مستقبل الحراك الديمقراطي في الشارع السوري

د.رضوان زيادة

يمتاز المجتمع السوري بخصيصة تكاد تكون متشابهة مع غيره من المجتمعات التي عاشت في ظل أنظمة توتاليتارية كلانية ،هي الغنى الكبير في الثقافة الشفوية والضحالة شبه التامة في الثقافة السياسية المكتوبة،وهو لذلك يعتمد الشائعة في تحليلاته وتوقعاته أكثر من استناده إلى الخبر الصحفي المكتوب أو المسموع .وعلى ما يبدو فإن الوقائع غالباً ما كانت تؤكد الشائعات ،لدرجة رواج قاعدة اعتمدها أحد الخبراء الغربيين المختصين في الشأن السوري تقول "أن الشائعة في سورية تصبح حقيقة بعد أيام أو أشهر " .

هذه الثقافة الشفوية الغنية غالباً ما تكون محصورة بجلسات الصالونات والزيارات العائلية ولقاءات الأصدقاء ،ذلك أن تحولها إلى العلن مكلفٌ سياسياً وأمنياً ،ولأجل ذلك توسعت هذه الثقافة واكتست شكلاً طريفاً من النكت السياسية المشهور بها أهل الشام ،لكن بداية تحول المسكوت عنه إلى العلن في نهاية التسعينيات من القرن الماضي كان مع بداية التململ الشعبي العلني من سكون الأوضاع والأحوال اقتصادياً وسياسياً وثقافياً واجتماعياً،ولذلك تجلى هذا التململ في منتديات علنية بعضها رسمي مثل جمعية العلوم الاقتصادية السورية التي كانت تعقد لقاءاتها كل ثلاثاء وناقشت بجدية وبفعالية السياسة الاقتصادية التي تتبعها الحكومة السورية وزاد نقاشاتها لهيباً حضور الدكتور بشار الأسد قبل تسلمه الرئاسة لبعض ندواتها مما جعل البعض يعتقد أنها ((مغطاة)) حسب المصطلح السوري الدارج، ووفقاً لذلك فقد فسحت المجال لنقاش أكبر شريحة وبأوسع هامش، وبعضها الآخر غير رسمي من قبل الندوات الدورية التي كان يعقدها منتدى أبو زلام للدراسات الحضارية في منطقة البرامكة بدمشق، ومنتدى دمر الثقافي اللذين اكتسبا حيوية أكبر مع شعور المشاركين بضرورة الانخراط الجدي في نقاش الأمور السياسية المحرمة والإسهام بفعالية في كسب قطاعات مجتمعية جديدة للمشاركة في التعبير عن الرأي بحرية ومسؤولية.

لقد لعبت عوامل عدة في إطلاق هذا الجو الذي يحض على الحوار والنقاش ولا يستبعده أو ينفيه كما كان في السابق، فاستئناف محادثات السلام بين سورية وإسرائيل في كانون الأول/ديسمبر 1999 عقب وصول إيهود باراك إلى السلطة في إسرائيل أطلق نقاشاً حاراً وواسعاً حول جدل التطبيع مع إسرائيل وموقف المثقف والمجتمع السوريين منه في حال التوصل إلى اتفاق سلام بين سورية وإسرائيل ()، ومع فشل المفاوضات المُستأنفة تجدَّد حديثٌ داخلي حول الفساد والإصلاح في سورية وأخذ طابعاً دراماتيكياً مع عزل رئيس الوزراء الأسبق محمود الزعبي ثم فصله من الحزب وانتحاره فيما بعد في أيار/مايو 2000، مما وسّع دائرة النقاش المحدودة بشكلٍ كبير وخرجت أقلامٌ عدة عن صمتها وبدأت تتحدث بجرأةٍ عن ضرورة الإصلاح السياسي والاقتصادي إذا كنا نرغب مستقبلاً أفضل لسورية.

وكانت سبقتها انتخابات الدورة التشريعية السابعة لمجلس الشعب (1999ـ 2003) حيث ظهرت أصوات أكثر جرأة في المطالب وأشد حدة في التعبير عن الرأي سيما عضو مجلس الشعب رياض سيف والدكتور عارف دليلة الذين ترشحا عن مدينة دمشق مطالبين بتعديل قانون الانتخابات وتفعيل دور مجلس الشعب للمراقبة والمحاسبة، وأتى خطاب الرئيس حافظ الأسد في افتتاح المجلس التشريعي السادس لينقد الفساد والبيروقراطية ويحث على التطوير والتحديث وهو ما سمح للسوريين بأخذ جرعة إضافية من ((الحرية الممنوعة)) عبر توجيه النقد علناً لشخصيات و((رموز الفساد)).

