الأنظمة‍‍‍ ...... عند ما تنتهي مدة صلاحيتها

الطاهر إبراهيم

 

البقاء لله...... هذه الجملة القصيرة في مبناها العظيمة في معناها، التي تشير إلى أن الحاكم إلى زوال، بالموت أو الانقلاب عليه، مهما طال مكوثه في السلطة. ومع ذلك فلا تضعها الأنظمة في قواميسها، وينساها الرئيس الذي جاء إلى السلطة بعد سلفه ،وراثة أو انقلابا، أو يتناساها، وهو يعلم أنه لو دامت لسلفه ما وصل هو إلى السلطة.

يقال عن أكل السفرجل أنه "كل لقمة بغصة". وما يلقاه الرئيس -الذي انتخب ديموقراطيا لا باستفتاء الأربع تسعات- من "غصات" ومنغصات الرئاسة، يجعله لا يكاد يهنأ بغداء في مطعم على منتجع جبلي. وإن كان لا بد فاعلا، فأمام أكثر من ألف عين تقف على حراسته. وهو لا ينعم بساعة سباحة على شاطئ البحر إلا وأسطول من الغواصات يحيط به،خوفا من أن ينزل عليه ما لم يكن بالحسبان.

وإذا كانت الشقة التي يسكنها مواطن عادي يتم تصميمها بحيث يكون جناح نومه فيها مستقلا عن الخدم والأولاد، بقدر ما يستطيعه المالك، فإن الرئيس لا ينام إلا وعشرات من حرسه الشخصي في حديقة قصره، وتحت نوافذ جناح نومه، وفي الممرات المؤدية إلى هذا الجناح. أي أن أخص خصائصه الشخصية ستكون تحت سمع وبصر الأغراب عنه. وهو ما لم يكن ليسمح به لو لم يكن رئيسا، بل كان واحدا من خلق الله الكثر.

أما من وصل إلى الحكم على هدير جنازير الدبابات، فإنه يفرض على نفسه الاعتقال الطوعي في قصره، ويحرم نفسه من كل مباهج الطبيعة التي خلقها الله ليتمتع بها الإنسان. يشغل نفسه بجمع المال لا لينفقه على مواطني دولته، فهو قد اقتطعه من حقوقهم. ولا لينفقه على نفسه،فما يحتاجه لا يزيد عن حاجة مواطن يتمتع بالقليل من الثروة. فهو يجمعه ليودعه كمليارات في بنوك "سويسرا" تحت حسابات سرية، قد يموت عنها ولا تصل حتى إلى ورثته ،إن كان هناك من أهل وبنين يرثونه بعد موته.

ورحم الله "شكري القوتلي"،أول رئيس جمهورية سوري بعد الاستقلال. فقد كان لا يقوم على حراسة بيته إلا خفير واحد يتم تبديله كل ثماني ساعات. وكانت سيارة الرئاسة توصله إلى القصر الجمهوري وتعيده منه إلى منزله الشخصي، ثم يأمر السائق بأخذ السيارة إلى مرآب القصر الجمهوري. بينما رؤساء اليوم في الأنظمة الاستبدادية، لا يتحرك أحدهم إلا في رتل يزيد عن عشرين من السيارات المرسيدس ذات اللون الواحد والستائر السوداء المسدلة على نوافذها، حتى لا يُعرف في أي سيارة يجلس الرئيس الخائف.

فإذا غادرنا حياة الرؤساء الشخصية إلى الوضع السياسي الذي يمارسونه في الحكم، فسنجد أن خوفهم الدائم على حياتهم ينعكس على تصرفهم أثناء الحكم. فهم خائفون من أي تحرك شعبي ضد استئثارهم بالسلطة. وبدلا من أن يقوموا بتنفيس الاحتقان الذي يعتمل في نفوس المواطنين بتوسيع هامش الحرية، ولو في حدها الأدنى، فإنهم يعتقدون أن مزيدا من الحرية يعني مزيدا من حرية الحركة لخصومهم المفترضين، يعني مزيدا من رفع الأصوات والمطالبة بالمزيد.

إذن لا بد من زيادة الضغط لمنع أي تحرك، فتنشأ أجهزة الأمن متعددة الأسماء والمهام،وهذا يعني مزيدا من تقييد الحريات، ومزيدا من الاعتداء على الأشخاص والممتلكات، ومزيدا من تصاعد الكره لهذا الحاكم.فتسارع أجهزة الأمن إلى إحصاء كل حركة وسكنة،ما يعني مزيدا من الكبت، والزج بمئات المعارضين في السجون...وهكذا تستمر السلسلة. مزيد من الضغط يعني مزيدا من التمرد والكره يعني مزيدا من القهر والاستبداد، يعني مزيدا من الغليان في صفوف المواطنين... وانتظار رحيل الحاكم البغيض.

