الكتابة على هامش النص

جاد الكريم الجباعي

"السلطة تنبع من كل شيء"[1]؛ وتتدرج صعوداً من سلطة الأب إلى سلطة الحاكم، من سلطة الكتابة إلى سلطة المال، من سلطة المعرفة إلى سلطة الملكية الخاصة، من سلطة الكاهن ورجل الدين إلى سلطة الطاغية، من سلطة العرف والعادة والشريعة إلى سلطة القانون، من سلطة القوة إلى قوة السلطة؛ والسلطة والحرية على طرفي نقيض.

دوماً كان هناك عالمان: عالم السلطة وعالم الحرية، ودوماً كان هناك ثقافتان: ثقافة السلطة وثقافة الحرية، ومثقفان: مثقف السلطة والمثقف الحر، مثقف ماجد بذات ومثقف متمجد بمجد غيره. السمة الرئيسة لثقافة السلطة هي المحافظة والجمود وتبرير الأوضاع القائمة، تحت عناوين مختلفة: عقيدية واجتماعية ووطنية أو قومية وأخلاقية، وكل خروج على السلطة هو عقوق ومروق وزندقة وكفر وانحلال خلقي وخيانة. وثقافة الحرية هي ثقافة الخلق والإبداع والابتكار والخروج على المألوف والخروج على السلطات جميعاً سوى سلطة العقل والضمير. الثورات الكبرى في التاريخ فجرتها ثقافة الحرية.

السلطة والحرية على طرفي نقيض، أما الدولة الدستورية الحديثة، الدولة الوطنية، بما هي تجريد عمومية المجتمع والتعبير الحقوقي والأخلاقي عن عنصر العمومية في كل فرد من أفراده، فهي مملكة الحرية، لأنها مملكة العقل بتعبير هيغل، ولأنها التجسيد الواقعي للإرادة العامة، والتجسيد الواقعي للأخلاق، أي لأنها مملكة القانون الذي يتساوى أمامه جميع مواطني الدولة. هذا الفارق العقلي، الواقعي، بين الدولة وسلطاتها الضرورية الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، هو ذاته الفارق العقلي، الواقعي، بين الحرية والضرورة، وبين الحرية الذاتية التي تصير موضوعية والحرية الموضوعية التي تغدو ضرورة يجب أن توعى. وما ذلك إلا لأن "روح القوانين" هي أو هو روح الشعب الذي يضع القوانين لنفسه، عن طريق المؤسسة التشريعية المنتخبة انتخاباً حراً، وكلما اغتنت روح الشعب، أو اغتنى بثروة التطور، ولا فرق هنا في التأنيث والتذكير، تغتني القوانين فتتطور أو تتغير بمقدار نمو الحرية وضمور السلطة في المجتمع المعني.

من المؤسف أن هذا المعنى الحديث للدولة، بما هي إرادة عامة موضوعية، لا تنفي الإرادة الذاتية لأفرادها، مهما بدت الإرادة الذاتية متطرفة، من دون أن تضر بالآخرين وتعتدي على حريتهم أو تنفي إرادتهم، معنى غير معروف بعد في ثقافتنا السياسية، وغير متجذر في الوعي الاجتماعي، على افتراض أنه معروف لدى النخبة. لذلك، ربما لا تزال الحرية متخارجة مع الدولة. والسبب الرئيس في ذلك هو بنية "الدولة" ذاتها والتباسات نشوئها وافتقارها حتى يومنا إلى المشروعية التاريخية الضرورية التي هي موافقة جميع مواطنيها وصحة انتمائهم إليها انتماء مبدئياً ونهائياً.