ثم جاء بعد ذلك انتقال السلطة عبر تعديل الدستور وإجراء استفتاء "شعبي" ليصبح بعدها بشار الأسد رئيساً للجمهورية، وقد جاء خطابه للقسم في 17تموز/يوليو 2000 ليحضَّ على احترام الرأي الآخر مما سمح بنوعٍ من الهامش في حرية الرأي والتعبير، وكان من الطبيعي أن تكون فئة المثقفين الأكثر سبقاً لاقتناصه بحكم كونها الأكثر حساسية للتغيير والأكثر طلَباً له. لقد بدأت قصة ولادة مفهوم "المجتمع المدني" كمدخل لفكرة التحول الديمقراطي من خلال اجتماعات دورية لعددٍ من المثقفين ذوي الاتجاه اليساري وذلك قبل وفاة الرئيس حافظ الأسد ، لقد كان النقاش يتمحور حول ضرورة استعادة المجتمع لدوره بعد استبعاده من قبل السلطة على مدى سنوات طويلة وبحضور النائب والصناعي رياض سيف في الجلسات الأخيرة أتت فكرة تأسيس "جمعية أصدقاء المجتمع المدني" () وصاغ المجتمعون مسودةً أولى ثم ثانية للجمعية أشارت إلى أن "المجتمع المدني كما نراه، هو مجموع التنظيمات المجتمعية غير الحكومية من جمعيات ونقابات وهيئات وأحزاب ومنظمات ووسائل إعلام حرة متعددة ومتنوعة ونواد ومؤسسات، جوهره الخيار الديمقراطي، ولا يمكن للديمقراطية أن تتجسد إلا عبر نهوض المجتمع المدني بأنظمته ومؤسساته وخلق حال حوار نقدي بين المجتمع والدولة من أجل مصلحة الوطن، كما أن تفعيل مؤسسات المجتمع يعتبر السبيل الوحيد لبناء دولة حقيقية للجميع وتحقيق حراك اجتماعي فاعل" وصولاً إلى الدعوة إلى "تأسيس جمعية أصدقاء المجتمع المدني في سورية، علّنا نقدّم جهداً يُسهم في بناء مجتمع ديموقراطي متطور"().

ثم جاء بيان المثقفين السوريين الأول (المعروف ببيان الـ 99 مثقفاً) في 27 أيلول/سبتمبر 2000، وقد دعا البيان إلى "إلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية المطبقة في سورية منذ العام 1963، وإصدار عفو عام عن كافة المعتقلين السياسيين، والسماح بعودة المنفيين، وإرساء دولة القانون، وإطلاق الحريات العامة، والاعتراف بالتعددية السياسية والفكرية وحرية الاجتماع والصحافة والتعبير عن الرأي"() وقد وقّع عليه العديد من الأسماء المؤثّرة في الحياة الثقافية السورية كأنطون مقدسي وبرهان غليون وصادق جلال العظم وطيب تيزيني وعددٌ لا بأس به من السينمائيين والمحامين البارزين وقد أحدث أثراً عبر الاهتمام الإعلامي العالمي والعربي اللافت بوصفه "صرخة الحرية الأولى" التي تخرج من داخل سورية().

لقد مثّل هذا البيان صحوة السبات بالنسبة للمثقفين السوريين واستعادةً لسلطتهم الرمزية وحضورهم المعنوي في المتخيّل الجمعي بوصفهم المعبرين عن الضمير الذي يتجه دوماً باتجاه الحق والحرية، لقد كانت استجابة السلطات الرسمية إيجابية جداً "بالمعايير السورية" على البيان، إذ لم يتعرض أيُّ من الموقعين إلى أيّة ضغوطات أمنية تُعتبر في سورية بمثابة نتيجة طبيعية لتغلغل الأجهزة الأمنية في حياة المواطنين، بل استجابت السلطات والرئيس بشار الأسد نفسه شخصياً بالإفراج عن ما يعادل 600 معتقل سياسي في تشرين الأول/أكتوبر2000، وكانت الصحف الرسمية أول من ذكر الخبر في صفحاتها الأولى ()، الأمر الذي اعتبر بمثابة الاعتراف الرسمي الأول بوجود "معتقلين سياسيين" بعد أن كانت السلطات الرسمية تنكر باستمرار وجودهم وتعتبرهم موقوفين يقضون عقوبتهم القضائية.

كلُّ هذا نشّط الحراك الاجتماعي والسياسي وخاصة بالنسبة للمثقفين الذي رأَوا في ذلك فرصةً لا تفوّت للمزيد من الضغوط باتجاه إحداث انفراجات سياسية مع ضمانات قانونية حقيقية وليس فقط على مبدأ النبضات أو الضوء الأخضر أو سياسة غض النظر ()، ولذلك بدأت المنتديات والندوات تنتشر كالفطر كما شبهها أحد الصحافيين السوريين، فأُعلن عن تأسيس المنتدى الثقافي لحقوق الإنسان ()، ثم منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي في 13 كانون الثاني/يناير 2001، وبنفس الوقت كان عددٌ من المثقفين السوريين المنضوين تحت ما أسموه "الهيئة التأسيسية للجان إحياء المجتمع المدني" وكان عددهم 22 مثقفاً سورية ثم انسحب بعضهم إلى أن استقرَّ العدد النهائي على 14 مثقفاً ()، وقد استمرّوا في اجتماعاتهم الدورية والمنتظمة التي رعت فيما بعد جمع التوقيعات الضرورية لما سُمِّي "بيان الألف" الذي حمل لهجةً تصعيدية خاصة بالنسبة لتقييمه المرحلة السابقة من حركة 8آذار/مارس 1963 وحتى تشرين الثاني /نوفمبر 1970 وهو ما أثار ردود فعلٍ واسعة جداً على لسان عدد كبير من المسؤولين السوريين كوزير الدفاع مصطفى طلاس () ووزير الإعلام ()وغيرهما كما ظهر ذلك في افتتاحيات الصحف الرسمية () والصحف العربية التي تصدر من بيروت ومحسوبةً على النظام السوري خاصةً صحيفة "المحرر العربي"().

