مقدمات عامة حول أهمية حوار الثقافات ومعوّقاته وآفاقه

الدكتور عبدالله تركماني

 

 

بداية، من الأهمية بمكان تحرير المصطلح، ذلك أنّ هناك خطأ شائعا في الحديث عـــن " حوار الحضارات " وكأننا نعيش في ظل حضارات متعددة، مع أنّ الواقع يقول أننا نعيش في ظل حضارة واحدة تقوم على أسس الثورة العلمية والتكنولوجية الثالثة، خاصة ثورة الاتصال والمعلومات.‏ وذلك لا ينفي أننا نعيش في ظل ثقافات متعددة لكل منها رؤيتها المتميزة للعالم‏، وعلى ذلك من الأفضل أن نتحدث عن حضارة واحدة وثقافات متعددة‏.‏ وليس هناك شك في أنّ كل ثقافة معاصرة لها استراتيجياتها في فهم وتأويل الحضارة الواحدة‏، ومن هنا فلابد من ممارسة حوار الثقافات‏.

وبينما تركز أوساط عديدة في الغرب على عدم قابلية العرب والمسلمين للتأقلم مع حداثة الثقافة المعاصرة وقيمها، تتشبث قطاعات عربية وإسلامية واسعة، منسجمة في ذلك مع مناخ الانكفاء على النفس المتزايد، بفكرة الخصوصية القومية والدينية التي لا ترى مجالا لأية مقاربة تاريخية إنسانية مشتركة. بل أنّ الأمر قد تجاوز ذلك كله نحو وضع فكرة الحداثة نفسها، ومعها جميع الطروحات والرؤى الفكرية التي غذّتها وعملت على بنائها وفي مقدمتها إشكالية التقدم والتأخر التاريخية التي نسجت عليها، موضع التساؤل.

ففي عالم مليء بتحولات راديكالية، بقدر ما كانت الإجابة التي تبناها الكثير من كتّابنا تبدو غير مقنعة للعقل الغربي عن تساؤله " لماذا يكرهوننا " ؟ بقدر ما حملت تساؤلا اتهاميا يلخص مرارتنا من سياسات غربية مزمنة فتساءلنا بدورنا " لماذا يعادوننا " ؟ . ومن ثم: كيف نفكر في تواصل التاريخ، وفي المحافظة على الأمل بحياة أفضل لأكبر عدد ممكن من الناس ؟ وهل نستطيع الحفاظ على رؤية لمشروع حضاري كوني يتماشى مع التعددية ويغتني بالثقافات المتنوعة ؟ وهل نمت حضارة من الحضارات الإنسانية وأينعت وحيدة بمعزل عن الاقتباس من الثقافات الأخرى أو التفاعل معها ؟

وفي هذا السياق، ربما لا توجد آفة تهدد البشرية حاليا أكثر من انتشار التعصب والتطرف الفكري‏، الذي عبر عن نفسه في أحيان كثيرة في شكل عنف دموي اجتاح العديد من مناطق وأقاليم العالم‏،‏ والخطورة كل الخطورة تتمثل في انتشار هذه المظاهر واتساع نطاقها من مجموعات محدودة هامشية منبوذة إلى قلب التجمعات البشرية‏،‏ بحيث يتراجع معها اعتدال وتسامح الغالبية في الشرق والغرب،‏ وتزداد الخطورة عندما تبدأ هذه الجماعات في تحويل الفكر إلى ممارسة‏،حيث نشهد الاعتداءات وأعمال القتل والتخريب وإبادة البشر وقطع الرؤوس من منطلق الاختلاف‏.‏

