على بساط الثلاثاء

 

58   

 

 

( 1 )

 

مدخل :

        أعترف ابتداء ، أنني سأطرح على "بساط الثلاثاء" هذا الأسبوع ، قضية إشكالية ، بالغة الأهمية مسكوت عنها في العلن ، أغلب الأحيان ، رغم ما تثيره من تداعيات ، وتساؤلات هامسة تصل إلى حد الاتهام من كل طرف ، باتجاه الأطراف الأخرى .

        القضية التي أعنيها تتعلق ، بالمعارضة العربية ، وبالسلطة العربية ، وبالعلاقة بينهما ، ولعلنا سنواجه على الفور باعتراض يتعلق بالمفاهيم ، والمصطلحات ، فعرب اليوم لا ينضوون تحت راية دولة عربية واحدة ، ولا يواجهون سلطة عربية واحدة ، وإنما يواجهون سلطات متعددة متنوعة ، من حيث الشكل ، لكنها تكاد تكون متطابقة من حيث المضمون ، والوظائف ، وبالتالي فإن "المعارضات العربية" تنوعت من حيث الشكل أيضاً ، لكنها تكاد تكون متطابقة ، من حيث البنية الذاتية ، والأساليب التأديبية ، التي تتعرض لها ، والتي وصلت بها ، إلى حد التهميش .

                 وإذا كان منشأ " الدول الفعلية " التي تم تركيبها على وطن الأمة العربية معروفاً ، ووثائق تأسيسها التي اعتمدت على معاهدات بين الدول المحتلة ، أو على قرارات قادة الجيوش المحتملة ، والمندوبين البالغين السمو ، فإن الأمر لا يتعلق بالنشأة ، ولا يقتصر عليها ، وإنما امتد من رسم الحدود ، وتعيين السلطات ، إلى تحديد طبيعة الأنظمة ، ملكيات ، جمهوريات ، إمارات ، سلطنات ، مستوطنات ، وقد تم ترسيم ذلك ، كله ، بينما كان الوطن العربي من محيطه إلى خليجه تحت سطوة الجيوش المحتلة مباشرة ، والتي تم تشريع احتلالها دولياً تحت أسماء مختلفة : حماية ، وصاية ، انتداب ، استعمار ، مستوطنات ، أراض محتلة ، سايكس – بيكو ، سان – ريمو ، شمال إفريقيا ، وعد بلفور ، أحلاف ، ثم ، معاهدة بين المنتدبين على سورية ، وبين تركية لمنحها لواء الأسكندرونة ، وملحقاته ، ثم معاهدة بين المستعمرين للعراق ، وبين إيران ، لمنحها عربستان ، وملحقاتها ، ثم معاهدة بين المستعمرين لفلسطين ، وبين المستوطنين الصهاينة ، لمنحهم دولة فيها أسموها " إسرائيل " .. وهكذا ... إلى أن بلغ عدد الدول في الوطن العربي /22/ مرشحة للتوالد ، ولم تكتف الدول المحتلة للوطن ، بذلك ، بل حرصت قبل أن تسحب جيوشها من الوطن العربي ، على إضفاء الشرعية الدولية على المواليد غير الشرعيين " كدول ذات سيادة " ، فأخذت الدول المحتلة بيد الدول الوليدة ، لتأسس منها " جامعة الدول العربية " ، ثم أخذت بيدها إلى هيئة الأمم المتحدة لتمنحها مقاعد مريحة لمن يمثلها في هيئة الأمم المتحدة ، بغض النظر عن الشرعية ، والمشروعية ، وصحة التمثيل ، ولم يتغير هذا الواقع جوهرياً ، رغم الانقلابات العسكرية ، وغير العسكرية ، التي وقعت لاحقاً في بعض تلك الدول ، حيث أن تلك الانقلابات أكلت أبناءها ، والتهمت المبادئ التي انقلبت من اجلها ، إلى أن انضبطت في السياق العام للوظائف ، والمهام المنوطة بتلك الدول ، والمنصوص عليها في الأسباب الموجبة لتأسيسها ، مما أدى إلى ترسيخ السمة العامة المشتركة ، والثابتة ، لتلك "الدول" ، رغم اختلاف السياسات ، وشكل الدول ، وهي أنها لا تمتلك من أركان الدولة ، إلا بكونها مجرد  سلطات استبدادية فردية ، تحتكر الإمكانيات ، والوسائل اللوجستية التي تمكنهّا من قمع محاولات التغيير ، والتطور الاجتماعي ، فلا سلطة وطنية ، قومية ، على صعيد الأمة ، ولا سلطات وطنية على صعيد الأقاليم ..وإنما سلطات ذات طبيعة أقطاعية ، أبوية ، عبودية ....

