إشكاليات
حوار
الثقافات في
عالم متغيّر (1)
الدكتور عبدالله
تركماني
تظل الثقافة،
تبعا لحركيتها،
مفتوحة
التعريف، ذات مكوّنات متغيّرة،
محكومة
بالتطور. ليس
الجمود من
صفاتها، ولا
يمكن أن يكون. فهي ليست سلالية
صافية، بل تلاقحية،
اختلاطية،
وآية الإنسان
قدرته على
التواصل
العقلاني:
يتلقى ويفيض،
يكتسب معلومات،
يخزّنها، يتنامى
فكرا،
يتكامل، آيته أنه
يتثقف.
وفي
الواقع، لم
يعد أي
من المجتمعات
الإنسانية رهين
ثقافته
الخاصة. ومن
ثم لم يعد
سلوك هذه
المجتمعات،
أو تفكيرها الجماعي،
هما النتاج
الطبيعي
والضروري
لثقافتها
الوطنية فحسب. فالأفراد يميلون، على نحو
متزايد، حسب
تعبير
الدكتور
برهان غليون،
إلى صوغ أفكارهم ورؤيتهم
لأنفسهم
وللعالم
بطريقتهم
الخاصة، وبجدّهم الخاص
تقريبا. وذلك
بحسب مقدرتهم
الشخصية على
التواصل مع
الثقافات الأخرى،
أو ما أصبح
يشكل دفقا
ثقافيا
عالميا، تبثه
أجهزة اتصالات
حديثة، لا
تعرف حدودا
جغرافية أو سياسية.
ومن المؤكد أنّ
الثقافات لا
تتطور جميعها بالإيقاع
نفسه،
فهي تشهد
مراحل ذروة
ومراحل هبوط،
وفترات إشعاع
وتوسّع، كما أوقات
صمت وانكفاء. ولكن من
المؤكد
أيضا أنّ
العالم غني
بثقافات
القارات
الخمس، ومضطر
إلى صياغة قواعد
لتعايشها
وانسجامها،
ويحمل في ذاته
القدرة على
مواجهة
تحديات
تاريخه الكبـرى
. فبدلا من
المزاعم
الخرقاء عن
اختلاف الثقافات
المعاصرة وصراعاتها
المزعومة
ينبغي التحرك
للكشف عن
المضامين المشتركة
الكامنة في
أغلب ثقافات
الجنس البشري،
والتي تنشد
حرية الإنسان
وانتصاره
المتلاحق على
اختناقات
الضرورات المختلفة.
ففي عالم
تكتنفه
تحوّلات
عميقة
تبقى
التساؤلات
الجديرة
بالاهتمام: كيف نفكر
في تواصل
التاريخ
الإنساني وفي
المحافظة على
حلم البشرية
بحياة أفضل
لأكبر عدد
ممكن من الناس
؟ وهل نستطيع
الحفاظ على
رؤية لمشروع
كوني يتماشى
مع التعددية
ويغتني
بالثقافات
المتنوعة ؟
لقد
بدأت
مع
بداية
فبراير/شباط
2005 المناقشات
في
مقر
منظمة " اليونسكو" في
باريس
حول
"
مشروع
معاهدة
لحماية
التنوّع
الثقافي "،
وتسعى
هذه
المعاهدة
المرتقبة
إلى
وضع
إطار
قانوني
ينظم
حق
الدول
في
حماية
إنتاج
وتوزيع
الأعمال
الثقافية
على
المستويين
المحلي
والدولي
لحماية
التنوّع
الإبداعي
من
التأثيرات
السلبية للعولمة. وفي
إطار
الأهداف
المرتقبة
من
هذه
المعاهدة،
سنجد
أنّ " اليونسكو" قد
قامت
بجهود
حثيثة - خلال
العقدين
الماضيين
- من
أجل
المحافظة
على
نوع
من
الوفاق
الحضاري
من
خلال
الاختلاف
الثقافي،
مشددة
في
نهجها
على
ضرورة
المحافظة
على
الخصوصيات
الثقافية. فكانت
المنظمة
الأكثر
إيجابية
وفاعلية
تجاه
"
حوار
الثقافات " وقد
تبلورت
فكرته
وتشكلت
منذ
مطلع ثمانينات
القرن العشرين في
المؤتمر
الذي
أقيم
في
المكسيك
عام
1981. وأعلنت
منظمة " اليونسكو
"
فيما
بعد
تكريس
عشر
سنوات
من
أجل
دراسة
الموضوع
فيما
أسمتــه بـ " العقد
الثقافي " بين عامي 1988 و 1997 . ثم
جاءت
نتيجة
ذلك
الجهد
المتواصل
في
مجلد
كبير
تحت
عنـوان " تنوّعنا
الخلاّق،
تقرير
اللجنة
العالمية
للثقافة
والتنمية " وقد
تمت
ترجمة
هذا
العمل
إلى
العربية
تحت
عنـــوان
" التنوّع
البشري
الخلاّق ".
كما شهدت السنوات الأخيرة طرح العديد من المبادرات المعنية بحوار الثقافات
على المستويين الدولى والإقليمي، ولاسيما فى أعقاب قيام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 4 نوفمبر/تشرين
الثاني 1998 بإصدار قرارها رقم 22 بإعلان عام 2001 عاما للحوار. ومنذ تلك
السنة يقدم
الأمين العام للأمم المتحدة تقارير سنوية تربط بين مفاهيم التعددية والتنوّع بشكل عضوى مع حوار الثقافات.
كما تبنت الجمعية العامة سنويا مشروع قرار بشأن عام حوار الثقافات والإعداد له والأنشطة المتصلة به. وركزت هذه القرارات على دعوة الحكومات لتدرج فى المناهج الدراسية ببلادها ما من شأنه احترام التعدد الثقافى واللغوى ودراسة إنجازات الثقافات الأخرى، بما يدعم جهود الفهم والاعتراف المتبادل فيما بينها.
وقد اتسم النقاش العام حول موضوع الحوار، خاصة فى ضوء جريمة 11 سبتمبر/أيلول 2001 ، بالتأكيد على إدانة الارهاب ومواجهته عبر تدعيم الحوار ونبذ الصراع أوإلصاق تهمة الارهاب بثقافة معينة بعينها مثل الثقافة الإسلامية، وإبراز أهمية الدور المحوري للأمم المتحدة في حوار الثقافات، وربط الحوار بمبادىء ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادىء