لبنان بعد الانسحاب العسكري السوري

جاد الكريم الجباعي

مرة أخرى يتبين أن التغيير في بلدان ما يسمى "الشرق الأوسط" يخضع لمنطق اللامتوقع، أكثر مما يخضع لتحليل المعطيات؛ ذلك لأن هذه البلدان محكومة بسلطات حصرية كتيمة ومستبدة عطلت حركة النمو الطبيعي لمجتمعاتها وشلت قواها وخثَّرت تاريخها الداخلي، ولأنها أي بلدان الشرق الأوسط، لا تزال تعيش في فضاء ما كان يسمى "المسألة الشرقية" في صيغتها الجديدة. فلم يكن أحد يتوقع أن يُغتال الرئيس رفيق الحريري، ومن توقع ذلك، إذا كان هنالك من توقع، لم يكن يتوقع أن تهب أكثرية الشعب اللبناني مطالبة بالحرية والاستقلال والسيادة وبجلاء الحقيقة. ولا يمكن تفسير ذلك إلا بأن الوضع اللبناني كان قد بلغ ذروة الاحتقان والتوتر جراء الأخطاء والخطايا التي ارتكبها "السوريون" (بحسب التعبير الدارج في لبنان، والمقصود بذلك السلطة السورية لا الشعب السوري) وحلفاؤهم وأتباعهم في لبنان. وكان ذلك واضحاً لكل ذي بصر وبصيرة، سوى من أعمتهم مصالحهم الخاصة، والمصالح الخاصة دائماً عمياء.

وتسارعت الأحداث على نحو لم يكن متوقعاً أيضاً، فانسحب الجيش السوري والمخابرات السورية وقرر مجلس الأمن تشكيل لجنة تحقيق دولية، ليس من اليسير التكهن بما ستخلص إليه، ولكن أقله خطر، كما توحي الأجواء العامة، وكما يستشف من تقرير لجنة تقصي الحقائق، ولعل بعض ما سيجري في لبنان في الأسابيع، لا الأشهر، القادمة سيكون محكوماً بما تتوقعه الأطراف المعنية من التحقيق.

ولما كان الوجود العسكري والأمني السوري لا ينفي "الدور السوري" في لبنان، فإن المعنيين بالحفاظ على هذا الدور وتنشيطة أو تفعيله لتعويض الخسارة الناجمة عن الانسحاب، عمدوا إلى تخفيف تسارع الأحداث التي بدا أنها خرجت عن السيطرة أو تكاد، فتلكأ رئيس الجمهورية اللبنانية في تسمية رئيس وزراء وتلكأ رئيس الوزراء في تأليف حكومة، وليس لهذا التلكؤ سوى معنى واحد هو تخفيف تسارع الأحداث والتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الصفوف، ما يعني أن الدور السوري سيظل فعالاً، لكي يظل موجوداً بعد الانتخابات التشريعية التي إذا جرت في مواعيدها المحددة ستجر خسائر فادحة على "حلفاء سورية". فتأجيل الانتخابات والمراهنة على مفاعيل الزمن قد يقلل من الخسائر على أقل تقدير.

لكن غير المتوقع هو أن تضع هذه التدابير لبنان في مواجهة مجلس الأمن، بعد أن يكتشف لارسن أن المقصود منها هو محاولة تملص لبنان من تنفيذ القرار 1559، ولا سيما البند المتعلق بنزع سلاح الميليشيات ونشر الجيش اللبناني على الحدود مع إسرائيل، بعد أن نفذت سورية القسم المتعلق بها، وهو ما يعني من جانب آخر تقليص الدور السوري إلى أقصى حد ممكن. فالدور السوري على الأرجح بات الموضوع المسكوت عنه أو غير المصرح به للتوتر والتجاذب بين الموالاة والمعارضة، ولعل بعض الموالاة، كمعظم المعارضة، حريصة على دور ما للسلطة السورية في لبنان، ذلك لأن خيارات المعارضة والموالاة معاً لم تحسم بعد باتجاه الحرية والسيادة والاستقلال، أي باتجاه إعادة بناء الدولة الوطنية، دولة الكل الاجتماعي التي يتساوى فيها جميع المواطنين أمام القانون. وهذا هو المغزى الفعلي لعدم فتح ملف "إلغاء الطائفية السياسية" الذي نص عليه اتفاق الطائف، ولعدم تطبيق الطائف بوجه عام.

ومع أن الشعب اللبناني يبرهن كل يوم وفي كل مناسبة على أنه لن يعود إلى الحرب الأهلية، إلا أن عناصر التفجير لا تزال قائمة، ما لم يحسم حزب الله أمره في مسألة القرار 1559، وما لم تلتزم الفصائل الفلسطينية في لبنان قرار السلطة الوطنية الفلسطينية عدم التدخل في الشأن اللبناني الداخلي. إذ لا ينتظر أن تعترف الحكومة السورية بهذا القرار وتعلن عن تنفيذه صراحة، وتعفى الحكومة اللبنانية القادمة أو التي ستليها من تنفيذه، بغض النظر عن أي موقف ذاتي من القرار، بعد أن أسهمت السلطة السورية وحلفاؤها اللبنانيون في استصداره، إلا إذا أراد أحد أن يصدق أنه مجرد مؤامرة خارجية. ولا يرغب أحد من أبناء الشعب السوري في أن يكون "الدور السوري" كالوجود السوري وبالاً على السوريين واللبنانيين معاً.

خلاصة القول: إن لبنان، بعد الانسحاب العسكري والأمني السوري، على مفترق: إما الدولة الوطنية الديمقراطية والحرية والاستقلال والسيادة، وحل قضية سلاح حزب الله لبنانيا وتنفيذ قرار مجلس الأمن تحت أي مسمى، وإعادة بناء العلاقات السورية اللبنانية على أساس الاستقلال والتكافؤ، وإما الاضطراب والفوضى واستقدام تدخلات خارجية لن تكون في مصلحة لبنان ولا في مصلحة سورية.