ومن الجدير بالذكر أن السلطة، في جميع مستوياتها وعلى اختلاف مصادرها، نسق مغلق، بخلاف الدولة أو الفضاء العام. الدولة فضاء عام أو نسق مفتوح، لذلك نلاحظ أن السلطات متغيرة والدول ثابتة. هنا يتجلى بوضوح الطابع المجرد للدولة والطابع المشخص لسلطاتها، ولا سيما السياسية منها. والطابع المشخص لسلطة الدولة، إذا استبعدنا السلطات الشخصية والوراثية وسلطة المصلحة الخاصة العمياء، ينبع من حقيقة أن لكل واحدة من سلطاتها الثلاث طابعاً عاماً وطابعاً خاصاً، طبقياً أو فئوياً، في الوقت ذاته، فهي إذا تناقض في ذاتها، وهذا التناقض هو التعبير السياسي عن التعارضات الاجتماعية (الطبقية) التي تجد حلها التريجي في تكرار الانتخابات البلدية أو المحلية والانتخابات التشريعية كل عدة سنوات، وفي التداول السلمي للسلطة الذب هو أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي.

في عصور الاستبداد السحيقة، على مدى أكثر من ألف عام، قبل ظهور الدولة الحديثة واقعاً ومفهوماً، كان نفوذ السلطة المركزية لا يتعدى المراكز الحضرية وظهيرها، وكان ثمة عالم للحرية مضاد للسلطة المركزية ومخارج لها، قوامه البداوة والتقوى والتصوف، بحسب عبد الله العروي؛ وكان عصر التنظيمات في السلطنة العثمانية العلية إيذاناً بتوسيع دائرة نفوذ السلطة المركزية على حساب عالم الحرية؛ وما زلنا نطلق على عصور الاستبداد اسم عصور الانحطاط وعلى ثقافتها اسم "ثقافة الانحطاط"، مقارنة بـ "عصر ذهبي" يعيِّنه كل منا على هواه. كلما اتسع عالم السلطة يضمر عالم الحرية وبالعكس.

الفارق النوعي بين الاستبداد القديم والاستبداد المحدث، الذي نعيش في كنفه منذ أربعة عقود ونيف، يكمن في بسط نفوذ السلطة الشديدة المركزية على إقليمها كله وضمور عالم الحرية إلى حد التلاشي، فلم يعد من مكان حتى للبداوة والتقوى والتصوف. أحد معالم الاستبداد المحدث هو ضمر الحرية طرداً مع تآكل الدولة وضمورها، أي مع تآكل الفضاء العام وضموره، ومع غياب القانون العام الذي يتساوى في ظله الجميع.

الاستبداد المحدث أو النظام التسلطي يعيد إنتاج التقليد المملوكي العثماني الذي قوامه "الاحتكار الفعال لجميع مصادر السلطة والثروة والقوة"[2]، وتسلسل الولاءات والامتيازات من جهة، ويخترق جميع حيزات المجتمع وصولاً إلى الأسرة وإلى الوجدان الفردي لجميع الرعايا، ويجعل من بنى المجتمع التقليدي بنى موازية لبنى السلطة تعيد إنتاج الاستبداد بصور شتى، من جهة أخرى. فلا يظل للحرية من وجود سوى على هوامش السلطة ذاتها، وهي هوامش محددة ومضبوطة وغير متاحة سوى للموالين وذوي الامتيازات، ولا يقل حضور السلطة فيها عن حضورها في المركز، مما يسمح بالقول إن الثقافة السورية على وجه العموم هي ثقافة السلطة الشمولية، والمثقفون السوريون المقيمون على العموم أيضاً مثقفو سلطة يختلف المعارض منهم عن الموالي في الدرجة لا في النوع، والأمثلة كثيرة جداً نعف عن ذكرها لكي لا نحرج أحداً من الموالين والمعارضين، ولا يسلم الكاتب نفسه من هذه الشبهة.