 

( 2 )

 

                 لقد أدى هذا كله إلى تآكل خطير نال من هيبة مؤسسات "الدول العربية" ، ومن هيبة الموظف العام في السلطات ، التنفيذية ، والتشريعية ، والقضائية ، وحتى العسكرية ، وباتت تلك المؤسسات أسيرة بأيادي سلطة المخبرين ، وأجهزتهم الأمنية ، تلك الأجهزة التي شكلت المرجع الوحيد للتوظيف ، والتوزير ، والترفيع ، والعزل ، والتسريح ، والتعيين ، في السلطات التنفيذية ، والقضائية ، والتشريعية ، والعسكرية حيث تمكنتّ الأجهزة الأمنية من تهميش حتى دور المؤسسة العسكرية ، وباتت الموافقة الأمنية ، أو الترشيح الأمني ، هو المرجع الوحيد للتنصيب في المناصب حتى الاقتصادية ، والإعلامية ، والثقافية ،  أو للعزل منها ، ثم تمكنت تلك الأجهزة من احتكار الفاعلية في سائر مفاصل المجتمعات العربية ، فانعكس ذلك أيضاً على مؤسسات المجتمع ، وباتت النقابات على أعضائها ، وليس لهم ، وامتدت السطوة على مختلف مرافق المجتمع من أحزاب ، وجمعيات ، وفعاليات أخرى ، فإما أن تنصاع لإرادة المخبرين ، وأجهزتهم ، وإما أن تنال من التنكيل ، والتأديب ما يهمّشها ، أو يلغي فاعليتها ، نهائياً ، ويحولها من مؤسسات جماهيرية مساهمة ، إلى ما هو أدنى من "شركات محاصّة" ، حيث أنه في "شركات المحاصّة" التجارية يذكر : " شركة فلان وشركائه " أما هنا ، فقد بتنا أمام حزب فلان ، أو جماعة فلان ومريديه ، أو ، وتابعيه ..

 

( 3 )

 

                 هكذا فإننا نعترف ابتداء أننا كمعارضات ، وكدول مأزومين إلى هذه الدرجة ، أو تلك ..

وأن تلك الأزمة انتشرت ، كالوباء ، في مجتمعنا العربي ، أو في "مجتمعاتنا الإقليمية" إن شئتم ، وتوقفت مسيرة الارتقاء إلى المواطنة ، والحرية ، والمساواة ، والعدالة الاجتماعية ، وانحسرت مشاريع النهضة ، وانكفأ الناس إلى علاقات ما قبل المواطنة ، من طائفية ، ودينية ، ومذهبية ، وإقليمية ، وأثنية ، وعائلية ، ورغم أن هذه الردة تصّب في مصلحة الاستبداد ، آنياً ، إلا أن تلك الردة على المدى البعيد تطيح ، بكل شيء ، بالمجتمع وبالمستبدين في وقت واحد ، وتنتشر الفتن فلا يسلم منها أحد ، لا حكام ،  ولا محكومين .. والتوحش الذي تمارسه أجهزة القمع من الأعلى ، سيقابل بتوحش من ذات الطبيعة ، أو ربما أكثر قسوة ، واتساعاً من قاع المجتمع ، طال الزمن ، أو قصر ، وهكذا ، فإن مشاريع النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، باتت بين فكي كماشة من أعلى السلطة ، ومن قاع المجتمع ، ولا فكاك من هذه الإشكالية ، إلا بتكاتف العناصر الإيجابية في مجتمعنا العربي ، أو في مجتمعاتنا ، و"دولنا" ، إن شئتم ، والتصدي لتلك الإشكالية بالوعي ، والإرادة ، والتنادي إلى الكلمة السواء ، واستئناف مشاريع النهوض ، والتنوير ، وهذا يقتضي من جميع الأطراف الانتقال من مناخ التشنج ، ورفض الآخر ، إلى مناخ إيجابي ، يعرف الأفراد ، وتعرف الجماعات ، فيه ، كيف تتعايش ، وتدير الاختلاف ، فلا يتحول إلى خلاف ، وتعرف كيف تتخلى عن أشنع ما أنتجه الاستبداد ، وهو التفرد ، والاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة ، أو السلطة المطلقة ، وأن الآخر شر مطلق ، وهذا يتطلب شجاعة على الذات ، أولاً ، وتسامح مع الآخر ، ثانياً ، فالوطن للجميع ، على صعيد واحد من المساواة ، والعدالة ، والطريق إلى المستقبل ليس حكراً لأحد ، بل هو طريق واسع ذو مسارات متعددة تسمح بتنافس المتنافسين ، المهم أن يوفرّ كل فريق ، الأداة المناسبة للإنطاق باتجاه المستقبل ، وأن يتفادى الجميع الصدام ، الذي يغلق الطريق أمام الجميع ...

