التيار القومي العربي طليعة النهضة وضحية الاستبداد  - حسين العودات : البيان 27/8/2005
يشكل التيار القومي العربي (البعثيون والناصريون والقوميون العرب وغيرهم) الاستمرار الطبيعي لتيار النهضة العربية وحامل منطلقاتها، فكما ساهم في حركة النهضة العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فقد كان التيار الرئيس في إنجاز الاستقلال الوطني لمعظم الدول العربية، وفيما بعد قائداً لحركة التحرر العربية بعد الاستقلال، حيث قاد هذه الحركة طوال عقدين استطاعت خلالهما أن تنقل الشعب العربي والمجتمعات العربية من حال إلى حال أخرى.
فتغير التركيب الطبقي للمجتمعات العربية، وصقل الفكر القومي مهماته وأهدافه، واستطاعت هذه الحركة مع حركات التحرر في الدول الآسيوية والأفريقية فرض نفسها ومنطلقاتها السياسية والاجتماعية والثقافية على قطبي الحرب الباردة، وساعدت عديداً من الدول في هاتين القارتين على الاستقلال والتحرر.
لقد انتكست حركة التحرر العربية بعد عدوان 1967، ولكن لم يكن العدوان هو السبب الوحيد للنكسة، فقبل ذلك لم تعد المنطلقات التي تبناها التيار القومي في مطلع الخمسينات كافية لحل المعضلات التي تواجهها الأمة، وخاصة بعد تولي أحزاب أو مجموعات أو فصائل من هذا التيار السلطة، (في مصر وسورية والعراق) وفيما بعد في اليمن الجنوبي (القوميون العرب) وليبيا والسودان (1969 ـ 1972) فلم تكن مفاهيم الدولة ومهماتها ووظائفها واضحة أمام فصائل هذا التيار،
وكان الغموض يحيط بهذه المفاهيم تجاه المواطنة والحرية والديمقراطية والتعددية وما ينتج عنها من تحالفات، وكذلك تجاه الاشتراكية أو الطريق العربي إلى الاشتراكية، وطرق بناء الاقتصاد الوطني والموقف من الإسلام السياسي ومن الأقليات القومية، ولم تتبن المواقف الأفضل في سياساتها الخارجية، وقبل هذا وذاك بقي مفهومها للقومية العربية يحيط به غموض شديد كما هو حال نظرتها للوحدة العربية وأساليب تطبيقها.
وباختصار عجز التيار القومي على مختلف فصائله وأحزابه عن حل المشكلات الكبرى العقائدية التي واجهت الأمة في النصف الثاني من القرن العشرين، وزاد العجز عجزاً عندما لم تستطع أحزاب هذا التيار وفصائله إقامة دولة تتناسب من حيث مفاهيمها وبنيتها ووظائفها مع منطلقاته وأهدافه ومصالح جماهيره، بل ربما تناقضت دوله وأنظمته مع مصالح جماهيرها ومطامحها،
لقد بدأ فشل الدول والأنظمة التي أقامها التيار القومي ينمو منذ الأيام الأولى لقيامها، مما حولها من تيارات شعبية إلى أنظمة سياسية وسلطة أو سلطات لم تتبن الأهداف كما يفترض ولم تستطع استيعاب المتغيرات، ولذلك تحولت النظم السياسية إلى سلطات استبدادية بعيدة عن الجماهير مستسلمة لفئة واحدة (عسكرية أو أمنية أو بيروقراطية أو طائفية أو جغرافية أو ما في حكمها)،
ولم تشارك الجماهير فعلياً في بناء الدولة وتقويمها ولا لعبت دور الرقيب عليها والموجه لها، بل أصبحت هذه الجماهير محط قمع الأنظمة ووسيلتها لاستمرار السلطة، وتحولت إلى ما يشبه الرعايا والأتباع. كان طبيعياً والحال هكذا أن تفشل الأنظمة السياسية التي أقامتها أحزاب وفصائل التيار القومي،
وتتحول إلى سلطات ديكتاتورية شمولية مستبدة لاعلاقة لها في الواقع لا بالتيار القومي العربي ولا بحركة التحرر العربية ولا بالجماهير ولا بالأحزاب التي أتت بها، سلطات غاصبة مغتصبة فاسدة اغتصبت أول ما اغتصبت الأحزاب والفصائل القومية التي أقامتها.