ليس لدينا أي اعتراض على السلطة لو كان بإزائها معارضة، هي سلطة بالقوة ويمكن أن تصير سلطة بالفعل، بطريق الانتخاب الحر والتداول السلمي؛ وليس لدينا أي اعتراض على مثقفي السلطة لو كان بإزائهم مثقفون أحرار، فذلك أدعى إلى نمو السياسية والثقافة وأدنى إلى الخير العام. ولكن ليس بإزاء مثقفي السلطة سوى مثقفي سلطة آخرين يعتاشون على الرصيد الأخلاقي لمعارضة لا تختلف بناها الفكرية والسياسية والتنظيمية عن بنى السلطة السياسية ذاتها. هذا وجه واحد من وجوه المأزق الذي تعيشه سورية؛ الوجه الآخر هو أن الاستبداد المحدث حول المجتمع إلى نوع من "مجتمع بلا طبقات"، وحول الأفراد إلى "كلئنات توتاليتارية"[3] مسلوبة الإرادة ومسكونة بالخوف والارتياب، فدمر الحوامل الاجتماعية للثقافة الحديثة وللسياسة على السواء، بمقدار ما دمر جنين المجتمع المدني والدولة الوطنية وفكرة المواطنة وسيادة القانون.

من عصر التنظيمات إلى عصر التأميمات والحرية تترنح، حتى غدت حريةَ العبد في أن يظل عبداً وحريةَ التابع في أن يظل تابعاً، والعبد، كما عرفه أرسطو، "هو من ضعف روحه وقلت حيلته فأتبع نفسه لغيره"، وهو جسد سيده ومتاعه وموضوع متعته السادية. لكن مزية عصر التأميمات وامتيازه أنه أنجز "حَيونة الإنسان"، بتعبير الراحل ممدوح عدوان، فأغلق دائرة التاريخ البيولوجي بإعادة الإنسان إلى أصله وأرومته؛ إذ قتل فيه روحه الإنساني، حريته واستقلاله وذاتيته، فرديته وفرادته، فذهب بعقله وضميره. مشاهد المسيرات المليونية التي تهتف بالروح والدم، ومشاهد نواب الشعب والوزراء والمديرين العامين والأكاديميين وقادة الرأي والفكر وجهابذة الثقافة والقيادات الحزبية والجبهوية وهم يرقصون في الشوارع والساحات مع السفلة والسوقة ويصيحون بالروح والدم في مشهدية الهستيريا الجماعية .. دليل ساطع على حيونة الإنسان وحلول الغرائز القطيعية محل العواطف الإنسانية.

بالثقافة امتاز الإنسان من الحيوان وصار إنساناً، فالثقافة هي الروح الإنساني وقد تشكَّل وتعيَّن أساطير وآداباً وفنوناً وعلوماً وديناً وفلسفة وقيماً وأنماط سلوك، وعمارة وزراعة وصناعة وتجارة واتصالات ومواصلات.

الروح الإنساني هو الحرية، والحرية روح إنساني قابل أو قابلة للتشكل، وقادر أو قادرة على تشكيل العالم، بالعمل، وإعادة تشكيله إلى ما لا نهاية. الثقافة شكل العالم و "الشكل في مغزاه الأكثر عينية هو العقل بوصفه معرفة نظرية، والمضمون هو العقل بوصفه الماهية الجوهرية للواقع الفعلي، سواء كان واقعاً أخلاقياً أو طبيعياً"، بحسب الفيلسوف الألماني هيغل، الروح الإنساني هي أو هو مضمون الثقافة، والاستبداد الذي يزهق الروح الإنساني يزهق روح الثقافة ويتركها جيفاً نتنة تفوح منها روائح الاستبداد.

في الحياة الثقافية السورية نص واحد من متن وهامش، متن تملؤه السلطة وهامش متروك للثقافة الهامشية والمثقفين الهامشيين، هامش يتقاسمه الموالون والمعارضون الذين يتبادلون المواقع بين الحين والحين، وتغلب لديهم جميعاً عبادة الأب القائد على عبادة الإله الواحد. الأب القائد يملأ متن النص المقدس، والمثقفون شرَّاح ومؤوِّلون يستلهمون أقوال الأب القائد أو الزعيم الخالد أو الرئيس الشاب بوصفه المرجع الوحيد للحقيقة.