في حين أنّ هذا الزمن العالمي المتغيّر والصعب يفرض الحاجة إلى الاكتشاف المكثف للآخر، حيث أصبحت الدعوة لحوار الثقافات تمثل القاسم المشترك بين الكثير من المثقفين ورجال السياسة والدين والمفكرين، ليس فقط في العالمين العربي والإسلامي فحسب بل في الغرب أيضا. ومما لاشك فيه أنّ أحداث الإرهاب التي شهدها العالم منذ جريمة 11 سبتمبر/أيلول 2001 حتى اليوم طرحت تحديا حقيقيا أمام كافة المبادرات الخاصة بحوار الثقافات لإثبات مصداقيتها وتأثيرها المتعدد الأبعاد، سواء على دوائر صنع القرار أو وسائل الإعلام أو المراكز الأكاديمية والبحثية أو منظمات المجتمع المدني، فهذا التأثير وتلك المصداقية هما المعيار والحكم على صلة هذه المبادرات بالواقع المعاش والقدرة على إحداث تغيير إيجابى فى مناهج التفكير والسلوك والتعامل مع الآخر وتوصيفه بشكل بنّاء، والتفاعل معه بديلا عن الانعزال عنه أو التصرف من منطلق أنّ هذا الآخر هو العدو أو الخطر أو التهديد، وبدون تجاهل مرجعية قيم العدل والإنصاف والمساواة والاحترام المتبادل، وعدم الادعاء باحتكار الحقيقة.

لقد أصبحت قضية الحوار بين الثقافات من القضايا ذات الأولوية القصوى في العالم المعاصر،‏ فلم يعد الحوار أمرا ثانويا أو هامشيا وإنما أصبح ضرورة حياتية لكل الشعوب‏،‏ فقد تقاربت المسافات وتشابكت الثقافات وأزيلت الحواجز بفضل ثورة المعلومات والاتصالات والثورة التكنولوجية‏،‏ وماصاحب ذلك من تيار جارف للعولمة‏.‏

حيث أنّ المشكلات الإنسانية قد تعولمت، بمعنى أنّ هناك مشكلات تواجه الإنسانية كلها، ولا فرق في هذا المجال بين الدول الصناعية المتقدمة والدول النامية في الجنوب. ومن هنا أصبحت الدعوة إلى حوار الثقافات ضرورية، لأنّ كل ثقافة من الثقافات التي يزخر بها العالم وفي ضوء التنوّع البشري الخلاّق، يمكن أن تسهم بأفكارها والحلول التي يقترحها ممثلوها في حلها. فلم يعد بالإمكان في هذا العصر تقوقع الذات عن الآخر، إذ أصبح تشابك العلاقات الإنسانية، وما تواجهه من تحديات تجاه قضايا مشتركة، يفرض على الذات أن تدخل في الحوار، من أجل المصلحة العامة التي تجمع بين البشر.

ويتزامن هذا الاتجاه مع التحولات العميقة التي يشهدها العالم على صعيد العلاقات الدولية بصورة عامة، وعلاقات شمال - جنوب بصورة خاصة، وعلى إثر ظهور اتجاهات جديدة، في مقدمتها المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني في العالم، تمثل قوة ضاغطة على مراكز اتخاذ القرار على مستوى السياسة الدولية، للدفع نحو ما يمكن أن نصفه بأنسنة القرارات الدولية كافة، وذلك بأن تطغى الروح الإنسانية على النشاط العام الذي يمس حياة الأمم والشعوب، وتهيمن على السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إن على الصعيد الدولي، أو على الصعيد الإقليمي، أو على مستوى الدول منفردة أو مجتمعة. وأولى هذه المكتسبات دولة الحق والقانون، وحرية المعتقد والضمير، والقبول بالتعددية الفكرية والسياسية، والديمقراطية وحقوق الانسان.

فعلى عكس ما تزعم الأصوليات من كل حدب وصوب فإنّ مستقبل البشرية ليس للصدام الحضاري وإنما للتفاعل والحوار والاستفادة المتبادلة. إنّ العالم غني بثقافات القارات الخمس، ومضطر إلى صياغة قواعد لتعايشها وانسجامها. فهل نستطيع الحفاظ على رؤية لمشروع كوني يتماشى مع التعددية ويغتني بالثقافات المتنوعة ؟ أم أننا مقبلون على عالم أحادي الجانب تسود فيه ثقافة معينة بقيمها وعاداتها وتقاليدها، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر سلبا على الثقافات الأخرى ؟ هل يمكن أن يصل الأمر إلى أن يصبح العالم كله مجتمعا واحدا يتم صبه في قوالب حضارة معينة تذوب فيها بقية الثقافات ؟ أم أن عالما من هذا القبيل يعد ضربا من الخيال الذي يدخل في عداد المستحيلات نظرا لتناقضه الصارخ مع طبيعة الحياة القائمة على التفاعل الإيجابي بين مختلف التنوعات والاتجاهات على جميع المستويات ؟