 

( 4 )

 

                 بناء على ما تقدم ، وللخروج من المأزق ، والانعتاق من المحنة ، فإن المجتمع العربي في أمس الحاجة إلى عقد ملزم ، يكفّ بموجبه ، الأفراد ، وتكف الجماعات ، عن المهاترات ، والإقصاء ، والاستئصال ، والتكفير ،  والتخوين ، والكف عن دعوات الثأر ، والثأر المضاد ، وأن يتجه الجميع إلى إعادة الحيوية للمجتمع العربي ، الذي تم تهميش دوره ، أو اتجه هو إلى التهميش ، استسلاماً ، أو استلاباً ، أو خوفاً ، أو يأساً ، أو إحباطاً ، أو عجزاً ، وهذا في منتهى الأهمية ، ذلك أن عودة القرار ، والفاعلية إلى المجتمع ، عبر ترسيخ دوره بأنه المرجعية الحاسمة ، عبر صناديق الاقتراع ، هو الشرط الأساس لانطلاق مشروع النهوض ، والتنوير ، وحتى يتمكن المجتمع من توليد المؤسسات التي تعبر عنه ، حقيقة ، من أول الأحزاب السياسية ، إلى آخر النقابات ، والمجالس التشريعية ، وإنتاج سلطات تنفيذية شرعية ، وقضاء عادل ، ومستقل ، ومؤسسات عسكرية ، وأمنية تحفظ أمن الوطن ، والمواطنين ، فلا تهدد أمنهم ، ولا تنتهك حقوقهم  ..، وإنما تهدد أمن الغزاة ، والأعداء الطامعين ، والمحتلين ....

                 هكذا ، فإن الأمانة في توصيف الواقع العربي ، تقتضي الاعتراف بأن المشكلة لم تعد محصورة في جهة معينة ، وإنما تفرعت ، لتشمل مؤسسات الدول ، ومفاصل المجتمع ، مما أدى إلى هذه العطالة ، التي حّولت الوطن العربي من قوة مركزية ، في هذا العالم ، إلى مجرد ساحة لصراعات الآخرين على أرضه ، وثرواته ، وحتى على هويته ، ووجوده ، وبالتالي ، فإن بداية تلمّس طريق الخروج من المأزق ، تكون بأن يتوجه الجهد من كل طرف ، أو فريق إلى الداخل ، إلى الذات ، لحل مشكلته ، أي ، باختصار شديد ، أن يرى كل فريق ، الخشبة التي في عينه ، قبل أن يرى القشة في عين الآخر ، كما يقول المثل الشعبي ... لهذا ، فإننا نرى أن مشروع النهوض ، والتنوير في الوطن العربي يبدأ من :

أولاً – ترشيد مؤسسات "الدول" في الوطن العربي ، داخل كل "دولة عربية" ، وفي العلاقات ، فيما بين تلك "الدول" ، تكاملاً ، وتضامناً .. ..

ثانياً – ترشيد مؤسسات "المعارضات العربية" من أحزاب ، وجمعيات ، ومنتديات ، ونقابات ، ومنظمات ، داخل كل دولة عربية ، وفي العلاقات فيما بين تلك المعارضات على صعيد الوطن العربي ، تكاملاً ، وتضامناً .