حين يغدو الاستبداد شاملاً وكلياً وناجزاً، على هذا النحو الذي لا نزال نتخبط في مستنقعه منذ أربعين عاماً ونيف، يغدو مضموناً وحيداً للثقافة، وتمَّحي أو تكاد الفروق التي وضعها الكواكبي بين المثقف الماجد بذاته والمثقف المتمجد بمجد السلطان، بين مثقف السلطة والمثقف الحر، وتزول الحدود أو تكاد بين الضجيج والكلام، فلا يعود الشكل في مغزاه الأكثر عينية هو العقل بوصفه معرفة نظرية، ولا يعود المضمون في مغزاه الأكثر عينية هو العقل بوصفه الماهية الجوهرية للواقع الأخلاقي، والواقع الأخلاقي هو المجتمع والدولة،عالم الإنسان الذي ليس فيه من شيء جوهري سوى الإنسان ذاته، بتعبير كارل ماركس، فيعيش المثقف وينتج في ظل عذاب ما تبقى من الضمير.

المحزن في الأمر أننا نتوهم أن في سورية ثقافتين: ثقافة الاستبداد الجماهيرية، أي  ثقافة الكسل العقلي والتكرار الببغاوي واختفاء المعنى، التي تستلهم بسطار الراعي وروح القطيع، وثقافة ديمقراطية تغرف من منابع الحرية وتستلهم روح الشعب ومعقولية العالم وجماليات الوطن ومنطق الحياة، ونتوهم أن في سورية معارضة سياسية ديمقراطية أنجزت قطيعة معرفية وسياسية وأخلاقية مع عالم الاستبداد، و ينتشي بعضنا بهذا الوهم، ويراهن على إرادته الذاتية واقتناعه الذاتي لتغيير العالم، من دون أن يدري أن الإرادة الذاتية الخالصة والاقتناع الذاتي الخالص يفضيان إلى الاستبداد. وحقيقة الأمر أننا جميعاً سكارى وما نحن بسكارى.

الثقافة الديمقراطية في سورية حتى اليوم، في عرف غالبية المثقفين السوريين، وفي عرف غالبية السياسيين، الموالين منهم والمعارضين، هي "خطاب القسم" وأحاديث الرئيس الشاب ونياته الحسنة ومشروعه الرئاسي، التي يستلهمها "كبار" الفلاسفة السوريين، ويبصم عليها "بالعشرة" "أبرز المعارضين السوريين"، وبين أولئك وهؤلاء جوقات من المطبلين والمزمرين، في مشهدية ثقافية هي المعادل المثالي للهستيريا الجماعية.

الكتابة في سورية إما كتابة على هامش النص الذي تملؤه السلطة، أو "حاشية تبحث عن متن[4]"، كما يبحث السوريين عن وطن ينتمون إليه، وينعمون في ظلاله، ويتمتعون بخيراته، كبقية خلق الله، وطن يستغنون به ولا يستغنون عنه، يلوذون به ولا يلوذون منه، يخافون عليه ولا يخافون منه، يستقوون به ولا يستقوون عليه، وكما يبحث السوريون عن دولة تكون دولتهم، لا دولة البعث أو غيره من الأحزاب، وعن حكومة تكون لهم لا عليهم. ولن تجد الحواشي ضالتها إلا حين يجد السوريون ضالتهم؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله.  

 



[1]  العبارة من ميشيل فوكو

[2]  العبارة للدكتور خلدون حسن النقيب، من كتابه "الدولة التسلطية في المشرق العربي".

[3]  راجع حنة أرندت في "أسس الشمولية"

[4]  - التعبير للصديق الأستاذ محمد كامل الخطيب.