حرسٌ قديم في ثيابٍ جديدة .... تركيبة النظام السوري بعد المؤتمر القطري الأخير

الطاهر إبراهيم

 

 

في أول ظهور للرئيس حافظ الأسد بعد انقلابه على رفاقه البعثيين في 16 تشرين الثاني عام 1970 ،فيما سمي بالحركة التصحيحية، كان استقبال الناس له يتسم بكثير من الارتياح،لا لأنهم كانوا يتوقعون منه الكثير، فقد كان واحدا من التشكيلة البعثية السابقة، بل بسبب ما كانت تتمتع به تلك التشكيلة من ظلٍ ثقيل على قلوب السوريين، بعد أن فقدت المواد من الأسواق بسبب الإجراءات التقشفية التي اعتمدتها حكومة "يوسف زعين" على مدى ما يقارب من خمس سنوات ( شباط 1966 تشرين ثاني 1970 ).

وقد استقبل السوريون بداية فترة الرئيس بشار بقليل من التفاؤل، خوفا من أن يصدمهم مستقبله كما صدموا بسنوات حكم والده التي تسلطت فيها الأجهزة الأمنية على رقاب الناس منذ اليوم التالي لانتخاب الرئيس حافظ الأسد في فترته الأولى.

وفي الجديد من أمر التركيبة الحاكمة في دمشق، بعد التغييرات التي أعقبت انعقاد المؤتمر القطري، وتم فيها التخلص ممن أطلق عليهم "الحرس القديم" في سورية، الذين استمروا في السلطة حول الرئيس بشار الأسد امتدادا لحكم والده. وقد قيل أن الرئيس تخلص من وصاية الحرس القديم، لأنهم كانوا يشكلون عقبة في طريق الإصلاح.

نحن نعتقد أن "الحرس القديم" هؤلاء، إنما كانوا واجهة فقط، أريد لهم وبهم حمل وزر ما حل بالشعب السوري. بينما الفَعَلة الحقيقيون هم الذين كانوا يديرون الأمور من وراء الكواليس. ونستعجل فنقول إن من أطيح بهم أثناء المؤتمر القطري الأخير ( طلاس، خدام ، الأحمر ، مشارقة ، قدورة ، قداح ... )، إنما كانوا شهودَ زور، أدوا شهادة الزور وقبضوا الثمن ،هم وأولادهم، ملايين معدودة. ولكنهم ليسوا من كان يحكم سورية على الحقيقة،-من دون أن يعني ذلك إخلاء مسئوليتهم عما حل بالبلاد والعباد- بل كانوا رموزا غير فاعلة منذ اليوم الأول لحكم حافظ الأسد، يحملون الوزر وليس لهم شيء من الأمر.

ولذا كان طبيعيا أن يضمر هؤلاء ويصبحوا آيلين للسقوط منذ زمن طويل، ينتظرون الظرف المناسب.حتى إذا ما انعقد سوق المؤتمر القطري (الذي لم يكن إلا فرصة لإعادة توزيع الأدوار بين ورثة عهد الرئيس حافظ الأسد لا أكثر ولا أقل)، هبت عليهم رياح التغيير فألقت بهم على قارعة الطريق كأوراق الشجر في خريف عاصف.

واستطرادا فإن "مصطفى طلاس" ،على سبيل المثال، كان وزير دفاع تشريفات فقط. تزين بزته العسكرية الأزرار المذهبة الصفراء والنياشين مختلفة الألوان والأسماء التي تملأ صدره. وفي ما عدا ذلك فقد كان يملأ وقته بتأليف كتب بعضها لا علاقة له بالجندية إطلاقا، مثل كتاب حول الطبخ ألفه بالاشتراك مع زوجته، وكانت أول طبخة فيه "كيف تطبخين لحم الخنزير؟". وما زعمه "طلاس" من أنه أفشل المؤامرة التي قام بها "رفعت الأسد" عام 1984 ضد شقيقه الرئيس "حافظ الأسد" أثناء دخوله في غيبوبة المرض، إنما كان كمن يمتشق سيفه ويقاتل به طواحين الهواء. ومن قرأ الرواية الحقيقية التي دونها "باتريك سيل" كاتب سيرة "حافظ الأسد" سيجد الحقيقة تختلف كليا عما قاله "طلاس".

أما الحكام الحقيقيون فهم قادة أجهزة الأمن، بدأوا مع الرئيس حافظ الأسد منذ اليوم الأول. ومن تساقط منهم على الطريق فقد سقط بحكم العمر أو ليفسح المجال لمن بعده لينال نصيبه من الغنيمة بعد أن أتخم من سبقه.

