نحو حزب سياسي حديث

الأحزاب السياسية، في المجتمعات المتقدمة، تنظيمات مجتمعية حديثة تؤطر قوى اجتماعية وتعبر عن مصالحها، وتهدف إلى حل التعارضات الاجتماعية الملازمة لأي بنية اجتماعية بالوسائل السلمية وعلى نحو تدريجي تحدد وتائره نسبة القوى الاجتماعية في الظروف المعطاة. وهي من أهم مؤسسات المجتمع المدني وأكثرها مصاقبة للمشاركة السياسية النشطة في الدولة الوطنية والإسهام الإيجابي في صنع القرارات التي تعين درجة تطور المجتمع وتحدد اتجاه سيره، سواء من خلال المؤسسة التشريعية أو من خلال الرقابة على أداء السلطة التنفيذية، أو من خلال تداول السلطة سلمياً فيما بينها. وهي فوق ذلك كله الوسائل التي ترتقي بها الفئات الاجتماعية من جزئيتها وحصرية مصالحها إلى رحاب الكلية الاجتماعية وإلى رحاب المصلحة الوطنية العامة، فبالتنظيم السياسي ترتقي الفئات الاجتماعية أو الطبقات الاجتماعية من فئات أو طبقات في ذاتها إلى فئات وطبقات لذاتها، أي إن وعي كل منها لذاتها يتحدد بوعي علاقاتها الضرورية بسائر الفئات الاجتماعية الأخرى، فتتحول إلى ذات اجتماعية لها طابع مزدوج: خاص بحكم مصالحها وعام بحكم اندراجها في الكلية الاجتماعية ووعيها حقيقة أن مصالحها الخاصة لا تتحقق إلا في إطار المصلحة الوطنية العامة، وفق مبدأ الاعتماد المتبادل، إذ تعتمد كل فئة أو طبقة اجتماعية، في جميع شروط وجودها، على سائر الفئات أو الطبقات الأخرى. وفق هذا المبدأ، لا يمكن النظر إلى المجتمع إلا بوصفه وحدة جدلية (تنناقضية) وكلية عينية.

وصفة الأيديولوجية التي نصف بها جل الأحزاب القائمة في العالم العربي، إن لم نقل كلها، ولا سيما في بلدان "المشروعية الثورية" القومية أو الاشتراكية القومية أو الإسلامية، تعني جملة الأهداف والمطالب والأفكار والرؤى الذاتية التي تحجب عن صاحبها رؤية الواقع كما هو، وتزين له وهم أن الإرادة الذاتية يمكن أن تحل محل الحقائق الواقعية والقوانين الموضوعية، وأن الجزء يمكن أن يحدد الكل ويحل محله، وأن الاقتناع الذاتي بسمو الأهداف والمقاصد يمكن أن يكون مرجعاً للحقوق، وأن التحديدات الذاتية للفرد أو للجماعة حقائق كلية مطلقة وهي ذاتها التحديدات الموضوعية. ويمكن أن نطلق اسم الأيديولوجية على كل منظومة فكرية مغلقة على ذاتها ومكتفية بما لديها ومنقطعة عن الواقع، ولكنها تظل مع ذلك ذات قوة تعبوية، في المجتمعات التي لا يزال فيها الميت يمسك بتلابيب الحي والماضي يحجر على الحاضر ويصادر على المستقبل، مجتمعات تستهلك القيم ولا تنتج منها ما يكفي لتتبوأ مكاناً لائقاً في عالم اليوم. ولدفع أي التباس أو سوء فهم نضع الأيديولوجية في معارضة الفكر الحر.

والإصلاح السياسي الذي بدأت تباشيره في العالم العربي يقتضي من جملة ما يقتضيه نقد الأحزاب الأيديولوجية التي طبعت الحياة السياسية العربية بطابعها منذ أكثر من نصف قرن، ونقد السلطات الشمولية التي أنتجتها هذه الأحزاب، ناهيك عن ظواهر التطرف والعنف والإرهاب التي تتغذى من هذه البنى وتغذيها. والنقد معرفة تبدأ بالكلمة وتنتهي بالواقع، وتقوم على مبادئ الواقعية والفاعلية والجدوى والإنجاز. والعلم كله في العالم كله.

1- في نقد الحزب الأيديولوجي

قضية التنظيم بوجه عام، وقضية التنظيم السياسي بوجه خاص، قضية فكرية شأنها شأن أي قضية فكرية أخرى متصلة بالحياة العملية، لا قضية تقنية خالصة أو قضية عملية محضة؛ إذ جميع أعمالنا هي فكر متحقق أو متموضع في الواقع. وجميع المشكلات العملية هي مشكلات فكرية، لا يمكن مناقشتها والدفاع عنها إلا بعد أن يجلوها الفكر النظري ويضعها في صيغ نظرية، فيمنحها شكلاً. الفكر العامل بالمفاهيم / الكليات هو شكل العالم المادي؛ والمفاهيم / الكليات هي أسماء هذا العالم ومفاتيح معرفته. والتصورات والرؤى والأفكار المختلفة هي أشكال العالم، كما يبدو لمنتجي هذه الأفكار والتصورات والرؤى وحامليها، كل بحسب القاعدة المعرفية التي يستند إليها والفضاء الثقافي الذي ينتمي إليه. فالتجارب الفردية والجماعية المختلفة تنتج أفكاراً وتصورات ورؤى مختلفة.

جميع أشكال التنظيم، الاجتماعية منها والاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية، هي نتاجات العمل البشري بل هي عمل بشري متحقق أو متموضع في العالم وفي التاريخ. ومن ثم فهي مرتبطة أوثق ارتباط وأشده بعملية /عمليات الإنتاج الاجتماعي، في المجتمع المعني، نعني إنتاج الثروة المادية والثروة الروحية بالتلازم الضروري؛ لأن كل نمط من أنماط الإنتاج وكل فرع من فروعه يقتضي شكلاً من أشكال التنظيم التي تشي بمستوى الوعي الاجتماعي، وتخضع في جميع شروط تأسيسها وعملها لآليات إنتاج هذا الوعي مؤسساتٍ وتنظيماتٍ اجتماعيةً وسياسيةً. وثمة دوماً توتر وتنابذ بين الوعي الاجتماعي والوجود الاجتماعي، بين الفكر والواقع، يحيلان على الممارسة (البراكسيس) التي تنتج في كل مرة مقاربة جديدة للواقع؛ ومن ثم فإن نقد التنظيمات القائمة هو في الوقت نفسه نقد للوعي السائد.

التنظيمات التي نقيمها، في ظروف معينة وشروط معطاة، هي تحديداتنا الذاتية وتجلي خصائصنا النوعية وأشكال ممارستنا الاجتماعية والسياسية، في تلك الظروف وهاتيك الشروط. إنها مرايا حقيقية تعكس ما نحن عليه، وتظهر للعيان ما يخفي حقيقتنا، ويقنِّع جوهرنا الإنساني من ركام الأزمنة الماضية، ويبيِّن على نحو لا لبس فيه إلى أي مدى يندرج الماضي في الحاضر ويسيطر عليه، وإلى أي مدى يمسك الأموات بتلابيب الأحياء.

كل تنظيم هو بالأحرى نظام Systim يلبي حاجة ويؤدي وظيفة ويتجه إلى هدف. وإذا كانت المنظومات المحايدة تتحدد ببنيتها ووظيفتها، فإن المنظومات غير المحايدة، ولا سيما السياسية منها، تتعدى ذلك إلى الأهداف التي تنشدها والغايات التي ترمي إليها، مما يؤكد حقيقة أن في كل منها عنصراً أيديولوجياً، مثالياً، يؤثر بالضرورة في جميع عناصرها الأخرى، وما ذلك إلا لأنها تنظيمات إرادية، أو تحديدات ذاتية، تقوم على مبدأ الحرية أو الإرادة. وكل بحث في قضية التنظيم السياسي يحيل بالضرورة على فضاء مرجعي هو الحرية، الذاتية والموضوعية، أو الإرادة الذاتية والموضوعية، بل يحيل على جدل الحرية الذاتية والحرية الموضوعية.

الحرية هي الأساس الذي تقوم عليه التنظيمات السياسية والمبدأ الذي يوجه عملها، بيد أن التنظيمات السياسية تتنكر لأساس نشوئها ومبدأ توجيهها، بعد أن تصير مصدراً من مصادر السلطة، ولا سيما بعد أن تستولي على السلطة السياسية. وهو ما يضع الحرية والسلطة على طرفي نقيض.

