الإرهابيون ملة واحدة

جاد الكريم الجباعي

أظن أنه ليس من حق أحد أن يلوم الدكتور سيد القمني على ما أقدم عليه، وإن كان من حق أي شخص أن يقرأ موقفه القراءة التي يريد ويؤوله التأويل الذي يريد. فقد صرنا في زمن يضطر فيه المرء أن يقايض حريته بحياته، أو يشتري حياته بحريته، كما كانت الحال في عصور الإقطاعية الشرقية المملوكية / العثمانية، إذ كان الناس يلجئون أنفسهم وأملاكهم إلى سيد إقطاعي، حين لم يكن هناك "أمير" يقيهم من أن يكون لهم سيد، والأمير هنا هو الدولة. الحياة أهم من الحرية، لأنها شرطها الوحيد؛ فالحرية تتوقف على الحياة، ولا تتوقف الحياة على الحرية. والحرية هي الفكر.

لا حرية بلا حياة، هذا منطق الطبيعة، ولا حياة لائقة بلا حرية، هذا منطق الجماعة المدنية، فماذا نقول لشعوب لا تحب الحياة ولا تقدرها حق قدرها، ولا تعترف بعد بالحق الطبيعي للإنسان، شعوب قادتها من الرعاع وسادتها من الرعاع ومفتوها من الرعاع، وهؤلاء جميعاً ملة واحدة أو أمة واحدة، فهل يعقل أن نسائل هذه الشعوب عن الحرية؟

واهم كل من لا يدرك أن رقبته تحت السكين، وأن رقاب أولاده تحت السكين، وواهم كل من لا يدرك أنه قاتل أو مشروع قاتل، وأنه قتيل أو مشروع قتيل في الوقت ذاته؛ قاتل كل من يأمر بالقتل أو يدعو إليه، وكل من يقوم به، وكل من يرى فيه إحقاقاً لحق أو دفاعاً عن مبدأ، وقاتل كل من يسكت عن القتل؛ والقاتل هو المقتول. الذين يكفرون الآخرين إنما يهدرون دماءهم، والذين يخونون الآخرين يهدرون دماهم أيضاً، وهؤلاء وأولئك لا يفعلون سوى التشريع للقتل والإرهاب.

الذين لاموا سيد القمني والذين يلومونه يريدون منه أن يكون قاتلاً مثلهم أو مقتولاً مثلهم، والرجل يأبى ذلك، ويريد أن يرفع السكين عن رقابنا، ولا يطمع بغير إكليل من الشوك؛ فلا بد أن يكون هنالك "سيد" حين لا يكون هناك أمير.

موت الفرد حياة للنوع، ولكن موت الفكر ليس كذلك، بل هو انتكاس النوع إلى الحيوانية، إلى حالة الافتراس. والانتكاس هنا ليس انتكاس جماعة بعينها، كالتي تمارس التكفير والإرهاب والقتل، بل انتكاس المجتمع كله؛ ومن ثم فإن المجتمع كله مسؤول عن أعمال هذه الجماعة. بل إن الجماعة البشرية كلها مسؤولة، ما دمنا في عالم واحد آخذ في التحول إلى قرية كونية. القرية الكونية كلها مسؤولة عن العنف والإرهاب مسؤولية أخلاقية، لا مسؤولية جزائية. والمثقفون خاصة مسؤولون مسؤولية أخلاقية، لا عن الأخطاء التي وقعت والجرائم التي ارتكبت فحسب، بل عن الأخطاء التي ستقع والجرائم التي سترتكب أيضاً. جميع المثقفين، على الأقل، مسؤولون عما تعرض له سيد القمني وعما تعرض له كثيرون غيره من قبل، وعما قد يتعرض له آخرون. ولعله من أسوأ اشكال التنصل من المسؤولية تخفيض القضية إلى قضية سجالية بين من يصوِّب موقف القمني ومن يخطِّئه.

