نحو
حزب سياسي
حديث
الأحزاب
السياسية، في
المجتمعات
المتقدمة،
تنظيمات
مجتمعية
حديثة تؤطر
قوى اجتماعية
وتعبر عن
مصالحها،
وتهدف إلى حل
التعارضات
الاجتماعية
الملازمة لأي
بنية اجتماعية
بالوسائل
السلمية وعلى
نحو تدريجي
تحدد وتائره
نسبة القوى
الاجتماعية
في الظروف المعطاة.
وهي من أهم
مؤسسات
المجتمع
المدني
وأكثرها مصاقبة
للمشاركة
السياسية
النشطة في
الدولة الوطنية
والإسهام
الإيجابي في
صنع القرارات
التي تعين
درجة تطور
المجتمع
وتحدد اتجاه
سيره، سواء من
خلال المؤسسة
التشريعية أو
من خلال الرقابة
على أداء
السلطة
التنفيذية،
أو من خلال
تداول السلطة
سلمياً فيما
بينها. وهي
فوق ذلك كله
الوسائل التي
ترتقي بها
الفئات
الاجتماعية
من جزئيتها
وحصرية
مصالحها إلى
رحاب الكلية
الاجتماعية
وإلى رحاب
المصلحة
الوطنية
العامة،
فبالتنظيم السياسي
ترتقي الفئات
الاجتماعية
أو الطبقات الاجتماعية
من فئات أو
طبقات في
ذاتها إلى
فئات وطبقات لذاتها،
أي إن وعي كل
منها لذاتها
يتحدد بوعي
علاقاتها
الضرورية
بسائر الفئات
الاجتماعية
الأخرى،
فتتحول إلى
ذات اجتماعية
لها طابع
مزدوج: خاص
بحكم مصالحها
وعام بحكم
اندراجها في
الكلية
الاجتماعية
ووعيها حقيقة
أن مصالحها
الخاصة لا
تتحقق إلا في
إطار المصلحة
الوطنية العامة،
وفق مبدأ
الاعتماد
المتبادل، إذ
تعتمد كل فئة
أو طبقة
اجتماعية، في
جميع شروط
وجودها، على
سائر الفئات
أو الطبقات
الأخرى. وفق هذا
المبدأ، لا
يمكن النظر
إلى المجتمع
إلا بوصفه
وحدة جدلية (تنناقضية)
وكلية عينية.
وصفة
الأيديولوجية
التي نصف بها
جل الأحزاب القائمة
في العالم
العربي، إن لم
نقل كلها، ولا
سيما في بلدان
"المشروعية
الثورية"
القومية أو
الاشتراكية
القومية أو
الإسلامية،
تعني جملة
الأهداف
والمطالب
والأفكار
والرؤى الذاتية
التي تحجب عن
صاحبها رؤية
الواقع كما هو،
وتزين له وهم
أن الإرادة
الذاتية يمكن
أن تحل محل
الحقائق
الواقعية
والقوانين
الموضوعية،
وأن الجزء
يمكن أن يحدد
الكل ويحل
محله، وأن
الاقتناع
الذاتي بسمو
الأهداف
والمقاصد يمكن
أن يكون
مرجعاً
للحقوق، وأن
التحديدات الذاتية
للفرد أو
للجماعة
حقائق كلية
مطلقة وهي ذاتها
التحديدات
الموضوعية.
ويمكن أن نطلق
اسم الأيديولوجية
على كل منظومة
فكرية مغلقة
على ذاتها
ومكتفية بما
لديها
ومنقطعة عن
الواقع،
ولكنها تظل مع
ذلك ذات قوة
تعبوية، في
المجتمعات
التي لا يزال
فيها الميت
يمسك بتلابيب الحي
والماضي يحجر
على الحاضر
ويصادر على المستقبل،
مجتمعات
تستهلك القيم
ولا تنتج منها
ما يكفي
لتتبوأ
مكاناً
لائقاً في
عالم اليوم. ولدفع
أي التباس أو
سوء فهم نضع
الأيديولوجية
في معارضة
الفكر الحر.