جميع التنظيمات السياسية التي عرفها التاريخ هي تنويعات على مبدأ الذاتية، أي على مبدأ الحرية والاستقلال، وتعبير عن انبساط هذا المبدأ ونموه في الواقع، سواء كان ذلك بصورة سلبية، أي بصورة الاحتجاج على العبودية والاستبداد والتبعية والاستلاب والتفاوت الاجتماعي وعدم المساواة، أو بصورة إيجابية، أي بصورة الدعوة إلى الحرية والمساواة والعدالة، أو التبشير بها. في الحال الأولى كان مطلب الحرية مضمراً في الأهداف التي يطرحها التنظيم المعني الذي لا يزال محكوماً بمنطق رد الفعل، وبجزاءات تحوير الأهداف وتحوير الواقع، بخلاف الثانية. وإنه لذو دلالة عميقة أن الحال الثانية اقتصرت في تاريخنا القديم والوسيط على الدعوات الدينية، ولا سيما السماوية منها، وما نشأ فيها من فرق ومذاهب؛ آية ذلك أن عبودية الإنسان لكائن أسمى، مجرد، هو مصدر الحياة وضمانة الوحدة وموئل الحماية والرعاية والرزق ومناط الخلود، وبكلمة واحدة، هو تجريد الطبيعة، هي المعادل الميتافيزيقي لرفض عبودية الإنسان للإنسان، أي عبودية الفرد لمثله ونظيره. ولعل درجة عبودية الإنسان للكائن الأسمى كانت ولا تزال تتناسب طرداً مع تبعيته للطبيعة، فاندراج المقدس في تاريخ البشر وتموضعه في مجالات الحياة الاجتماعية، ولا سيما مجال السلطة، على اختلاف أنواعها ودرجاتها، هو الوجه الآخر لسيرورة نمو الحرية، أو لوعي الضرورة وموضوعية الإرادة وإمكانية الاختيار. ولعل شدة تبعية الإنسان عندنا للطبيعة، وصعوبة ارتقائه من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية، العلمانية، مما يفسر انطباع السلطة، حتى يومنا، بطابع الكليانية والتمامية والكمال، واتصاف التنظيم السياسي الذي يعبر عنها ويتطلع إليها بصفات الدعوة، أو الأيديولوجية، والعقيدة والمذهب. فلا يزال تاريخنا يتأرجح بين الأسطورة والعقل، (بين الميثوس واللوغوس). وشتان ما بين أسطورة الحرية وعقل الحرية.

حضور المقدس في الحياة الاجتماعية والسياسية، ولا سيما في مجال السلطة، مرتبط أوثق ارتباط وأشده بسيادة العلاقات والروابط الطبيعية، روابط الدم والنسب والعقيدة، بين الأفراد والجماعات من جهة، وبشدة التبعية للطبيعة من جهة أخرى. فبقدر ما ترتدي السلطة طابع القداسة الناجم عن تحوير مصدرها ترتدي العلاقات الاجتماعية والسياسية طابعاً أبويا (بطريركياً). بل إن سيادة العلاقات الطبيعية والروابط الأولية هي التي تفسر قداسة السلطة، سواء كان التعبير عن هذه القداسة مباشراً، كما في العصور القديمة والوسطى، أو غير مباشر، كما هي حال المجتمعات المتأخرة في الأزمة الحديثة. ورائز ذلك في كل زمان ومكان هو مقدار العمل البشري الخلاق في عمليات تغيير أشكال الطبيعة وإنتاج الثروات المادية والروحية، ونسبته إلى العناصر الطبيعية. فحين نتحدث عن التنظيم بوجه عام وعن التنظيم السياسي بوجه خاص إنما نتحدث عن أحد مصادر السلطة.

هناك من يفترض، ولعله على حق، أن الحضارة العربية الإسلامية أنتجت أحزابها السياسية في صورة فرق ومذاهب وطرق صوفية، وفقاً لآليات الاجتماع العربي الإسلامي وما أفرزه من قوانين خاصة به، في ظل نمط الإنتاج الآسيوي والاستبداد الشرقي، أو نمط الإنتاج الخراجي بتعبير سمير أمين، وقد آل إلى إقطاعية شرقية، منذ خروج البويهيين على الخلافة العباسية وبداية عصر المماليك. وأن الأحزاب العربية "الحديثة" ليست سوى امتداد ثقافي واستلهام لتلك الأشكال التمثيلية. وأن سيرورة نشوئها معاكسة لسيرورة نشوء الأحزاب السياسية الحديثة في الغرب، الذي أنجز قطيعة معرفية وأخلاقية مع الماضي بوجه عام، ومع ماضيه الإقطاعي بوجه خاص، ودشن ما صار يسمى "التاريخ الحديث"، وأبدع أشكالاً تنظيمية، وفق منطق الحداثة، على كل صعيد.

ففي مسائل السلطة والحكم، في الحضارة العربية الإسلامية، السياسي ديني والديني سياسي؛ وليس ثمة ما هو أكثر دلالة على ذلك من تعريف الإسلام بأنه "دين ودنيا ودولة". ولا تزال الحدود بين الديني والسياسي غامضة وقابلة للتمدد في الحقلين كليهما، حتى يومنا. الفرقة أو المذهب أو الزاوية (الفرقة الصوفية) هي أو هو الحزب. والحزب "الحديث" فرقة أو مذهب أو زاوية متطورة، فرقة تتشبَّه بالعلمانية ظاهراً، وتتماسك بآليات دينية مضموناً، نسيج روابطها لا يختلف عن روابط التعصب للمذهب الديني، ممزوجاً بصلات عصبية القرابة.

وهذا لا يعني أن الأحزاب العربية الحديثة لم تتأثر بالنموذج الغربي الحديث ولم تأخذ عنه، بل يعني أن فكرة الحزب السياسي الحديث قد أعيد إنتاجها وفق التقليد الإسلامي، ولا سيما التقليد المملوكي العثماني، لأسباب تتعلق بطبيعة التطور الرأسمالي المشوه في العالم العربي، وباستجابات المجتمعات المتأخرة للضغوط الإمبريالية وردود فعلها عليها؛ أي إن الأمر يتعلق بما سماه ياسين الحافظ "إعادة تقلدة المفاهيم والأفكار الحديثة". العلمانيون يعتقدون أن الأحزاب التي تتسمى بالإسلامية اليوم أحزاب دينية حقاً، وبالمقابل، يرى الإسلامويون أن الأحزاب الوطنية والقومية والماركسية أحزاب علمانية حقاً. وكلاهما غابت عنهما خصوصية الثقافة العربية الإسلامية وتواصل التراث والتقليد لديهما معاً. فالأحزاب الإسلامية دهرية سياسية بالمعنى العلماني، والأحزاب العلمانية دينية روحاً وسلوكاً وعصبية، وجميعها مذاهب مغلقة ومتحاجزة تحول دون تشكل مجال سياسي مشترك وفضاء وطني موحد؛ لهذا كله، إضافة إلى أسباب أخرى، تتعثر الديموقراطية في الوطن العربي؛ إذ يرفض كل طرف "الآخر" رفضاً قطعياً، مبدئياً ونهائياً.

ومن ثم فإن الأحزاب السياسية العربية ليست جديدة كلياً، ولكنها ليست ناجزة بعد، لافتقارها إلى إطار وطني, إلى فضاء حاو وثابت, وإلى هوية محددة اجتماعياً وحقوقياً وسياسياً وجغرافياً واقتصادياً، وبدون ذلك يغدو الكلام عن الأحزاب والديموقراطية والحريات العامة وعن السياسة كلاماً مجرداً لا مضمون له. فقد نشأت جميع الأحزاب الأيديولوجية وفق علاقة تخارج مع دولها ومع الرقعة الجغرافية / الاجتماعية المقتطعة من "جسم الأمة" (سواء كان الاعتقاد بأن الأمة هي الأمة العربية أو الأمة الإسلامية أو الطبقة العاملة)، بعضها لا تتسع حدود الدولة القائمة لتطلعاته، وبعضها الآخر يرى حدود هذه الدولة أوسع مما يجب. ولذلك لا تزال المفاهيم العلمانية، مفاهيم الوطن والشعب والأمة والقومية والمجتمع المدني والدولة الوطنية غريبة على هذه الأحزاب أو ذات دلالات تقليدية لا تمت لدلالاتها الحديثة بأي صلة. فهي، أي الأحزاب، صورة للبنى الاجتماعية (الطبقية) في مجتمعاتها ومشابهة لأنماط الإنتاج السائدة في بلدانها، إي إنها مختلطة وتابعة ومتخارجة كدولها. وهي من ثم عاجزة عن القيام بالوظائف والأدوار المعروفة للأحزاب الحديثة، التي تفترض، مسبقاً، وجود مؤسسة المؤسسات المكونة تكويناً طبيعياً وحراً، أي الدولة الوطنية بحدودها الثابتة. كما تفترض بنية اجتماعية واقتصادية قادرة على إعادة إنتاج ذاتها وتحديد اتجاه سيرها.

ومن البديهي أن تحديد سمات التنظيم السياسي، في زمان ومكان محددين، يتوقف على معنى السياسة وقيمتها ومدى حيويتها وعقلانيتها، في المجتمع المعني، أي على نحو ما تفهمها مختلف الفئات الاجتماعية، وعلى القيمة التي تمنحها لها هذه الفئات، وعلى مدى إدراجها في تحديد ذواتها، لا على نحو ما تفهما وتعقلها النخبة فقط. والفرق بين هذين المستويين أشبه ما يكون بـ "فرق الكمون" الذي يولد الطاقة والحركة. فحين يكون الأمر مقصوراً على نخبة لا تزال حداثتها وعقلانيتها موضع شك تغدو أفضل النماذج النظرية بلا قيمة عملية. ومن ثم فإن عنصر التحديد الحاسم هو النظر إلى السياسية، إما على أنها علم إدارة الشؤون العامة بوصفها علاقات موضوعية، وإما على أنها جملة من الأهداف والمطالب والتطلعات والرغبات الذاتية.

