كانوا قد تجاوزوا حدود سايكس بيكو من شرق الأردن ومن فلسطين ومن شمال الجزيرة العربية وحمص والشام ، هل تساءل أحد عن مذهب سلطان باشا الأطرش وعن الطريقة التي يمارس من خلالها عبادة الله الواحد ، وكذلك المقاومون في الشام وفي حماه وفي دير الزور والحسكة ... ثم يجتمع هؤلاء جميعاً ويختاروا سلطان باشا الأطرش قائداً للثورة السورية الكبرى ... هل يتسع المجال لمزيد من التفاصيل ...؟ دعنا نكتفي بذلك لنبني عليه أن هذا الحراك الوطني المقاوم بدون تفلسف وبدون سفسطة قد أنقذ هذا الجزء من الوطن العربي من مزيد من التفتت والتصغير ، لقد أعلن المندوب السامي للاستعمار الفرنسي إقامة خمس دول في سورية ، وكانت فرنسا دولة عظمى ، لكن هذه المقاومة الوطنية قد أفشلت هذه الدول وفشل التقسيم الطائفي ، أسألك الآن ، لو خطر على بال أحد من هؤلاء الثوار العظام أن يفكر مجرد تفكير بالطريقة الفئوية أو العنصرية أو المذهبية التي يتحدث بها البعض هذه الأيام ماذا كانت النتيجة ...؟!.
على أية حال فقد انتصروا، ولو انتصاراً جزئياً ، صحيح أنهم لم يتمكنوا من الحفاظ على الوحدة مع الرافدين في العراق وشرق الأردن وفلسطين ولبنان ، ولم يسترجعوا لواء اسكندرون ولم ينجزوا المشروع القومي العربي لكنهم منعوا قيام خمس دول إضافية في دولة سورية الحالية ... فهل سيقود القصف المذهبي والأثني الذي يمارسه البعض هذه الأيام إلى ما عجزت جيوش الاستعمار عن تحقيقه ...؟ بل هل يمكن أن يقود إلى غير ذلك ... وهل تستطيع أن تدلني على فئة رابحة من ذلك ... أم أننا جميعاً خاسرون ...؟
دعنا نكمل، بعد الاستقلال وقبله بدأت القوى السياسية بالظهور ، وتشكلت الأحزاب فانخرط الجميع بالنشاط السياسي ووفق توجهات كل منهم ، يسار ووسط ويمين ، وليبراليين واشتراكيين وقوميين وإقليمين ، لكن هل خطر ببال أحد ان يشكل أحزاباً تنتمي إلى ما قبل المواطنة ، سواء كانت كردية أو عنصرية عربية أو مذهبية ، وبما يتعلق بالأكراد تجدهم كوادر فاعلة وقيادية في كل تلك الأحزاب فاليساري منهم مع اليساري من الآخر ، واليميني منهم مع اليميني من الآخر .. وهكذا .. كانوا جزءاً من هذا الحراك الوطني الواسع سياسة، وثقافة، وفناً، وأدباً ..
مــاذا جرى إذن ....؟
المشكلة المعاصرة بدأت مع استقرار عسكرة الدولة ، وما ترتب على ذلك من استبداد حيث أصبحت السلطة فوق الدولة ومؤسساتها ، وفي مرحلة لاحقة التهمت السلطة مؤسسات الدولة ، ثم في مرحلة أخرى التهمت مؤسسات المجتمع وأحزابه بما في ذلك حزب السلطة ذاتها ، ترتب على ذلك انكشاف النسيج الاجتماعي للوطن مما عرضه للتدمير ومما أعاد العلاقات الاجتماعية والسياسية إلى مرحلة ما قبل المواطنة ، هكذا بدأنا نسمع بالمشكلات الأثنية والمذهبية وبدأنا نسمع عن ما يسمى المشكلة الكردية ، والحلول الكردية للمشكلات الكردية ثم عن أحزاب كردية تتوالد كالفطر كل يوم وما أخشاه أن هذا كله سيؤدي إلى تفاقم المشكلات الكردية ، وليس إلى حلها .