إنّ التقوقع الثقافي لم ينفع أهله في القرون الماضية، ولن ينفعهم اليوم، فالتجدد صفة تحفظ حيوية الثقافة، والانفتاح على العالم والآخر من سماتها المميزة، فهي كالهوية ليست ثابتة إنما متحولة وكل من يتعامل معها من دون وعي بخصوصيتها يدمر أجمل ما فيها.

أما الوضع عندنا فهو تبرير السائد وترديد السابق ومحدودية الميل إلى المساءلة وإلى التغيير وإلى استشراف المستقبل. وهنا تكمن صعوبة الدور المنوط بمثقفينا العرب النقديين حين يجعلون الثقافة موضوعا للفهم والتحليل وليس صنما للتقديس، على اعتبار أنّ الثقافات جميعها واسطات للتعبير الإنساني ومعابر للوصول إلى الكوني الذي يجمع البشر.

إنّ المثقف المقصود هو من يقبل الانتماء المزدوج، انتماء نقدي إلى ثقافته وانتماء طوعي إلى مجتمع عابر للقوميات والأوطان والأديان، مجتمع عابر للثقافات يحاول أن يصوغ لغة تداول كونية بين البشر وينحت إشكالات ومفاهيم وحلولا تستجيب لتطلعات الإنسان لحياة حرة كريمة. إذ أنّ التفكير من داخل المحلي وحده إعادة إنتاج للثقافة دون إبداع وترديد للتراث دون نقد، في حين أنّ محاولة بلوغ الكوني دون تأمل المحلي تهرّب من مهمة المساهمة في التغيير واكتفاء بترديد الأفكار دون التزام بنشرها في مصطلحات تفهمها الأغلبية ودون ربطها بما تراه قضاياها ومشاكلها. والحداثة النقدية هي التي تقبل هذا الانتماء المزدوج وهذا الجهد المضاعف المتمثل في تأمل المحلي وسيلة لبلوغ الكوني، وتأمل الكوني وسيلة لإدراك المحلي.

وهنا يجدر بنا أن نتوقف عند ثلاثة مفاهم رئيسية تجعلنا أكثر دقة في تناول الموضوعات التي نطرحها، وهي مفاهيم الحضارة والمدنية والثقافة، كما عبر عنها الدكتور يوسف نور عوض. إذ يبدو أنّ مفهوم الحضارة مغاير لكل المفاهيم التي نحاول استخدامها في فرضيــة " حوار الحضارات "، ذلك أنّ الحضارات لا تتحاور لأنّ في العالم حضارة واحدة هي الحضارة الإنسانية، وهي تتعلق بكل المكتشفات العلمية والمؤسسية التي توصل إليها الإنسان. ووفق هذا المفهوم تصبح المكتشفات الحضارية بالضرورة خارجة عن حدود الزمان والمكان، وبالتالي لا يمكن أن نقول بحضارة صينية وأخرى عربية من هذا المنظور، لأن المكتشف الحضاري يخرج عن حدود الزمان والمكان.

ولكنّ الأمر يختلف في ما يتعلق بالمدنية التي هي تحويل المكتشفات الحضارية إلى نفعية اجتماعية، فهذه النفعية تتشكل بحسب ظروف الزمان والمكان وذلك ما يسمى بالمدنية.