لقد ألقيت بدون حق مسؤولية فشل حركة التحرر العربية وعجز الدول العربية المستقلة وأنظمتها السياسية واستبداد السلطات الحاكمة وفسادها وتخلف الأمة عامة على عاتق التيار القومي وأحزابه وفصائله، سواء من قبل أعدائه أم من قبل أصدقائه أم من قبل الجماهير الشعبية،
ولم يكن أحد ليفرّق بين هذا التيار وبين ما آلت إليه الأنظمة السياسية التي أقامها والتي خرجت من يده بعيد إقامتها بمدد قصيرة، ولم تجد أحزاب وفصائل التيار القومي فرصتها لا في تطوير أيديولوجيتها وعقائدها ولا حتى في إقامة نظم سياسية يمثلها، كما فشلت في الدفاع عن نفسها، خاصة وأن ورثتها تبنوا اسمها ومبادئها وشعاراتها واستولوا على تاريخها ومستقبلها.
وهذا أدى بالواقع إلى تراجع التيار القومي وأحزابه وضعفه في العقود الأخيرة وظهور بدائل له أغلبها دينية متطرفة، في الوقت الذي تلاشت فيه مفاهيم الدولة الحديثة التي حملها هذا التيار عند نشوئه، وتراجع دور الطبقة أو الطبقات الحاملة له وترسخت القطرية والإقليمية والطائفية في ثقافة الأمة،
وترافق ذلك مع سيادة القطب الواحد السياسية في العالم المعاصر وهيمنة مفاهيمه وعلى الأخص منها مفهوم العولمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واخذ العالم يشهد هيمنة أميركية ربما كانت أشد وأقسى من هيمنة الدول الاستعمارية القديمة وإن بوسائل أخرى، كما أخذت الأمة العربية تشهد غزواً صهيونياً متجدداً ومتنوعاً لم يعد يكتفي بغزو الأرض وضمها بل يتدخل في تشكيل الأنظمة السياسية والاجتماعية العربية،
وبناء نظام إقليمي جديد على أنقاض النظام العربي الذي قام منذ أكثر من نصف قرن. بعد هذه التطورات عاد التيار القومي ليتذكر أن الخلاص يكمن في العودة لأفكار النهضة العربية ومفاهيمها وتطوير هذه المفاهيم لتستوعب المستجدات وشروطها وظروف النظام العالمي الذي بات يسمى جديداً، وعلى الأخص منها مفهوم الدولة الحديثة ومرجعيتها الرئيس أعني المواطنة،
ومفاهيمها الأخرى المتعلقة ببنية الدولة ووظيفتها والالتزام بالحرية والديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان والمساواة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وغيرها، وهي جميعها ليست فقط من ضرورات الدولة الحديثة وإنما أيضاً من الأهداف التي حملها تيار النهضة العربية منذ أكثر من قرن وناضل من أجل إقامة دول مستقلة حديثة مؤمنة بهذه المفاهيم وتعمل على تحقيقها.
لقد أثبتت تجارب التيار القومي العربي وانتصاراته وخيباته أن مفاهيمه التي قفز بها فوق مفاهيم حركة النهضة، ومحاولاته نقل مفاهيم أخرى لم تكن الأفضل لإنجاح عملية التطور في بلادنا، فلا مفاهيم الحرية للجماهير والديمقراطية الشعبية وصراع الطبقات والجيش العقائدي والتقسيم التعسفي للمجتمع اقتصادياً (وطبقياً) أو تقسيمه التعسفي أيضاً (سياسياً) كانت قادرة على حل المعضلات وتحقيق الأهداف،
ولا مجرد تولي السلطة و (سحق الأعداء) وتجاهل دور المجتمع وحراكه ومنظماته الاجتماعية والسياسية بقادرة أيضاً، وكذا الأمر بإيلاء القيادة للنخبة مدنية كانت أم عسكرية أو تسليمها لبيروقراطية الحزب وبيروقراطية الدولة. لقد كان الفشل مريعاً وشاملاً،
وللأسف ألقى هذا الفشل من الجميع على التيار القومي بما هو أيديولوجيا وعقيدة وليس بما كان عليه كأنظمة وسلطات. فحري بالتيار القومي الآن أن يضع مشروعاً جديداً تحتاجه الأمة، يستفيد من الأخطاء ويستوعب الظروف ويبدأ انطلاقة جديدة.