على نظام حزب البعث أن يرحل ..... لم يعد هناك من حلٍ آخر

الطاهر إبراهيم

 

ليست إسرائيل وحدها تسعى جاهدة لبناء حوائط لعزل الشعب الفلسطيني ضمن كنتونات صغيرة، بحيث يصبح صعبا عليه أن يعيش حياته الاعتيادية، أو أن يمارس واجبه في تحرير أرضه. فإن نظام حزب البعث هو الآخر أقام الحوائط لعزل الشعب السوري عن ممارسة دوره السياسي والاقتصادي والثقافي و... على أرض وطنه سورية.

وإذا كانت الحوائط التي أقامتها إسرائيل هي حوائط خرسانية، يمكن هدمها بسهولة عندما تتغير المعطيات الدولية والإقليمية،كما حصل في حائط "برلين"، فإن الحوائط التي أقامها نظام حزب البعث كانت أشد وأقسى، تسببت في تشوهات وشروخ عند ما غرسها النظام في بنية الشعب السوري، لأنها كانت حواجز دستورية وقانونية وأمنية وثقافية و... أقامها نظام حزب البعث في حياة الشعب السوري لمنعه من المشاركة في أي عمل حضاري هو من صميم حياة الشعوب.

ولن تمنعنا الاتهامات ،التي دأب إعلام حزب البعث على توجيهها إلى معارضيه، من أن نؤكد ،بأن تلك الحواجز كانت أشد وأقسى في بنية المجتمع السوري، من جدار الفصل الإسرائيلي، لماذا؟ لأن إسرائيل عدو محارب في التصنيف البشري، بينما أعضاء حزب البعث جزء من الشعب السوري، وعدوان الجزء على الكل "أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند".

ومع أن هدم ما بناه حزب البعث من إساءات في سورية،على مدى أكثر من أربعة عقود، سيتخلف عنه شروخ وتشوهات عميقة في حياة الشعب السوري، فإن هذا الثمن لا بد من دفعه للعودة بسورية إلى وجهها الحضاري الأبيض الناصع.

ولأن هذا الشعب كان مقموعا في عهد الرئيس حافظ الأسد، فإن بعض الكتاب والمثقفين السوريين، أمِلوا خيرا عند مجيء الرئيس بشار الأسد إلى سدة الحكم في تموز 2000 ، لاعتقادهم أنه بعيد عن العقد التي يحملها العسكريون الانقلابيون.وقد حاولوا فتح ثغرات في تلك الحوائط، لعل وعسى، أن ينفذوا منها إلى صيغة توافقية مع النظام، على مبدأ "لا غالب ولا مغلوب"، تعيد للشعب السوري ما فقده من حقوق، وخصوصا بعد أن ظنوا أن المناخ أصبح مهيأً لذلك، بعد الذي سمعوه من الرئيس، في خطاب القسم الرئاسي، عن الآخر، الذي هو في واقع الحال كل الشعب السوري، إلا حفنة من رجال النظام، بعد أن بقي هذا الشعب مغيبا عن ساحة العمل السياسي على مدى ثلاثة عقود.

ولقد سعى هؤلاء الكتاب والمفكرون السوريون إلى تشكيل معادلة وطنية، تكون فيها سورية لكل مواطنيها، لا لطائفة دون أخرى، ولا لحزب دون باقي الأحزاب. وقد يعجب المراقب السياسي عندما يعلم أن بعض هؤلاء قضى ربع عمره الافتراضي في سجون ومعتقلات النظام السوري، فلم يفت ذلك في عضضهم، بل زادهم إصرارا على تجنيب شباب الوطن مصيرا كمصيرهم يوم كانوا في المعتقلات.

لكنه وبعد خمس سنوات من عمر العهد الجديد شعر هؤلاء المثقفون أن تركيبة هذا النظام الحالية لم تتغير كثيرا عنها في عهد الأسد الأب. كما تأكد لأكثر السوريين أنه ليس في وارد هذا النظام أن يتنازل، ولو عن بعض القليل من النفوذ والسلطة اللذين حازها بطرقٍ فيها الكثير من السطو والإرهاب وتكميم أفواه المواطنين.