على صعيد البنية التنظيمية للأحزاب في سورية ، بدأ النسيج الوطني لهذه الأحزاب يصاب بذات الأمراض التي فتكت بالنسيج الاجتماعي ، وبتنا نجد أنفسنا أمام ظواهر شاذة ، ليس على صعيد البنية التنظيمية للأحزاب ، وإنما على صعيد الكوادر ذاتها .
مثلاً يساريون يهدفون إلى توحيد العالم وتجاوز القوميات إلى أممية عالمية واحدة ، وهم في الوقت ذاته يشكلون ميليشيات عنصرية وحيدة الأثنية لمواجهة الآخر في القرية المجاورة أو في الحي الواحد ، أو حتى في البناء الواحد ، ولو كان يسارياً أممياً يحمل ذات الأفكار لمجرد أنه من أثنية أخرى فهل يستقيم هذا ...؟ والمثل نفسه يمكن أن ينسحب على القوميين والاشتراكيين والليبراليين بحيث نجد شيزوفرانيا منفلتة لا يمكن فهمها ، كيف يمكن أن تكون قومياً ، ومذهبياً في الوقت ذاته ؟ كيف يمكن أن تكون اشتراكياً وطائفياً في الوقت ذاته ...؟ كيف يمكن أن تكون عنصرياً وليبرالياً في الوقت ذاته ..؟
هذا الواقع الأليم الذي أنتجه الاستبداد المديد هو البيئة الوحيدة التي تمكن الاستبداد من الاستمرار ، والاستبداد بهذا المعنى لا يعني اضطهاد فئات بعينها ، أو جماعات بذاتها ، وإنما يعني في الوقت ذاته تدمير الفئات والجماعات التي يسخرها الاستبداد ذاته لإنتاج الاستبداد وتوليده ، ذلك أن الفئات أو الجماعات التي تتوهم للحظة ما أن الاستبداد منحها امتيازات خاصة ستكتشف بعد حين أن الاستبداد نصب لها فخاً فاستنزف إمكانياتها لخدمة الاستبداد مما جعلها محل عداء من الفئات والجماعات الأخرى التي تكون النسيج الاجتماعي للوطن ، وستكتشف أنها كانت مجرد واجهة يدفعها المستبد إلى الواجهة لتمتص الأحقاد على الاستبداد من جهة ، ولتوجيه النقمة الشعبية من مواجهة المستبد إلى مواجهة قوى وهمية ... وفي اللحظة الحاسمة يهرب المستبدون ، أو يختفون بشكل ما .. فتجد تلك الجماعات والفئات التي سخرها المستبد لخدمته نفسها في العراء ، وعليها أن تدفع الثمن ... والمشكلة أن هذا الثمن قد لا يقف عند حدود الثأر منها ، بل قد يتطور كحريق تذروه الرياح لإشعال الحرائق في أنحاء المجتمع برمته .
ما أريد قوله من هذا كله أن هذا الواقع الشاذ والاستثنائي والمؤقت الذي نعيشه لا يصلح أساساً لبناء نهضوي عليه ، ولا يمكن التعامل مع مفرزاته المشوهة ، وكأنها حقائق أبدية نبني عليها .
إنه واقع مؤقت يفرز إفرازات من طبيعته المشوهة حيث يغيب العقل عن التشخيص الحقيقي للمشكلات ، ويغيب عن فهم الواقع كما هو موضوعياً ، ويفسح المجال واسعاً للغريزية والبهيمية المتوحشة التي تعيدنا إلى ما قبل أنسنة الإنسان .