وأما الثقافة فشأنها آخر لأنها تولد وتنمو وتتشكل في إطار المجتمع وتتأثر إلى حد كبير بالطريقة التي يفكر بها الناس، وتلعب المعتقدات والأديان دورا كبيرا في تشكيلها. وفي ضوء هذا الفهم سنجد أنّ معظم الاختلافات بين الأمم إنما تكون في إطار الثقافة وليس في إطار الحضارة أو المدنية، ذلك أنّ الحضارة مشتركة والمدنية تتلون بألوان التقدم الحضاري، ولكنّ الثقافة لا يمكن إلا أن تكون مختلفة. وبالتالي فإنّ الحوارات لا تكون إلا في مجال الثقافة، وهو ما يسلط الضوء علي صعوبة التحاور الثقافي عندما تكون منطلقات الشعوب مختلفة.

وربما كان من الضروري أن نحدد معنى الحضارة في تميّزها عن الثقافة وفي تقاربها منها، خاصة أنّ الناس غالبا ما يدمجون بين هذين المفهومين. فالحضارة، في المعنى الحصري، هي نمط عيش وطريقة تعامل مع الكون ومع الإنسان الآخر ومع المجتمع أو المجتمعات، بينما الثقافة هي حياة الروح والفكر والقيم في صورة أولى، وهي تتطلب للحصول عليها جهدا خاصا من كل إنسان، إذ يمكن أن يكون المرء حضاريا دون أن يكون كثير الثقافة، كما يمكنه أن يكون مثقفا دون أن يتعاطى مع كل مستلزمات الحضارة.

وبهذا الصدد نلاحظ أنّ كلمة " ثقافة " باللغة العربية تتميز تميزا واضحا عن كلمـــــة " حضارة "، وذلك بتركيزها على الجوانب النظرية والفكرية والروحية والفنية والجمالية بشكل عام، أي على النواحي المعنوية من الحضارة. ويبدو ذلك واضحا في تعريف " المعجم الوسيط "، إذ يعرّف الثقافة بأنها " العلوم والمعارف والفنون التي يُطلَب الحذق فيهــا ". ويسانده في ذلك " المعجم الفلسفي " الذي يفرّق بين كلمة " الحضارة " التي تميل إلى الطابع الاجتماعي والمادي الأشمل، وكلمة " الثقافة " التي توصف بأنها " كل ما فيه استنارة للذهن وتهذيب للذوق، وتنمية لِمَلَكَةِ النقد والحكم، لدى الفرد أو في المجتمع، وتشتمل على المعارف والمعتقدات، والفن والأخلاق، وجميع القدرات التي يسهم فيها الفرد في مجتمعه، ولها طرق ونماذج عملية وفكرية وروحية، ولكل جيل ثقافته التي استمدها من الماضي، وأضاف إليها ما أضاف في الحاضر، وهي عنوان المجتمعات البشرية ".

بينما تُستعمَل كلمة " ثقافة " في الغرب للتعبير عن الحضارة الشاملة، بمؤسساتها ومظاهرها وأسسها المادية والمعنوية، حيث تشمل الأمور التالية: تهذيب وتدريب العقل والعواطف وآداب السلوك وغيرها، وحصيلة هذا التدريب كله، ومفاهيم وعادات ومهارات وفنون وأدوات ومؤسسات...، أي الحضارة. ويظهر ذلك في تعريف قاموس وبستر (Webster s Third New International Dictionary) للثقافة " نموذج كلي لسلوك الإنسان ونتاجاته المتجسدة في الكلمات والأفعال وما تصنعه يداه، وتعتمد على قدرة الإنسان على التعلم ونقل المعرفة للأجيال التالية ".

وقد أعلن بعض المفكرين العرب عن عدم تمييزهم الجوهري بين مصطلحي الثقافة والحضارة " ... إنّ الفارق بينهما يكمن في أنّ الحضارة هي ثقافة تطورت تطورا ذاتيا مما دفعها ويدفعها إلى تجاوز حدودها المجتمعية المحلية الخاصة إلى التوسع والامتداد، فارضة نفسها على مجتمعات وأقاليم وتشكيلات اقتصادية واجتماعية وثقافية أخرى في عصر ما أو مرحلة تاريخية معينة. إنها نقلة متطورة من الخاص إلى العام مهما كانت حدود هذه النقلة. أي أنّ الحضارة هي خصوصية ثقافية معممة سائدة خارج حدود نشأتها المحلية الأولى "، على حد تعبير الدكتور السيد يسين.

