إشكاليات حوار الثقافات في عالم متغيّر (1)

 

الدكتور عبدالله تركماني

 

تظل الثقافة، تبعا لحركيتها، مفتوحة التعريف، ذات مكوّنات متغيّرة، محكومة بالتطور. ليس الجمود من صفاتها، ولا يمكن أن يكون. فهي ليست سلالية صافية، بل تلاقحية، اختلاطية، وآية الإنسان قدرته على التواصل العقلاني: يتلقى ويفيض، يكتسب معلومات، يخزّنها، يتنامى فكرا، يتكامل، آيته أنه يتثقف.

وفي الواقع، لم يعد أي من المجتمعات الإنسانية رهين ثقافته الخاصة. ومن ثم لم يعد سلوك هذه المجتمعات، أو تفكيرها الجماعي، هما النتاج الطبيعي والضروري لثقافتها الوطنية فحسب. فالأفراد يميلون، على نحو متزايد، حسب تعبير الدكتور برهان غليون، إلى صوغ أفكارهم ورؤيتهم لأنفسهم وللعالم بطريقتهم الخاصة، وبجدّهم الخاص تقريبا. وذلك بحسب مقدرتهم الشخصية على التواصل مع الثقافات الأخرى، أو ما أصبح يشكل دفقا ثقافيا عالميا، تبثه أجهزة اتصالات حديثة، لا تعرف حدودا جغرافية أو سياسية.

ومن المؤكد أنّ الثقافات لا تتطور جميعها بالإيقاع نفسه، فهي تشهد مراحل ذروة ومراحل هبوط، وفترات إشعاع وتوسّع، كما أوقات صمت وانكفاء. ولكن من المؤكد أيضا أنّ العالم غني بثقافات القارات الخمس، ومضطر إلى صياغة قواعد لتعايشها وانسجامها، ويحمل في ذاته القدرة على مواجهة تحديات تاريخه الكبـرى . فبدلا من المزاعم الخرقاء عن اختلاف الثقافات المعاصرة وصراعاتها المزعومة ينبغي التحرك للكشف عن المضامين المشتركة الكامنة في أغلب ثقافات الجنس البشري، والتي تنشد حرية الإنسان وانتصاره المتلاحق على اختناقات الضرورات المختلفة. ففي عالم تكتنفه تحوّلات عميقة تبقى التساؤلات الجديرة بالاهتمام: كيف نفكر في تواصل التاريخ الإنساني وفي المحافظة على حلم البشرية بحياة أفضل لأكبر عدد ممكن من الناس ؟ وهل نستطيع الحفاظ على رؤية لمشروع كوني يتماشى مع التعددية ويغتني بالثقافات المتنوعة ؟

لقد بدأت مع بداية فبراير/شباط 2005 المناقشات في مقر منظمة " اليونسكو" في باريس حول " مشروع معاهدة لحماية التنوّع الثقافي "، وتسعى هذه المعاهدة المرتقبة إلى وضع إطار قانوني ينظم حق الدول في حماية إنتاج وتوزيع الأعمال الثقافية على المستويين المحلي والدولي لحماية التنوّع الإبداعي من التأثيرات السلبية للعولمة. وفي إطار الأهداف المرتقبة من هذه المعاهدة، سنجد أنّ " اليونسكو" قد قامت بجهود حثيثة - خلال العقدين الماضيين -  من أجل المحافظة على نوع من الوفاق الحضاري من خلال الاختلاف الثقافي، مشددة في نهجها على ضرورة المحافظة على الخصوصيات الثقافية. فكانت المنظمة الأكثر إيجابية وفاعلية تجاه " حوار الثقافات " وقد تبلورت فكرته وتشكلت منذ مطلع ثمانينات  القرن العشرين في المؤتمر الذي أقيم في المكسيك عام  1981. وأعلنت منظمة " اليونسكو " فيما بعد تكريس عشر سنوات من أجل دراسة الموضوع فيما أسمتــه بـ " العقد الثقافي " بين عامي 1988 و 1997 . ثم جاءت نتيجة ذلك الجهد المتواصل في مجلد كبير تحت عنـوان " تنوّعنا الخلاّق، تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية " وقد تمت ترجمة هذا العمل إلى العربية تحت عنـــوان " التنوّع البشري الخلاّق ".

كما شهدت السنوات الأخيرة طرح العديد من المبادرات المعنية بحوار الثقافات على المستويين الدولى والإقليمي،  ولاسيما فى أعقاب قيام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1998 بإصدار قرارها رقم 22 بإعلان عام 2001 عاما للحوار. ومنذ تلك السنة يقدم الأمين العام للأمم المتحدة تقارير سنوية تربط بين مفاهيم التعددية والتنوّع بشكل عضوى مع حوار الثقافات.  كما تبنت الجمعية العامة سنويا مشروع قرار بشأن عام حوار الثقافات والإعداد له والأنشطة المتصلة به. وركزت هذه القرارات على دعوة الحكومات لتدرج فى المناهج الدراسية ببلادها ما من شأنه احترام التعدد الثقافى واللغوى ودراسة إنجازات الثقافات الأخرى، بما يدعم جهود الفهم والاعتراف المتبادل فيما بينها.

وقد اتسم النقاش العام حول موضوع الحوار، خاصة فى ضوء جريمة 11 سبتمبر/أيلول 2001 ، بالتأكيد على إدانة الارهاب ومواجهته عبر تدعيم الحوار ونبذ الصراع أوإلصاق تهمة الارهاب بثقافة معينة بعينها مثل الثقافة الإسلامية،  وإبراز أهمية الدور المحوري للأمم المتحدة في حوار الثقافات، وربط الحوار بمبادىء ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادىء حقوق الإنسان، واحترام المعتقدات الدينية للشعوب واحترام الكرامة الإنسانية ومبادىء العدالة.

 تلا ذلك الجهد إعلان في مؤتمر" اليونسكو " لعام  2003 عما يمكن أن يطلق عليه " الإعلان العالمي عن التنوّع الثقافي " الذي تبلورت أهم بنوده في إقرار حق الدول في انتهاج السياسات الثقافية التي تحددها لنفسها، وإقرار مبدأ حماية المنتج الثقافي الخاص بكل شعب من الشعوب.