ثالثاً – ترشيد العلاقة بين المعارضات العربية ، من جهة ، وبين مؤسسات الدول العربية ، من جهة أخرى ، داخل كل دولة عربية على حدة ، وبين المعارضات العربية ، والدول العربية ، على صعيد الوطن العربي ، عن طريق تفعيل دور الجامعة العربية ، ومؤسساتها القومية .

 

( 5 )

 

فيما يتعلق بالبند الأول ، الخاص ، بترشيد مؤسسات الدول في الوطن العربي ، فإننا نتوجه بالخطاب إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية ، ذلك أن الجامعة ، هي جامعة " دول " كما يدل على ذلك أسمها ، وللدولة كما هو متفق عليه في الفقه القانوني ، أركاناً ثلاثة : الأرض ، والشعب ، والسلطة ، والسلطة ، كركن من أركان الدولة يجب أن تتوفر فيها شروط محددة ، لتمثيل الدولة ، تمثيلاً صحيحاً .. كل ما نطلبه من جامعة الدول العربية أن تعتمد آلية قانونية للتدقيق في صحة تمثيل الدول العربية ، في مؤسسات الجامعة العربية ، ذلك أن الجامعة العربية ، في وضعها الراهن ، هي "جامعة سلطات" ، وليست "جامعة دول" ، ونحن ، هنا ، لا نبحث في شرعية ، ومشروعية الدول القائمة في الوطن العربي ، ولا في مدى التزام تلك الدول بتحقيق ، الأمن القومي العربي ، أو الأمن الإقليمي العربي ، أو الأمن الغذائي العربي ، ولا بأي شكل من أشكال الأمن ، ذلك أن المواطن العربي بات يتحسس رأسه كلما ذكرت أمامه كلمة " أمن " ، فأجهزة الأمن في الوطن العربي على مدى أكثر من نصف قرن ، كانت مشغولة بقمع الشعب العربي ، وليس بتحقيق الأمن العربي ، في أي مجال ، من المجالات ، ونحن نعتقد أنه قد آن الأوان ، لتعديل هذه المعادلة ، بعد جميع التجارب المرة ، وذلك بترشيد السلطات في الوطن العربي لتكون ممثلة للشعب العربي بتوجيه أجهزتها الأمنية ، والعسكرية للدفاع عن الحقوق العربية ، ومواجهة قوى الاحتلال ، والهيمنة الدولية ،وكفالة الحقوق الإنسانية ، والسياسية ، والعقائدية ، والاقتصادية ، والثقافية ، وكفالة المساواة ،  والعدالة ، واحترام معايير المواطنة ، ووضع برامج التنمية ، وتحقيق الحد الأدنى من الكفاية والعدل للمواطنين ، سكن منظم نظيف ، وإشباع حاجات الناس ، واستعادة روح التنافس في تحقيق التقدم ، والنمو ، وتوزيع عادل للثروة ، والكف عن التنافس ، بين السلطات العربية ، في قمع الحريات ، وانتهاك حقوق المواطنين     .

                 إن ترشيد هذا "الحد" من المعادلة في منتهى الأهمية لفتح صفحة جديدة ، ليس مع المعارضة العربية ، وحسب .. ، وإنما صفحة جديدة في تاريخ تلك السلطات الحافل بالعجز ، والهزائم ، والتسلط ، وأمور أخرى ، نعّف عن ذكرها ، الآن ، لأننا نبحث ، فعلاً ، وبروح سامية من التسامح ، عن نقطة التقاء ، نقلب فيها تلك الصفحات السوداء من تاريخ الأمة .... ، إن جنوح تلك السلطات للمبادرة في إحداث التغيير الإيجابي ، يوفر على الأمة الكثير من الجهد ، ويجنبها العديد من الفتن ، والدماء ،  كون تلك السلطات ، في الوطن العربي ، هي الآن في الموقف الأقوى القادر على المبادرة ، بالترشيد ، والإصلاح ، وتجنيب المجتمع العربي ، وتجنيبها ، هي بالذات ، مخاطر ، لا حصر لها ..