منذ نحو قرن من الزمان ونحن نخسر المعارك واحدة تلو الأخرى، سوى معركة واحدة خسرناها من دون أن نخوضها، هي معركة الحرية، معركة الفكر الحر، معركة الروح الإنساني الحر. ويبدو لي أننا خسرنا جميع المعارك الأخرى، لأننا لم نخض معركة الحرية ولم نكسبها. فرجعنا إلى المربع الأول لنخوض معركة الدفاع عن الحياة في وجه ثقافة الموت، ثقافة "الجهاد" وثقافة "الاستشهاد"، في وجه همجية القرون الوسطى التي انبعثت من جوف التاريخ دفعة واحدة.

حفظ الحياة، أو الاعتراف المتبادل بحق الحياة كان أساس أول عقد اجتماعي بين الأفراد وبين الجماعات البشرية، وكان للدين، بوصفه مبدأ معرفة، أثر مهم في نشوء العقد الاجتماعي، الذي كف بموجبه الكائن البشري عن كونه نوعاً صائداً ومفترساً بين أنواع أخرى، واستوى على عرش المعرفة والعمل، أو المعرفة / العمل بستانياً للعالم، ثم صانعاً ومنتجاً لكل ما فيه. العقد الاجتماعي كان، ولا يزال، عقداً بين أفراد أحرار مختلفين في كل شيء، ومتفقين في الحاجة إلى حفظ الحياة والأمن وتوفير سبل الرخاء. كان التواصل والتعاون والتسامح تعبيراً عن حاجة أملتها الضرورة، وإنماء لعاطفة الرأفة، أو الرحمة، الطبيعية في الإنسان، ومن الحاجة والرأفة والتسامح تكوَّن أول نسيج اجتماعي، وأول ثقافة اجتماعية. وليس هنالك معرفة أو ثقافة خارج إطار المجتمع.

 كانت الوظيفة الأساسية للدين هي الحفاظ على وحدة الجماعة، بما هي وحدة الاختلاف، أو هوية الاختلاف. وكان القصاص أو الجزاء (النفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن) يرمي إلى الغاية نفسها، ولم يوكل للأفراد بل للجماعة كلها وقد صارت شخصية سياسية وأخلاقية، وعهد به إلى قضاة اشترط فيهم العدل والاستقامة، مع أن مبدأ النفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن لم يعد يناسب المدنية الحاضرة، وقد ألغت كثير من الشعوب المتمدنة عقوبة الإعدام من قوانينها الجزائية.

لم يكن الدين في يوم من الأيام سوى سلطة أخلاقية تعاون السلطة السياسية الموجودة بالفعل أو بالقوة، وتؤازرها، وتسوغ جميع أعمالها، بما في ذلك القبيحة منها، فمثلما تكون السلطة السياسية يكون الدين في أي مجتمع، ومثلما يكون الساسة يكون السادة والفقهاء والمفتون والمشايخ والبطاركة والقساوسة والوعاظ، ولم تكن الأمور على خلاف ذلك قط، إلا في القليل والنادر اللذين يؤكدان القاعدة.

الإرهابيون ملة واحدة هي "الملة الناجية"، وأمة واحدة هي "خير أمة أخرجت للناس"، وهم أنواع شتى من "شعب الله المختار". والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما الإرهاب ذاته، لأنهما ممهوران بـ (الـ) التعريف العهدية التي تصبغهما بصبغة المتكلم، الذي يمنح نفسه الحق في تحديد ما هو المعروف وما هو المنكر، ويمنع هذا الحق عن غيره؛ إنها شريعة الغاب.

الرأي والحقيقة أمران مختلفان، والقانون والعدالة أمران مختلفان أيضاً. حين يتطابق الرأي والحقيقة يكون الإنسان قد صار إلهاً، وهذا مخالف للطبيعة، وحين يتطابق القانون والعدالة نصير في الدولة الدينية، التي لم توجد قط في التاريخ، ولن توجد أبداً، لأن هذا مخالف للطبيعة أيضاً. البشر كائنات طبيعية وسوف يظلون كذلك.

