حكومة العطري .. واستحالة الإصلاح بالمفرق

 

رجاء الناصر

يجري تسويق حكومة ناجي عطري في سورية باعتبارها حكومة للإصلاح الإداري من جهة وباعتبارها أيضاً أول حكومة في عهد الرئيس بشار الأسد حيث أن حكومة ميرو السابقة كانت بشكل ما استمراراً لحكومته الأولى التي شكلت في عهد الرئيس الأسد الأب فالسيد ناجي عطري من القيادات المغمورة في حزب البعث ، وتاريخ انتسابه للحزب جاء بعد انقلاب 16 تشرين الذي قاده الرئيس حافظ الأسد وزير الدفاع حينها ، وهو لم ينضم إلى القيادة القطرية إلا مؤخراً وساهم الرئيس بشار الأسد في دفعه إلى هذا الموقع ليتمكن من تسليمه مناصب رسمية عليا ، حيث عيَن نائباً لرئيس الوزراء ومن ثم رئيساً لمجلس الشعب قبل أن يتم اختياره على رأس الحكومة الجديدة ، بينما اقتصرت مناصبه في العهد السابق على رئاسة بلدية مدينة حلب ومن بعدها تم تعينه محافظاً لمدينة حمص وهو رغم تمتعه بسمعة شخصية جيدة إلا أنه لم يترك بصمات مميزة في هذين الموقعين وذلك بسبب تعقيدات البنية الإدارية والسياسية التي تعيق أي دور شخصي إصلاحي .

الوزارة في ولادتها وتشكيلها حملت كل التعقيدات التي يمكن أن تواجهها ، فعدد كبير من الوزراء هم من الرموز التقليدية التي تملك مواقع مميزة في السلطة أقوى بكثير من موقع رئيس الوزراء مثل وزير الدفاع مصطفى طلاس ووزير الداخلية علي حمود ، ووزير الخارجية فاروق الشرع ، وهو يعني أن هذه الوزارات ستبقى خارج إشراف رئيس الحكومة وخارج سلطته الإدارية من حيث المبدأ ، كما أن العدد الأكبر من الوزراء هم أعضاء في حزب البعث ، وهم يخضعون للتوجيهات الحزبية من قبل قياداتهم المباشرة ، لا يغير من ذلك ما قيل عن فصل الإدارة عن الحزب فهذا الفصل تقف أمامه تقاليد طويلة مترسخة داخل أروقة السلطة السياسية وغير السياسية أيضاً . وضمت الوزارة عدداً كبيراً من الوزراء السابقين الذين احتفظوا بحقائبهم الوزارية أو استلموا حقائب أخرى ، كما حافظت الوزارات على بنيتها فقد ضمت الحكومة ثلاثين وزيراً على غير ما هو متوقع وما كان مطلوباً وفق مشروع الإصلاح الإداري الذي تقدم به الخبراء الفرنسيون الذين اقترحوا أن لا يزيد عدد الوزراء عن خمسة وعشرين وزيراً .

الحملة الإعلامية التي رافقت تشكيل الحكومة مشابهة إلى حد كبير للحملة التي رافق تشكيل حكومة ميرو مع اختلاف بسيط في العناوين فقد وصف  ميرو بأنه رجل إدارة من الطراز الأول ، وأنه يتمتع بنظافة اليد ... وأنه سيقود عملية الإصلاح الاقتصادي التي تم الرهان عليها لتحقيق الإصلاح الشامل في سورية .. لكن حكومة ميرو رغم تلك الحملة الإعلامية التقليدية لم تستطع أن تحقق أي تقدم على طريق الإصلاح ، سواء في بعده الاقتصادي أو الشامل ففي ظلها تعاظم الفساد وسقط الرهان على وجود رغبة بمكافحته ، وارتفعت معدلات البطالة وتعاظم الغلاء ، ولم يتم التمكن من رسم سياسة اقتصادية واضحة المعالم . كما استعادت أجهزة الأمن مكانتها وسعت إلى تشديد قبضتها الداخلية .

اليوم تعاد نفس عبارات الحملة الإعلامية السابقة مع استبدال تعبير الإصلاح الإداري بدلاً من الإصلاح الاقتصادي ، دون أية مراجعة لمسيرة الحكومة السابقة وبدون أية محاسبة عن التقصير والإخفاق , معظم الوزراء الذين قادوا القطاع الاقتصادي في الوزارة السابقة عادوا إلى مواقعهم مع تبديل طفيف في الحقائب ، محمد حسين ، الرفاعي ، أبو دان ، ..الخ .