ولعل ما يؤكد هذا الشعور بعدم رغبة النظام إجراء أي انفتاح، هو رفضه إطلاق سراح الكثير من المعتقلين، مع انتفاء أي خطر من إطلاق سراحهم بأن يقوم أي واحد من هؤلاء بالانتقام، بعد أن غدا خيالا من عظام يحيط بها إهاب من الجلد، قد تقرح وتقيح في ظلام المعتقلات بعيدا عن الشمس والهواء. ولقد تبين بما لا يدع مجالا للشك أن هذا النظام قد استعصى عن أي إصلاح وأنه لا بد من التغيير.

ولقد ظن البعض في ساعة أمل ضعيف، أن المؤتمر القطري الأخير ربما يظهر فيه رجل رشيد يصرخ في المؤتمرين: "عودوا إلى رشدكم قبل أن يذهب بكم وبالبلد الطوفان". ولكن هذا الأمل كان كمن "يتطلب في الماء جذوة نار"، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

لقد كان أولئك المؤتمرون بين واحد من اثنين: متسلقٍ جديدٍ يتطلع إلى منصب، وهذا لن يتأتى إلا بإقصاء آخر عن موقعه، ولسانه حاله يقول: جاء دورنا لننال من الكعكة كما نال غيرنا، فقد غدت سورية كعكة عند معظم أعضاء حزب البعث. أما الآخر فكان همه أن يبقى في منصبه ولو كان من بعده الطوفان. وبين هذا المتشبث وذاك المتسلق، لم يكن لسورية ،الوطن والشعب، أي نصيب في مداولات الرفاق أعضاء المؤتمر.

ولعل قائلا يقول: عندما نضع نصب أعيننا رحيل النظام وقبل إيجاد البديل، إنما يعني، في نهاية المطاف، زلزالا قد يطيح باستقرار الوطن لأن الوضع عندها قد يأخذنا إلى حال كحال العراق وهذا يعني وضع البلد كله "على كف عفريت"؟.

ولن نكون مجانبين للحقيقة إذا قلنا إن من وضع سورية على كف عفريت إنما هم البعثيون أنفسهم. فمنذ اليوم الأول لاستيلائهم على الحكم، نهبوا ثروات الوطن والمواطنين، واعتقلوا الأبرياء من بيوتهم، ودمروا المدن فوق رؤوس ساكنيها، وقتلوا من السوريين ما لم يقتله الفرنسيون أثناء الاحتلال، ولا إسرائيل في حروبها الثلاث مع السوريين. فأي عفريت كان سيفعل بسورية والسوريين مثلما فعله البعثيون

بل إن ما فعله رموز نظام حزب البعث في سورية يجعل المرء يتساءل بحق: هل هؤلاء حقا من السوريين؟ أم أنهم هبطوا على سورية "بالبراشوت" من بلد آخر لا تربطه بسورية أية وشائج قربى .لقد عاش المواطن السوري أربعة عقود يخاف أن يتكلم في سياسة وطنه ،وإذا كان لابد، فليس له إلا المديح للرئيس القائد الخالد.

لقد كانت هناك فرصة ثمينة لم يحسن استغلالها حكام سورية من البعثيين. فلقد جرى على ألسنة الحكماء كلمة مأثورة تقول "موت الملوك رحمة بالأمة". ولقد جاءت هذه الفرصة يوم مات حافظ الأسد، ووقف الرئيس الشاب الجديد يَنَظّرُ للنظام الذي يريد. وقال ما قال عن "الآخر". ولكن كما أسلفنا فإن من كانوا حوله، ليس فيهم رجل رشيد.

فبدلا من أن يلتفوا حوله في ما قال ونظّر، انطلقوا يحذرونه من مصير كمصير "ميخائيل جورباتشوف". بل زينوا له في الكلام عندما قالوا: إن أي تراجع عن سلواك طريق الرئيس الراحل إنما يعني اتهاما لهذا الوالد الذي وطّأ لك كل الصعاب ومهد لك الطريق. ولقد كذبوا والله؛ فقد كانوا يدافعون عن مكتسباتهم الحرام، لا عن إرث حافظ الأسد. كانوا يخافون أن تدور بهم الدوائر، إذا نفّذ بشار الأسد ما قاله في خطاب القسم.