قد تقول يا أخي ابراهيم أنني أتجاهل المشكلات الخاصة التي يعاني منها الأكراد كالجنسية واللغة والمساواة و إلى آخره ... في الجواب على ذلك أقول لك بمنتهى الصراحة أنني لا أتجاهل ذلك على الإطلاق لكنني لا أفهم ولا أتفهم أن يعتقد الأكراد أنهم الضحايا الوحيدون للاستبداد في الوطن ، وأن هناك حلولاً خاصة لمشكلاتهم الخاصة ... عليكم أن تدركوا دون مواربة أن المشكلات التي نعاني منها جميعاً هي مشكلات وطنية عامة وشاملة ينال كل منا نصيبه منها صغر أو كبر ، وبالتالي فإنه لا حلول خاصة بأحد دون سواه ، لهذا فإنني أريد أن نتفق على طريقة ما للخروج من الدائرة المفرغة التي ندور فيها ، وأن نكف عن التنافس فيمن يقع عليه الجور أكثر من سواه ... الاستبداد كما قلت لا يرحم أحداً ، لا يرحم حتى الأدوات التي يستخدمها لاستمرار بقائه ...
أريد أن أؤكد أن الحلول لمشكلات الجماعات العرقية والدينية التي تشعر بالتمايز وبالاضطهاد أكثر من سواها لن تكون إلا في إطار الدولة العادلة الديمقراطية التي لن تقوم لها قائمة إلا بالتمسك بالمواطنة والمساواة وبإفراز أعمدة قيام تلك الدولة وهي المؤسسات الحزبية والدستورية حيث النظام العام فوق الجميع ، بحيث تتحول هذه المؤسسات من مؤسسات الأحزاب إلى مؤسسات الدولة للتعبير تعبيراً حقيقياً عن النسيج الاجتماعي للبشر في هذا الوطن بدون تمييز أو استثناء أو إقصاء أو استئصال ...
وأنني كقومي عربي أقول لك وبصراحة لا محدودة أن الأمة لا تقوم ولا تنمو ولا تتطور إلا بالتفاعل الخلاق والنوعي بين مكوناتها وبالتالي فإن عصور الاستبداد التي التهمت مكونات الأمة وأضعفتها قد التهمت في واقع الأمر وجود الأمة الأساسي وليس فقط مكونات هذه الجماعة أو تلك ... بهذا المعنى فأنا لا أفهم على الإطلاق أن يتم تجاهل اللغات واللهجات والآداب والفنون التي تشكل الركيزة الأساسية لقيام حضارة الأمم ... لا أفهم على سبيل المثال أن يتم تجاهل اللغة الكردية أو الآشورية أو الكلدانية، أو السومرية، أو الكنعانية ، أو النبطية، أو السريانية، أو القبطية، أو النوبية، أو الأمازيغية ،أو الفرعونية، أو الحميرية، أو السواحلية ، وحتى اللغات الوافدة الأرمينية والشركسية التي اندمجت بالتراث الوطني وباتت جزءاً لا يتجزأ منه ، لا أفهم كيف أن هذه اللغات واللهجات تهدد اللغة العربية بينما هي في حقيقة الأمر لغات ولهجات وفق علوم اللسانيات شقيقة ، أو تأسيسية في تطور اللغة العربية ذاتها ... أقول لك لا أفهم ذلك بينما تسعى السلطات الثقافية السائدة في وطن العرب بكل ما تملك لتعليم اللغات الإنكليزية والفرنسية والفارسية واليابانية والألمانية ...
إنني أرى أن الحفاظ على اللغات واللهجات التي أنتجتها العصور الحضارية السالفة في الوطن العربي وتنميتها وتدريسها وتعميمها والحفاظ عليها من الانقراض هو مطلب قومي عربي بالدرجة الأولى ، يجب أن نبذل أقصى الجهد حتى لا يضيع هذا التراث الذي هو أحد المكونات الأساسية للوجود القومي للأمة العربية .. أكثر من ذلك أقول لك أن هناك ضرورة علمية لدراسة هذه اللغات واللهجات لأن فهمها وتعلمها وتحليل وتركيب مكوناتها هو الطريق الوحيدة لقراءة تاريخنا وتراثنا قراءة حقيقية ، ذلك التاريخ المنقوش على الأوابد التاريخية والمخبأ على الرقم ...