والإصلاح
السياسي الذي
بدأت تباشيره
في العالم
العربي يقتضي
من جملة ما
يقتضيه نقد
الأحزاب
الأيديولوجية
التي طبعت
الحياة
السياسية
العربية
بطابعها منذ
أكثر من نصف
قرن، ونقد
السلطات
الشمولية التي
أنتجتها هذه
الأحزاب،
ناهيك عن
ظواهر التطرف
والعنف
والإرهاب
التي تتغذى من
هذه البنى
وتغذيها.
والنقد معرفة
تبدأ بالكلمة
وتنتهي
بالواقع،
وتقوم على مبادئ
الواقعية
والفاعلية والجدوى
والإنجاز.
والعلم كله في
العالم كله.
1- في
نقد الحزب
الأيديولوجي
قضية
التنظيم بوجه
عام، وقضية التنظيم
السياسي بوجه
خاص، قضية
فكرية شأنها
شأن أي قضية
فكرية أخرى
متصلة
بالحياة
العملية، لا
قضية تقنية
خالصة أو قضية
عملية محضة؛ إذ
جميع أعمالنا
هي فكر متحقق
أو متموضع في
الواقع. وجميع
المشكلات
العملية هي
مشكلات فكرية،
لا يمكن
مناقشتها
والدفاع عنها
إلا بعد أن يجلوها
الفكر النظري ويضعها
في صيغ نظرية،
فيمنحها
شكلاً. الفكر
العامل
بالمفاهيم /
الكليات هو
شكل العالم
المادي؛
والمفاهيم /
الكليات هي
أسماء هذا
العالم ومفاتيح
معرفته.
والتصورات والرؤى
والأفكار المختلفة
هي أشكال
العالم، كما
يبدو لمنتجي
هذه الأفكار والتصورات
والرؤى وحامليها،
كل بحسب
القاعدة
المعرفية
التي يستند
إليها
والفضاء
الثقافي الذي ينتمي
إليه. فالتجارب
الفردية
والجماعية
المختلفة
تنتج أفكاراً
وتصورات ورؤى مختلفة.
جميع
أشكال
التنظيم،
الاجتماعية
منها
والاقتصادية
والثقافية والسياسية
والأخلاقية،
هي نتاجات
العمل البشري
بل هي عمل
بشري متحقق أو
متموضع في
العالم وفي
التاريخ. ومن
ثم فهي مرتبطة
أوثق ارتباط
وأشده بعملية
/عمليات
الإنتاج
الاجتماعي،
في المجتمع
المعني، نعني
إنتاج الثروة
المادية
والثروة
الروحية
بالتلازم
الضروري؛ لأن
كل نمط من
أنماط الإنتاج
وكل فرع من
فروعه يقتضي
شكلاً من
أشكال
التنظيم التي
تشي بمستوى
الوعي
الاجتماعي،
وتخضع في جميع
شروط تأسيسها
وعملها
لآليات إنتاج
هذا الوعي
مؤسساتٍ
وتنظيماتٍ
اجتماعيةً وسياسيةً.
وثمة دوماً
توتر وتنابذ
بين الوعي
الاجتماعي
والوجود
الاجتماعي،
بين الفكر
والواقع،
يحيلان على
الممارسة (البراكسيس)
التي تنتج في
كل مرة مقاربة
جديدة
للواقع؛ ومن
ثم فإن نقد
التنظيمات
القائمة هو في
الوقت نفسه
نقد للوعي
السائد.
التنظيمات
التي نقيمها،
في ظروف معينة
وشروط معطاة،
هي تحديداتنا
الذاتية
وتجلي
خصائصنا
النوعية
وأشكال
ممارستنا
الاجتماعية
والسياسية،
في تلك الظروف
وهاتيك الشروط.