خطاب الأزمة

لا شك بأنّ الخطاب الثقافي، في ظل ما تشهده المجتمعات المعاصرة من تحديات وتحوّلات، هو خطاب الأزمة: فمن جهة، هناك الانهيارات السياسية والأيديولوجية التي أصابت العديد من الأفكار والنظم والمشاريع. ومن جهة ثانية، هناك الطفرات المعرفية التي شهدتها الفلسفة وعلوم الإنسان، والتي أسفرت عن انبثاق قراءات جديدة للحداثة وشعاراتها المتعلقة بالعقل والحرية والتقدم. ومن جهة ثالثة، هناك الثورات العلمية والتقنية والمعلوماتية التي ندخل معها في طور حضاري جديد. ولعل أحد أهم ملامح أزمة الخطاب الثقافي المعاصر تكمن في محاولة التعرف على عناصر ومكوّنات ثقافة العولمة وأدواتها الوظيفية، وكذلك ما تنطوي عليه عولمة الثقافة من قضايا: الثقافة الوطنية، الهوية الحضارية، الخصوصية القومية. وهنا تثار تساؤلات هامة منها: هل ستقوم الحضارة الإنسانية الجديدة على تنوّع روافدها الثقافية أم سيفرض نموذج واحد ؟ هل نحن إزاء عملية تثاقف، بما تعنيه من إصغاء متبادل من سائر الثقافات إلى بعضها، أم إزاء عنف ثقافي مفروض بقوة المال والسلاح ؟

إنّ العولمة ظاهرة إنسانية قادمة بكل إفرازاتها السلبية والإيجابية، والغرب هو الطرف الأقوى المهيمن على قيادة وتوجيه نظامها، فإذا استسلم لهاجس التفوّق والمكانة والفرادة الدولية وتجاهل الخصوصيات والهويات والتعددية الثقافية للشعوب، وأصر على تجاوزها وتدميرها يخسر فرصته السانحة في إرساء نموذج عالمي كوني يؤمن بالتعددية الثقافية والفكرية والتسامح. أما إذا اعترف بالآخرين وتسامح مع نماذجهم وصيغهم وتجاربهم الثقافية فإن العولمة ستكون الظاهرة الإنسانية الوحيدة التي يمكن أن تقود العالم إلى تعددية ثقافية غير جامدة.

وتبدو أهمية التساؤلات السابقة واضحة إذا ما علمنا أنّ جوهر الإشكالية القائمة في صلب العلاقة بين الثقافة والعولمة هي: العلاقة بين العام والخاص في مجال إنتاج القيم الرمزية، فهل باتت الثقافة تنهل أسباب وجودها وشخصيتها وأدواتها من مصادر فوق وطنية أو من خارج المجتمع الوطني والقومي ؟

في هذا المجال اختلف الباحثون، فمنهم من يرى في عولمة الثقافة تجرّد من الولاء لثقافة ضيقة ومتعصبة إلى ثقافة عالمية واحدة يتساوى فيها الناس والأمم جميعا، وتحرّر من التعصب والاتجاه نحو الانفتاح على مختلف الأفكار، وتحرّر من كل صور اللاعقلانية الناتجة عن التحيّز المسبق لأمة أو دين أو أيديولوجيا بعينها، وتبنّي عقلانية العلم وحياد الثقافة.

 ويذهب فريق أخر إلى أنّ عولمة الثقافة لا تلغي الخصوصية بل تؤكدها، حيث أنّ الثقافة هي " المعبّر الأصيل عن الخصوصية التاريخية لأمة من الأمم، عن نظرة هذه الأمة إلى الكون والحياة والموت والإنسان ومهامه وقدراته وحدوده، ومن ثم فلا بد من وجود ثقافات متعددة ومتنوعة تعمل كل منها بصورة تلقائية أو بتدخل إرادي من أهلها على الحفاظ على كيانها ومقوّماتها الخاصة ".

إنّ عملية التثاقف والانصهار في الثقافة الكونية تتم ضمن صيرورة جدلية معقدة، ولكنّ الانصهار يمثل كسبا ثمينا لثقافات عالم الجنوب، شريطة عدم الخلط بين ما تقدمه العولمة الثقافية من مكاسب لتقدم البشرية وبين استغلالها سياسيا من طرف القوى الدولية المهمينة اليوم.

ولعل منبع تجدد الإشكال راجع إلى تصادم حقيقتين بارزتين، هما: من جهة الالتزام الجماعي بمقتضيات الكونية الناتجة عن مسار توحّد البشرية واقتران مصائر أبنائها عبر آليتي توحّد الأنظمة الاتصالية وتوحّد الاقتصاد العالمي، والإقرار النظري والمعياري بحق الثقافات في الاختلاف والتمايز وتماثلها من حيث القيمة والمشروعية من جهة أخرى. والواقع أنّ مكمن الإشكال عائد إلى صعوبة صياغة تأليفية لهاتين الحقيقتين، اللتين لا اعتراض عليهما من حيث المبدأ، وقد قدمت ثلاث مقاربات مختلفة في التعامل مع هذا الإشكال:

أولاها، تذهب إلى أنّ الحضارة واحدة، لا متعددة، وهي حضارة المتغلب المهيمن، الذي تمكّن ـ من منطلق قدراته على الانتصار والانتشار ـ من وضع مقاييس ومعايير النموذج الكوني المطروح للاحتذاء والاقتداء. والدليل التاريخي على هذا التصور هو تتابع سيطرة نموذج حضاري واحد يفرض مقاييسه على بقية العالم (النموذج الروماني، ثم العربي - الإسلامي الوسيط، ثم الغربي الحديث). وقد دافع المستشرق المعروف برنارد لويس عن هذا التصور الذي يتردد واسعا في كثير من الكتابات الغربية المنتشرة.

ثانيتها، القول بأنّ الحضارة الغربية، هي في حقيقة الأمر، حضارة بشرية جامعة، وليست تعبيرا عن خصوصيات أوروبية وأمريكية، بل هي الحضارة العالمية الأولى باعتبار أنها استوعبت في نسيجها كل ثقافات العالم واحتضنت كل الاختلافات.

ثالثتها، رفض مفهوم الحضارة الكونية، والاحتماء بحق الخصوصية والاختلاف، والدفاع عن حصن الهوية في مواجهة الاختراق والغزو، وهي الأطروحة الشائعة في العالم العربي والإسلامي. وتعاني هذه الأطروحة من ثغرتين خطيرتين: أولاهما، عدم إدراك أنّ القيم هي - من حيث الأساس والمنطلق - كونية تستهدف الإنسان في عمومه. وثانيتهما، أنّ مفهوم الكونية حاضر بقوة في كل الثقافات ذات الطابع الرسالي، ومنها حضارتنا العربية – الإسلامية، ومن ثم فمن التناقض رفض الكونية ذاتها باسم الاستناد لحضارة متميزة تدافع عن كونية مغايرة.

إنّ الخيار ليس متاحا، في واقع الأمر، أمام مجتمعاتنا وشعوبنا، نتعولم أو لا نتعولم، إنما السؤال هو : هل نحن قادرون على مواجهة تحديات واقع بشري معولم لا محالة ؟ وكما أنّ الخيار لم يعد متاحا أمامنا، كذلك لا مجال أمامنا إلا أن نبدأ في استخلاص الدروس النقدية الواعية، بعقل منفتح ودون عقد أو خوف، والسعي بجدية كاملة إلى الاستيعاب الفاعل لما حدث من تحوّلات وإلى امتلاك القدرة على التعامل مع ما هو قادم.