إن علم اللسانيات يؤكد ان قراءة الرقم الأثرية وترجمتها من لغة إلى لغة يفقدها نسبة كبيرة من مصداقيتها ، هكذا فإن جميع القراءات للرقم والأوابد القديمة في الوطن العربي قد تمت على يد مكتشفين أجانب فقرأوا تلك الرقم وترجموها إلى الإنكليزية أو الفرنسية أو الهولندية أو الألمانية إلى آخره .. وبإعادة ترجمتها من تلك اللغات إلى اللغة العربية قد أفقدوها الكثير من المعاني ، وبالتالي فإن التركيز على دراسة اللغات واللهجات التي سادت في فترات تاريخية سابقة قد يفتح أبواباً جديدة لقراءة التاريخ قراءة مباشرة ، لهذا فإنني كقومي عربي لست مع تعليم هذه اللغات واللهجات للذين يودون التحدث بها وحسب بل مع إدخالها في المناهج التعليمية للجميع حفاظاً عليها كجزء من التراث الإنساني لهذه الأمة ، وكذلك فإن هذا ينطبق على مختلف الفنون والتراث الشعبي والثقافة ، على الأقل دعنا نتفق معاً على التمتع بالغزل بالعيون السود في الغناء السائد من جبال الأكراد إلى صحاري الجزيرة العربية ... ثم دعني انتقل إليك كفنان تشكيلي ، لو أردنا أن نرسم هذه الأمة ونعبر عنها بلوحة تشكيلية واحدة ، هل يمكن أن ننجز ذلك بلون واحد ؟ أليس من الجهل أن نعتبر أن الألوان تشوه اللوحة ، بينما، وفي واقع الأمر، بقدر انسجام هذه الألوان وتدرجها وتناسقها نعطي اللوحة أبعاداً وأعماقاً وتولد فينا أحلاماً لا حدود لها ..
ثم دعني أصارحك .. قد تكون المشكلة في المسمى فلعل البعض أصبح لديه عقدة من العروبة ، من القومية العربية ، من الأمة العربية بحجة أن بعض الأحزاب القومية ، أو الشخصيات القومية تبنت فكرة النظام الشمولي الاستبدادي فارتبطت القومية العربية بأذهان البعض بالنظم الشمولية الاستبدادية ، أولاً أن هذا الأسلوب في الحكم لا علاقة له على الإطلاق بعقيدة القومية العربية إنه مناقض لها ، المشكلة أن هذه الطريقة في الحكم تم استنباطها من النظم الشمولية التي كانت تسمى المعسكر الاشتراكي وكان القوميون العرب، يعتقدون وهم على حق، في ذلك أن الاستعمار التقليدي والإمبريالية الحديثة هي التي تقود العدوان الداخلي والخارجي على الأمة العربية وبالتالي فإن عليهم أن ينحازوا إلى النظم الشمولية السائدة في القرن الماضي والتي تواجه المعسكر الغربي، هذا كل ما في الأمر ، وقد أثبتت التجارب أن الاستبداد والنظم الشمولية هي العدو الأول للقومية العربية ، ثم ان هذه النظم سوقت هذه الطريقة من الحكم ليس كنهج قومي وإنما كضرورة مؤقتة تفرضها الظروف ، على أساس أن هذا النظام الشمولي المؤقت في طريقه إلى الزوال لمصلحة الدولة القومية الواحدة ، الذي حصل ، أن المشروع القومي العربي تعثر وباتت هذه النظم المستبدة هدفاً لدى بعض المستبدين الذين لم يعد لهم أي مساهمة أو أثر في النضال القومي العربي التوحيدي ، بل تحولوا إلى عقبات في طريق هذا النضال ... لكن وحتى ننظر للواقع العربي بنظرة شاملة