يمكن القول أن الطيف الواسع الذي ساهم في ِإصدار بيان الألف كان له تأثيره السياسي والمجتمعي المباشر، لجهة بداية تشدد السلطات اتجاه مثل هذا النوع من النشاط الإعلامي، أو لجهة رفع سقف المطالب العامة المتعلقة بالحريات والتعددية السياسية وانعكس ذلك بشكلٍ مباشر على حوارات السوريين فيما بينهم، وامتلكت "الهيئة التأسيسية" حضوراً رمزياً بصفتها صوت المثقفين السوريين، وبنفس الوقت كان النائب رياض سيف يفكّر بشكلٍ جديد في إعطاء "منتدى الحوار الوطني" الذي أسَّسه في منزله صيغةً مؤسسية وتجلى ذلك في تأسيس لجنة تدير شؤون المنتدى أُطلق عليها "لجنة منتدى الحوار الوطني" التي كانت مؤلفة من 14عضواً()، وقد جمع بعض أعضائها بين نشاطهم في "الهيئة التأسيسية للجان إحياء المجتمع المدني" وبين مشاركتهم في "لجنة منتدى الحوار الوطني".

هذه الأجواء الإيجابية دفعت النائب رياض سيف إلى الاستعجال بالإعلان عن تأسيس حزبٍ جديد حمل اسم "حركة السلم الاجتماعي" وذلك في "منتدى الحوار الوطني" بتاريخ 31 كانون الثاني/يناير 2001، إذ توقع سيف أن يتم الإعلان عن صدور قانون جديد في 14 شباط/فبراير 2001 كما ورد ذلك على لسان سليمان قداح الأمين القطري السابق لحزب البعث العربي الاشتراكي ثم يتم توسيع الجبهة الوطنية التقدمية باستنساخ أحزاب شبيهة بها، وتكون السلطة بذلك قد أَنجزت الانفتاح السياسي وحققت التعددية السياسية، فأحبَّ سيف أن يضع السلطة أمام استحقاقٍ من نوع جديد وهو السماح لأحزاب ذات خط ليبرالي مختلف بالنشاط السياسي ولا تعمل تحت مظلة الجبهة الوطنية التقدمية، لكن سيف الذي كتب ورقة "حركة السلم الاجتماعي: مبادئ أولية للحوار"() على عجل، لم يكن موفّقاً في صياغة سياسية تتلاءم مع الواقع السياسي القائم ويتواءم معه خاصة من زاوية بدءه بالدفاع عن الأقليات وهو ما لا يتناسب مع الذهنية القومية التي يقوم عليها العقل السياسي الرسمي منه والمعارض في سورية، ذلك أن الوعي القومي يمثّل بالنسبة للسوريين الإطار العام الذي يفكرون من خلاله وبه، ولذلك أحدثت ورقة "حركة السلم الاجتماعي" ردة فعلٍ سلبية أثناء الإعلان عنها في 31 كانون الثاني/يناير 2001 () من قبل المسؤولين الرسميين في سورية إذ رأى فيها عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية دعوةً لمجزأة سورية ()، وهو ما عجَّل بالبدء في كبح نشاط المنتديات وكبتها.

لكن هل هذه الجرعات المتزايدة كانت محسوبة ومضبوطة لتمرير انتقال السلطة بشكلٍ سلس وهادئ عبر إعطاء شرعية داخلية وخارجية لآلية انتقال السلطة عندما تُبرر بالطريقة التي تمت فيها لحملها مشروعاً لمكافحة الفساد وتحديث القوانين وإفساح المجال للمشاركة، يبدو أن ذلك هو ما كان المقصود فعلاً خاصةً إذا نظرنا إلى آلية الطريقة التي جرى انتقال السلطة فيها عبر اصطفافات سياسية جديدة تمت ضمن النخبة السياسية والعسكرية والأمنية الحاكمة.

إن ربيع دمشق لم يكن ليتم لولا مسارين اثنين أنتجا حراكاً سياسياً اجتماعياً في لحظةٍ تاريخية، المسار الأول هو مسار تغيّر رأس النظام السياسي لكن على الأسس والقواعد ذاتها، بما يحمله ذلك من صعوبة سيما وأن النظام السياسي الشمولي قائم على تراتبية هرمية صارمة يقع فيها الرئيس موقع المدير الفعلي والوحيد لكل مفاصل النظام ومؤسساته، أما المسار الآخر فهو رغبة مجتمع يتصف تاريخياً بالتسيس والحيوية والثقافة والمشاركة عبر صيغ ووسائل وآليات جديدة، إنه يحاول اختراق حواجز المنع الكتيمة باتجاه إسماع صوته ورأيه وأخذه بعين الاعتبار.

وإذا لاحظنا فإن كلا المسارين كانا يتقطاعان في عدة لحظات بل ويتصادمان لكنهما في أغلب الأحيان كانا يسيران بشكلٍ متواز ومتساوق، إلى أن جرى تطبيق العسف النهائي بحق المسار المجتمعي بحيث تم إلحاقه واستتباعه عودةً بذلك إلى سيرة الصمت والسكون القديمة التي سادت سورية خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.

مسار النظام السياسي الرسمي كان يقوم على إعادة بناء هذا النظام على الأسس ذاتها وتجميل سورية في الخارج والقيام بتحديث قانوني وإصلاح اقتصادي دون إصلاح سياسي، وبدت مؤشراته واضحة في هذا الخط، أما مسار المعارضة الناشئة والتي تبلورت تدريجياَ نتيجة إحباطها من خطوات السلطة فإنها حمل رؤية للتغيير بدت مطلبية في بداياتها لكنها أصبحت أكثر نضوجاً ورؤيوية فيما بعد.

بعد ذلك جرى الإعلان عن شروطٍ لتقييد نشاط المنتديات أو بالأحرى وقفها نهائياً، إذ طُلِبَ من المسؤولين عن تنظيم هذه المنتديات تقديم اسم المحاضر ونص المحاضرة وأسماء الحضور إلى غير ذلك قبل 15 يوماً من موعد المحاضرة والانتظار حتى الحصول على الموافقة()، الأمر الذي عنى حقيقةً وقف نشاط المنتديات بتوجيهٍ من فرع الأمن السياسي التابع لوزارة الداخلية، وترافق ذلك مع تعميمٍ من القيادة القطرية لحزب البعث تتهم فيه المثقفين السوريين بأنهم عملاء ومرتبطون بالخارج ()، وقام أعضاء القيادة القطرية بجولة على المحافظات السورية للتحذير من هذه الأطروحات التي تدعو إلى "المجتمع المدني"()، وعلى إثر هذه التقييدات المختلفة أعلن الكثير من المنتديات وقف نشاطه، بينما جرى استثناء "منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي" وذلك لأنه يمثّل الطيف الناصري القومي القريب من توجه القيادة السياسية السورية ()، أما منتدى الحوار الوطني فقد أعلن النائب سيف تحوّله إلى "مضافة" () قبل أن يُعلن نهائياً إغلاقه () وعندها جرى الإعلان رسمياً عن نهاية "ربيع دمشق" () الأمر الذي انعكس مباشرة على حراك المثقفين السوريين ونشاطهم، لكنهم على الرغم من ذلك استمروا في نشاطهم عبر هيئاتهم التمثيلية التي اكتسبت شرعيةً واقعية خلال تلك الفترة السابقة، فالهيئة التأسيسية للجان إحياء المجتمع المدني عملت على إصدار وثيقة أخرى عُرِفت بوثيقة "التوافقات" في 25 شباط/فبراير 2001 () واستمرَّ "منتدى جمال الأتاسي" بنشاطه عبر محاضرةٍ عن "ثقافة الخوف" ()، أما "منتدى الحوار الوطني" فبالرغم من تحويل النائب رياض سيف إلى القضاء للتحقيق معه بشأن ورقة "حركة السلم الاجتماعي" () فإن اللجنة استمرت في اجتماعاتها وقررت الاستمرار في الترخيص القانوني واستئناف نشاط المنتدى بغضِّ النظر عن موافقة السلطات على ذلك أو رفضها.

تم كبح جماح المنتديات إذاً كمؤشر على عدم جدية التغيير،وإنما كان المطلوب أشبه بتجديد الصورة الداخلية والخارجية بعد اهتلاك كلتيهما خلال السنوات السابقة، وهو ما خلق جدلاً ونقاشاً حادين في أوساط السلطة والمثقفين، الأولى بدت نقاشاتها خفية وغير معلنة وتتعلق بالوسائل الأنجع لكبح جماح المثقفين والناشطين ووضع أولوية للإصلاح الاقتصادي على السياسي، أما المثقفون والهيئات والمنتديات فقد بدت أكثر حيوية في نقاشاتها وكتاباتها وتتعلق بموقف السلطة من هذا الحراك بمجمله وأين هي نهاياته؟ وما هي وسائل التعامل للحفاظ على مكتسبات ((الربيع)) ؟.

لقد كانت خطوات الانفتاح الاقتصادي جزئية ومحدودة ولا تنضوي في إطار مشروع إصلاح اقتصادي شامل و متكامل، إنها أشبه بسياسة الترقيع عبر فتح مصارف خاصة وتعديل بعض القوانين ووضع خطط لمكافحة البطالة، ومازالت النقاشات حول جدواها جارية حتى الآن، ولذلك لجأت السلطة وكخطوة لتبرير الإبطاء والممانعة في الإصلاح الاقتصادي إلى خطوات خجولة في الانفتاح السياسي الضيق والمحدود جداً من مثل السماح لأحزاب الجبهة بفتح مقار لها وإصدار صحفها الخاصة، وهي تعلم تماماً مدى التمثيل الضعيف بل المعدوم أحياناً لهذه الأحزاب في الشارع السوري.