إنها
مرايا حقيقية
تعكس ما نحن
عليه، وتظهر
للعيان ما
يخفي
حقيقتنا، ويقنِّع
جوهرنا
الإنساني من
ركام الأزمنة
الماضية،
ويبيِّن على
نحو لا لبس
فيه إلى أي
مدى يندرج
الماضي في
الحاضر
ويسيطر عليه،
وإلى أي مدى
يمسك الأموات
بتلابيب
الأحياء.
كل
تنظيم هو
بالأحرى نظام Systim
يلبي حاجة
ويؤدي وظيفة
ويتجه إلى
هدف. وإذا كانت
المنظومات
المحايدة
تتحدد
ببنيتها ووظيفتها،
فإن
المنظومات غير
المحايدة،
ولا سيما السياسية
منها، تتعدى
ذلك إلى
الأهداف التي
تنشدها
والغايات
التي ترمي
إليها، مما
يؤكد حقيقة أن
في كل منها
عنصراً
أيديولوجياً،
مثالياً،
يؤثر بالضرورة
في جميع
عناصرها
الأخرى، وما
ذلك إلا لأنها
تنظيمات
إرادية، أو
تحديدات
ذاتية، تقوم
على مبدأ
الحرية أو
الإرادة. وكل
بحث في قضية
التنظيم
السياسي يحيل
بالضرورة على
فضاء مرجعي هو
الحرية،
الذاتية
والموضوعية،
أو الإرادة
الذاتية
والموضوعية،
بل يحيل على
جدل الحرية
الذاتية
والحرية
الموضوعية.
الحرية
هي الأساس
الذي تقوم
عليه
التنظيمات السياسية
والمبدأ الذي
يوجه عملها، بيد
أن التنظيمات
السياسية تتنكر
لأساس نشوئها
ومبدأ
توجيهها، بعد
أن تصير مصدراً
من مصادر
السلطة، ولا
سيما بعد أن
تستولي على
السلطة
السياسية. وهو
ما يضع
الحرية
والسلطة على
طرفي نقيض.
جميع
التنظيمات
السياسية
التي عرفها
التاريخ هي
تنويعات على
مبدأ الذاتية،
أي على مبدأ
الحرية
والاستقلال،
وتعبير عن
انبساط هذا
المبدأ ونموه
في الواقع،
سواء كان ذلك
بصورة سلبية،
أي بصورة الاحتجاج
على العبودية
والاستبداد
والتبعية والاستلاب
والتفاوت
الاجتماعي
وعدم المساواة،
أو بصورة
إيجابية، أي
بصورة الدعوة
إلى الحرية
والمساواة والعدالة،
أو التبشير
بها. في الحال
الأولى كان
مطلب الحرية
مضمراً في
الأهداف التي
يطرحها
التنظيم
المعني الذي
لا يزال
محكوماً بمنطق
رد الفعل،
وبجزاءات
تحوير
الأهداف
وتحوير الواقع،
بخلاف
الثانية. وإنه
لذو دلالة
عميقة أن
الحال
الثانية
اقتصرت في
تاريخنا
القديم والوسيط
على الدعوات
الدينية، ولا
سيما السماوية
منها، وما نشأ
فيها من فرق
ومذاهب؛ آية ذلك
أن عبودية
الإنسان
لكائن أسمى،
مجرد، هو مصدر
الحياة
وضمانة
الوحدة وموئل
الحماية والرعاية
والرزق ومناط
الخلود،
وبكلمة واحدة،
هو تجريد
الطبيعة، هي
المعادل
الميتافيزيقي
لرفض عبودية
الإنسان
للإنسان، أي
عبودية الفرد لمثله
ونظيره. ولعل
درجة عبودية
الإنسان للكائن
الأسمى كانت
ولا تزال
تتناسب طرداً
مع تبعيته
للطبيعة،
فاندراج
المقدس في
تاريخ البشر
وتموضعه في
مجالات
الحياة
الاجتماعية،
ولا سيما مجال
السلطة، على
اختلاف
أنواعها ودرجاتها،
هو الوجه
الآخر
لسيرورة نمو
الحرية، أو لوعي
الضرورة
وموضوعية
الإرادة
وإمكانية الاختيار.