لابد من الاعتراف أن النظم غير القومية ، لم تكن أقل شمولية أو أقل استبداداً ، أو أقل عائلية ، أو أقل إقليمية .. بل كانت من ذات الطينة الاستبدادية ... وبالتالي فإن النظم الشمولية ليست خصوصية قومية وأننا نحن القوميون العرب المعاصرون نريد أن نبرز هويتنا الديمقراطية بشكل واضح و صريح ، وأن نقطع قطعاً باتاً مع جميع أشكال الاستبداد والشمولية ، وهذا حديث آخر ... ما أريد أن أؤكد عليه فقط ، أن ما نالنا نحن القوميون من عسف وقهر نظم الاستبداد أكثر مما نال سوانا وقد اتفقنا على أية حال أن لا نتبارى في إبراز المظالم التي تعرضنا لها ، لكن يجب أن نقر بأن النظرة إلى العروبة على أنها تنتج الاستبداد والطغاة هي نظرة ليست خاطئة وحسب ، وإنما تجافي الحقيقة والواقع وإذا انتقلنا إلى الواقع الموضوعي للأمة العربية نجد التسامح والعلاقات الإيجابية هي السائدة بين الناس العاديين وعلى سجيتهم ولذلك فنحن نعتبر أن الكردي الأصيل هو العربي الأصيل .. لأن العروبة كما أسلفت ، وكما أحب ان أكرر ليست عرقاً ، وإنما تكوين حضاري لجميع المكونات التي تكونت منها ، ولا يزايد أحد علينا في نظرتنا الإنسانية ، وفي رفضنا لكل أشكال التعصب والعصبيات ، نحن الأمة الوحيدة في التاريخ البشري التي تبنت أبناء أسرى الخصوم وعلمتهم ، وعندما اشتد ساعدهم حكموا الأمة عشرات السنين دون أن يسأل أحد عن منبتهم وعن أعراقهم ، ثم ألم يحمل العرب السلاح وينضووا تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي الكردي ..؟ ثم دعنا ننتقل إلى الحاضر ... هل تريد أن أعدد لك عدد رؤساء جمهورية سورية من الأكراد ، أو عدد رؤساء الوزراء ...
لقد حدث هذا عندما لم يكن في سوريا حزب كردي واحد ، الآن لديكم خمسة عشر حزب كردي وهي قيد التوالد المستمر .. هل يمكن ان تنتج شيئاً من هذا ... بل على العكس من ذلك فإن الذين يعزفون على وتر الأثنيات والمذهبيات والطائفيات والمناطقيات هم الأعداء الحقيقيين لأثنياتهم ومذاهبهم وطوائفهم ومناطقهم وأن المتضرر الأساسي مما يفعلون هم أولئك الذين يدعون أنهم يحافظون على حقوقهم في مواجهة الآخر .
فدعونا نناضل معاً من أجل الدولة العادلة الديمقراطية الحرة وأقصد بالفعل معاً ، وعندها سيذهب كل هذا الزبد جفاء ...
وللذين لديهم مشكلة مع مسمى العروبة ،أقول المشكلة أنني لا أجد اسماً آخر لهذه الأمة غير الأمة العربية فهو اسم جامع ، وعلى أية حال إذا وجدتم اسماً آخر فلا مانع لدي لكنني فقط أرفض التسميات الاستعمارية ، ليس لأنها استعمارية ولكن لما تتضمنه من عنصرية واستعلاء ... فنحن لا يمكن أن نستمد تسميتنا من أننا شرق فلان ، أو أننا أدنى من فلان أو أننا أبعد .. فنحن لسنا نكرة في هذا العالم ، لسنا لقطاء بدون كنية أو نسبة ، نحن أمة لها من الحضارات ما يكفي وتخلفها الراهن مهما طال هو استثنائي .. يمكن أن نضع له حداً إذا صدقت النوايا ...