إنّ مفهوم العولمة الثقافية، وبغض النظر عن المعني الرائج لدينا في العالم العربي ـ الإسلامي باعتبار العولمة غزوة إمبريالية غربية مهددة لهويتنا وقيمنا الأصيلة، إنما يروم بالأساس تأكيد تسارع وتنوّع الأفكار والرؤى والتصورات الحاكمة للنظر في الأخلاق والمجتمع والسياسة في داخل كل إطار ثقافي ـ حضاري، وحقيقة أنّ بعضا من هذه العناصر إنما يشكل امتدادات لثقافات أخرى تجذرت في السياق المحلي المعني في مراحل تاريخية مختلفة على نحو يجعل الحديث القطعي عن الذاتي في مقابل الغريب أمرا من الصعوبة بمكان‏.‏

  من ثقافة العنف إلى ثقافة اللاعنف

إنّ أول ضحية للعنف هو المنطق والعقل، فحين يزدهر العنف، تنمو أسوأ الدوافع الغريزية والأنانية على حساب التفكير السليم. ومع صعوده، يحمل العنف مخزونات الانقسامات والتناقضات الموروثة كلها، وأكثر أشكال الوعي تخلفا وشراسة. ولكي يتمكن العنف من البقاء، يعمل باستمرار على الحط من إنسانية الإنسان: الحضارة والثقافة، الروح الدينية الحقيقية، التسامح والمحبة. كل تلك القيم العظيمة يجري تحطيمها على مذبح العنف، ومن أشلائها يستمد العنف غذاءه للاستمرار والتمدد.

إنّ وجود التناقضات بمختلف أنواعها لا يبرر العنف، كما أنّ العنف ليس نتيجة بسيطة لوجودها، بل إنّ هنالك مصدرا آخر للعنف هو " ثقافة العنف ". وسواء أتت هذه الثقافة محمولة على نظريات جاهزة (كالعنف الثوري ونظريات التكفير)، أو أتت عبر تدفق متفرق من أفكار ذات مصادر متعددة (كالتعصب القبلي والمذهبي والقومي أو البربرية المستعادة تاريخيا)، فإنّ ثقافة العنف تلعب الدور الحاسم في قلب التناقضات التي يمكن أن تكون سلمية إلى تناقضات عنيفة، لا تتوقف حتى تدمر طاقة مجتمعاتنا دون أية نتيجة ذات جدوى.

وعليه، فإنّ " ثقافة اللاعنف " لم تعد ترفا فكريا، بل أصبحت ضرورة مصيرية، ومقدمة لإنهاء دورات العنف المغلقة المهلكة، وفتح طريق التطور السلمي والتحول الديموقراطي. ولا يمكن لمثل هذه الثقافة أن تنتشر وتتوطد من دون بذل جهود معتبرة في بنى مجتمعاتنا الحية كلها لإقامتها على أنقاض ثقافة العنف، من البيت، إلى المدرسة، إلى الأحزاب السياسية والفعاليات الفكرية، إلى الدولة بجميع مؤسساتها. فلم تعد أوطاننا تتحمل دورات جديدة من العنف الأعمى، هنا وهناك، لا تحصد منها غير الكوارث.

وتستمد الدعوة إلى " ثقافة اللاعنف " أهميتها في أنّ الدعوة لحوار الثقافات حينا، وحوار الحضارات والأديان أحيانا آخرى، أصبحت تمثل القاسم المشترك بين الكثير من المثقفين ورجال السياسة والدين والمفكرين، ليس في العالم العربي فقط، بل في العالم كله أيضا. والمهم في ذلك هو بداية اقتناع قطاعات كبيرة في الغرب بضرورة النظر إلى كل ثقافة في ضوء معاييرها الذاتية والتخلّي عن موقف الاستعلاء من الثقافات الأخرى، إذ أن لكل ثقافة مقوّماتها وخصائصها وإمكاناتها التي تستحق الاحترام.

ثم أنّ الثقافة سوف تكون من العناصر الرئيسية للسياسة الخارجية للدول في هذا العالم المتغيّر، فبينما يتجه العالم، بعد نهاية الحرب الباردة،إلى الانفتاح بعضه على بعض‏،‏ فقد وجدت للدول قناة موازية للقناة الديبلوماسية تقدم الدولة أوراق اعتمادها الكاملة من خلالها للآخرين. ويتصدر هذه الأوراق الأداء الثقافي لهذه الدولة، بحيث أنها حين تستحوذ ثقافتها علي عقول المتلقين في الدول الأخرى،‏ فإنها تكون قد استثمرت الثقافة كرصيد قوة‏ في دعم مكانتها الدولية وعززت بذلك دور سياستها الخارجية‏.‏

وفي الواقع تنطوي فكرة " صراع الحضارات " لهنتغتون على الافتراض بأنّ العلاقات الدولية، في حقبة ما بعد نهاية الحرب الباردة، ستصبح محكومة ـ أكثر فأكثر ـ بتأثير عوامل فوق سياسية من قبيل الدين والثقافة والحضارة، وأنّ الأنماط التقليدية لمقاومة الحضارة الغربية ستضمحل بالتدريج كي تفسح المجال أمام نشوء أنماط جديدة، من قبيل انكفاء كل مجال حضاري على نفسه، وإبداء مقاومته للنموذج الحضاري الغربي ـ المنتصر في المنافسة الكونية ـ والاعتراض على قيمه ومعاييره التي يحسبها كونية.

في أهمية حوار الثقافات

إنّ حوار الثقافات هو مشروع حياة البشرية ومستقبلها، والمنهج الذي يدفع الشعوب إلى أن تتعاطى مع بعضها بالأسلوب الإنساني الرفيع القائم على أساس التعارف لا الخصام . وهو حتما بديل عن وسائل العنف والقوة، فليس هناك من وجه مقارنة أو مقاربة بين حوار السلاح وحوار العقول. هو مشروع طويل الأمد، ينطوي على مسؤولية الكلمة. إنّ ما نشهده الآن على الساحة الدولية يشكل حافزا كبيرا للتأكيد على أهمية الحوار الفعّال، القائم على احترام خصوصية الآخر والعمل على تنمية ماهو مشترك إنسانيا لتتمكن الأسرة الدولية من الوصول إلى بناء عالم خالٍ من الصراعات تسيّره الرغبة الإنسانية الشاملة في التقدم.

ولن نطيل في تبيان أهمية الحوار، حيث يعد اللغة الحضارية الوحيدة التي تليق بالإنسان، وتحمّل تبعاته ومسؤولياته في عالم أصبح مثل قرية كونية كبيرة، كما أنّ الحوار طريق البشرية الوحيد،‏ بل هو ضرورة حياتية في ظل الظروف الراهنة، من أجل إنقاذ سفينة العالم التي توشك أن تغرق ونغرق معها جميعا‏،‏ ومن ثم فإنه ينبغي على الجميع، في الشرق والغرب، توفير الظروف المناسبة للقيام بهذا الحوار من أجل مستقبل الأجيال القادمة‏.‏

والحوار يفترض وجود حد أدنى من المرجعية المشتركة، ولا يقوم إلا على الدفاع عن قيم جماعية. والقيم التي تشكل مرجعية هذا الحوار وحافزه ليست - اليوم - شيئا أخر سوى القيم التي عممتها الحضارة الحديثة وعمقت مفاهيمها، إنها قيم الحرية والعدالة والمساواة بين جميع البشر شعوبا وأفرادا على حد سواء. وهذا يعني أنّ الحوار لايدور في إطار الخصوصيات القومية أو الثقافية، ولكن في إطار المشتركات الإنسانية، أي القواعد والمعايير والقيم التي يقبل الجميع النظر اليها باعتبارها قاسما مشتركا مقبولا من جميع أو اغلب المجتمعات البشرية. لكنّ هذه القواعد والمعايير والقيم ليست هي موضوع الحوار، وإن كان النقاش فيها ضروريا أحيانا للإعداد للحوار. إنّ موضوعات الحوار هي المشاكل المختلفة التي تعاني منها البشرية.