الكثير من الأنظمة التي تحكم معظم الدول العربية انتهت صلاحيتها منذ السنة الأولى حتى لا نقول منذ اليوم الأول- لتوليها الحكم. ما يعني أنها أنظمة فاسدة ينبغي التخلص منها كما يُتَخلّص من الأطعمة التي تنتهي مدة صلاحيتها، لأنها تصبح فاسدة بمجرد انتهاء صلاحيتها. ولعل فساد الأطعمة يكون ضرره أقل، لأن الناس يحذّر بعضهم بعضا منها، بينما الأنظمة تفرض نفسها على شعوبها بالإكراه مع تقادم بقائها في السلطة، ما يزيد من خطورة فسادها بنسبة أكبر من ازدياد فساد الأطعمة في السوق بعد انتهاء مدة الصلاحية.

والعجيب أن هذه الأنظمة تعتبر أي مقاومة لبقائها في السلطة هو عدوان عليها، بينما هي من ابتدأ بالعدوان على الشعب منذ اليوم الأول لاستيلائها على الحكم. وهي لذلك "تشرعن" لهذا البقاء بدساتير وقوانين ،المبرر الأساس لها هو ترسيخ بقائها في الحكم. وكل يوم تبقى فيه هذه الأنظمة في الحكم من دون تفويض ديموقراطي، هو عدوان على الشعب، بحرمانه من حقوقه وحريته وكرامته وربما الاعتداء على حياته. (القانون 49 لعام 1980 الذي يحكم بالإعدام على مجرد الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين السورية .... أنموذجا).

الانقلاب الأخير الذي أطاح ب "معاوية ولد الطايع"، -ديكتاتور موريتانيا على مدى أكثر من عقدين- لم يرحب به عضو واحد في نادي الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي، لا حبا بالحاكم المخلوع، -فقد كان معزولا حتى عن شعبه، فلم تقم مظاهرة موريتانية واحدة تندد بالانقلابيين- بل لأن هذا الانقلاب ذكّر أعضاء النادي بما يحاولون مسحه من ذاكرتهم، وهو أنهم حكام فاسدون مكروهون من شعوبهم، ينام المواطن في آخر الليل، يحلم بصوت "البلاغ رقم واحد" في صبيحة اليوم التالي. فلم تترك سيرة هؤلاء الحكام أي زاوية في فؤاد المواطن العربي، يمكن أن يأسف منها على الحاكم المستبد إذا ما أطيح به.

والعجيب أيضا أن المجتمع الدولي يساهم في رسوخ الحكام المعتدين على شعوبهم، عندما يندد هذا المجتمع بالإطاحة بأي حاكم، ولو كان هذا الحاكم قد جاء إلى الحكم بطريقة غير شرعية على ظهر دبابة. فقد استنكرت منظمة الوحدة الأفريقية الانقلاب الذي أطاح "معاوية ولد طايع" حاكم موريتانيا المخلوع. فحكام هذه المنظمة لو رضوا بالانقلاب، لأقاموا الحجة على أنفسهم، لأن معظم حكام أفريقيا من نفس النادي الذي ينتمي إليه "ولد الطايع" الذي جاء إلى الحكم بانقلاب عام 1984، واستمر يجدد لنفسه بطرق فاقدة الشرعية. ولو كانت هذه المنظمة تمثل شعوبها، لنددت بالطرفين ،الإنقلابيين و"ولد الطايع"، لأنهما فاقدان للشرعية سواء بسواء.

لا يريد أي حاكم مستبد أن يتذكر ما حصل لشاه أيران، الذي كان يسمي نفسه "شاهنشاه"، أي ملك الملوك. فذاكرة الحكام الطغاة ضعيفة، بل هي معدومة.... فبين عشية وضحاها لم يجد "ملك الملوك" هذا دولة تقبله لاجئا لا ملكا- على أرضها، حتى قبله حاكم مكروه من شعبه هو "أنور السادات". وكانت اعتذرت أمريكا صديقة الشاه عن عدم قبوله لاجئا لديها.

مئات الألوف من الرومانيين خرجوا يهتفون ل"شاوشيسكو" دكتاتور رومانيا ولضيفه الرئيس الإيراني "هاشمي رفسنجاني" في عام 1989 . ولم يمر سوى يومين حتى كانت الألوف تلك تتوافد على الساحات تريد أن تحتفل بخلع الطاغية ومحاكمته وإعدامه مع زوجته.

أمريكا ،التي رعت وصول معظم الأنظمة المستبدة في العالم العربي إلى السلطة في بلدانها، تطالب بعض هذه الأنظمة بإصلاح أنفسها وإلا... ولكن لا أحد من شعوب المنطقة يعلق أي أمل على ذلك. فلا أمريكا صادقة في دعواها... ولا الأنظمة في وارد إصلاح أنفسها. لأن ذلك يعني ببساطة أن تتنازل عن الحكم لصالح حكومات منتخبة ديموقراطيا. وكل التوقعات تؤكد أن العصيان المدني والثورة الشعبية لا الانقلابات العسكرية- هي الملاذ الآمن لكل الشعوب المضطهدة، ولعلها مسألة وقت قبل أن يغمر الطوفان.

الطاهر إبراهيم كاتب سوري يعيش في المنفى