ولعل شدة
تبعية
الإنسان
عندنا للطبيعة،
وصعوبة
ارتقائه من
الحالة
الطبيعية إلى
الحالة
المدنية،
العلمانية،
مما يفسر
انطباع
السلطة، حتى
يومنا، بطابع
الكليانية
والتمامية والكمال،
واتصاف
التنظيم
السياسي الذي
يعبر عنها
ويتطلع إليها
بصفات
الدعوة، أو
الأيديولوجية،
والعقيدة
والمذهب. فلا
يزال تاريخنا يتأرجح
بين الأسطورة
والعقل، (بين
الميثوس واللوغوس).
وشتان ما
بين أسطورة
الحرية وعقل
الحرية.
حضور
المقدس في
الحياة
الاجتماعية
والسياسية،
ولا سيما في
مجال السلطة،
مرتبط أوثق
ارتباط وأشده
بسيادة
العلاقات
والروابط
الطبيعية،
روابط الدم
والنسب
والعقيدة،
بين الأفراد
والجماعات من
جهة، وبشدة
التبعية
للطبيعة من
جهة أخرى.
فبقدر ما
ترتدي السلطة
طابع القداسة
الناجم عن
تحوير مصدرها
ترتدي العلاقات
الاجتماعية
والسياسية
طابعاً أبويا
(بطريركياً).
بل إن سيادة
العلاقات
الطبيعية
والروابط الأولية
هي التي تفسر
قداسة السلطة،
سواء كان
التعبير عن
هذه القداسة
مباشراً، كما
في العصور
القديمة والوسطى،
أو غير مباشر،
كما هي حال
المجتمعات
المتأخرة في
الأزمة الحديثة.
ورائز ذلك في
كل زمان ومكان
هو مقدار
العمل البشري
الخلاق في
عمليات تغيير
أشكال
الطبيعة وإنتاج
الثروات
المادية
والروحية،
ونسبته إلى
العناصر
الطبيعية. فحين
نتحدث عن
التنظيم بوجه
عام وعن
التنظيم السياسي
بوجه خاص إنما
نتحدث عن أحد
مصادر السلطة.
ومن
البديهي أن
تحديد سمات
التنظيم
السياسي، في
زمان ومكان
محددين،
يتوقف على
معنى السياسة
وقيمتها ومدى
حيويتها
وعقلانيتها،
في المجتمع المعني،
أي على نحو ما
تفهمها مختلف
الفئات الاجتماعية،
وعلى القيمة
التي تمنحها
لها هذه
الفئات، وعلى
مدى إدراجها
في تحديد
ذواتها، لا
على نحو ما
تفهما
وتعقلها
النخبة فقط.
والفرق بين
هذين
المستويين
أشبه ما يكون بـ "فرق
الكمون" الذي
يولد الطاقة والحركة.
فحين
يكون الأمر
مقصوراً على
نخبة لا تزال
حداثتها
وعقلانيتها
موضع شك تغدو
أفضل النماذج
النظرية بلا
قيمة عملية. ومن ثم فإن
عنصر التحديد
الحاسم هو
النظر إلى السياسية،
إما على أنها
علم إدارة
الشؤون
العامة
بوصفها
علاقات
موضوعية،
وإما على أنها
جملة من
الأهداف
والمطالب والتطلعات
والرغبات
الذاتية.