إنّ الحديث عن الحوار لا ينقطع وإنما يستأنف، ولا يتغير ولكنه يتجدد، باعتباره منهج الحكماء والسبيل التي يسلكها العقلاء لإنقاذ العالم مما يعانيه من مشكلات وأزمات، نتيجة لعدم تفعيل الحوار وتعزيز دوره في الحياة المعاصرة، في ظل الاجواء المتأزمة التي تسود العالم اليوم.

وكما هو شأن التعاون الثقافي الدولي، فإنّ على الحوار، بوجه عام، أن يبرز الأفكار والقيم التي من شأنها توفير مناخ صداقة وسلام، وأن يستبعد جميع مظاهر العداء في المواقف وفي التعبير عن الآراء، على أن يتوخى الحوار أيضا النفع المتبادل لجميع الأمم التي تمارسه، ويسعى في جهد مشترك مع الأطراف جميعا للقيام بعملية حضارية كبرى، هي تصحيح المفاهيم الخاطئة التي تسود المجتمعات وتعيق مسيرة التعاون والتقارب والتفاهم والحوار. وهكذا يفتح الحوار المجال واسعا أمام تفاهم المجتمعات، ويساهم في تلاقح الثقافات، وهو ما نصطلح عليه هنا بالتفاعل الحضاري الذي يجب ان يدعم التعاون الدولي على مواجهة تحديات العصر ومشاكله والسعي لحلها.

أسس ومبادى الحوار

لقد أحدثت سنة الحوار هزة أبرزت كل ما يعلق بالبشرية من شوائب، وجعلت هذه الشوائب تطفو على السطح، بعد أن كانت مختفية وراء حجب المجاملات والنفاق والحرب الباردة.‏ كما أنها أبرزت جانب القوة في مجموعتنا البشرية، كذلك أظهرت ماينطوي عليه العالم من ضعف قد يؤدي إلى الإبادة والدمار.‏

ولكن إلى أية مبادئ سوف يستند هذا الحوار؟ :

(1) - أنّ كرامة كل الثقافات متساوية، وأنّ هذه مرصودة للتداخل في ما بينها ولإغناء بعضها بعضا.

(2) - ضرورة التنوّع الثقافي، إذ لا يمكن أن يكون ثمة حوار بين الواحد وصنوه، رغما عن الآخر. وهذا التنوّع مهدد، فلغات العالم المختلفة التي يقارب عددها الآن الخمسة آلاف سيندثر نصفها – على الأقل - خلال هذا القرن إذا لم يبذل جهد مكثف في سبيل الحفاظ عليها. كما أنّ الشعوب الأصلية، تلك الأقليات المنعزلة وذات الثقافات الهشة، غالبا ما تتلاشى عند اتصالها بحضارتنا الحديثة.

موضوعات الحوار

لعل من بين هذه الموضوعات التساؤلات المثيرة حول مفهوم التقدم في ثقافات العالم المختلفة، ونوعية الممارسات التي تتم في ضوء المفاهيم المتعددة السائدة في خطاباتها‏.‏ وهو من بين المفاهيم الأساسية التي قامت عليها الحداثة، وصيغت على أساسه سياسات التحديث والتنمية المختلفة‏.‏ وقد حاولت عديد من الدول النامية اقتباس مظاهر الحداثة الغربية، ففي العالم العربي الحديث أثارت هذه العملية الثقافية المعقدة جدلا شديدا ‏‏بين المفكرين الذين تشبثوا بإحياء التراث كوسيلة للتحديث‏،‏ وفئة أخرى ركزت على ضرورة الاحتذاء بالنموذج الغربي بالكامل في السياسة والاقتصاد والثقافة بدلا من الرجوع إلى الماضي‏،‏ وفئة ثالثة حاولت أن تصوغ مذهبا وسطا في الاحتذاء بالنموذج الغربي‏‏ ولكن مع محاولة التوفيق بينه وبين التراث‏.‏

هذه الإشكالية يطلق عليها في الخطاب العربي الحديث والمعاصر " الأصالة والمعاصرة ومن الغريب أنها عاشت معنا بغير حل حاسم منذ بواكير النهضة العربية الأولى في القرن التاسع عشر، والتي كان رمزها البارز رائد التنوير العربي الحديث الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، مرورا بحقبة النهضة العربية الثانية التي بدأت في خمسينيات القرن العشرين‏‏ بعد أن تحقق استقلال الدول العربية، وحتى يومنا.‏

الإنسانية كلها مشغولة عبر دروب شتى، حسب تعبير الدكتور السيد يسين، في إعادة التفكير في مفهوم التقدم‏، وإن كانت كل ثقافة إنسانية معاصرة تحاول النبش في جذورها التاريخية للعثور على المعاني الأصلية للفكرة، سعيا وراء الحوار المشترك لصياغة مفهوم كوني لها بما يتفق مع الطموح المعاصر لعالمية القيم بدون أن يكون في ذلك قضاء علي الخصوصيات الثقافية‏.‏

عودة الصراعات الدينية والثقافية

ليس صحيحا أنّ التطور والتقدم والحداثة تجبُّ ما قبلها، وتزيح عوامل الثقافة والدين من مسرح التاريخ، كما تعتقد النزعة التطورية الحتموية. وليس صحيحا أنّ التاريخ وفيٌّ لـ " جوهره " الذي " لم يحد " عنه، وهو أنه صراع بين الحضارات والثقافات والهويات، وأنّ الصدام السياسي ليس أكثر من تجلٍ خارجي لذلك الصراع. الفرضية الأولى تنفي أن تكون العوامل الروحية والثقافية مخزونا هائلا تتزود به السياسة والصراع السياسي لتحقيق المصالح. والفرضية الثانية تنفي أنّ هدف أي صراع، وإن اتخذ شكلا ثقافيا أو دينيا، إنما هو في النهاية تحقيق مصلحة سياسية. إجمالا، تستدعي النظرة إلى دور العوامل الثقافية والدينية في حقل السياسة والصراع السياسي إلى مقاربة جديدة ومختلفة: مقاربة تتسلح بأدوات التحليل السوسيولوجي - السياسي، دون أن تتخلى عن النقد المعرفي لنزعة المغالاة في تأسيس عقائد ثقافوية على ظواهر الصراع الثقافي والديني على شاكلة تلك التي يندفع إليها المعتصمون بخطاب الهوية اليوم.