وإذا كان تسلط أجهزة الأمن على الشعب السوري قد بدأ منذ اليوم الأول لاستلام حزب البعث السلطة في آذار من عام 1963 ، فقد أصبح هذا التسلط كابوسا في عهد الرئيس حافظ الأسد، وصار سمة بارزة على هذا العهد،طبعه بطابع أمني رهيب بث الرعب في نفس المواطن حتى غدا استدعاؤه من قبل أحد فروع أجهزة الأمن إنما يعني ذهابا إلى المجهول.

وبنظرة فاحصة للوجوه التي تكونت منها التركيبة الأمنية الجديدة ،التي أعقبت المؤتمر القطري، يتبين أن رجال هذه التركيبة ليسوا حرسا جديدا كما أريد للسوريين ولغيرهم أن يظنوا، بل هم على الحقيقة "حرس قديم في ثياب جديدة"وكانوا من قبل ذلك في مراكز أمنية يمارسون هوايتهم في قمع الشعب السوري قبل وبعد نشوب الأحداث في عام 1979 .

ولقد حاولت نشرة "كلنا شركاء" أن ترش "بعض السكر" على وجوه الطاقم الجديد، لتعديل طعم المر والعلقم الذي ذاقه منهم الشعب السوري على مدى ثلاثة عقود. فقدمت "النشرة" المجموعة الأمنية على أنهم أكاديميون يحملون شهادة الدكتوراة، ويهتمون بالبحث والتاريخ والإعلام. وقد نسيت "كلنا شركاء" أن "الجلاد" القديم الذي كان "يدوب يفك الحرف" كان لا يعرف من وسائل التعذيب إلا كرباجا من خيزران ودولاب "جنط 14 ". بينما هؤلاء "الدكاترة" أضافوا وسائل لا تخطر ببال. منها ما يسلط على الجسد، ومنها ما يحطم النفس البشرية. وغدا الأمريكي الذي يعذب المعتقلين في "غوانتنامو" و"أبو غريب" متخلفا "تقنيا" عن الجلاد "الدكتور".

وكمثال على واحد من أعضاء القيادة القطرية الجدد، فإن هشام بختيار (وليس الاختيار كما زعم إبراهيم حميدي وكلنا شركاء ) المتحدر من أصول إيرانية، كان واحدا من ثلاثة: ( علي دوبا وحسن خليل وبختيار) قادوا العمل المخابراتي في سورية طيلة عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، وكانوا الحكام الحقيقيين لسورية بعد الرئيس حافظ الأسد، خصوصا بعد أن أطيح برفعت الأسد بعد محاولته الاستيلاء على السلطة في عام 1984.وبموجب التشكيل الجديد في القيادة القطرية فقد تسلم "بختيار" مكتب الأمن القومي في القيادة القطرية.

أما اللواء "حسن خلوف"، الذي أصبح الرجل القوي في مخابرات أمن الدولة في التشكيل الجديد، فإن الحلبيين يعرفونه منذ منتصف عام 1979 ، وقاد التحقيقات كنائب لرئيس فرع المخابرات العسكرية في حلب،ولكنه كان صاحب الكلمة الأولى وصاحب "الكرباج" الذي لا يرحم. فقد كان يجد متعته في تقطيع الأجساد على أنغام صرخات الذين كانوا يحشرون في الدولاب (جنط 14) في فرع المخابرات في حي "السريان" القريب من شارع الملك فيصل.

أما "آصف شوكة" فقد كان جلادا مثقفا، ولكنها ثقافة من نوع آخر، مارسها في فرع "الحلبوني" منذ عام 1973 في التحقيقات التي شملت عدة آلاف من السوريين على خلفية الاحتجاجات على صيغة دستور عام 1973 .وبعد موت الرئيس الأسد أصبح "شوكة" الأعلى كلمة بين القيادات الأمنية التي تحيط بالرئيس بشار الأسد، لأنه يمت له بصلة مصاهرة.

ولكن ما ذا تعني التعيينات الأمنية في مستقبل النظام السوري؟

هذه التركيبة الأمنية ،الجديدة القديمة، رافقت النظام منذ البداية، وكانت إحدى أدواته في تطويع المواطن السوري. غير أن بريقها خبا وتراجعت إلى الخلف قليلا في بداية عهد الرئيس بشار. وكأنما أريد لهذه التركيبة أن تبقى في الظل ولو قليلا، حتى لا يخدش واقعها المظلم ما جاء من حديث عن الآخر في "خطاب القسم"، الذي ما يزال الإعلام السوري يتغنى بعباراته، مع أنه قد مضى عليه أكثر من خمس سنوات.