في ضوء التأخر التاريخي الذي يتكثف في المجالين الأيديولوجي والسياسي، وفي ضوء تجربة سياسية، جمعياتية وحركية وحزبية وجبهوية، عمرها نحو قرن من الزمن، يمكن تحديد خصائص التنظيم السياسي عندنا على النحو الآتي:

1 كان التنظيم السياسي، عندنا، ولا يزال، سوى استثناءات قليلة[1]، يلتبس بـ "الدعوة" التي تقتضي إيمان أتباعها بها وولاءهم الخالص لها وبراءتهم من كل ما عداها (الولاء والبراء). ومن ثم فهو أقرب إلى الفرقة الدينية أو الملة والنحلة أو المذهب أو الطائفة، وقد تجلى ذلك عيانياً في الأحزاب الأيديولوجية، القومية والإسلامية والاشتراكية، التي اتسمت بقوة العنصر الأيديولوجي وكثافته، وهو عنصر ضروري للتعبئة والتجييش، في البلدان المتأخرة. يقابله في البلدان المتقدمة العنصر الواقعي، البرنامجي، المطلبي، الذي يلامس مصالح فئات اجتماعية بعينها ويعبر عنها ويسعى إلى تلبيتها. والسبب الرئيس في ذلك لا يعود إلى "عيب أصلي" في هذه الأحزاب، بل إلى الوعي الذي صاغ تصوراتها ورؤاها وأهدافها ومطالبها، وصاغ من ثم بناها الفكرية والسياسية والتنظيمية. وهذا الوعي نفسه محدد بعملية الإنتاج الاجتماعي في هذه المجتمعات المتأخرة.

2 - تحت عباءة الدعوة / العقيدة ثمة نزوع لا يخطئه المرء إلى الغنيمة؛ ومن ثم، فإن السياسة التي تجري في عروق الحزب الأيديولوجي لا تعدو كونها نزوعاً إلى احتكار السلطة، بما هي وسيلة لاحتكار الثروة والقوة، والسيطرة على جميع مجالات الحياة الاجتماعية، وإعادة تنسيق بنى المجتمع بما يتفق ودكتاتورية المصلحة الخاصة، الفئوية، العمياء. ولذلك كان الصراع على السلطة، أي على الغنيمة، أبرز سمات الحياة السياسية على مدى نصف القرن الماضي، وكان الجيش هو القوة الأساسية لحسم الصراع، قبل أن تتعسكر الحياة السياسية كلياً، منذ الثامن من آذار 1963 حتى يومنا؛ فلم تعرف الحياة السياسية معنى التنافس السلمي أو التباري الذي يستثمر فيه كل حزب أفضل ما لديه في عملية التقدم الاجتماعي، إلا لماماً، بعيد الاستقلال، ولا سيما بين عامي 1954 و 1958، إذ كانت الثروة مصدراً للسلطة ثم صارت السلطة مصدراً للثروة والكسب غير المشروع. ولا يمكن النظر إلى الجبهة الوطنية التقدمية مثلاً إلا بوصفها نوعاً من أنواع تقاسم الغنيمة.

3 - تقوم العلاقات الداخلية والخارجية التي تحدد بنية الحزب الأيديولوجي على مبدأ العصبية، لا على مبدأ المصلحة أو المنفعة؛ فهو، من هذه الزاوية، أقرب إلى العشيرة أو الطائفة، في التنظيم الاجتماعي التقليدي. فانتقال الفرد من حزب إلى آخر مطعن أخلاقي أشبه ما يكون بالمروق والارتداد والخيانة، وجماهير الأحزاب الأيديولوجية، ولا سيما جماهير الأحزاب التي وصلت إلى السلطة، تردد غالباً شعارات وتتعصب لمعتقدات لا تمت بأي صلة لمصالحها الفعلية، والأحزاب ذاتها ليست تعبيراً موضوعياً عن مصالح فئات اجتماعية مختلفة ومتعارضة تسوِّغ ما بينها من اختلافات وتعارضات. فجميع الأحزاب القائمة في سورية اليوم، مثلاً، تنتمي إلى الفئات الوسطى، الريفية خاصة، ولهذا الانتماء جملة من الدلالات الاجتماعية والثقافية والقيمية والسياسية تتجلى بوضوح في خصائص النسق الشعبوي الشمولي، نسق الدولة التسلطية والمجتمع الجماهيري، كما وصفهما خلدون حسن النقيب، في دراسة رائدة في الفكر السياسي العربي، لا بد من متابعتها. ولعل غلبة الريفي على المديني في الحياة السياسية هو من أبرز مظاهر التأخر التاريخي، ونتيجة موضوعية من نتائج ازورار النخبة السياسية والثقافية عن الثورة الديمقراطية.

4 تمامية العقيدة وإغواء الغنيمة وقوة العصبية تكسبه طابعاً راديكالياً وانقلابياً، "ثورياً"، وتمنحه شعوراً عميقاً بأنه يفتتح تاريخاً جديداً يجبُّ ما قبله، فهو خلق جديد للعالم أو عهد تكوين جديد. وليس عبثاً أن يحتفل الحزب بتاريخ تأسيسه بما هو لحظة تدشينية في التاريخ وفجر يوم جديد خرج من دياجير الظلام، فهو أشبه بعملية انبثاق روحانية على يد نخبة ممتازة أو زعيم ملهم أو قائد تاريخي أو أب قائد، ولا يخفى البعد الأسطوري، الميثي، المقدس، والدلالة الرمزية للأب القائد الذي هو "رب البيت" وصانع (= خالق) سورية الحديثة، فمن غير اللائق، وهذه الحال، ألا تكون سورية "سورية الأسد"، كما كانت مصر "مصر عبد الناصر" مع فارق التشبيه، ولا يخفى كذلك التناظر الدلالي بين سورية البعثية أو "مصر الناصرية" وسورية الإسلامية ومصر الإسلامية وسورية العربية ومصر العربية.

5 يختزل الحزب، على الصعيد الأخلاقي، جميع القيم والفضائل في شرف الانتماء إليه والإيمان برسالته والتضحية من أجله، لا من أجل مبادئه وأهدافه المعلنة. فهو غاية في ذاته تسوغها المبادئ والأهداف. الأهداف العظيمة لا تعدو، في الواقع، كونها وسائل لغاية أسمى هي التنظيم نفسه، بما هو مصدر من مصادر السلطة، أو بما هو سلطة بالقوة أو سلطة بالفعل. ما من عقيدة مثالية، دينية أو وضعية، إلا صارت في وقت من الأوقات وسيلة لغاية أدنى منها بما لا يقاس.

6 جميع الخصائص السابقة تجعله يربأ بنفسه عن وضاعة أن يكون جزءاً من المجتمع، أو تعبيراً عن أحد أجزائه، أو جزءاً من حركته السياسية، فلا يرضى بأقل من أن يكون كلاً وتعبيراً عن الكل، يمنح نفسه حق تمثيل المجتمع والشعب والأمة، أو الطبقة / الأمة، من دون أن تعني له هذه الكلمات شيئاً. ومن ثم فهو نسق مولد للاستبداد، أو بنية استبدادية مغلقة على يقينها الذاتي وإيمانها الذي لا يتزعزع بصحة مبادئها وأهدافها وسياساتها؛ من ليس في فكره وفي روحه العام والكلي والمطلق (الدولة والمجتمع والإنسان) يحول خصوصيته إلى عمومية وجزئيته إلى كلية ونسبيته إلى مطلق، وذلكم هو الاستبداد. الحزب الحديث، أي حزب، جزء من الحركة السياسية الوطنية، في البلد المعني، يتحدد بها ولا يحددها، ويعبر عن جزء من المجتمع يتحدد به ولا يحدده، وينتمي مع سائر الأحزاب الأخرى، على اختلافها وتخالفها، إلى فضاء وطني مشترك يستمد منه مضمونه وهويته. واعتراف الحزب اعترافاً مبدئياً ونهائياً بجزئيته وجزئية الفئة الاجتماعية التي يمثلها ويعبر عن مصالحها يعصمه من إغواء فرض عقيدته ورؤيته على المجتمع كله، ويؤسس لديه، هيئة وأفراداً، وعياً بمشروعية الاختلاف وقبولاً بالآخر واعترافاً بأن حقوق الآخر هي حقوقه وحرية الآخر هي حريته.

7 المبدأ الرئيس الذي يقوم عليه التنظيم السياسي عندنا، كما تمخضت عنه التجربة العملية حتى يومنا، هو الاحتكار، احتكار الحقيقة واحتكار المشروعية واحتكار الوطنية، وهذه تؤسس لاحتكار السلطة والثروة والقوة، بالقوة أو بالفعل. ولا يخفى أن الاحتكار هو الأساس الموضوعي للاستبداد، ومن ثم فإن بنى أحزاب المعارضة لا تختلف كثيراً عن بنى الأحزاب الحاكمة، وإن اختلفت أطروحاتها.