ويرى الدكتور طيّب تيزيني أنّ مصطلح الحضارة يمثل أمرا مركبا من حقلين اثنين: المدنية والثقافة. أولهما، يتجسد في الإنتاج المادي، بكل ما تشتمل عليه هذه اللفظة من تجليات وتشخصات، بدءا من أبسط عملية في الإنتاج المادي السلعي وانتهاء بأكثر النظم المعلوماتية تقصدا. وثانيهما، يتعلق بالبنية السوسيو- ثقافية والنفسية الموازية لذلك الإنتاج المادي والمتواشجة معه، ومن ثم المؤثرة فيه، على نحو أو آخر. ويتابع " إنّ وحدة المدنية والثقافة في مرحلة تاريخية معينة، وفي سياق جغرافي محدد، تنتج نمطا من أنماط الحضارة. ومن أجل أن يكتسب هذا النمط هوية ما، فإنه يقتضي الاستمرار لفترة تاريخية كافية يتوضع فيها ويفصح عن نفسه في كل القطاعات الاجتماعية، الأمر الذي يؤسس لعناصر التمايز بين هذه الحضارة وحضارات أخرى ".

لقد كانت الثقافة كلمة مرادفة، في نظر بعض الاختصاصيين، لمجموع القيم والعادات والتقاليد والآداب والفنون والأساطير والدين، وجميع النظم التي تحدد سلوك الأفراد والجماعات وتوجهها، فتصبح هي نفسها - أي الثقافة - الطريقة التي يعبر بها مجتمع أو مجموع من المجتمعات عن نفسه ماديا ومعنويا، وفي إنتاج وعيه الذاتي، الجمعي والفردي، لتشمل جميع الصيغ والتوجهات والتصورات والمنظورات والمبادئ الكبرى والحلول المحتملة، التي تترسخ لدى شعب أو جماعة من الجماعات، انطلاقا من تفاعل هذه الجماعة الطويل مع البيئة المادية والطبيعية.. الخ

وبحسب الدكتور برهان غليون فإنّ هذه الطريقة هي التي تصوغ من خلالها الجماعة صورة وجودها، وشخصيتها والمعاني العميقة والمثل، التي تقود سلوكها وتوجهها، بوصفها معطى تاريخيا، الذي هو رأسمال حي، ترثه الجماعات جيلا بعد جيل، وتعيد استثماره وتوظيفه لتبلور المواقف المطلوبة في مواجهة الظروف الجديدة التي تعترضها، وفهمها، وفي التعاطي معها أيضا.

ومن كل هذا، فلنفهم الثقافة على أنها مجموعة القيم التي توجه الانسان وتقدم له المعايير التي يوازن بها بين الأشياء والمواقف ليختار‏، أية هي طريقة حياة‏ كريمة ومجدية.‏

وهكذا، توجد طريقتان لطرح علاقة الإنسان بالثقافة: أولاهما، أن نرسم خريطة العالم بوضع حدود ثقافية تلتقي جزئيا مع الحدود السياسية، فنعتبر الكون مجموعة من الحضارات المتواصلة منذ أمد بعيد، قائمة على جواهر ثابتة قد تشهد أنماطا من الحراك والإصلاح، لكنها لا يمكن أن تتغيّر بغاية التجاوز والتطور، بل الإصلاح لا يعدو أن يكون عودة إلى نقاء الجوهر. ويصعب، في حال تبنّي هذه الرؤية، أن نتفادى النتيجة المتضمنة، وهي أنّ العلاقة بين المجموعات الحضارية علاقة صراع أساسا.

وثانيتهما، أن ننظر إلى الإنسان على أنه كائن واحد تعددت مميزاته الثقافية وانتماءاته القومية بسبب اختلاف بيئته وتجاربه وخبراته المتوارثة. فالإنسان عاجز عن أن يعيش منفردا وأكثر عجزا على أن يعيش مع البشرية جمعاء يفقه كل لغاتها ويتبادل التجارب مع كل أفرادها، لكنه إنما يوسع مداركه شيئا فشيئا بأن ينتقل من الوعي بشخصه إلى الوعي بحلقات اجتماعية متدرجة في الانفتاح، من الأسرة إلى البيئة الأولى إلى المجموعة اللغوية، إلى حلقات أكثر تجريدا مثل الطائفة والأمة والوطن والإنسانية، يصنعها وتصنعه في آن واحد.