أتى الاغتيال النهائي لربيع دمشق في أيلول / سبتمبر 2001 عبر اعتقال أبرز الناشطين والفاعلين في حراكه في رسالةٍ إلى المشاركين فيه بشكل خاص وللمجتمع بشكل عام في ضبط الأمور وإظهار خيار الثبات الذي وسم النظام السوري منذ نهاية عقد السبعينات، ولذلك بدى السؤال مشروعاً حول إمكانية التغيير الحقيقي من داخل النظام ذاته، وكيف أن ربيع دمشق لم يكن في حقيقته سوى إعادة تأهيل النظام إعلامياً على الأقل في الداخل والخارج ولم يكن نابعاً من رغبة جادة وعميقة في القطع مع سياسة الماضي القائم على القمع واحتكار الحقيقة والوطنية.

فقد بدأت خطوات الاعتقال مع النائب مأمون الحمصي في آب/أغسطس 2001 بعد إعلانه إضراباً عن الطعام كي تتحقق أهدافه التي أعلنها في بيانه () ثم جرى اعتقال رياض الترك الأمين العام للحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي وذلك في أيلول/سبتمبر 2001 بعد مشاركة له في برنامج "بلا حدود" على قناة "الجزيرة" القطرية () مما زاد المخاوف والشكوك، وجاء استئناف نشاط منتدى الحوار الوطني في 6 أيلول/سبتمبر 2001 بمحاضرةٍ للدكتور برهان غليون الذي قَدِمَ من باريس حيث يقيم خصيصاً للمشاركة في استئناف نشاط المنتدى وليُعلن فتح صفحة جديدة كما قال في بداية محاضرته التي كانت بعنوان "مستقبل الإصلاح والتغيير في سورية: نحو عقد وطني جديدً ()، وبعد نقاش استمرَّ لمدة خمس ساعات متواصلة وبحضور ما يفوق عمن 500 شخص شعر فيها المشاركون بحيوية التواصل وإمكانيته بين السوريين جميعاً ومن كل أطيافهم وألوانهم سيّما وأن المحاضرة تدعو إلى بناء عقد وطني جديد بين النخب السياسية في سورية وبين السلطة من جهة والمجتمع وقوى المعارضة من جهة أخرى، غير أن السلطات السورية ردّت على ذلك باعتقال النائب رياض سيف في 7أيلول/سبتمبر2001 () الأمر الذي دفع "لجنة منتدى الحوار الوطني" للتنديد بذلك والتأكيد على الاستمرار في نشاط المنتدى عبر بياناتها المستمرة()، وجاء الرد سريعاً مرة أخرى باعتقال خمسةٍ آخرين هم الدكتور عارف دليلة عميد كلية الاقتصاد سابقاً، د. وليد البني ود. كمال اللبواني وحسن سعدون وجميعهم أعضاء في لجنة المنتدى، كما اعتُقل أيضاً حبيب صالح المسؤول عن المنتدى الثقافي في طرطوس()، ومع استمرار صدور البيانات المنددة والمصممة على الاستمرار في نشاط المنتديات جاء اعتقال ناشطين آخرين هما المحامي حبيب عيسى الناطق باسم منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي وفواز تللو عضو لجنة منتدى الحوار الوطني() وذلك في صباح 11 أيلول/سبتمبر، ولتأتي تفجيرات 11أيلول/سبتمبر لتنقل اهتمام الإعلام والعالم إلى اتجاه مغاير مختلف تماماً مما أحدثَ ردة فعلٍ عكسية على حراك المثففين والناشطين سيّما وأن الإعلام الذي كان ورقةً رابحة في يدهم قد اتجه في اتجاهٍ مغاير تماماً، ولذلك يمكن القول أن المثقفين عاشوا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر فترة سباتٍ حقيقي إلى حين النظر في طبيعة آليات العمل السياسي التي ستعقب هذا الحدث ذي الأثر الدولي الضخم.

لقد كرّست هذه الاعتقالات حقيقةً النهاية الرسمية لربيع دمشق الذي راهن عليه العديد من المثقفين والناشطين السوريين على أن يُثمر مناخاً جديداً من الحقوق والحريات في سورية بعد أن كان مفقوداً منذ عقود، إلا أن هذا الرهان قد سقط للأسف بالنظر إلى آلية عمل النظام السياسي في سورية التي لا تحتمل الانفتاح أو التغيير وتصرُّ على الإمساك بجميع مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والإعلامية.

لكن هذا الحراك المجتمعي على محدوديته أفرز تبلوراً عاماً لاتجاهات العمل السياسي في سورية ،فالنشطاء والمثقفون على اختلاف توجهاتهم بدوا متفقين على علنية العمل العام ورفض أي شكل من أشكال العمل السري ،وبنفس الوقت ربط العلنية بالسلمية ،وهو ما كان مدخلاً مناسباً لتأخذ فكرة الديمقراطية موقعاً مركزياً في تفكير هذه النخب ،وبدى ذلك واضحاً في عددٍ من المواقف والوثائق التي أفرزتها تلك المرحلة .