8 هذه الخصائص جميعاً تدعو إلى التحري عن أشكال حضور المقدس في التنظيم السياسي، فاسم الحزب وشعاره ونظامه الداخلي وعقيدته، أي أيديولوجيته، تدخل جميعها في باب المقدسات التي لا تعدو كونها تحويراً للحرية الذاتية التي لا يحدها حد ولا ينظمها قانون. فالاقتناع الذاتي بتمامية العقيدة وصحة الخط السياسي ونبل الأهداف وسموها الأخلاقي هي الأسس التي يقوم عليها مبدأ الحق، حق الحزب على أعضائه وعلى المجتمع الذي وضع الحزب نفسه في خدمته. فلا يجوز والحال هذه أن ينظر إلى الحزب إلا كما ينظر إلى مخلِّص.

9 تتأسس على ذلك رؤية لمبدأ الحق الذي تقوم عليه الحقوق المدنية والحقوق السياسية وحقوق الإنسان، قوام هذه الرؤية هو الاقتناع الذاتي للحزب هيئة وأفراداً بما هو الحق، فهو وهم من يحدد ومن يحددون حقوق الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية، على أساس قناعته وقناعاتهم الذاتية. وحين يتأسس الحق على الاقتناع الذاتي تضطرب جميع القواعد الناظمة للاجتماع المدني، وتنتكس الحياة الاجتماعية إلى ما يشبه "الحالة الطبيعية" حيث لكل من الحق بقدر ماله من القوة، وتنبني على ذلك منظومة فكرية وأخلاقية تزدري فكرة التعاقد وتنفيها، وتولد الاستبداد والعنف والإرهاب. وليس مصادفة اقتران قوة العقيدة وقوة المؤسسة العسكرية وأجهزة البوليس العلنية والسرية في جميع تجارب الأحزاب الشمولية التي وصلت إلى السلطة في جميع البلدان، ولا سيما في البلدان المتأخرة. ولعل تأميم الممتلكات الخاصة ومصادرتها مما شهدته البلدان المتأخرة باسم المشروعية الثورية، وتحت عنوان الاشتراكية خير دليل على ذلك. فالتأميم الذي لا تقره هيئة تشريعية منتخبة أو استفتاء عام لا يعدو كونه مصادرة واستيلاء يفتقران إلى أي معنى من معاني الحق، بما في ذلك حق المجتمع، ولا يعدو من ثم كونه شكلاً من أشكال إرساء مبدأ الحق على الاقتناع الذاتي. وهذا ما يطرح اليوم مشكلة نظرية وعملية تتعلق بالعدالة الاجتماعية التي هي التعبير العملي عن المساواة، ولا يتسع المجال لمعالجتها هنا. ولكن لا مناص من طرح الأسئلة: هل الحزب هو من يقرر شكل النظام الاجتماعي الاقتصادي والسياسي، أم المجتمع؟ وهل يحق لجزء من المجتمع أن يشرِّع نيابة عن المجتمع كله؟ وهل يحق للحزب أن يضع وحده قواعد الحق والقانون، إذ لا حق بلا قانون؟

10 ينسب الحزب الأيديولوجي لنفسه "فضيلة" أنه "صورة مصغرة للمجتمع المنشود"؛ وهذه "الفضيلة" تضمر رؤية لمجتمع متجانس اجتماعياً (طبقياً) أو مذهبياً أو عرقياً، رؤية إقصائية تخرج كل من لا ينتمي إلى عالمه الفكري والسياسي والأخلاقي من دائرة الأمة ومن ملكوت الدولة "القومية" أو "الإسلامية" أو "الاشتراكية"، وتجرده من جميع الحقوق المدنية والسياسية، وتنسب إليه جميع الشرور حتى يغدو الإجهاز عليه وتصفيته جسدياً نوعاً من واجب أخلاقي، أو ونوعاً من "جهاد في سبيل الله"، وبوسعنا أن نضع الأمة أو الطبقة محل الله فلا يتغير شيء. فالتجانس وطمس الفروق الفردية بين أعضاء الحزب الأيديولوجي وبين أفراد "الأمة" ومحاولة السيطرة على الاختلاف هي من أهم مقومات وحدته التي هي وحدة التجانس لا وحدة الاختلاف، ولذلك بالضبط يظل معرضاً للانشقاق على نحو ما كانت تنشق الفرق والمذاهب الدينية. فلو أنه قام على أساس وحدة الاختلاف لما كان هنالك سبب للانشقاق، كالأسباب التي تذرعت بها الانشقاقات المتتالية في جميع الأحزاب.

وهو إلى ذلك يقوم على مبدأ الحلول، إذ تحل روح الأمة أو الطبقة أو الملة في الحزب، وتحل روح الحزب في الفرد، فيتماهى الحزب والأمة أو الطبقة أو الملة، ويتماهى الفرد والحزب. ولعل محاولة تذويب الفرد في الحزب والنظر إلى جميع خصائصة الفردية على أنها انحرافات يجب تقويمها بالتربية الحزبية والنقد الذاتي هي أول اعتداء على الحرية وهدر للذاتية، وأول مظهر من مظاهر التنكر لمبدأ نشوء الحزب السياسي، نعني مبدأ الذاتية، أي الاستقلال والحرية، استقلال الفرد وحريته، وهما أساس استقلال سائر الذوات والأشخاص الاعتبارية، بما في ذلك الدولة، وأساس حريتها. والفرد الذي يذوب في الحزب وتمَّحي ملامحه الفردية وكيانه الشخصي، يتحول إلى رقم لا قيمة له ولا معنى، إلى مجرد رفيق أو أخ.

11 وعلى الصعيد المعرفي يقوم الحزب الأيديولوجي على مبدأي اليقينية القطعية التي لا تقبل الشك والحتمية التاريخية أو الميتافيزيقية (القدرية) التي تنفي مبدأ الاحتمال، ولذلك يُخرج الحزب الأيديولوجي الواقع من رأسه، بتعبير ياسين الحافظ، فيبدو الواقع شفافاً ومستوعى إلى النهاية، وتبدو قوانين حركته كأنها بيد الحزب؛ وبهذين المبدأين يخطو الحزب الخطوة الحاسمة في مناهضة الحرية، ويبدو، في التحليل الأخير تناقضاً في ذاته: يرفع الحرية شعاراً ويستأصل جذورها من فكره وعلاقاته الداخلية والخارجية. فإن اللايقين العلمي أو العقلي والعجز عن التنبؤ لمن أقوى الأدلة على الحرية وعلى قوة مبدأ الاحتمال. واللايقين العلمي أو العقلي والعجز عن التنبؤ ناتجان من خصائص الواقع ذاته، بما هو واقع تناقضي، جدلي، وإمكاني واحتمالي ومتغير باستمرار. الحتمية واليقينية كلتاهما تحيلان على وضعوية لا تتعدى مستوى الإثبات والتوكيد. فإن نفي مبدأ الشك ونفي مبدأ الاحتمال يعادلان نفي مبدأ الحرية. وبالمقابل، إن الاعتراف بعدم القدرة على التنبؤ باستجابات الأفراد والجماعات والطبقات الاجتماعية يساوي الاعتراف بأنهم وبأنها ذوات حرة ومستقلة. فليس بوسع حزب يمثل طبقة اجتماعية معلومة العدد أن يضمن حصوله على أصوات جميع أفرادها في انتخابات حرة، وليس من مصلحته في الوقت نفسه أن يراهن على أصوات هذه الطبقة فحسب، وإلا لفقدت الانتخابات أي معنى سياسي، ولكانت نتائجها معروفة سلفاً في كل مرة، ولكانت، من ثم، نافلة لا قيمة لها ولا حاجة إليها.

12 هذا الجذر المعرفي يترجم سياسياً بأشكال شتى من التطرف، أي بالقبول التام والرفض التام، لدى الأحزاب الحاكمة والأحزاب المعارضة على السواء، وليس من حد وسط بين هذين الحدين الأقصيين، وتلكم هي إحدى الركائز التي يقوم عليها العنف الذي يسم العلاقات السياسية، وينسرب في العلاقات الاجتماعية، والذي يتجلى في توتر الخطاب السياسي وجفاف العلاقات الإنسانية، ويمكن أن ينفجر عنفاً عارياً في أي لحظة. فما أن ينتمي شخصان إلى حزبين مختلفين أيديولوجياً حتى ينشأ بينهما نوع من الجفاء والارتياب وعدم التسامح تبلغ، في كثير من الأحيان، درجة العداوة، بحسب درجة التوتر في الحياة السياسية، ولو كان هذان الشخصان أخوين أو قريبين أو صديقين أو ينتميان إلى فئة اجتماعية واحدة ويعملان في مهنة واحدة، فجميع التحديدات الذاتية والموضوعية تضمر أو تتنحى لمصلحة التحديد الذاتي الأساسي، نعني التحديد الأيديولوجي الذي يتحول إلى جملة من الإيمانات / العقائد تحكم رؤية الفرد وتوجه سلوكه. تبدو هذه المسألة واضحة في العلاقات القائمة اليوم بين أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية في سورية، بعد أكثر من ثلاثة عقود من "التحالف"، وبين أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي أيضاً، بعد نحو ربع قرن من "التحالف".

13 اللحمة الأيديولوجية التي تربط أعضاء الحزب وهيئاته تنشأ وفق آليات إعادة إنتاج العلاقات الطبيعية والروابط الأولية في البنية الجديدة التي يفترض أنها بنية حديثة، وهي آليات ذهنية / نفسية وسلوكية تنم على ما سماه أريك فروم "الخوف من الحرية"، وتحيل على بنية اجتماعية تعاني من تفسخ العلاقات والبنى التقليدية، ما قبل الوطنية، أو ما قبل القومية، وصعوبة بناء علاقات وبنى وطنية حديثة لأسباب ذاتية وموضوعية مختلفة، وهو ما يؤكد الصلة الوثيقة بين البنى التنظيمية في المجتمع المعني وبين نمط الإنتاج وأسلوبه. وتبدو هذه الحقيقة واضحة بجلاء ما بعده جلاء في أثناء الأزمات التي يتعرض لها الحزب وتؤدي في الغالب إلى انشقاقه، إذ تحدد العلاقات الطبيعية والروابط الأولية موقف عضو الحزب من هذا الاتجاه أو ذاك، أو من هذا الفريق أو ذاك، ولا يخلو الأمر من استثناءات هنا وهناك، ولكنها استثناءات تؤكد القاعدة. ولعل دراسة الانشقاقات التي تعرضت لها جميع الأحزاب "السياسية" في سورية ذات فائدة كبيرة في هذا المجال.

14 - الحزب الأيديولوجي بنية طاردة للفكر الحر ومعادية له، وظيفة أعضائه وميزتهم هي الإيمان، لا التفكير. الإيمان يشد الروابط الداخلية ويعززها، ويخلط الذات الفردية بالذات الجماعية حتى تغدو هي هي، ويستبعد أي علاقة مع الآخر، المختلف، سوى علاقة التفاصل؛ في حين يقوم التفكير على استدعاء الذات الفردية أو الجماعية ومساءلتها، وإقامة الحد على أوهامها وأباطيلها، فالتفكير يجعلنا على اتصال بالآخرين، إذ بقدر ما يكون التفكير جاداً وصريحاً ينطوي على اعتراف بالنقص وباحتمال أن تكون الذات على خطأ، وهذا يعني احتمال أن يكون الآخر على صواب، وبهذا المعنى يكون التفكير حالة عامة، وموضوعه هو الحالة العامة، وقوامه هدم جدران الثقة الجازمة والمفرطة بالنفس، ومحاولة بناء الجسور بين الأنا والآخر، أي محاولة الوصول إلى أذهان الآخرين وعقولهم وقلوبهم وضمائرهم بالحوار. المعتقدات التي تمضي بلا شكوك تفصل الكائنات البشرية بعضها عن بعضها الآخر، ويصير أولئك الذين يعتنقونها غامضين ومغلقين على أنفسهم ومكتفيكن بما لديهم، ولا يساورهم أي شعور بالتساوي مع الآخرين أو بالحاجة إليهم. الآخرون، في هذه الحال، نافلون عن الحاجة، ولا يستحقون أي نوع من التعاطف أو الرحمة، ولذلك يغدو من السهل تأثيمهم وتكفيرهم وتخوينهم، ومن الواجب استبعادهم من دائرة الحياة العامة وإقصاؤهم عنها. التفكير خطر على الحزب الأيديولوجي، لأنه يهدم أركان وحدته البسيطة، وحدة التماثل، أي وحدة الذات مع ذاتها، ويؤدي إلى انقسامه باطراد، فلا مكان في الحزب الأيديولوجي لمن يقترف جريمة التفكير. وإذا كان التفكير و "ملكة الحكم" أفضل ما في الإنسان، فإن الحزب الأيديولوجي يهدر أفضل ما في الإنسان. وإذا كان التفكير هو الصفة الإنسانية المشتركة بين الناس فإن الحزب الأيديولوجي لا يعبأ بما هو مشترك مع الآخرين، إن لم نقل إنه يقوض أركانه.

15 ثمة علاقة وثيقة بين حرية التفكير والتعبير وبين التسامح؛ والتسامح قيمة أخلاقية عليا تؤثر في جميع القيم الأخرى؛ وهي من أهم قيم العلمانية التي تأسست عليها فكرة فصل الدين عن السياسة بوجه عام وعن الدولة بوجه خاص؛ فالأفراد، في ضوئها وعلى أساسها، أحرار في أن يعتنقوا تصوراتهم الخاصة للحقيقة وأن يعلنوها ويعبروا عنها بجميع الوسائل والأساليب المشروعة قانونياً، والتسامح في كل ما يجب التسامح فيه يجعل هذه الحرية ممكنة، من دون أن تنجم عنها آثار سلبية، ومن دون أن تحوِّل الحرية نفسها فكرة التسامح إلى نوع من عدمية أخلاقية أو عدم مبالاة بالآخرين. ولعل هنالك صلة ما بين فكرة التسامح وفكرة المواطنة تجلوها المقولة العلمانية الشهيرة: "الدين لله والوطن للجميع"، ذلك لأن الله لا يمكن أن يحصر في دين واحد أو في مذهب واحد، وكذلك الحقيقة التي هي من ماهية الله، لا يمكن أن تكون حكراً على أحد.

لا يمكن أن تكون هناك حياة حقيقية وعلاقات حقيقية إذا لم يكن هناك تسامح، فلو كان على الناس أن يفكروا وأن يعملوا وفقاً لما تفرضه السلطة السياسية أو وفقاً للأعراف والعادات والتقاليد الاجتماعية فإن كل شيء سيكون زائفاً. والتسامح في الآراء الصحيحة والأعمال الصائبة لا يكفي، إذ هنالك دائماً في كل مكان تسامح من هذا النوع، فلا بد أن يكون هناك تسامح إلى حد كاف في المعتقدات التي نعدها خاطئة والأفعال التي نعدها غير أخلاقية، وإلا فلن نتوصل إلى سياسة تقبل الاختلاف والفروق المهمة، وتفسح في المجال لحياة غنية وصلات جادة[2]. لعله يتوجب على المرء هنا أن ينوِّه بالسفسطائيين وبمناقب المحامين.

16 ارتبطت ظاهرة الأحزاب السياسية الحديثة في الدول المتقدمة بنشوء الدولة الوطنية، أو الدولة القومية، بثلاثة أركانها: الأرض والشعب والسلطة السياسية، الدولة التي تقوم العلاقات السياسية فيها على مبدأ المواطنة والمساواة في الحقوق. وهي ظاهرة علمانية خالصة تعبر عن علمانية الدولة التي نشأت وتنشأ في كنفها والمجتمع الذي تنتمي إليه. في حين تنكرت الأحزاب الأيديولوجية التي نشأت في البلدان العربية للدول الحديثة التي أقيمت في هذه البلدان في المرحلة الكولونيالية، أو للدول التي قامت على غرار الدولة الكولونيالية، وارتبطت بناها الفكرية والسياسية والتنظيمية بدولة متخيَّلة، قومية أو إسلامية أو اشتراكية، فاتخذ التوتر والتنابذ بين الواقعي والأيديولوجي طابعاً فصامياً، وزادت عرقلات التقدم الداخلية والخارجية والهزائم المتوالية التي مني بها العرب منذ عام 1948 وانبعاث الاستبداد الشرقي من جوف التاريخ، في صيغة السلطة الشمولية، من تضخم العنصر الأيديولوجي. فليس لهذه الأحزاب إطار جغرافي سياسي محدد، وليس لها إطار مجتمعي محدد، ولا تنتمي إلى فضاء وطني واحد، وهذا ما يعبر عنه بتشظي الحقل السياسي الوطني؛ لذلك يقوم كل منها على مطلب نفي الدولة القائمة بالفعل، بثلاثة أركانها: الأرض والشعب والسلطة السياسية، وبناء دولة تتسق ورؤيته الأيديولوجية، "قومية" كانت هذه الرؤية أو "إسلامية" أو "اشتراكية"، دولة متجانسة ونقية عرقياً أو مذهبياً أو طبقياً، ومن ثم فإن هذه الأحزاب لا ترفض الدولة القائمة بالفعل فحسب، بل ترفض فكرة الدولة الدستورية، بما هي تجريد للعمومية وتحديد ذاتي للشعب وتعبير عن الكلية الاجتماعية، بما هي كلية عينية في الزمان والمكان. ومن يقبل من هذه الأحزاب بفكرة الدولة الدستورية يعاني من تناقض حاد بين رؤيته الأيديولوجية ورؤيته "السياسية"، ما لم يقم بإعادة بناء رؤيته السياسية على أسس فكرية وأخلاقية مختلفة، وإعادة تعريف الوطن والوطنية والدولة والشعب والأمة والقومية والطبقة والصراع الطبقي، ويعيد تعريف السياسة، بدلالة منطق الحداثة وتعيُّناتها التاريخية، ويعيد من ثم تعريف نفسه وتحديد وظيفته بهذه الدلالة ذاتها.