في
ضوء التأخر
التاريخي
الذي يتكثف في
المجالين
الأيديولوجي
والسياسي،
وفي ضوء تجربة
سياسية،
جمعياتية
وحركية
وحزبية وجبهوية،
عمرها نحو قرن
من الزمن،
يمكن تحديد
خصائص
التنظيم
السياسي
عندنا على
النحو الآتي:
1 – كان
التنظيم
السياسي،
عندنا، ولا
يزال، سوى استثناءات
قليلة[1]،
يلتبس بـ
"الدعوة"
التي تقتضي
إيمان
أتباعها بها
وولاءهم
الخالص لها
وبراءتهم من
كل ما عداها
(الولاء
والبراء). ومن
ثم فهو أقرب
إلى الفرقة الدينية
أو الملة
والنحلة أو
المذهب أو
الطائفة، وقد تجلى
ذلك عيانياً
في الأحزاب
الأيديولوجية،
القومية
والإسلامية
والاشتراكية،
التي اتسمت بقوة
العنصر
الأيديولوجي
وكثافته، وهو
عنصر ضروري
للتعبئة
والتجييش، في
البلدان
المتأخرة.
يقابله في
البلدان المتقدمة
العنصر
الواقعي،
البرنامجي،
المطلبي،
الذي يلامس
مصالح فئات
اجتماعية بعينها
ويعبر عنها
ويسعى إلى
تلبيتها. والسبب
الرئيس في ذلك
لا يعود إلى
"عيب أصلي" في
هذه الأحزاب،
بل إلى الوعي
الذي صاغ
تصوراتها
ورؤاها
وأهدافها
ومطالبها،
وصاغ من ثم
بناها
الفكرية
والسياسية
والتنظيمية.
وهذا الوعي
نفسه محدد
بعملية
الإنتاج
الاجتماعي في
هذه المجتمعات
المتأخرة.
2 - تحت
عباءة الدعوة
/ العقيدة ثمة
نزوع لا يخطئه
المرء إلى
الغنيمة؛ ومن
ثم، فإن
السياسة التي
تجري في عروق
الحزب الأيديولوجي
لا تعدو كونها
نزوعاً إلى
احتكار
السلطة، بما
هي وسيلة لاحتكار
الثروة
والقوة،
والسيطرة على
جميع مجالات
الحياة
الاجتماعية،
وإعادة تنسيق
بنى المجتمع
بما يتفق
ودكتاتورية
المصلحة
الخاصة،
الفئوية،
العمياء.
ولذلك كان
الصراع على
السلطة، أي
على الغنيمة، أبرز
سمات الحياة
السياسية على
مدى نصف القرن
الماضي، وكان
الجيش هو
القوة
الأساسية
لحسم الصراع،
قبل أن تتعسكر
الحياة
السياسية
كلياً، منذ
الثامن من
آذار 1963 حتى
يومنا؛ فلم تعرف
الحياة
السياسية
معنى التنافس
السلمي أو
التباري الذي يستثمر
فيه كل حزب
أفضل ما لديه
في عملية
التقدم
الاجتماعي،
إلا لماماً،
بعيد
الاستقلال،
ولا سيما بين
عامي 1954 و 1958، إذ
كانت الثروة
مصدراً
للسلطة ثم
صارت السلطة
مصدراً
للثروة
والكسب غير المشروع.
ولا يمكن
النظر إلى
الجبهة
الوطنية
التقدمية مثلاً
إلا بوصفها
نوعاً من
أنواع تقاسم
الغنيمة.
3 - تقوم
العلاقات الداخلية
والخارجية
التي تحدد
بنية الحزب
الأيديولوجي
على مبدأ
العصبية، لا
على مبدأ
المصلحة أو المنفعة؛
فهو، من هذه
الزاوية،
أقرب إلى
العشيرة أو
الطائفة، في
التنظيم
الاجتماعي
التقليدي.
فانتقال
الفرد من حزب
إلى آخر مطعن
أخلاقي أشبه
ما يكون
بالمروق
والارتداد
والخيانة،
وجماهير
الأحزاب
الأيديولوجية،
ولا سيما
جماهير
الأحزاب التي
وصلت إلى
السلطة، تردد غالباً
شعارات
وتتعصب
لمعتقدات لا
تمت بأي صلة
لمصالحها
الفعلية،
والأحزاب
ذاتها ليست
تعبيراً
موضوعياً عن مصالح
فئات
اجتماعية
مختلفة
ومتعارضة تسوِّغ
ما بينها من
اختلافات وتعارضات.