لعل من الواجب بعد هذا كله أن أعتذر إليك ومن قراء مطبوعتك الغراء عن الاستطرادات التي وجدت نفسي منساقاً إليها ، لكن صدقني أن ما يجري الآن في وطني يدمي قلبي .. خاصة أن هناك مصطلحات لم اعد احتمل سماعها .. ويبقى الأمل أن ينطلق حوار وطني شامل يشمل المواطنين كافة ، ويعالج المشكلات برمتها رزمة واحدة بين مواطنين متساويين يعززون بانتماءتهم الخاصة انتمائهم العام لوطن وأمة ، متساويين في الحقوق والواجبات ، في الغرم والغنم ، في السراء والضراء ، إن هذا لا يلغي خصوصية احد ولا ينتقص من كرامة أحد بل التفكير الميلشوي داخل المجتمع الواحد هو الذي يلغي ، وهو الذي ينتقص من الخاص والعام معاً ، صدقني إن خمسة عشر حزباً كردياً تنتقص من حقوق الأكراد ولا تعزز من وجودهم ، كما أن النعرات الطائفية والمذهبية والعنصرية لن تقدم شيئاً لدعاتها ، على العكس من ذلك تماماً فإن العلاقات ما قبل الوطنية ستحول أصحابها بإرادتهم أو بجهلهم إلى أدوات في لعبة كبرى لن يكونوا فيها لاعبين بل ملعوباً بهم ، وإلى وقود في محارق يجهلون من يشعلها ولماذا ....
لهذا فإنني وعبر هذا الحوار أدعو إلى حوار وطني شامل على أساس وطني ، وبأرضية وطنية ولأهداف وغايات وطنية ، وليصل هذا كله إلى غايته بلا إكراه أو مصادرة لحقوق أحد ، وأنا كعربي قومي أرى أن الحرية والديمقراطية هي الطريق إلى الوحدة العربية وأنني أرفض الإكراه والطغيان والاستبداد مهما كانت غاياته أو مبرراته ... فلنتفق على الحوار ولنحتكم إلى إرادة الناس ، ولنقبل ما تقرره صناديق الاقتراح النزيهة ، أما ما دون ذلك فليس هراء وحسب ، وإنما تخريب وتمزيق للوطن ...
هكذا ترى أنني داعية للحوار ، لكنني أجزم أن هذا الحوار الجدي المجدي لم يبدأ بعد ..
- إذا كنت ترى أن هذا الحوار غير قائم حتى الآن فكيف ترى إمكانية قيامه في المستقبل ؟
كما قلت لك نحن نحتاج إلى حوار بالعمق إلى تصادق وشفافية ومصارحة ، وفي مثل هذه الظروف الصعبة التي نمر بها تطفو على السطح الغرائزية والبهيمية والقطيعية ، ويسود التوحش ورفض الآخر والتفرد والتقوقع ويتم تحييد الحكماء والعقلاء وحملة مشاعل الحرية والتنوير والأنسنة .. المطلوب الآن من هؤلاء التنويرين أن لا يركنوا إلى محاولات تهميشهم وتهميش دورهم من قبل قوى الظلم والظلام ، عليهم ان يبادروا في كل الأماكن من مختلف الجماعات والأثنيات ومكونات المجتمع أن يبادروا لإطلاق صرختهم الإنقاذية ، ان يتكاتفوا ويحملوا مشاعل الحوار والنهضة في وجه هذا التوحش السائد ، منذ حوالي عشر سنوات وجهت دعوة حارة عبر المؤتمر القومي الإسلامي إلى الاتفاق على ميثاق وعهد وطني يحرم تحريماً مطلقاً كل أشكال العنف داخل المجتمع العربي ، فالطريق الوحيد لحل الخلاف في الوطن هو الحوار أولاً ، والحوار ثانياً ، والحوار أخيراً ... وأن العنف يستخدم فقط على الحدود لرد العدوان عن الوطن ، ولعلي الآن أجدد هذه الدعوة ...