 

ويمكن رصد هذا التحول في وثيقتين بالغتي الأهمية :الأولى هي للإخوان المسلمين السوريين ،والثانية لحزب الشعب الديمقراطي ،الذي كان يعرف بالحزب الشيوعي المكتب السياسي ،وأعلن اسمه الجديد بعد مؤتمره السادس .

فقد أعلن الإخوان المسلمون السوريون في أيار/مايو 2001 ما أسموه ((مشروع ميثاق شرف وطني للعمل السياسي))(52) أعلنوا فيه تمسكهم بالحوار و((آليات العمل السياسي الديموقراطي ووسائله)) و ((نبذ العنف)) والعمل على ((حماية حقوق الإنسان والمواطن الفرد)).

وبدى أن هناك تحولاً كبيراً ،فالميثاق يتحدث عن ما يسميه "الدولة الحديثة" التي "هي دولة تعاقدية، ينبثق العقد فيها عن إرادة واعية حرة بين الحاكم والمحكوم، والصيغة التعاقدية للدولة هي إحدى عطاءات الشريعة الإسلامية للحضارة الإنسانية ". كما أن "الدولة الحديثة دولة مؤسسية، تقوم على (المؤسسة) من قاعدة الهرم إلى قمته. كما تقوم على الفصل بين السلطات، وتأكيد استقلاليتها، فلا مجال في الدولة الحديثة لهيمنة فرد أو سلطة أو حزب، على مرافق الدولة أو ابتلاعها.وفي الدولة الحديثة تعلو سيادة القانون، ويتقدم أمن المجتمع على أمن السلطة، ولا تحل فيها حالة الطوارئ مكان الأصل الطبيعي من سيادة القانون".

ويضيف الميثاق أن "الدولة الحديثة،هي دولة (تداولية)،وتكون صناديق الاقتراع الحر والنزيه أساساً لتداول السلطة بين أبناء الوطن أجمعين.كما أنها دولة تعددية، تتباين فيها الرؤى، وتتعدد الاجتهادات، وتختلف المواقف، وتقوم فيها قوى المعارضة السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، بدور المراقب والمسدد، حتى لا تنجرف الدولة إلى دائرة الاستبداد أو مستنقع الفساد ".

والتزمت جماعة الإخوان المسلمين في ميثاقها " بآليات العمل السياسي الديموقراطي ووسائله، مؤكدة الحق المتكافئ للجميع، في الاستفادة من إمكانات الدولة في توضيح مواقفهم والانتصار لرؤاهم وطرح برامجهم" و " بنبذ ((العنف)) من وسائلها وترى في الحلول الأمنية لمشكلات (الدولة والمجتمع) وفي عنف السلطة التنفيذية مدخلاً من مداخل الفساد".

نلحظ هنا تحولاً واضحاً في آليات التفكير السياسي بالنسبة للحركة الإسلامية السورية الأبرز التي كان لها دورٌ في أحداث العنف في الثمانينات من القرن الماضي في تاريخ سورية ،خاصة فيما يتعلق بقبولها بمبدأ الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة ،وهو ما يتشابه مع البرنامج السياسي الذي أعلنه حزب الشعب الديمقراطي (الحزب الشيوعي-المكتب السياسي سابقاً) لجهة الاحتكام إلى الديمقراطية كخيار نهائي ،إذ ينص في برنامجه الذي أعلنه في مؤتمره السادس أنه " يناضل حزب من أجل نظام وطني ديمقراطي، مؤسس على مبادئ الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية ". ويضيف " لقد دللت تجارب السنوات الأربعين الماضية على فشل تجربة الدولة الأمنية التسلطية، القائمة على حكم الفرد وفكرة الحزب الواحد "القائد"، التي أرجعت المجتمع السوري إلى الوراء في جميع ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومزقت نسيجه الوطني، وأغرقته في أزمات داخلية وعربية ودولية. إن تجاوز هذه الحالة يتطلب العودة إلى الديمقراطية "(53).

ورغم أنه يستعيد الجدل "اليساري "القديم حول الديمقراطية ،لكنه يقر أنه "ليس هنالك ديمقراطيات مختلفة في الجوهر ومفصّلة على قياس كلّ شعب، بل هي ديمقراطية واحدة. إنها النظام الحديث العالميّ القيم والأسس، والذي يقوم على مبادئ الحرية وسيادة الشعب ودولة المؤسسات وتداول السلطة من خلال انتخابات حرة ودورية. يختار فيها الشعب حكومته، ويحاسبها ويراقبها ويبقى جاهزاً لإعادة النظر فيها. نظام قائم على مبدأ حكم القانون وسيادته، وخضوع الجميع له دون تمييز أو استثناء، يضمن الحريات الأساسية والتعددية ". وذلك يشترط بحسب البرنامج " إعادة بناء الدولة الدستورية، التي تتأسّس على دستور ديمقراطي، يكون أساساً لنظام برلماني، يضمن الحقوق المتساوية للمواطنين ويحدّد واجباتهم، وتنعدم فيه أسس الاستبداد والاحتكار، ويغلق طريق العودة إليهما. تُقِرُّه جمعية تأسيسية منتخبة بحرية ويعرض على الاستفتاء العام. يكفل هذا الدستور استقلال السلطات بعضها عن البعض الآخر وخضوع السلطة التنفيذية لسلطة تشريعية منتخبة بحرية. كما يضمن استقلال القضاء وسيادة القانون وتساوي المواطنين أمامه ".