 

( 6 )

 

                 أما فيما يتعلق بالبند الثاني ، أو "الحد الثاني" من المعادلة ، المتعلق بترشيد مؤسسات "المعارضات العربية" ، فإنه ، مما لاشك فيه ، أن "المعارضات العربية" ، ورغم حالة الضعف ، والتهميش التي تنتابها ، فإنها الحد الثاني ، والأساسي ، المعّول عليه في معادلة النهوض ، والتنوير في الوطن العربي ، وهي ، حتى تنهض بهذه المسؤولية العظيمة ، مطالبة بإبداع الوسائل ، والأدوات ، للخروج من المأزق الذي حشرتها فيه ، السلطات الأمنية ، وذلك ، بالتخلي عن الأساليب التي ألحقت الأذى بالمجتمع ، وبمشروع النهوض ، والتنوير ، مثل النهج الانقلابي ، والسرية ، والعنف ، وأن تعتمد المعارضة بحسم ، الشفافية ، والعلنية ، والسلمية ، وذلك لإعادة الطمأنينة إلى المجتمع ، وسحب كل ذرائع العنف بالمجتمع ، وهكذا ، فعلى صعيد كل دولة عربية ، على حدة ، يجب أن تتحالف قوى المعارضة على مختلف توجهاتها لاستنهاض المجتمع ، ووضع البرامج ، وبناء المؤسسات الحزبية ، والنقابية ، والمساهمة في محاربة الفساد ، وتحسس مشكلات المواطنين ، وتأجيل الصراعات الجانبية ، والعقائدية ، بين فصائل المعارضة إلى أن يتم استعادة الحياة الديمقراطية السليمة ، والسلمية حيث يتنافس الجميع أمام صناديق الاقتراع النظيفة ..

وعلى صعيد العلاقة بين "المعارضات العربية" في الوطن العربي ، فإن تلك المعارضات مطالبة بالتعاقد الملزم ، وبميثاق شرف ، بأن تتضامن ، وتتكاتف فيما بينها ، وتضع ميثاقاً "لجامعة المعارضات العربية" ، حيث يتم التنسيق ، والتعاضد بين المعارضين العرب ، بما يضمن المصداقية للجميع ، فالاستبداد هو الاستبداد ، والحرية هي الحرية ، ومن يرفض الاستبداد ، والقمع و ... في دولته ، يفقد مصداقيته إذا شوهد يهتف لمستبد في دولة أخرى ..، أو شوهد يرقص في مهرجانات ، ينظمها المهرّجون ، ومتعهدوا المهرجانات ، مهما كانت الذرائع .. إن التعاقد الملزم بين المعارضين العرب ، بأن يقاوموا الاستبداد ، أياً كان مصدره ، ومهما كان لبوسه ،  في منتهى الأهمية ، كي يستعيد المجتمع العربي حيويته ، ومقدرته ، وثقته بالذين يحملون راية الدفاع عنه ، وكي يستعيد المعارضون العرب مصداقيتهم ، فيعود المجتمع العربي كحاضنة للنهضويين العرب ، ذلك أن احتضان المجتمع لمشروع النهوض ، والتنوير شرط أساسي لاستئناف مشروع النهوض ، ولأن مجتمع المواطنة المتماسك ، وحده يمكن أن  يشكل الحد الأساسي ، والفاعل في استئناف مشروع النهوض ، والتنوير في الوطن العربي .

 

( 7 )

 