وعليه، فإنّ البشر لا يتصارعون على الماضي، بل على الحاضر والمستقبل، ولا يتنافسون على الجنة أو على مكارم الأخلاق، بل على الثروة والسلطة والقوة. ولكنهم، من خلال الحوار والتواصل فيما بينهم، يمكن أن يعيشوا فوق سفينة الأرض بتحابب واحترام متبادلين قائمين على مجموعة قواعد، من أهمها: احترام حقوق الآخرين وحرياتهم،والاعتراف والقبول بالاختلافات الفردية، وتعلّم كيفية الإصغاء للآخرين والاتصال بهم وفهمهم، وتقدير التنوّع والاختلاف الثقافي، والانفتاح على أفكار الآخرين وفلسفاتهم، والاعتراف بأنّ ليس هناك فرد أو ثقافة أو وطن أو ديانة تحتكر المعرفة والحقيقة.

 في حين أنّ الانغلاق على الذات، الذي يشكل أحد أهم مصادر العنف تجاه الآخر، يستلهم مقولاته الأساسية استنادا إلى نظرية " الاصطفاء " التي تجعل شعبا دون سواه مختارا ومفضلا، ومن الطبيعي أن تشكل هذه النظرية مصدرا مهما لاشتقاقات لاحقة دينية أو عرقية كالاستعلاء والتميّز والعنصرية، وغيرها من المقولات المضادة للتسامح، والتي ولدت من رحمها حركات العنف المؤدلج والمؤطر والمسيس، باعتباره الركن الأصلب من أحادية عقائدية مطلقة الصواب.

ولم تترك هيئة الأمم المتحدة الأمر معلقا بدون تحديد، فأعلنت سنة 1995 سنة عالمية للتسامح، وأصدرت في 16 نوفمبر/تشرين الثاني في ختام المؤتمر الدولي للتسامح إعلان مبادئ كونيا، أكد على الالتزام بمواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمعاهدات والاتفاقيات المتصلة به. ودعا الدول إلى " تأصيل سياسة التسامح في قوانين وثقافة المجتمع لمكافحة مظاهر التعصب الديني والقومي والعرقي وكراهية الأجانب، والإقصاء والإبعاد والتهميش والتمييز ضد الأقليات الوطنية والدينية والعمال الأجانب والمهاجرين واللاجئين، وأفعال العنف ضد حرية الأفراد في إبداء الرأي والتعبير الحر وكل ما يهدد الديموقراطية والسلام ".

وهكذا، فإنّ التسامح يتطلب دوما انفتاحا فكريا على الآخر، هدفه نشدان الحقيقة كفضيلة أخلاقية ينبغي زرعها وإحاطتها بالرعاية والعناية حتى تنمو وتزدهر. وهناك نقطتان رئيسيتان تشيران إلى معنى التسامح بصورة عامة: أنه يقوم على تفهم وإدراك موجه من الضمير لاحترام الرأي الآخر وفهمه، وأنه يقوم على مبادئ وقوانين المجتمع المدني التي تضمن حقوق الانسان.

إنّ حوار الثقافات ليس ممكنا فحسب بل هو ضروري داخل كل ثقافة على حدة وبين كل الثقافات، لإرساء قواعد جديدة لمعالجة النزاعات والاختلافات عوض الأساليب القديمة المتمثلة في الحرب والتعصب والإرهاب. كما أنّ هذا الحوار فضلا عن كونه ممارسة يختص بها الإنسان فإنه السبيل الوحيد لضمان التعايش والتعدد، وهو ما يقتضي الاحترام الكامل لتنوع الثقافات وخصوصياتها المختلفة ورفض كل شكل من أشكال الهيمنة والعنف والأحادية.