 الأسئلة الأساسية المطروحة أمام تشكيل الحكومة تتعلق بدور الوزارة في هيكلة السلطة السورية الفعلية وهو دور ثانوي فالذي يرسم السياسات العامة هي القيادة القطرية لحزب البعث , والذي يدير الدولة فعلياً هي الأجهزة غير المدنية ، صاحبة النفوذ الأقوى ، الوزراء هم موظفون بمرتبة وزير وهم لا يملكون سلطات فعلية داخل وزاراتهم الخاضعة لشبكة معقدة من العلاقات والوصايات الخفية حيناً والمكشوفة في بعض الأحيان , وترتبط تلك الأسئلة أيضاً بالعنوان الأساسي لمهمة الوزارة وهو الإصلاح الإداري ففي ظل البنية الراهنة للدولة من المستحيل تصليح الإدارة ما لم يجر تغيير أساسي في هيكلية السلطة السياسية ، ففساد الإدارة في سورية هو جزء من طبيعة ونتاج النظام الشمولي وليست مسألة ثانوية أو جزئية أو طارئة ، والإصلاح الإداري كما الإصلاح الاقتصادي يتطلب إصلاحاً وتغييراً جوهريا في بنية النظام السياسي ، وخصوصاً لجهة التخلي عن مفهوم الحزب القائد ، والعودة إلى الشرعية الديمقراطية ، حيث جميع المواطنين يملكون حقوقاًُ متساوية وحيث يجري اختيار السلطات والحكومات على أساس الاحتكام و التنافس 

بين المواطنين .

إن الإصلاح في سورية في ظل الفساد المتحكم والمسيطر يحتاج إلى مجموعة من المعطيات المفتقدة :

أولها : وجود تيار إصلاحي يقود العملية الإصلاحية وقد أثبتت تجارب السنين الماضية أن هذا التيار غير موجود داخل السلطة حيث يجري الحديث باستمرار عن عدم وجود حرس قديم أو حرس جديد في إشارة إلى وحدة " السلطة " وهي إشارة سلبية لأنه بإمكان هذه الوحدة أن تمتص الرغبة الإصلاحية الرئاسية وأن تمتص أيضاً مفردات الإصلاح عبر محاصراتها وإفسادها .

ثانياً : وجود برنامج إصلاحي شامل حيث أن الرغبة الإصلاحية لا قيمة لها على أرض الواقع ما لم تكن ممثلة ببرنامج محدد المعالم يتشكل حوله ويلتف التيار الإصلاحي وقد فوجئ كثير من السوريين عندما فسرت الدعوة الإصلاحية الرسمية بأنها مجرد دعوة أخلاقية وأفكار كما أن الإصلاح في قطاع معين مستحيل نظراً لارتباط جميع القطاعات ، ويصبح هنا الحديث عن إصلاح اقتصادي ، أو إداري ..الخ مجرد استهلاك محلي ومجرد إدارة للأزمات .

ثالثاً : خروج الدعوة الإصلاحية من بوتقة " الأجهزة الرسمية والبيروقراطية الإدارية إلى المجتمع عبر التلاقي مع التيار الإصلاحي الوطني الديمقراطي خارج السلطة والمتمثل بقوى المعارضة الديمقراطية ، ومؤسسات المجتمع المدني وجماعات المثقفين الديمقراطيين وهو ما يبدو أن هناك إصراراً على تجاهله من خلال عدم الاعتراف الرسمي بتلك القوى والتعامل معها باعتبارها خارجة عن القانون ، ولا يغير من ذلك بعض الإجراءات " المتسامحة " هنا وهناك .

رابعها : اعتماد حاضنة شعبية للعملية الإصلاحية من خلال خلق مناخ إيجابي في المجتمع عبر إطلاق سراح معتقلي الرأي وتصفية عقابيل مرحلة الثمانينيات التي يجري استحضارها في الذاكرة الشعبية بواسطة إجراءات قمعية محدودة ولكنها منتجة للآثار المطلوبة منها .

ويبقى سؤال هل تمتلك سورية ترف الوقت الزائد لتضيعه وتهدره في البحث عن صيغ وشعارات للإصلاح متجاهلة بإصرار المدخل السياسي الذي هو المدخل الرئيسي لجميع دعوات التغيير والإصلاح  في سورية ؟

لا اعتقد أن حكومة العطري قادرة على الإجابة على هذا السؤال ولا هي قادرة على استعمال مبضع الجراح من اجل عملية إصلاح جدية وكان من الأفضل لو أن رئيس الجمهورية شكل حكومة إصلاحية برئاسته , وتحمل مسؤلياتها بشكل مباشر حتى يحسب الوقت والتجربة عليه بكل نتائجها السلبية والإيجابية .. وكان من الأفضل لو أن اتصالاً بين التيار الإصلاحي خارج السلطة وبين دعاة الإصلاح داخلها قد حدث لرسم خريطة الإصلاح .. وليس هناك أفضل من مؤتمر وطني يضم جميع الإصلاحيين من نشطاء ومثقفين ومسؤولين لوضع منهج الإصلاح على سكته السليمة .