فليس من الحكمة أن نصب جام غضبنا على الجماعات الإرهابية وننسى البنى والعلاقات الاجتماعية والسياسية التي تولد الإرهاب، والثقافة التي تسوغه، فالنظم السياسية في البلدان العربية التي تعاني من الإرهاب هي بالأحرى نظم إرهابية، منذ ألغت القانون الذي ينظم حياة المجتمع، ومزقت اللحمة الوطنية لشعوبها، وأقامت علاقتها بهذه الشعوب على نوع من عقد إذعان صار معه المواطنون متساوين في كونهم لا شيء، وصار لكل من الحق بقدر ماله من القوة. فليس النظام السياسي في أي من هذه البلدان بأفضل من الجماعات الإرهابية، فهذه النظم لم تعد أشخاصاً سياسية وأخلاقية، بل جماعات إرهابية فحسب، جماعات إرهابية ألغت السياسة من مجتمعاتها أو حولتها إلى حرب على مجتمعاتها، منطقها الداخلي يقول: إما نحن وإما الفوضى والدمار، "إما الطغيان وإما ضياع الأوطان". لا يحتاج المرء إلى كثير من الجهد أو إلى كثير من الذكاء لمعرفة العلاقة التوليدية بين أنظمة الاستبداد والجماعات الإرهابية. فمنذ أخذت إسرائيل تكف عن كونها عدواً وظيفياً لهذه النظم، أي منذ زيارة السادات إلى القدس إلى مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت، صارت هذه النظم في حاجة إلى عدو وظيفي جديد لم يعد من الممكن إلا أن يكون داخلياً، فبادرت إلى إنتاجه بهمة ونشاط، بعد أن وفرت له جميع الشروط اللازمة للنمو.

وليس من الحكمة أن نحمِّل الدين وزر الإرهاب ونعفي "السياسة" منه، أو أن نتوقف عند نقد الدين الوضعي ولا نتخطى ذلك إلى نقد السياسية الوضيعة، بل إن الحكمة كلها في نقد السياسة وترك الدين لأهله.

العلمانية مفهومة فهماً صحيحاً هي نقد السياسة وفض اشتباكها بالدين، ورفض ازدواجية السلطة، ونزع المشروعية الدينية، بما هي مشروعية أخلاقية، من أيدي الطغاة والمستبدين. ولقد فتح الكواكبي فتحاً مهماً في هذا الميدان حين قرر أن الاستبداد الديني والاستبداد السياسي صنوان ووجهان لعملة واحدة، فالاستبداد هو الاستبداد في كل زمان ومكان، بأي مظهر ظهر وبأي زي تزيا وبأي مشروعية حكم. وعلى خطا الكواكبي نؤكد أنه لولا الاستبداد السياسي واستقواء المستبدين بالمشروعية الدينية ولوذهم بها لما كان استبداد ديني؛ ألم يكن المستبد العثماني الذي ناهضه الكواكبي أمير المؤمنين وخليفة المسلمين؟!، وما الذي جعله مستبدأً بأتباعه ورعاياه، الدين أم خصائص نظامه الإقطاعي العسكري ومصالحه الدنيوية؟. نقد الدين من دون أي صفة هو من عمل الفلسفة وجزء من نقد الميتافيزيقا، ونحن هنا نميز الدين، بوصفه مظهراً من مظاهر الوعي الاجتماعي وشأناً من شؤون الذاتية، ذاتية الفرد والجماعة على السواء، من الدين الوضعي بوصفه سلطة على نفوس البشر وضمائرهم، أي بوصفه ظهيراً للسلطة السياسية وامتداداً لها.