- كيف ترى الدولة المدنية ؟
الدولة المدنية هي الدولة العادلة التي توفر الحرية للمجتمع في التطور والجدل الاجتماعي ، وهي الدولة القادرة على صد العدوان عن شعبها ، وهي الدولة التي لا تعتدي على سواها .. هي دولة المساواة ، ودولة تكافؤ الفرص ، دولة العدالة الاجتماعية ، ودولة حقوق الإنسان وحرية المعتقدات ، لا عدوان على احد، ولا عدوان من احد ، دولة نظام عام ودستور وقوانين الجميع سواسية أمامها ... لا عصابات ، لا فساد ، لا مظلوم يمنع من رفع الظلم عن نفسه ، ولا ظالم ينجو من العقاب .
وإذا كنت كقومي عربي أرى أن هذه الدولة وبهذه المواصفات تكتسب شرعيتها من شرعية أركانها الشعب والوطن والسلطة المشروعة التي تمثل هذه المعاني ، وإذا كان الشعب كما أرى حدوده هو شعب الأمة العربية وان الوطن هو وطن هذه الأمة بين المحيط والخليج ، وأن السلطة هي التي ينتجها هذا الشعب بحريته وديمقراطياً وهو الذي يحدد طبيعتها ، ويتم تداول السلطة فيها دورياً بلا استبداد أو تسلط ...وإذا كنت اعتقد أن التجزئة غير مشروعة ، وان الدول القائمة وفقها هي دول فعلية طارئة لكنني في الوقت ذاته بت اعتقد أن هذه الدول الاستبدادية تعيق الطريق لتحقيق دولة الوحدة العربية العادلة .
لقد اختبرنا الدولة الشمولية الإقليمية، ومن الثابت أنها لا تؤدي إلى الوحدة العربية بل تعيق الوصول إليها ، وجربنا الانقلابات العسكرية ، ومن الثابت أنها لا تؤدي إلا إلى الديكتاتورية الإقليمية ، وبالتالي فإن الانتقال بهذه الدول إلى المرحلة الديمقراطية وصيانة الحريات العامة ، ورفع الاستبداد عن كاهل الشعب العربي ليمارس حريته ويمارس الجدل الاجتماعي على أوسع نطاق هو الطريق الوحيد إلى الوحدة العربية ، وبالتالي فإنني على قناعة بأن على القوميين العرب في جميع أجزاء المجتمع العربي وكخطوة أولى أن يتحالفوا مع جميع القوى الديمقراطية والتي تنشد الحرية في الأجزاء العربية في سبيل رفع نير الاستبداد ، فالشعب العربي المتحرر والحر هو القادر على تحقيق الوحدة العربية لأنه وبإرادته الحرة سيكتشف العلاقة العضوية بين المشكلات التي نعاني منها في كافة الأجزاء وان الحل القومي لهذه المشكلات من أول التنمية وعدالة توزيع الثروات إلى الاستثمار الصحيح للإمكانيات هو الذي يحقق التطور لجميع مكونات هذه الأمة .. وبهذا المعنى فإن الطريق إلى الوحدة العربية هو طريق إرادي وحر ، وان الإكراه والطغيان هو العقبة الأساسية في الطريق إلى تحرر الأجزاء ، وتحرر الكل في الوقت ذاته وفي دولة الوحدة هذه لن يضطهد أحد لأنه من أثنية معينة ، أو من مذهب معين ، أو طائفة معينة ، أو إقليم معين ، ففي دولة الوحدة هذه لن يلتحق أحد بأحد أو يلحق به قسراً ، وإنما المساواة التامة أمام القانون .. وأعتقد أن الجماعات التي ترى أنها مضطهدة وأن حقوقها منقوصة ، أو أنها تخشى من الاضطهاد ومن انتقاص حقوقها هي صاحبة المصلحة في هذا المشروع القومي وليس العكس ..
إبراهيم حيدري
ألآن ، لنترك هذا الموضوع مفتوحاً للحوار حتى الأسبوع القادم ، وربما إلى اللقاء ....
دمشق : 22/12/2009
حـــبيب عيـسى
Habib.issa@yahoo.com