وبكلام أوضح؛ فإن القيادة البعثية كان كلّ همها أن تبقى في السلطة. ولأنها تعرف أنها جاءت إلى السلطة من دون تفويض شعبي، فإنها كانت تضع نصب أعينها ما تريده منها أمريكا، لا ما فيه مصلحة سورية والسوريين. ولذلك كانت كل سياساتها ارتجالا، لا تقوم إلا على حسابات ضيقة، وليس للمصلحة الوطنية فيها نصيب:

أدخلوا الجيش السوري إلى لبنان يوم طلبت منهم أمريكا ذلك، ولم يكن للسوريين واللبنانيين أي مصلحة في هذا الدخول. ولقد تم سحب هذا الجيش من لبنان عندما طلبت منهم أمريكا ذلك. ولقد كتب المخلصون من أبناء الوطن ومفكريهم، وقالوا: علينا أن نخرج من لبنان بمحض إرادتنا قبل أن يفرض علينا ذلك. فضَرَب النظام بما قيل عرض الحائط، فقد كان هذا النظام وما يزال لا يقيم وزنا لرأي المواطن، وأن بضاعة التنازلات في رأيه- كافية لتفتح أمامه أبواب البيت الأبيض.

استلم حزب البعث حكم سورية في آذار من عام 1963 وفيها مجلس نوابٍ منتخب ورئيس جمهورية منتخب وحكومة منتخبة. وعاشت سورية أربعة عقود ونيف في ظل حكم حزب البعث، والناخب الوحيد فيها هو الضابط الانقلابي الذين يأتي إلى القصر الجمهوري على ظهر دبابة، فيعين مجلسا للشعب على رغم أنف هذا الشعب، ويختار حكومة تنفذ ما يقوله الرئيس لا ما تقتضيه المصلحة. ولا يتغير الرئيس إلا بالانقلاب أو الموت.

جاء حزب البعث إلى الحكم، وسورية ضمن حدود اتفاقية "سايكس بيكو". ولقد كان من أهم شعارات الحزب مطالبته بإعادة لواء "الإسكندرون" إلى سورية. وبدلا من ذلك فقد خسرت سورية في عهده هضبة الجولان.

استولى حزب البعث على السلطة وفي سورية دستور أقرته جمعية تأسيسية وطنية انتخبها الشعب السوري بعد الاستقلال عن فرنسا. ولقد استبدل حزب البعث بهذا الدستور دستورا فصله على مقاسه، وكان يعيد تفصيله كلما دعت حاجة الحزب لذلك. ومع كل النواقص التي شابته، فإن قانون الطوارئ عطل كثيرا من مواد هذا الدستور.

قبل حزب البعث، كانت القوانين تخضع لتمحيص وتدقيق كبار القضاة والمحامين، قبل أن يعرض على مجلس نواب منتخب من الشعب. أما في عهد حزب البعث فقد كان القانون يخضع لمزاج الحاكم. ففي حزيران من عام 1980 قام أفراد من "الطليعة المقاتلة" بمحاولة اغتيال الرئيس حافظ الأسد، فأصدر القانون 49 لعام 1980 الذي يحكم بالإعدام، ليس على من حاول اغتياله، بل على كل من ينتمي انتماء فقط- إلى جماعة الإخوان المسلمين.

في منتدى "الأتاسي" كانت تلقى محاضرات، يحضرها لفيف من المثقفين المعارضين، وفيهم بعض البعثيين. والعجيب أن المثقفين البعثيين كانوا يزعمون أن إدارة المنتدى تقمع الرأي الآخر أي البعثيين- عند ما كانت تحدد لهم وقتا قصيرا في مداخلاتهم. وكان الحضور يخرجون وهم يتندرون بالقول: "من يقمع من"!؟

وأخيرا:فليست المعارضة هي التي تحاول عزل حزب البعث عن باقي السوريين، بل حزب البعث نفسه- هو الذي عزل نفسه عن كل السوريين؛قولا:بالنص على ذلك في المادة /8/ من الدستور، وعملا، باحتكار السلطة بشكل كامل بعيدا عن باقي أفراد الشعب السوري. ليس هذا فحسب.فحزب البعث يعقد مؤتمره القطري الأخير ،لا ليخرج بقرارات وتوصيات تلغي التمييز بينه وبين باقي أفراد الشعب، بل ليزيد في شرزمة الشعب السوري، بتصنيف المعارضة السورية إلى وطنية وأخرى عميلة، تستقوي بالأجنبي.

فمن إذن الذي وضع سورية على كف عفريت غير حزب البعث؟

وإذن فلم يعد أمام هذا الحزب إلا أن يرحل! فقد سدُ أمامه كل حل آخر.

 

كاتب سوري يعيش في المنفى