وفي عالم تتلاشى فيه الحدود السياسية وتتداخل فيه الثقافات الوطنية، يستوجب الحديث عن واقع التعددية الثقافية وانعكاساته سياسيا ووطنيا التوقف مليا أمام الأمور الثلاثة الآتية:

الأمر الأول، هو تحوّل القضايا الداخلية الوطنية (مثل حقوق الأقليات، وحتى الأفراد، وحرية العبادة وسواها) إلى قضايا خارجية عالمية. وكذلك تحوّل القضايا العالمية (مثل السلام والتنمية وحركة رؤوس الأموال والاستثمارات والخدمات وتبادل السلع) إلى قضايا داخلية تمس صميم الاقتصاد الوطني والأمن الاجتماعي.

الأمر الثاني، هو أنّ القرار الوطني في دولة ما لم يعد ملكا لأصحابه فقط، ولكنّ عملية اتخاذه باتت جزءا من عملية أوسع تلعب فيها عناصر ما وراء الحدود الوطنية دورا أساسيا. وتاليا فإنّ الممثلين المنتخبين المكلفين بإدارة أمور شعب ما أو دولة ما، أصبحوا رهينة نظام عالمي له حساباته ومصالحه وقوانينه الخاصة التي لا تلتقي بالضرورة مع المحلي - الوطني منها، بل التي كثيرا ما تتناقض معها أيضا.

أما الأمر الثالث، فهو انحسار فرص المحافظة على التنوّع الثقافي وتآكل المساحات الوطنية التي توفر لهذا التنوّع قوة استمراره. إنّ الشعور بالاختناق الذي بدأت تعاني منه ثقافات متعددة يعود إلى انفلاش ثقافة واحدة على العالم ومحاولة فرض قيمها واعتماد هذه القيمة مقياسا للتخلف او للتحضر.

 

 

إشكاليات حوار الثقافات في عالم متغيّر (2)

أهداف الحوار ونتائجه

حتى يتسنى تحقيق انسانيتنا المشتركة، نحن بحاجة إلى المزيد من التبادل والتعامل، ومزيد من الفرص للسفر والتعارف بين الشعوب. وهناك حاجة لمزيد من التعاون بين المؤسسات التعليمية، وتنقّل الفنانين والمثقفين والعلماء والقيادات المحلية والطلبة عبر الحدود في جميع الاتجاهات، ليتسنى لهم إقامة حوارات وتفاعل مباشر واحترام متبادل وفهم أفضل للحقائق.

والآن تواجه البشرية خيارات مختلفة: إما إعادة إنتاج نظام الهيمنة القديم تحت شعار النظام العالمي الجديد، أو خلق نظام ما بعد الهيمنة والذي سيستمد مضمونه من البحث عن أرضية مشتركة بين التقاليد المكوّنة للحضارة الإنسانية، وتتمثل هذه الأرضية المشتركة بـ:

(أ)- الاعتراف المتبادل بالتقاليد المميّزة للثقافات الإنسانية المتعددة.

(ب)- تجاوز نقطة الاعتراف المتبادل والاتجاه نحو تقبّل التفاعل بين الهويات الثقافية المتعددة والتي تسمح بالتعايش بين مختلف التقاليد الحضارية.

 ذلك لأنّ الحوار يستدعي النظر بمنظور كوني لواقع العالم، واستحضار مشكلة الكون بأسره لا الانزواء داخل ذاتيات متضخمة تحجب التعرف على خارطة العالم البشرية، وتعيق فهم الذات على حقيقتها. أي ليست إشكالية حوار الثقافات في أن تستعيد كل ثقافة موقعها الضائع ودورها المفقود في شبكة علاقات القوة التي لا حصر لها في العالم، أو الدخول في سجال قيمي أو تبارٍ أيديولوجي بين الكيانات الثقافية، فهذا ليس إلا إعادة إنتاج لفائض القوة ونظام السيطرة الذي يدمر العالم حاليا. فلم تعد مشكلة العالم تتمركز حول عدالة التوزيع بين الأفراد أو الشعوب أو أزمة هويات مهددة بالضياع، رغم إلحاح هذه القضايا، بقدر ما هي مشكلة العالم نفسه، مشكلة ثقافات معاصرة تتسلح بالعقل أو باليقين لتنتج قتلا ودمارا، مشكلة شروط كونية للعيش بسلام وأمن.

كما أنه ليس بحثا عن قواسم مشتركة بين الثقافات الكبرى القائمة، أو الاتفاق على تقاسم سلطة القرار بين التجمعات البشرية الكبرى، فهذا توافق خفي مع مقولة " صراع الحضارات ": في تفرد الكتل الثقافية الواسعة في صنع مستقبل العالم، وفي تأبيد أحاديات ثقافية وقيمية كقدر محتوم، وفي تحييد الإشكاليات المعاصرة التي يبدو معها العالم كأنه قد جن جنونه. وكذلك ليس حوارا بين الأقوياء، أو لقاء الجبابرة والعمالقة، أو ميثاق المنتصرين الذين كان التاريخ سجلا لفتوحاتهم. وبالمقابل، لا نريده حوار الأمنيات والدعوات الأخلاقية الساكنة، التي يدمنها المهمشون كلما صدمتهم مجريات الأمور، أي لا نريده تعبيرا عن أخلاق الضعفاء الذين يعوّضون ضعفهم بسمو قيمهم وتعالي ماورائياتهم.

والحال أنّ مختلف المنظومات الثقافية العالمية تتحسس الحاجة الموضوعية إلى صياغة وتقنين مقتضايات الكونية، حتى ولو اختلفت جزئيا في ضبط معايير ومحددات هذه الكونية، فلقد أصبح لعالم اليوم أطر مرجعية كونية لا يكاد يخرج عليها كيان سياسي أو ثقافي، أبرزها الوثيقة النظرية الأخلاقية العامة التي تؤسس النظام الدولي، أي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والنظام المؤسسي الدولي المتمثل في هيئة الامم المتحدة، والأطر التشريعية المتعددة المناحي والأوجه (الاتفاقات والقوانين الدولية الملزمة التي تزايدت مجالاتها بصفة كثيفة في الآونة الأخيرة).

إن ما نريد أن نخلص إليه، هو أنّ بلورة كونية تواصلية، حوارية، تتم في ثلاثة مستويات مترابطة:

أولها، العلاقة بالحداثة من حيث هي إطار نظري ومرجعية فلسفية وفكرية هي التي صاغت المضمون القيمي للحضارة المعاصرة.

ثانيها، الحوار الواسع والمتصل حول منزلة المقدس في المجتمعات المعاصرة وانعكاسات هذه المنزلة على الخيارات المجتمعية والسياسية.

ثالثها، الإشكالات التي تطرحها التقنية اليوم، أي أثر الثورة التقنية الثالثة على الأبعاد القيمية والخلقية لوجود الإنسان ذاته باعتبار اختلافات الثقافات العالمية، وفي ما وراء هذه الاختلافات.