حول البند الثالث المتعلق بترشيد العلاقة بين "المعارضات العربية" من جهة ، وبين مؤسسات الدول العربية ، من جهة أخرى ، داخل كل دولة عربية على حدة ، ثم ، بين المعارضة العربية ، وبين الدول العربية على صعيد الوطن العربي ، نقول ، أنه مما لاشك فيه ، أن ترشيد حدي المعادلة في مؤسسات "الدول العربية" ، وفي مؤسسات "المعارضات العربية" ، يؤدي إلى إنتاج العوامل المؤثرة في ترشيد العلاقة بين حدين رشيدين ، ولابد من الاعتراف ، هنا ، أن العلاقة بين هذين الحدين اتسمت بالتشنج ، والحدية ، والعنف من قبل السلطات ، وبالرفض ، والمقاطعة من قبل المجتمع ، وهذا أدى ، فيما أدى إليه ، إلى إضعاف المجتمع ، وإضعاف السلطة ، وإضعاف المعارضة ، في الوقت ذاته ، ومع تصاعد الصراع بين السلطة ، والمجتمع كانت الأبواب تفتح على مصاريعها أمام الفساد ، والنفاق ، والانتهاز ، والمحسوبية ، وبالتالي باتت هذه البنية الهشة بيئة صالحة لعودة الغزو الخارجي ، حتى بشكل مباشر في بعض الأحيان ، وهكذا أصبحت "جامعة الدول العربية" ممثلة لسلطات ضعيفة حتى صح فيها القول الشهير الذي رافق تأسيسها : "صفر + صفر = صفر" ، وباتت عاجزة عن تحقيق أياً من أهدافها .. وبات الهم الأول ، والرئيسي للشعب العربي ، في أية دولة عربية ، هو ، كيف يتخلص من المتحكمين فيه ، وبات الهم الأول ، والرئيسي ، للحكام ، كيف يقمعون أية محاولة لإزاحتهم عن كراسي الحكم ، وهذا أدى ، فيما أدى إليه ، إلى إضعاف الحكام ، والمحكومين على السواء ..، وانكشف الوطن لمخططات قوى الهيمنة ، بعد أن انحصرت طلبات الحكام بالبقاء في الحكم ، وانحصرت طلبات المعارضين بالتخلص من الحكام ....

 

( 8 )

 

إننا ، هنا ، ومن موقع التسامح ، والسمو على الجراح ، ندعو إلى الكلمة السواء ، إلى الحوار ، إلى التصادق ، إلى نبذ العنف ، بكل أشكاله ، وصوره داخل المجتمع العربي ، سواء كان مصدره أجهزة السلطات ، أو أي مصدر آخر ، من المجتمع  .. ، ولتكن البداية إطلاق حرية الرأي ، وتحريم العنف ، ووضع حد للقمع ، وإطلاق سجناء الرأي ، والضمير ، وإعلان انتهاء عصر الاعتقال السياسي نهائياً ، وحصر مهام أجهزة الأمن والقوات المسلحة بحفظ أمن البلاد من التآمر الخارجي ، ومن جميع أشكال العدوان ، واسترجاع الأراضي المحتلة ، وتشريع القوانين الناظمة التي تنظم عمل السلطات التنفيذية ، والتشريعية ، والقضائية ، والفصل التام بينها ، وطي قوانين الطواريء ، والأحكام العرفية ، والمقيدة للحريات العامة ، وصيانة حقوق الإنسان ، وإعلاء شأن المواطنة ، والمساواة ، والعدالة ، وإعادة التوازن للمجتمع ، بالحد من الفحش في احتكار الثروة ، والحد من الفحش في الإفقار ، والعوز ، ووضع خطط طموحة للتنمية ، والبناء ، والبيئة النظيفة ....   ، لقد آن الأوان ، أن نخرج من عصور الظلمات ، والقهر ، والفتن ، والرهائن ، والعبيد ، والأتباع ، والرعايا ، والجياع ، وسكان المقابر ، والفقراء إلى حد الإعاقة ، والمتخمين إلى حد التقيؤ ، وطوبى لمن يبادر بمّد اليد للآخر ، أولاً ، ولمن يساهم ببناء مناخ عربي مختلف ، يرشّد المعارضون فيه مؤسساتهم ، وتنفتح أمامهم إمكانية أن يغادروا مقاعد المعارضة ، إلى مقاعد الحكام ، لتنفيذ برامج ، تم انتخابهم على أساسها من قبل الشعب ، وفي الوقت ذاته ، يقتنع الحكام ، بكامل الرضى ، أنهم ، يمكن ، وبإرادة الشعب أيضاً ، أن يغادروا مواقعهم في السلطة إلى مقاعد المعارضين .. وأنه ، يمكن أن يحدث هذا ، دون أن تزلزل الأرض زلزالها .

                                   هل آن الأوان ...؟ ، هل آن للغة العقل أن تسود ...؟ ، هل آن لهذه المحنة العربية أن تنقضي ...؟ .

 

دمشق : الثلاثاء 8/12/2009

  حـــبيب عيـسى

Habib.issa@yahoo.com

 

 

E-mail:habib.issa@yahoo.com