2 بعض ملامح الحزب السياسي الحديث

نقد الحزب الأيديولوجي على هذا النحو هو نقد للصيغ الحزبية القائمة عندنا، وقد طبعت الحياة السياسية بطابعها، منذ ستينات القرن الماضي، على الأقل، ولا سيما تلك التي استولت على السلطة هنا أو هناك وأنتجت النظم الشمولية التي لا نزال نعاني آثارها المدمرة على كل صعيد، وهو، على ما قد يرى فيه بعضهم من غلو أو افتئات، قد لا يخلو منهما، مدخل للتفكير في الحزب السياسي، وتحديد سلبي لبعض ملامحه وخصائصه؛ إذ من الصعب الحديث عن الحزب السياسي الذي نعارض به الحزب الأيديولوجي بصيغة إيجابية، لأننا لا نستطيع التنبؤ بما ستكون عليه الأوضاع السياسية غداً أو بعد غد، فإن بومة منيرفا لا تطير إلا في الظلام. ومع ذلك فإن الحزب الأيديولوجي الذي لم يحن أجله بعد، لأن مجتمعاتنا لا تزال في حاجة إلى أوهام، لا يضير أحداً أكثر مما يضير نفسه ومحازبيه، ولا سيما أن التطور الذي تشي به التحولات العالمية والإقليمية والمحلية قد يتجه نحو عزل مثل هذه الأحزاب وتقليص دائرة نفوذها شيئاً فشيئاً، حتى على أعضائها. كما أن هذا النقد لا يرمي إلى تحميل الأحزاب الأيديولوجية مسؤولية ما جره الاستبداد المحدث على بلادنا من ويلات، وإعفاء بنى المجتمع، الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية من المسؤولية، بل يرمي قبل كل شيء إلى تعرية الجذور الاجتماعية والثقافية للاسبتداد السياسي. والرهان معقود اليوم على كسر احتكار السياسة وتحرير مجالات الحياة الاجتماعية من سيطرة السلطة الشمولية شيئاً فشيئاً لـ "عودة الروح" إلى الحياة السياسية التي سيكون لها القول الفصل في هذه الأحزاب.

وإذا كنا قد حاولنا تمييز الحزب الأيديولوجي، بالصفات التي ذكرنا بعضها، من الحزب السياسي، بالصفات التي نحتاج إلى تفكير جماعي وحوار مفتوح لتحديدها، فإننا لم نكن نرمي إلى تسفيه الأحزاب الأيديولوجية وإلغاء حقها في الوجود، ولا إلى الغض من شأن الأيديولوجيات الكبرى، القومية والاشتراكية والإسلامية، بل لكي نشير إلى انقطاع العلاقات الضرورية بين الفئات الاجتماعية وما يفترض أنها تمثيلاتها السياسية، وإلى غلبة الوعي الأيديولوجي على الوعي الواقعي، في ظروف نعتقد أنها تقتضي الحد من سطوة الأيديولوجية وسلطانها، لكي نزيل الورود عن الأصفاد التي غلت عقولنا وكبلت أيدينا منذ عقود.

ليس بالإمكان تلمس ملامح الحزب السياسي الذي لا يكون امتداداً ثفافياً واستلهاماً للنماذج الوسطوية من تاريخنا، ولا يكون امتداداً ثقافياً واستلهاماً لحزب مركزه خارج حدود الوطن ولا استلهاماً لـ "نظرية" ناجزة في التنظيم، ما لم نحسم القول في المسألة الوطنية و / أو المسألة القومية، مسألة المجتمع المدني والدولة الوطنية الحديثة، انطلاقاً من المعطيات الواقعية. فإلى أن تتغير الأوضاع الجغرافية السياسية القائمة بحكم الأمر الواقع منذ استقلال سورية، وقيام "الجمهورية السورية"، ينبغي الانطلاق من سورية، بحدودها السياسية المعترف بها دولياً، وطناً لجميع السوريين، ولجميع المقيمين فيها منذ أكثر من خمس سنوات، ويرغبون في اكتساب الجنسية السورية، ولا يحول دون ذلك حائل قانوني. والاعتراف بأن هؤلاء جميعاً هم المجتمع السوري والشعب السوري. وبأن الدولة التي نتطلع إلى أن تكون "الجمهورية السورية" هي دولتهم جميعاً، لا دولة حزب ولا دولة عشيرة ولا دولة طائفة أو ملة ولا دولة جماعة عرقية. وهذا يقتضي إعادة التفكير في "المسألة القومية" والوحدة العربية التي ستظل على جدول الأعمال، والتي بينت التجربة التاريخية أنها مرهونة بالتقدم والديمقراطية ومشروطة بهما، انطلاقاً من الواقع إلى الهدف، وتصحيح العلاقة المنطقية والتاريخية بين الدولة والأمة، أو إعادة بنائها، وإعادة تعريف الدولة الوطنية أو الدولة القومية، ولا فرق، بأنها الدولة التي ينظر إليها جميع مواطنيها، من الداخل، على أنها دولة حق وقانون، في حين ينظر إليها غير مواطنيها، من الخارج، على أنها دولة قومية. هنا تغدو الوطنية أو القومية، ولا فرق أيضاً، صفة للدولة وتعبيراً عن السيادة، سيادة الشعب، إذا استعملنا مصطلح علم السياسة وعلم القانون، أو سيادة الأمة، إذا استعملنا مصطلح الفكر السياسي أو فلسفة السياسة. وليس للأمة هنا من تجسيد عياني سوى المجتمع المدني والدولة الوطنية/القومية. فالحدة العربية ليست بديهية أولاً، وليست حتمية ثانياً، وليست من قبيل "إعادة الأمور إلى نصابها" ثالثاً، وليست تجلياً لجوهر قومي متعال على التاريخ رابعاً، وليست فعلاً من أفعال الإرادة الذاتية فقط خامساً، ولا يجوز، من ثم، أن تكون عقيدة لحزب من الأحزاب سادساً، ولا يجوز اختزالها إلى قيمة معيارية وحيدة تتحدد في ضوئها المواقف من القوى الاجتماعية والسياسية، ومن التيارات الفكرية أخيراً.

إن تعيين الحقل السياسي الوطني أو الفضاء السياسي الوطني، الذي تجسده الدولة الوطنية، هو الشرط الضروري لتعيين ملامح الحزب السياسي الذي ينتمي إلى هذا الفضاء، وبهذا التعيين تكف الوطنية عن كونها صفة خارجية أو حكم قيمة، وتصير مرادفة لمعنى العمومية التي توصف بها الدولة وتصير بها دولة وطنية تستمد منها سائر الأحزاب السياسية مضمونها وهويتها الوطنية. وهذا الشرط الأساسي يستتبع جملة من الشروط الأخرى في مقدمها توفير الأطر والنواظم والضمانات القانونية للعمل الحزبي في إطار الوحدة الوطنية وبدلالتها، وتعيين الفئة أو الفئات الاجتماعية التي يعبر الحزب عن مصالحها ويعمل في سبيل تحقيقها في إطار المصلحة الوطنية العامة، وهذه المصالح وما يغلفها من تعبيرات ثقافية وأيديولوجية هي التي تحدد برنامج الحزب وطابع علاقاته الداخلية والخارجية. وقد تبدو هذه المسألة اليوم مسألة نظرية مجردة جراء تفكيك البنى الاجتماعية في العقود الماضية وتحويل المجتمع إلى نوع من "مجتمع بلا طبقات" أو "مجتمع جماهيري"، على نحو ما حدث في جميع الدول الشمولية، ولكن التحولات الجارية بوتيرة متسارعة ستؤدي في المدى القريب إلى تفكيك النسق الشمولي وإعتاق المجتمع من ربقة التسلط والاستبداد، وليس ثمة ما يحول دون انفجار المجتمع وسيادة الفوضى والاضطراب وظهور المافيات من كل نوع وصنف علناً سوى الدور الوطني الذي يمكن أن تقوم به النقابات والأحزاب السياسية، مما يؤكد أهمية استقلال النقابات والمنظمات الشعبية، واستعادة وظيفتها الأصلية في الدفاع عن حقوق أعضائها، وتفعيل العمل النقابي المستقل عن السلطة التنفيذية وعن الأحزاب السياسية في الوقت ذاته وتنشيطه، من جهة، وتكامل العمل النقابي والعمل السياسي، من دون طمس الفروق وإزالة الحدود بينهما، على نحو ما جرى في العقود الماضية، من جهة أحرى.