ومن أجل نجاحنا في تحقيق ذلك، علينا أن نحشد قوانا لمكافحة الفقر وتعزيز التعليم في العالم، التعليم الذي يسمح بفهم الآخر. ويجب أن نفعل ذلك باسم التضامن، وباسم العدالة، ولكن أيضا باسم المنطق. فإذا كان من الخطأ والخطورة إقامة علاقة مباشرة بين الإرهاب والبؤس، إلا أنّ الجميع يرون أنّ ثمة ترابط بين الإرهاب والتعصب، وهو تعصب يزدهر على أرض الجهل والذل والقمع والبؤس.

من هنا فإن حوار الثقافات يعني إدخال كل تجارب الحياة داخل مجال النظر والتأمل، وإشراك الرؤى التي جسدتها حضارات الشعوب، صغيرها وكبيرها، في التنقيب عن الأبعاد التي فقدها الإنسان خلال فرص التاريخ، وفي اكتشاف جميع الإمكانات الكامنة التي تجلت في هيئة شعوب ولغات ومذاهب دينية وفنون وعلوم ودول. إنها المقاربة التي لا تكترث للانتماء الكلي الذي يدمج حقائق الجزئيات بقالب لفظي، بقدر ما تلاحق التجارب المفردة والمختلفة والغريبة أحيانا، من أجل اكتشاف الأبعاد التي سطّحتها حياة الاستهلاك وطمسها منطق السيطرة. إنها مقاربة ميكرو - ثقافية، يعود فيها المطلق فردا والفرد يتذرى، أي مقاربة لا تقيس الثقافة بحجم صخبها أو بتماسك أيديولوجيتها، بقدر ما تسجل تجارب إنسانية يكون داخل كل منها إنسان آخر وحياة جديدة.

إنّ حوار الشعوب والثقافات يحمل في طياته متطلبات وطموحات أخرى، فهو يفترض احترام الآخر، ووعيا للذات واحترامها في آن واحد. واحترام الآخر يعني في الدرجة الأولى معرفته، كي لا يتم إدراكه كآخر في شكل جذري، من دون أي تمييز ممكن، وهو قاسم مشترك لدى كل المناهج التوتاليتارية. كما يعني في الدرجة الثانية الإصغاء إليه، والعمل معه، وعدم اتخاذ القرارات بدلا عنه. وفي الدرجة الثالثة، يعني كذلك اعتباره نقيض الآخر، وهو الأكثر بداهة والأكثر صعوبة في آن واحد. وفي الدرجة الرابعة، يجب أن يدار حوار الثقافات بتبصر وتواضع، لأنّ عدوه الاسوأ هو العجرفة. إذ أنّ كل حضارة وكل شعب يمكنهما، ويجب أن يكونا، فخورين بما حققاه وقدماه للعالم. لهذا السبب يجب على كل ثقافة، وعلى كل دين، أن يطبقا على نفسيهما عمل نقد ذاتي، وشجاعة الذاكرة وإعمال التوبة تشكل خطوة في هذا الاتجاه: إنها واجب كل ثقافة، وكل مجتمع، وكل دين. وفي هذا المجال الأساسي الذي هو مجال الطريقة التي ننظر بواسطتها إلى أنفسنا، ثمة الكثير الذي لم يتحقق حتى الآن.

وأخيرا، يجب أن نحب ذاتنا لكي نتحاور مع الآخر، ويجب أن نكون واثقين من قيمنا ومثلنا لكي نؤسس حوارا غنيا وبنّاء.

إنّ الهدف من الحوار هو التوصل - في النهاية - إلى الاتفاق على صياغة مجموعة متناسقة من القيم العالمية التي تأخذ في اعتبارها التنوّع الإنساني الخلاّق، في الوقت الذي تسعى فيه إلى التركيز على القواسم المشتركة بين ثقافات العالم جميعا. ومن الواضح أنّ الثقافات، كقيم دينية وأخلاقية ورؤى كونية، لا تجلس حول مائدة مستديرة للحوار أو الصدام الثقافي، بل أنّ المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للطبقات والدول هي التي تتصادم. وهنا تكمن ضرورة بناء التوافقات الكبرى وشبكة العلاقات بين الثقافات على أساس المصالح في بحث مشترك عن فن للعيش معا.

وبذلك يمكن أن يشهد العالم درجة أكبر من التسامح بين الثقافات، وهو تسامح يقوم على أساس المعرفة والفهم لتلك الثقافات ومبررات وجودها، ومعاني رموزها، والسلوكيات المرتبطة بها، والقيم التي تكمن وراءها. وهو الأمر الذي سيجعل التسامح قيمة من قيم المستقبل، رغم اختلاف النظرة والفكرة والسلوك والمعتقد. وهذا من المؤشرات الهامة على أنّ قيم المستقبل ستكون قيما إيجابية فاعلة أكثر منها مواقف سلبية انفعالية، حيث سيجري الاهتمام بالمستقبل والنظر إلى الأمام، واحترام قوى التقدم والنجاح والإنجاز أكثر من النظر إلى الوراء وتمجيد الماضي والارتباط به أو الاستكانة والرضا بالأمر الواقع، ومحاولة إيجاد مبررات لقبوله. وإن كان هذا لا يعني التنكر للتراث الثقافي، وإنما يعني مراجعته وإحياءه من خلال إبراز الجوانب الإيجابية فيه التي تضيف إلى الحضارة الإنسانية.

وهكذا، يبدو أنّ هناك اتفاقا عالميا على أنّ هناك حقوقا إنسانية ينبغي تطبيقها بغض النظر عن تنوّع المجتمعات واختلاف الثقافات، ويمكن القول: إنّ عملية تأسيس الحقوق عملية تاريخية مستمرة‏،‏ ومن هنا التمييز بين حقوق الجيل الأول التي كانت سياسية أساسا، وحقوق الجيل الثاني والتي هي اقتصادية واجتماعية،‏ أما حقوق الجيلين الثالث والرابع فهي حقوق عابرة للقوميات،‏ ويبرز فيها أساسا حماية البيئة‏‏ والحق في السلام‏‏ والحق في التنمية‏ وحقوق الأقليات.‏ وهذه الحقوق الجديدة هي نتاج تبلور وعي كوني‏، أبرز مؤشراته ضرورة الحفاظ علي بيئة الكوكب،‏ وأهمية تحقيق السلام والتنمية بالنسبة لكل الشعوب،‏ باعتبار التنمية مستدامة تضع في اعتبارها حقوق الأجيال المقبلة‏.‏

شروط نجاح الحوار

حوار الثقافات ممكن عبر نخب مستوعبة لماضيها وحاضرها الثقافي، تتبادل التصورات والخبرات ليتحقق تفاعل الإيجابيات في الثقافتين المتحاورتين. وبناء على ذلك فإنّ الحوار الذي يتوافق مع واقع العصر هو التزام أخلاقي ليس فيه أي انحياز للذات أو للغير، وإنما ينصفهما بما يتوافق مع قيمهما المتناظرة. ويفترض ذلك ضرورة تواجد عقل تواصلي قائم على العدالة والتشارك، باعتباره القادر على إنشاء مناخ قابل للحوار ولتبادل المعارف دون أن يغفل الاهتمام بالنظريات التي اهتمت بمفهوم الحوار.