بإنتاج الإرهاب وإعادة إنتاجه تطمح السلطات المستبدة التي تعرف نفسها بأنها سلطات علمانية إلى استمالة العلمانيين وكسب ولائهم بعد أن ضمنت التيولوجيين. وما كانت لتفعل ذلك لولا همود الحركة التوتاليتارية وانحسار المد الشعبوي وظهورها على حقيقتها استبداداً عارياً وإرهاباً خالصاً ومصالح خاصة عمياء؛ ولسان حالها يقول: أيها المثقفون العلمانيون والديمقراطيون والليبراليون والاشتراكيون والقوميون، لا مناص لكم ولا مخرج إلا أن تكونوا معنا، في مواجهة الإرهاب الذي يتهددنا جميعاً، بل هو يتهددكم أولاً، وأنتم عزل من أي سلاح، وإلا فإن مصيركم لن يكون أفضل من مصير رفيق الحريري وسمير قصير وجورج حاوي وسيد القمني ومن تولتهم يد الحكمة والفضيلة من قبل؛ فإن يدنا اليمنى التي نعطي بها  ممدودة لكم، وحذار حذار من يدنا اليسرى.

لا يلومنَّ المثقفون العلمانيون سوى أنفسهم، فمنذ نحو ربع قرن وهم يتهافتون على "التراث" وعلى "الأصالة" تهافت الذباب على جيفة نتنة تفوح منها روائح الاستبداد القومي والاستبداد الإسلامي والاستبداد الاشتراكي، يبحثون عن أصالة يفتقرون إليها، وعن مبادئ أخلاقية تعوض نقص المبدأ الأخلاقي لدى كل منهم، نقصاً يتجلى في ازورارهم عن الواقع وتهربهم من مواجهة مشكلاته ومعضلاته العيانية، وفي عدم التزام الحقيقة التي تقف عارية أمام الجميع، ولا يريد أحد أن يراها، ومهانة على مرأى ومسمع من الجميع، ولا يريد أحد أن يدافع عن كرامتها.

الإنسان هو الحقيقة الوحيدة التي تستحق أن يدافع عنها، لا الأفكار ولا المبادئ ولا الديانات ولا المذاهب ولا العقائد السياسية، فهذه كلها محمولات الإنسان تستمد قيمتها منه، وليس لها أي قيمة في ذاتها، ولا خير في الدفاع عنها قبل الدفاع عن منتجها وحاملها. المبدأ الأخلاقي هو كرامة الإنسان ذكراً وأنثى بالتساوي، وكرامة الإنسان هي حريته، سواء بوصفه فرداً طبيعياً في المجتمع المدني متساوياً مع جميع نظرائه في الإنسانية، أو بصفته مواطناً في الدولة السياسية متساوياً مع جميع نظرائه في المواطنة وفي الوطنية، ولا فرق. ولا خير في مجتمع لا ينهض للدفاع ولو عن شخص واحد يهدَّدُ أو يُقتل أو تساء معاملته، بسبب أفكاره أو عقيدته أو انتمائه السياسي، ولا خير في مجتمع يبيح القتل أو يبرره بأي حجة من الحجج أو بأي ذريعة من الذرائع. ولا خير في مجتمع لا يعترف اعترافاً مبدئياً ونهائياً بحق الفرد في الاختلاف وفي الإلحاد أسوة بحق نظرائه في الموافقة وفي الإيمان.

عبث نقد بعض التراث ببعضه الآخر، كما شاع عندنا، ولا يزال شائعاً، فالتراث كل لا يقوم بعضه إلا ببعضه الآخر، ولا يكتمل إذا نقص منه أحد أجزائه، وهو من ثم محصلة لعملية نقد منتهية، منذ صار تراثاً. للفكر النقدي الذي يستحق اسمه طابع مستقبلي واستباقي. فلماذا حظي التراث ولا يزال يحظى بكل هذا الاهتمام، في حين سكت الجميع عن نقد الثقافة الجماهيرية التي غيَّبت وعي مجتمعاتنا وضميرها؟

الحرية هي الضمير الغائب في الثقافة العربية الإسلامية، حتى يومنا وساعتنا، هي ضمير الغائب في هذه الثقافة، والغائب هو الإنسان.