ينتج من ذلك أن الحزب جزء من المجال السياسي الوطني، يعترف بجزئيته، ويعبر عن جزء من المجتمع. لكن هذه الجزئية المحددة بالكل الاجتماعي السياسي لا تكون كذلك إلا بقدر ما تندرج في علاقة تفضي بها إلى الكل، ويتجلى ذلك في رؤية الحزب للمسألة الوطنية بجميع منطوياتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي هي تعبير عياني عن جدل الخاص والعام، الجدل الذي تتعين بدلالته علاقة كل فئة أو طبقة اجتماعية بغيرها من الفئات والطبقات الأخرى من جهة، وعلاقتها بالكل الاجتماعي السياسي من جهة ثانية. وهذه الرؤية تتعين في برنامج الحزب الذي يشتق من الأوضاع الواقعية ويتغير بتغيرها، يتقدم به الحزب إلى المجتمع كله، بوصفه جملة من السياسات والإجراءات العملية التي يتعهد القيام بها إذا تسلم السلطة أو شارك بها، بالانتخاب.

ويمكن القول إن الحزب السياسي هو البرنامج لا العقيدة، البرنامج الذي يستمد قيمته ومشروعيته ومصداقيته من الجدوى والإنجاز؛ أي من إجابته عن أسئلة الواقع، بخلاف الحزب الأيديولوجي الذي هو عقيدة ثابتة تستمد قيمتها ومشروعيتها ومصداقيتها من ذاتها فحسب. في البرنامج لا شيء ثابت ولا شيء نهائي ولا شيء مطلق ولا شيء يقيني ولا شيء مقدس؛ كل شيء قابل للنقد والمراجعة والتدقيق والتصويب والحذف والتعديل، بخلاف الأيديولوجية على خط مستقيم.

وهذا لا يعني أن البرنامج الذي هذه صفاته يمكن أن يتحقق على نحو ما يريد الفاعلون، إذ ثمة دوماً فارق ما بين الأهداف المنشودة والنتائج المتحققة، بين حساب الحقل وحساب البيدر، لأن الفعل السياسي من أقل الأفعال موثوقية من حيث النتائج التي يمكن أن تنتج منه، بحكم ما يعترضه ويحرفه عن مجراه من قوى العطالة المتوقعة منها وغير المتوقعة، ولا سيما الأخيرة، فالبشر ينتجون حياتهم وأشكال وجودهم ويصنعون تاريخهم، ولكن ليس كما يشاؤون ويرغبون. ومن ثم فإن الحزب السياسي بخلاف الحزب الأيديولوجي لا يعول على الإرادة الذاتية وحدها، ولا يعطيها في برنامجه أكثر مما تستحق. فضلاً عن أن الإرادوية تفضي دوماً إلى العسف والإرهاب، من الثورة الفرنسية التي دشنت العصر الحديث إلى يومنا مروراً بجميع التجارب الثورية. ولعل ما يضع حداً للإرادوية هو الاعتراف المبدئي والنهائي بمنطق الواقع، من دون أن يفضي ذلك إلى الاستسلام للأمر الواقع، والاعتراف بحقوق الآخرين وحريتهم وباحتمال أن يكونوا على صواب.

ولعل من أهم المقدمات الضرورية للتفكير في الحزب السياسي تحديد ماهية الحزب ووظيفته أو وظائفه، لا تحديد سيمائه الفكرية التي لم تكن تعني في الحقيقة سوى تحديد سيمائه الأيديولوجية، فقد أسهمت الأحزاب الأيديولوجية التي استولت على السلطة وأممت الدولة والمجتمع، وسايرتها في ذلك الأحزاب المعارضة، أسهمت بوعي أو بغير وعي، بقصد أو بغير قصد، في تحويل الفكر إلى أيديولوجية وتحويل الثقافة إلى إعلام ناقص وكاذب، فأضرت بالفكر والثقافة ولم تنتفع بهما. الحزب وسيلة أو أداة، مادية وليس غاية في ذاته، فلا يجوز أن ينظر إليه إلا كما ينظر إلى أي وسيلة مادية. الحزب السياسي هو الشكل الأرقى والأكثر حداثة لممارسة السياسة، بما هي فاعلية اجتماعية ومجتمعية لا تنفصل عن فاعلية المجتمع الإنتاجية، وبما هي، أي السياسة، معلم من معالم المواطنة الحديثة وحق من حقوق المواطن، وأداة يتحقق بوساطتها ومن خلالها مبدأ المشاركة السياسية في الحياة العامة، أي مشاركة الفرد بصورة مباشرة وغير مباشرة في حياة الدولة السياسية، بوصفه عضواً من أعضائها. والميدان الذي تتحقق فيه عضوية الفرد / المواطن في الدولة هو الانتخابات التشريعية، فالمشاركة في المؤسسة التشريعية هي المشاركة الفعلية في الدولة السياسية، وهنا تكمن أهمية أن تكون الانتخابات التشريعية حزبية ونسبية. وهو، إلى ذلك، أداة شعبية للرقابة على أداء السلطة السياسية، وقوة مؤثرة في تحديد خياراتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وعاملاً فعالاً من عوامل الاستقرار السياسي ورافعة فعلية من روافع التقدم الاجتماعي، ولذلك لا بد أن يكون حزباً شعبياً "مغروزاً في متن الأمة"، بالمعنى الحديث، لا في متن الملة، ينهض بمهمة تسييس المجتمع وتمدين السياسة، لا حزباً شعبوياً يقوم على التعبئة والتجييش وإثارة الغرائز الجماهيرية وعسكرة الحياة السياسية أو ملشنتها (من الميليشيا). وهو ما يقتضي علنية العمل الحزبي وشفافيته وقانونيته وديمقراطيته بالتلازم الضروري. والمحك العملي لذلك كله هو ممارسة الحزب حين يتسلم السلطة أو يشارك فيها، وحين يكون في المعارضة أيضاً.

هذا يقتضي أن يكون تنظيم الحزب بسيطاً، فالبساطة هي التي تمنحه مرونة في العمل والنظر، وتمنح أعضاءه مساحة أوسع من الحرية، ولا سيما في ظل ثورة المعلومات والاتصالات (مؤتمر عام ينتخب قيادة تنتخب رئيساً ونواباً أو مساعدين للرئيس، كل أربع سنوات، مثلاً، ويحدد النظام الأساسي صلاحيات القيادة وصلاحيات الرئيس ونوابه أو مساعديه، ويعين أو ينتخب مرشحيه للمؤسسة التشريعية ولعضوية الحكومة، ومؤتمرات فرعية تنتخب مندوبيها للمؤتمر العام وتنتخب قيادات محلية تقتصر صلاحياتها على الشؤون المحلية فقط، وفق نظام اللامركزية الإدارية) القيادات المنتخبة تجتمع دورياً، لا جميع أعضاء الحزب، كما هي الحال اليوم. وأن تكون له صحافته ووسائل إعلامه المرئي والمسموع والمقروء والإلكتروني، يتولاها متخصصون يعملون بأجر، لا يشترط أن يكونوا حزبيين بالضرورة، وتكون قادرة على المنافسة وفق شروط الأعلام الحر، وأن تكون له ماليته ومشروعاته ومصادر تمويله الأخرى، وأن تكون له أنديته الرياضية والثقافية والاجتماعية لا تقتصر على أعضائه، وتعمل وفق أنظمتها الخاصة،، وأن تكون له مقراته المزودة بالمكتبات وقاعات المطالعة يؤمها الأعضاء والمناصرون وكل من يرغب من المواطنين.

إذا كان الحزب السياسي هو البرنامج، فإن تحت البرنامج أو خلفه تقبع الأيديولوجية التي تلازم أي حزب سياسي وأي تنظيم إرادي يتطلع إلى تحقيق أهداف وغايات اجتماعية أو سياسية أو أخلاقية. الأيديولوجية هنا خلفية للحزب، Background ، لا واجهة، كما في الحزب الأيديولوجي. وللأيديولوجية هنا بعدان متلازمان: معرفي واجتماعي، منهجي وطبقي. وحين يتوسط المعرفي أو المنهجي بين السياسي والأيديولوجي، يصير الأيديولوجي أكثر عقلانية وانفتاحاً على تطور الفكر الإنساني ومعطيات الخبرة العملية، أما حينما يغلب الاجتماعي الحصري، الفئوي أو الطبقوي، فإن الأيديولوجية تميل أكثر فأكثر إلى الانغلاق والتشدد والتطرف. في ضوء هذه العلاقة بين السياسي والمعرفي والأيديولوجي تتحدد سيماء الحزب الأساسية، ويتحدد على نحو حاسم ما إذا كان حزباً أيديولوجياً أم حزباً سياسياً.