النظام السوري ،ككل الأنظمة التي تعتمد الأسلوب الأمني منهاجا للحكم، لا يمكن أن يتواءم مع الديموقراطية والانفتاح ومد اليد للآخر. ولذا فلم تمض أشهر قليلة حتى سارع الدكاترة الأمنيون إلى تحذير الرئيس بشار من مصير كمصير "جورباتشوف"، الذي أوصلته نظرية "البريستوريكا" وخطابه الإصلاحي إلى أن يصبح خارج الحكم وأن ينفرط عقد الاتحاد السوفييتي. وعليه فلا بد من إعادة الأمور إلى نصابها الأمني وإلا.

غير أن هذا التحذير لم يؤخذ به في حينه، لأنه لم يكن قد جف بعد الحبر الذي كتب به خطاب القسم ، وأنه لا بد من التريث قليلا، وأن تعطى إلى القيادة السياسية الفرصة لتعالج أي إخفاق ينجم عن سياسة الانفتاح.

بعض أعضاء القيادة القطرية الجديدة ،التي تمخض عنها المؤتمر القطري التاسع الذي انعقد في تموز من عام 2000 ، كانوا يعرفون أن هناك من يسعى إلى إزاحتهم عن الطريق، وما كانوا من الغباء بحيث يسلمون رقابهم إلى "الدكاترة الأمنيين"، فسارعوا إلى إظهار التشدد، وهم أصلا لم يكونوا بريئين منه. ثم رأينا "عبد الحليم خدام" يشن هجوما كاسحا على ناشطي "ربيع دمشق" ، ولما تتفتح أزهاره بعد. غير أن هذا التشدد لم ينفع إلا بتأخير النهاية فحسب.

قد يكون تسارع الأحداث في المنطقة بعد احتلال العراق، واتهام سورية بتسهيل دخول بعض المقاومين إلى العراق، ورغبة أمريكا والمجتمع الدولي بانسحاب سورية من لبنان، ثم اغتيال الرئيس "رفيق الحريري"، قد ساهم كل ذلك في تسريع انعقاد المؤتمر القطري العاشر في حزيران المنصرم. إلا أن النتائج الهزيلة التي تمخض عنها المؤتمر تقول إن هناك سببا رئيسا آخر غير تلك التي أشرنا إليها، هو الذي حكم التوقيت والنتائج.

هذا السبب الأهم ،على ما يُعتقد، كان رغبة بعض مراكز القوى بالعودة إلى القبضة الأمنية في حكم سورية، بذريعة أن هناك تهديدا للنظام قد ينسفه من جذوره. وقد كان واضحا أن أصحاب هذا الموقف قد حازوا على الموافقة من رأس النظام. وعلى هذا الأساس تم استدعاء قيادات أمنية قديمة، وتمت إعادة هيكلة هذه القيادات بحيث يعاد الانسجام فيما بينها.

بعض المحللين ،ممن عايش أحداث الثمانينيات، يعتقدون أن صعود التركيبة الأمنية إلى الواجهة ليس رسالة "إلى من يهمه الأمر" فحسب، بل هو استراتيجية مدعومة بقوة من النافذين في قمة هرم السلطة في النظام، للعودة بالبلاد إلى ما كان في عهد الثمانينيات أيام الرئيس "حافظ الأسد" ،ما مكنه من بسط سيطرته المطلقة على البلاد.

والسؤال الذي يطرح الآن:ليس حول ما إذا كانت هذه التركيبة الأمنية تستطيع تنفيذ رغبة صانع القرار أم لا؟بل السؤال الأهم هو فيما إذا كان الشعب السوري يقبل أن توضع رقابه مرة أخرى على المذبح؟ ..ولا يعني هذا التساؤل أنه دعوة للعودة إلى ردود فعل الثمانينيات، بل إلى وسائل أكثر أمنا وأكثر حضارة، تجعل رصاص هذه القيادات الأمنية عديم الجدوى، وتوقفها عند حدها ،بل وتزيحها من أماكنها التي طالما تمترست فيها، وأذلت منها الوطن والمواطن.

ليس الشعب الجيورجي ولا الشعب الأوكراني، ولا قبلهما الشعب الروماني بأجدر من الشعب السوري... كما أن هناك عشرات الوسائل السلمية التي توقف هذه الممارسات. وإذا كان الشعب اليمني تظاهر مؤخرا ضد غلاء الأسعار، فإن الحرية ،التي افتقدها المواطن السوري على مدى أكثر من أربعة عقود، هي أثمن وأغلى بكثير من لقمة العيش ........

الطاهر إبراهيم كاتب سوري معارض يعيش في المنفى