نحن إذن أمام حالة فريدة في التاريخ السوري ،فالفكرة الديمقراطية لم تنتصر في التاريخ السوري كما انتصرت اليوم على الأقل في "الوعي المعارض" ،ذلك أن تبنيها في "الوعي السلطوي " تحول دونه حسابات تتعلق بالمنافع والمغانم الشخصية أكثر منها إلى اعتبارات أيديولوجية أو مواقف سياسية وطنية.

في الواقع إن اختزان الفكرة الديمقراطية في الوعي السياسي السوري سبقتها مخاضات عسيرة حول مفهوم الديمقراطية وآليات تطبيقها وتاريخها ومدى ملائمتها للبيئة والثقافة العربية وغير ذلك ،لكنها تجلت بشكل صريح وواضح في عدد من الحركات والتجمعات الثقافية والمدنية التي ظهرت أخيراً ،كالمنتديات خاصةً منتدى الحوار الوطني ومنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي الذين أغلقا بشكل تام ،الأول في أيلول /سبتمبر 2001 والثاني في حزيران /يونيو 2005 ،ولجان إحياء المجتمع المدني التي ينتشر مثقفوها وناشطوها في معظم المحافظات السورية والتي حافظت على حيوية ودينامية فكرية وسياسية نادرة ،وغيرها من جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان التي أصبح لها دور ونشاط كبيرين في الواقع السوري .

ويبقى الانترنت كفضاء مفتوح الساحة الوحيدة التي تجمع كل هذه الحوارات الديمقراطية بحكم انعدام منابر أو ساحات للنقاش في الإعلام السوري ،فالانترنت في سورية يكاد يكون أشبه بالوعاء الديمقراطي الذي يضم جميع هذه الأطر والأفكار ،وانتشار المواقع الالكترونية(54) التي تفتح صفحاتها الافتراضية لكل الأفكار دليل على مدى انتشار الوعي الديمقراطي حتى لدى الناشئة والشباب السوري الذي هو بحكم التكوين الأكثر استخداماً لهذه الوسيلة والأكثر استفادة منها .

لذلك يمكن القول أن انتصار الوعي الديمقراطي خلال فترة "ربيع دمشق " وما بعدها يختلف اختلافاً بيّناً عن الوعي السياسي كما تجلى خلال التاريخ السوري المعاصر .

ووجه المقارنة يختلف من زاويتين: الأولى هي أن التاريخ السوري ما بعد الاستقلال يكاد يكون مستمراً كتعبيرٍ عن حراكٍ ونشاطٍ سياسي للنخب السياسية والاجتماعية والاقتصادية ذاتها التي عاصرت الاستقلال وساهمت في صنعه بشكلٍ من الأشكال، وبالتالي لم يكن هناك انقطاع ما أو فجوة في الأجيال. إن التاريخ هنا بمعنى من المعاني هو تاريخ مستمر موحد مع اختلافٍ في التفاصيل وعددها وحجمها.

أما "ربيع دمشق" فلقد كان أشبه بالطفرة في تاريخ السكون المتصل، صحيحٌ أن التاريخ السوري الحديث شهد حركات معارضة اختلفت في الخطاب والممارسة ،لكنها ما استطاعت كما قلنا -أن تتصالح مع المجتمع كجزءٍ منه، بل بقي خطابها يمتح من معين السلطة ذاتها ولا تختلف عنها إلا في سعيها لاستبدال أهل الحكم بأهلها، أما ممارساتها وآليات عملها فقد كانت أشبه بعمل الأحزاب العقائدية ذاتها، التي خرجت من أحضانها، هذا بالتأكيد، لا ينفي التضحيات "النبيلة" التي قدمتها هذه المعارضة خلال صراعها ولا يخفي حجم القمع الذي مورس عليها، ولا يغيّب سوء المقارنة أحياناً بين السلطة والمعارضة لجهة تشابه الخطاب, ذلك أن فساد السلطة واستشرائه في رجالاتها لا يقارن مع التعفف الأخلاقي الذي ميّز رجالات المعارضة على اختلافهم.

مهما يكن، فإن ربيع دمشق ومن هذه الزاوية تحديداً بدا انقطاعاً عن تاريخٍ كامل، في الخطاب والممارسة والشعارات والأهداف، بدا فضاءً وتعبيراً عن الحرية ببراءتها الأولى،والديمقراطية كخيار لا رجعة عنه ، وبدا غائباً عن السلطة أو على الأقل لا يطمح إليها، ليس تعففاً فيها، ولكن إدراكاً أنه قبل الوصول إلى السلطة علينا أن نعمل جاهدين على أن يسترد المجتمع وعيه وعافيته.