ومن البديهي، في ضوء ذلك أن تظل هناك أحزاب قومية وإسلامية واشتراكية وماركسية وليبرالية وديمقراطية، لكن رائز سياسيَّة أي منها هو وطنيته. والوطنية هنا مرادفة لمعنى كلية المجتمع وعمومية الدولة ووحدة الحقل السياسي الوطني؛ وبوسعنا القول إن رائز سياسيته هو ديمقراطيته، أي موقفه الجذري والمبدئي من حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن، ومن الحقوق المدنية والحريات الأساسية، واقتناعه الراسخ بحق جميع الفئات الاجتماعية في أن تكون لها تنظيماتها الاجتماعية وتمثيلاتها السياسية، وبالحقوق المتساوية للأفراد والجماعات الدينية والمذهبية والقومية والفئات أو الطبقات الاجتماعية، وبأن الشعب هو موئل السيادة ومصدر جميع السلطات، واقتناعه من ثم بحيادية الدولة وبأهمية التداول السلمي والديمقراطي للسلطة. إن إعادة بناء العلاقة بين الوطنية والديمقراطية هي المقدمة الضرورية الأولى لحياة سياسية سليمة توفر الشروط الضرورية للاستقرار السياسي والتقدم الاجتماعي. وهنا تكف الديمقراطية عن كونها مجرد رؤية فكرية، نظرية، أو موقفاً أيديولوجياً، أو مجرد شكليات وآليات انتخابية، فتغدو نسغ الحياة السياسية ومضمونها الذي لا يلبث أن يصير شكل النظام السياسي.

وفق هذه الرؤية، تكمن قوة الحزب الأساسية في عدد أصدقائه ومؤيديه ومناصريه، المعروفين منهم لديه أم غير المعروفين، أي عدد ناخبيه الذين يؤيدون برنامجه تأييداً مشروطاً بأدائه السياسي ومدى وفائه بتعهداته، لا تأييداً تاماً، ولا تكمن قوته في عدد أعضائه ومناضليه فحسب. وبذلك فقط تتحقق شعبية الحزب، لا شعبويته. وهو ما يلقي على عاتق الحزب مسؤوليات جدية في تعرف مشكلات المجتمع الفعلية على نحو موضوعي وتفصيلي، وتعرف اتجاهات الرأي العام إزاء كل منها، وسبل معالجتها. وبهذا يتحقق نوع من الرقابة الشعبية على أداء الحزب حينما يكون في السلطة، وتجعل منه أداة فعالة للرقابة الشعبية على أداء السلطة السياسية، حينما يكون في المعارضة.

إن رفض العنف وسيلة لحل المشكلات الاجتماعية والسياسية وإدانة الإرهاب، بجميع أشكاله، من المبدأ والمنطلق شرطان ضروريان من شروط بناء الحزب السياسي. ولا يتأتى العنف والإرهاب إلا من الاحتكار، احتكار الحقيقة واحتكار الوطنية واحتكار السلطة واحتكار الثروة واحتكار القوة، قوة الجيش والشرطة وأجهزة الأمن العام وقوة التنظيمات الاجتماعية، كالنقابات والجمعيات، فلا بد أن تكون هذه القوى محايدة حياداً تاماً، تقف على مسافات متساوية من جميع الأحزاب السياسية والتيارات الفكرية والأيديولوجية، وحيادها هو معيار وطنيتها، وتعزيز حيادها واستقلالها هو معيار وطنية الحزب السياسي. الحزب الذي يسيطر أو يعمل على أن يسيطر على الجيش وقوى الأمن الداخلي وعلى التنظيمات الاجتماعية والسياسية هو حزب غير سياسي وغير وطني بالمعايير الموضوعية والأخلاقية على السواء. نحن هنا نقرن السياسة، بوصفها مجالاً عاماً وحقاً من حقوق المواطن، وتعبيراً عما هو عام ومشترك بين جميع المواطنين بلا استثناء أو تمييز، بالوطنية التي ليست سوى هذا المجال العام نفسه. ومن ثم فإن جميع الأفعال الحصرية والفئوية هي أفعال ما دون سياسية وما قبل سياسية، أي ما قبل وطنية.

الحزب السياسي بنية حديثة أو منظومة تتشكل علاقاتها الداخلية وفق جدلية الحرية والسلطة؛ فالحزب كما أشرنا مصدر من مصادر السلطة، وهو بصفته شخصية اعتبارية وتجريداً نظرياً أو ذهنياً يتوفر على نوع من القوة التي تتوفر عليها جميع الشخصيات الاعتبارية والقوى المجردة، الواقعية منها والغيبية، ويمارس سلطة على أعضائه تحد من حريتهم واستقلالهم إلى هذا الحد أو ذاك، مما ينشئ تعارضاً بين الفرد والحزب يتحول إما إلى طغيان الحزب وإذعان الفرد، وإما إلى جدل (ديالكتيك) يجعل من تناقض السلطة والحرية تركيباً جديداً يغدو الحزب معه شيئاً فشيئاً ميداناً من ميادين ممارسة الحرية، أو يجعل منه ملكوت الحرية. ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن هذه العلاقة الداخلية هي التي تحدد على نحو قاطع علاقات الحزب الخارجية، ولا سيما موقفه من السلطة السياسية، فإما أن يكون الحزب تابعاً وخانعاً ومستخذياً وإما أن يكون نداً وشريكاً فعلياً. الحرية لا تتجزأ وكذلك الطغيان والاستبداد، هاتان منظومتان متضادتان. حرية الفرد هي أساس حرية جميع الشخصيات الاعتبارية، بما فيها الدولة، وما ذلك إلا لأن الفرد هو الأساس الطبيعي لهذه الشخصيات. في ضوء هذه الحيثية يمكن فهم علاقة أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية بالسلطة، بما هي علاقة تبعية وانقياد، لا علاقة مشاركة، وينطبق هذا على حزب البعث نفسه، بل على حزب البعث خاصة، لأنه أكثر هذه الأحزاب طغياناً وتقييداً لحرية الفرد. الحزب السياسي يستثمر حرية الفرد في عملية إنتاج حريته، وفي عملية إنتاج الحرية في المجتمع والدفاع عنها. سيقول بعضهم إن هذا مبدأ ليبرالي، أجل، هو كذلك، ولكنه مبدأ ديمقراطي بامتياز. فإن جدل الحرية والسلطة هو في أحد وجوهه جدل الحرية والقانون الذي تتحدد بموجبه أهم سمات الحياة العامة. ومن الضروري أن نشير إلى أن شخصية الفرد لا تستنفد في عضوية الحزب، بخلاف ما تعتقده وتحاول عبثاً أن تفرضه الأحزاب الأيديولوجية، بل إن عضوية الحزب لا تعدو كونها وجهاً من وجوه الشخصية ومنشطاً من مناشط الفرد فحسب. وإن لكل فرد حياة خاصة لا يحق لأي سلطة أن تتدخل فيها، وليس للحزب السياسي أو لأي سلطة أخرى أن تتدخل في خيارات الفرد واتجاهاته، أو تحد من حريته في التفكير والتعبير عن تصوره للحقيقة بكل وسائل التعبير الممكنة والمشروعة قانوناً، مهما تعارض هذا التصور مع تصور الحزب أو مع أي تصور عام آخر. الفرد حر في توجيه حياته الوجهة التي يريد، وحياته الحزبية وجه من وجه حياته الخاصة يحددها الفرد نفسه، لا الحزب ولا أي جهة أخرى. وإن اعتبار حرية الفرد مبدأ ثابتاً من مبادئ الحزب السياسي هو الذي يقيم وحدة الحزب على مبدأ الاختلاف والتغاير، ويجنب الحزب من ثم كثيراً من الأزمات التي تعترض الحزب الأيديولوجي، وتبعد عنه شبح الانشقاق.

على أن الحرية لا تتعين موضوعياً إلا في الملكية التي هي مناط الحقوق المدنية والحريات الأساسية سواء بسواء، والتي تتعين على أساسها عملية الإنتاج الاجتماعي وعلاقات الإنتاج، وجميع التنظيمات والعلاقات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية. كل إنتاج هو تملك، بحسب ماركس؛ هذا ما ينبغي أن تأخذه الأحزاب الاشتراكية خاصة في حسبانها حين تعمل في سبيل الاشتراكية أو في سبيل العدالة الاجتماعية. وهي مسالة نظرية وعملية شائكة ومعقدة لا تنحل في الرغبات الذاتية والرؤى الأخلاقية، وتحتاج إلى حوارات جدية ومعمقة وإلى مقاربات جديدة تستفيد من التجارب الاشتراكية أو التي سمت نفسها كذلك. ونعتقد أن هذه المسألة من المسائل الأكثر إلحاحاً في سياق ما وصفناه بتفكك النسق الشمولي وإعادة بناء الحياة الاجتماعية على أسس ديمقراطية.

تلكم مقاربات أولية لبعض ما نعتقده ملامح الحزب السياسي، جعلنا مدخلها نقد الحزب الأيديولوجي نقداً لا يزال ناقصاً، وقد يكون متعسفاً في بعض جوانبه، لذلك لا بد من مواصلة النقد على نحو أكثر عمقاً وموضوعية وعدالة، لكي نتبين ملامح الحزب السياسي على نحو أكثر وضوحاً وتحديداً.

 



- [1] تكاد هذه الاستثناءات تقتصر على الأحزاب "الليبرالية" التي نشأت في المرحلة الكولونيالية، وناضلت في سبيل الاستقلال وإقامة الدولة الدستورية.

[2] - راجع، جيلين تندر، الفكر السياسي، الأسئلة الأبدية، ترجمة محمد مصطفى غنيم، الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، القاهرة، 1993، ص 241