وأهمية هذه الممارسة ظهرت في العقود الأخيرة بحكم تزايد الوعي الكوني بأنّ الإنسانية تعيش في قارب واحد، ومن ثم هناك حاجة للتصدي للمشكلات والتحديات التي تواجه الإنسانية عموما بالإضافة إلى التصدي لمشكلات الإدراك وسوء الإدراك التي تقع بين ثقافة وأخرى‏.‏

إنّ التسرع وغياب الرؤية والروية في تناول مثل هذا الموضوع المهم هما مدعاة للقلق، ليس فقط لأنّ مقدرة الحوار على الارتقاء بمستويات الفهم المشترك المعزز للثقة وبقدرات التفاعل البنّاء، إنما تعتمد على دقة وسلامة إجراءات الإعداد المسبق له، بل لأنه في غياب الإعداد المناسب يمكن أن تأتي نتائج الحوار سلبية وبالغة الخطورة أيضا.

إذ لا بد من امتلاك فهم دقيق لديناميكية التحوّلات المجتمعية والحضارية المتسارعة ونهج صيرورتها وطبيعة محدداتها والعوامل الفاعلة فيها وما يصح وما لا يصح أن يكون موضوعا للحوار، وذلك حتى تأتي مواقفنا راشدة من حيث كونها: أولا، هادفة تعكس حالة استيعاب منهجية للواقع ولمكامن المصلحة الحقيقية في ما يتعلق بغايات تكييف هذا الواقع والتكيّف معه، وحيث لا نبدو كأننا في حال صراع محبطة مع حقائق الواقع ذاتها، وفي حال تناقض موضوعي مع مقتضيات المواكبة الحضارية، التي أصبحت أهم محددات مصيرنا.

وثانيا، من حيث كونها محمية من مخاطر الوقوع تحت تأثير حال من التشويش المرجعي والمنهجي الذي يؤدي إلي إدارة الحوار بروح ورؤية عاطفية وبآلية سجالية يتحول معها الحوار إلي غاية قائمة بذاتها.

وإذا كان حوار الثقافات أصبح علي جدول أعمال عديد من المؤسسات الثقافية العالمية وفي صميم اهتمامات عدد كبير من المفكرين إلا أن المشكلة الحقيقية فيه هي " غياب المنهج " . وقد ساعد على هذا الغياب أنّ فكرة حوار الثقافات تبلورت في السنوات الأخيرة في سياق سجالي اتسم بالصراع الفكري العنيف بين أنصار " صراع الحضارات " ودعاة الحوار بين الثقافات‏.‏ وكان المفروض أن يتولي هذه المهمة أنصار حوار الثقافات، غير أنّ المعلم البارز في خطاب الحوار جاء فضفاضا زاخرا بالتأملات الفلسفية داعيا لنبذ الصراع واتباع طريق الحوار‏.‏

إنّ الدعوة المطروحة تحت عنوان " حوار الثقافات " تظل بحاجة إلى عنوان جوهري آخر يسبق هذا المفهوم الشمولي للمسألة الفكرية التاريخية المطروحة، ألا وهو الاتفاق أولا على تأسيس وتكريس " ثقافة الحوار " المنطلقة من مبادئ الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، أي الإقرار بأسس المساواة بين المتحاورين، والانطلاق من قاعدة أننا جميعا " جيران في عالم واحد ". وبالتالي فإنّ المتحاورين لهم الحق، كل الحق، في سعيهم نحو تحقيق الحرية والحياة الكريمة، والتمتع بقيم العدالة والتكافل الإنساني، وعبر النهوض الذاتي المستقل عن الوصاية والهيمنة والاستعلاء الخارجي.

إنّ الحوار الذي يخدم التفاهم بين الشعوب والاعتراف بالآخر، سياسيا وثقافيا، لا يمكن أن يكون إلا حوارا حضاريا يتخذ من المقاربة التاريخية الثقافية منهجا ونبراسا.

إنّ التقارب بين الجماعات لا يتحقق من خلال التقريب بين مذاهبها أو منظومات قيمها أو مرجعياتها الثقافية الخاصة، ولا يتحقق- بالتالي- من خلال إضعاف ما تشعر أنه يمثل خصوصيتها، وإنما يتم ذلك التقارب بين الجماعات من خلال توسيع دائرة مشاركتها في مرجعيات إضافية، وتحريرها - من ثم - من حتمية الاعتماد المطلق والأحادي على مرجعياتها الثقافية التاريخية. وهذا يعني إيجاد فرص أكبر لتنويع هذه المرجعيات، بحيث يبدو الانفتاح على الآخر إثراء للنفس لا إفقارا لها. خاصة أنّ هوية الثقافات المركزية تقوم بطمس كل العناصر التي تتعارض معها، بحيث تجعل الهوية أسيرة شبكة من المفاهيم التي تحميها من المتغيّرات التاريخية، إذ أنّ هوية الاختلاف تجعل من تلك العناصر مكوّنات فاعلة فيها، وهي تمثل جانبا من جدلها الذاتي مع نفسها وغيرها.

إنّ حوار الثقافات لابد أن يتم بين الشعوب في الجامعات وفي النوادي الفكرية ومراكز الأبحاث، بين الناس كافة في المستوى الذي يملكه الناس من مفردات الحوار، بين المنظمات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني، لأنّ الحكومات تتحرك من خلال مصالحها بعيدا عن أية قاعدة ثقافية في أغلب الأحيان، ولأنّ المسألة، بين الحكومات، لا تحكمها صداقات دائمة ولا عداوات دائمة بل المصالح الدائمة، لذلك فإنّ الحكومات تتحرك في حوار المصالح لا حوار الثقافات.

وعندما نتحدث عن حوار بين مجتمعات وجماعات، لا بين حضارات ولا بين ثقافات، فهذا يعني أننا نتحدث عن حوار بين بشر يتمتعون بملكات عقلية وعاطفية متشابهة ومشتركة، وهو وإن حصل بين شعوب تنتمي لثقافات مختلفة في اختياراتها ومنظومات قيمها - إلى هذا الحد أو ذاك - فهو من صنع أفراد يملكون إرادة ووعيا، وقادرين على تجاوز خصوصياتهم الثقافية الضيقة وتحديد المشاكل المختلفة التي تتعرض لها البشرية، وعلى التوصل إلى تعيين أسبابها، وعلى التفاهم حول وسائل حلها. فلا ينبغي لنا أن نتصور أنّ هناك مجتمعات أسيرة ثقافاتها، لا تستطيع أن تخرج منها ولا أن تتجاوز معاييرها، ولو حصل ذلك لما كان هناك اي مبرر للحديث عن حوار أصلا. إنّ الناس أسياد مصيرهم، بالرغم من الثقافات الضاغطة، ولأنهم كذلك فمن الممكن الحوار معهم، والأمل بامكانية الالتقاء في منتصف الطريق بما يسمح بالتوصل إلى حلول تضمن مصالح الأطراف المختلفة.