ثمة حاجة حقيقية وماسة للالتقاء في منتصف الطريق، وذلك لن يكون ممكنا دون الوعي بأنّ تفكيرنا المنمط والجاهز الذي نشأ ضمن قوالب جاهزة يحتاج إلى إعادة بناء مختلفة تمكّننا من أن نضع أنفسنا وغيرنا أمام المسائلة النقدية الدائمة التي تحول دون التفجرات الطارئة والمدمرة التي تلوح في أفق عالمنا، فلا نرى اليوم سواها.

وعليه يجب أن يكون العامل الثقافي، من خلال التبادل الذي يتيحه، في أساس الشأن السياسي. إنّ الديموقراطية لا ترتكز فقط على قانون العدد، بل على الثقافة أيضا، وحماية الأقلية من طغيان الأكثرية، بقبول الاختلاف، في حين تقوم الديكتاتورية على الطبيعة التوتاليتارية ورفض المختلف. إنّ الانتقال من الديكتاتورية إلى الديموقراطية هو الانتقال من البدائية إلى الثقافة.

إنّ الحوار الثقافي بين الدول والشعوب هو حتما بديل عن وسائل العنف والقوة، فليس هناك من وجه مقارنة أو مقاربة بين حوار السلاح وحوار العقول. هو مشروع طويل الأمد، مشروع حضاري، فالحوار بحد ذاته حضارة ورقي لا يحسنه إلا أهله ممن يتمتعون برحابة الصدر وسعة الأفق والحلم والحكمة ورجاحة العقل. هي مسؤولية إذن وليست سفسطة مثقفين أو مجرد ثرثرة أو متعة مجادل. نتحاور لنتعارف ونتفاهم، هذا هو المشروع البديل عن العنف، والشطط في استخدام القوة، والقهر، والظلم.

وفي هذا السياق بات مطلوبا وبالحاح تبلور حركة إنسانية تعمل على مواجهة ظاهرة انتشار التعصب والتطرف‏، حركة تشمل عناصر تعلّي الإنساني على الفئوي والطائفي،‏ عناصر تتسم بالشجاعة والقدرة على النقد البنّاء والفعل الإيجابي لمصلحة البشرية جمعاء‏.‏ إننا بحاجة إلى من تتوافر لديه المشاعر الإنسانية الراقية التي تتعامل مع البشر جميعا بصرف النظر عن لونهم وعرقهم ودينهم وطائفتهم‏.‏

هنا تبرز أهمية إعادة الاعتبار لصوت الإسلام السياسي المعتدل‏، الذي هو في الوقت نفسه صوت ملايين المسلمين الذين لم تتح لهم خلال العقود الأربعة الماضية فرصة التعبير الكافي عن آرائهم وتطلعاتهم‏.‏

ومما لا شك فيه أنّ حوار الثقافات، على الرغم من ضرورته ومن أهميته، لا يكفي إذا بقيت الدول الكبرى تمارس سياسات استعمارية توسعية على حساب شعوب عالم الجنوب، وتستمر في محاولاتها تجاهل الشرعية الدولية وأيضا تطبيق سياسات الكيل بمعيارين، كما هو الحال حاليا بالنسبة لسياسات الغرب تجاه العديد من القضايا وفي مقدمتها المظلمة الفلسطينية.

إنّ ما يهمنا، في هذه المقدمات، هو إعادة طرح السؤال بشكل جديد: ما هي المسارات الممكنة لترويض الغرائز الجماعية كي تشيّد الحضارة الإنسانية خارج الاستعمال الهمجي للعنف ؟

ومن أجل الإحاطة بالقضايا التي يثيرها موضوع البحث، سوف نتناول في مقالاتنا اللاحقة: مكوّنات الثقافة، وأهمية حوار الثقافات ومبادؤه وموضوعاته وأهدافه ومعوّقاته وشروط نجاحه، ودور المنظمات الدولية والإقليمية، بما في ذلك العرب وحوار الثقافات .

كاتانيا إيطاليا في 2/8/2005 الدكتور عبدالله تركماني

كاتب وباحث سوري مقيم في تونس