أما الزاوية الأخرى التي اختلفت فيها حقبة ربيع دمشق عن غيرها، هو انطلاقها من مبادرات فردية وشبه جماعية من مختلف القطاعات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية أي أنها ابتدأت من "تحت" وليس من "فوق"، وناشطوا هذا الربيع في مجملهم، يمكن ردهم إلى الثقافي أكثر من وصمهم بالسياسي، على اعتبار أن الأحزاب السياسية شاركت بوقتٍ متأخر في هذا الحراك، وبدا الناشطون والمثقفون أكثر حساسية للتغيير وطلباً له وحضاً عليه.

هذا الاختلاف هو ما دفع ((ربيع دمشق)) إلى أن يكون رهين المجتمع أكثر من كونه تعبيراً عن تلوينات حزبية وعقائدية مختلفة ومتباينة، وهو ما أمّن له باستمرار دخول قطاعات جديدة مغامرة ، رغم ثقل الوطأة الأمنية بعد اغتيال الربيع، وهو ما منع حزباً أو جماعة ما من رهن الربيع بذاتها ، إذ بقي الربيع ملك المجموع بحراكه الأعم الأوسع.

لكن، كيف يمكننا قراءة مستقبل هذه التحركات الديمقراطية؟ وما هو حجم التراكم السياسي الذي يمكن أن تضيفه؟ وما هو حجم الزخم الإصلاحي الذي يمكن أن تخلقه ؟ .

لا بد من القول أن طبيعة التحركات الجارية في سورية تختلف عن مثيلاتها في الأقطار العربية الأخرى بسبب اختلاف الأنظمة السياسية في كلٍ منها ،وتعامل كل نظام مع المعارضة بصيغة مختلفة ،وهذا يرجع إلى هامش حرية الرأي والتعبير المتاح في كل دولة .

لذلك من الضروري الإشارة إلى أن هيمنة النظام السياسي على كل المجالات الحيوية للمجتمع من نقابات وأحزاب وإعلام ،ومنع تشكيل جمعيات ،وعدم إفساح لقنوات تعبير ووسائل إعلام خاصة غير تلك التي تملكها الحكومة يجعل من قضية "النضال الديمقراطي " مسألة في غاية الصعوبة والمخاطرة بنفس الوقت .

فرغم محاولة المثقفين والناشطين وبعض الأحزاب السياسية المعارضة وغير المرخص لها بالتظاهر أمام القصر العدلي أو أمام محكمة أمن الدولة إلا أن مثل هذه الظواهر كانت تقمع بشدة وعنف ،وفي بعض الأحيان كانت تتلوها سلسلة اعتقالات لبعض المشاركين .

وهو ما يجعل قضية السؤال عن مستقبل هذه التحركات وحدود تأثيرها مشروعاً ومفتوحاً على عدة احتمالات ،إذ نلحظ أولاً أن هناك تصميماً لدى الناشطين في الاستمرار بالتعبير الحر بالوسائل المتاحة والممكنة مهما كانت التكلفة ،لكننا في المقابل نجد أيضاً إصراراً من السلطات الرسمية على زيادة الفتك أو القمع بمثل هذه الظواهر منعاً من انتشارها وتشعبها،وخوفاً من خروجها عن نطاق السيطرة .

ولما كانت التحولات الجارية في سورية لا يمكن فصلها عن طبيعة التحولات الإقليمية والدولية الجارية خاصة تصاعد الضغوط الأمريكية تجاهها ،وازدياد الحديث عن "تغيير النظام " فإن ذلك يعطي حساسية خاصة للمسألة الديمقراطية في سورية بحيث يصر الناشطون على اعتبارها قضية داخلية ووطنية محضة ،بينما يحاول النظام باستمرار ربطها بسياق الضغوط التي تمارس ضده ،وهو ما أشعل النقاش بحدة في الأوساط السورية حول ثنائية "الداخل والخارج " .

ونظراً لمحدودية هذه التحركات وعدم قدرتها على تشكيل قوة ضغط حقيقية على النظام ،إذ هي محصورة في مظاهرات عديدها بالعشرات ،وبعرائض الكترونية وبيانات ،وأحياناً أخرى مقالات نقدية حادة من قبل بعض المعارضين تنشر في الصحف العربية ، بمعنى آخر فعدم قدرة تحول التحرك الديمقراطي السوري إلى قطب مؤثر وفاعل وضاغط على النظام السوري يجعل من الرهان على مثل هذه التحركات للقيام بالتغيير في سورية عملية صعبة إن لم نقل مستحيلة ،إلا في حالة جرى تخفيف القبضة الأمنية الثقيلة الوطأة عندها ربما تقتنع قطاعات جديدة من المجتمع السوري غير منخرطة الآن في عملية التغيير خوفاً من تضرر مصالحها سيما فئة الشباب وطبقة رجال الأعمال فعندها ستتسع حركة التغيير وتصبح أكثر قدرة على التأثير والفعل الداخلي .

ودون ذلك سيبقى النظام ممسكاً بزمام الأمور بشكلٍ كامل ،بانتظار فعل التأثيرات الإقليمية والدولية عليه التي ستدفعه إلى تغييرٍ في السلوك والسياسات وربما تفرض تغييراً في بنية النظام ذاته .