إنّ وضع الحوار أو حصره في إطار المقارنة أو المفاضلة بين منظومات القيم الحضارية المتعددة للجماعات، أو النزوع نحو إثبات خصوصية القيم الثقافية لكل حضارة، وتأكيد ضرورة احترام الثقافات الاخرى لهذه الخصوصية لن يقود إلى أية نتيجة مثمرة، ولكنه سيوجه جهود الجماعات الضعيفة، التي نحن منها، نحو الغرق في ميدان التبجيل الذاتي والدفاع عن الشخصية الثقافية والتاريخية. ونكون في الواقع قد استخدمنا مفهوم حوار الثقافات للتغطية على " صراع الحضارات " فلا يمكن للهوية أن تكون موضوع حوار أو مفاوضات، كما لا يمكن للثقافات والديانات أن تقبل بأن تشكل موضوع مساومة ولا موضوع تفاهم، فهي قائمة كليا على مسلمات وموروثات واعتقادات أساسية، ولا يمكن التشكيك فيها أو وضعها موضع التساؤل من دون المغامرة بزعزعة الأركان الأسطورية التي تقوم عليها أية ذات جماعية، فهي بالضرورة قيم تتجاوز العقل وتعمل فيها وراء بنية المنطق العقلي، ولا يمكن إخضاعها لأي بحث علمي، تماما كما أنّ أي مؤمن لا يمكن أن يقبل بالحوار حول تأويل نصوصه الدينية مع من هو من غير دينه.

كما أنّ هناك خطوات أساسية لابد من مراعاتها لتحقيق احترام متبادل ومتكافيء بين أطراف الحوار‏..‏ وتتمثل هذه الخطوات فيما يلي‏:‏

(1) - ضرورة تعرف كل طرف علي الطرف الآخر‏،‏ على آرائه وأفكاره ومعتقداته وأسلوب تعامله،‏ وبصفة عامة على ثقافته‏.‏

(2) - إن التعرف على الآخرين لن يكون مكتملا ومؤديا للغرض المقصود إلا إذا كان كل طرف على استعداد تام للاعتراف بحق كل مخلوق بشري في الكرامة الإنسانية، بصرف النظر عن أية اختلافات أخرى تتصل بالجنس أو اللون أو أي اعتبار آخر‏..‏ وإدراك هذا المعنى علي حقيقته يؤدي إلي تجنب الميل نحو النزعات الاستعلائية أو عقد التفوق العرقي أو الحضاري التي من شأنها أن تقضي علي أية فرصة لأي حوار بنّاء‏.‏ ولاشك في أنّ التعرف على الآخر من منطلق الإقرار بما له من كرامة إنسانية سيؤدي بدوره إلى احترام الآخر‏..‏ فهذا الاحترام في حاجة إلى أساس يرتكز عليه،وإلا كان مجرد مجاملة ديبلوماسية فارغة من المعنى.

(3) - يرتبط احترام الآخر بشكل أساسي باحترام الذات، فاحترام الذات من شأنه أن ينعكس بشكل إيجابي على النظرة إلى الآخر باحترام‏،‏ وعلى أساس من احترام الذات يدرك المرء أنّ الآخر مساوٍ له‏،‏ وهذا الاعتراف بالمساواة يعني الاعتراف للآخر بنفس الحقوق التي يطلبها الإنسان لذاته‏،‏ وعلي ذلك تتأسس قيمة الاحترام المتبادل بين الناس‏.‏

(4) - إن التعرف الحقيقي على الآخر وعلى ثقافته علي النحو المشار إليه من شأنه أن يؤدي إلى تأكيد قيمة التسامح الإيجابي إزاء الآخرين‏، وليس مجرد التسامح الحيادي‏.‏ وهذا يعني الإقرار بالتعددية الثقافية، ويعني أيضا احترام حضارة الآخر وثقافته مهما يكن مستواه من الرقي المادي، لأنّ احترام الآخر والتعرف عليه من شأنه أن يؤدي إلى تفهم كل الظروف المحيطة به‏،‏ ومن شأنه كذلك أن يقضي على الكثير من الأحكام المسبقة والمفاهيم المغلوطة على كلا الجانبين‏.‏

كما ليس هناك حوار حقيقي للثقافات، إذا لم يقم علي أساس النقد المزدوج :‏ نقد الذات وتفكيك خطاب الآخر‏.‏ والواقع أنّ ممارسة النقد الذاتي فضيلة غربية أساسا‏، بحيث يمكن القول: إنّ أحد أسباب التقدم الغربي هو الممارسة المنهجية للنقد الذاتي في المجتمعات الغربية،‏ وهذا النقد الذاتي يقوم به في بعض الأحيان أعضاء النخب السياسية الحاكمة إذا قصّروا أو أخطأوا في عملية صنع القرار،‏ وكذلك المثقفون والكتاب والمفكرون،‏ الذين يراجعون مواقفهم السياسية وفقا للأحداث الكبرى العالمية والإقليمية والمحلية،‏ أو إذا ما اتجهوا إلى تغيير وجهة مشروعاتهم الفكرية‏،‏ نتيجة للتطور الذاتي للمثقف‏‏ أو كانعكاس لتغيّرات الظروف المحيطة به‏.‏

إنّ الحوار الحقيقي يتطلب مجموعة من العناصر أهمها قبول أطراف الحوار بالاختلاف وإدراكهم أنّ للحوار مستويين: أولهما، داخلي ضمن الحضارة الواحدة للوصول إلى معالم الخطاب المعتمد. وثانيهما، خارجي موجه إلى الأطراف الأخرى. وكلاهما متعدد الأبعاد، فالغرب ليس كتلة واحدة وكذلك الشرق، وهذا يتطلب الاقتناع بضرورة سعي كل طرف لرصد وفهم خطاب الطرف الاخر مؤكدا أنّ الثقافات تقوم على الإبداع وتختلف مساراتها باختلاف الشعوب التي أنتجتها.

 

 

إشكاليات حوار الثقافات في عالم متغيّر (3)

عوائق الحوار

تعترض حوار الثقافات معوّقات عديدة، من أهمها:

(1) – نخبوية الحوار: إذ يجب إنزال الحوار من برجه العاجي إلى عامة الشعب كي يتحقق السلم عن طريق الحوار، فمثلا ثلثي المسلمين في العالم يبلغ سنهم أقل من ثلاثين سنة نصفهم من النساء، مما يستوجب النزول إليهم  ومحاورتهم طالما أنّ الأمر يتعلق بمصيرهم.

(2) – سيادة تيار الانغلاق: المأزق العالمي اليوم يتلخص بسواد تيار الانغلاق في الغرب والشرق، كما أنّ تيار مصادرة الحقوق والحريات في كل منهما أصبح حزبا أ