فجميع
الأحزاب
القائمة في
سورية اليوم،
مثلاً، تنتمي
إلى الفئات الوسطى،
الريفية خاصة،
ولهذا
الانتماء
جملة من
الدلالات
الاجتماعية
والثقافية والقيمية
والسياسية
تتجلى بوضوح
في خصائص
النسق الشعبوي
الشمولي، نسق
الدولة
التسلطية
والمجتمع الجماهيري،
كما وصفهما
خلدون حسن
النقيب، في
دراسة رائدة
في الفكر
السياسي
العربي، لا بد
من متابعتها. ولعل غلبة
الريفي على المديني
في الحياة
السياسية هو
من أبرز مظاهر
التأخر التاريخي،
ونتيجة
موضوعية من
نتائج ازورار النخبة
السياسية
والثقافية عن
الثورة الديمقراطية.
4 – تمامية
العقيدة
وإغواء
الغنيمة وقوة
العصبية
تكسبه طابعاً
راديكالياً
وانقلابياً،
"ثورياً"،
وتمنحه
شعوراً
عميقاً بأنه
يفتتح
تاريخاً
جديداً يجبُّ
ما قبله، فهو
خلق جديد
للعالم أو عهد
تكوين جديد.
وليس عبثاً أن
يحتفل الحزب
بتاريخ
تأسيسه بما هو
لحظة تدشينية
في التاريخ
وفجر يوم جديد
خرج من دياجير
الظلام، فهو
أشبه بعملية
انبثاق
روحانية على
يد نخبة
ممتازة أو زعيم
ملهم أو قائد
تاريخي أو أب
قائد، ولا
يخفى البعد الأسطوري،
الميثي،
المقدس،
والدلالة
الرمزية للأب
القائد الذي
هو "رب البيت"
وصانع (= خالق)
سورية
الحديثة، فمن
غير اللائق،
وهذه الحال،
ألا تكون
سورية "سورية
الأسد"، كما
كانت مصر "مصر
عبد الناصر"
مع فارق
التشبيه، ولا
يخفى كذلك
التناظر
الدلالي بين
سورية البعثية
أو "مصر
الناصرية"
وسورية
الإسلامية
ومصر الإسلامية
وسورية
العربية ومصر
العربية.
5 – يختزل
الحزب، على
الصعيد
الأخلاقي،
جميع القيم والفضائل
في شرف
الانتماء
إليه والإيمان
برسالته
والتضحية من
أجله، لا من
أجل مبادئه وأهدافه
المعلنة. فهو
غاية في ذاته
تسوغها المبادئ
والأهداف. الأهداف
العظيمة لا
تعدو، في
الواقع،
كونها وسائل
لغاية أسمى هي
التنظيم نفسه،
بما هو مصدر
من مصادر
السلطة، أو بما
هو سلطة
بالقوة أو
سلطة بالفعل. ما من عقيدة
مثالية،
دينية أو
وضعية، إلا
صارت في وقت
من الأوقات
وسيلة لغاية
أدنى منها بما
لا يقاس.
6 – جميع
الخصائص
السابقة
تجعله يربأ
بنفسه عن وضاعة
أن يكون جزءاً
من المجتمع،
أو تعبيراً عن
أحد أجزائه،
أو جزءاً من
حركته
السياسية، فلا
يرضى بأقل من
أن يكون كلاً
وتعبيراً عن
الكل، يمنح
نفسه حق تمثيل
المجتمع والشعب
والأمة، أو
الطبقة /
الأمة، من دون
أن تعني له
هذه الكلمات
شيئاً. ومن ثم
فهو نسق مولد للاستبداد،
أو بنية
استبدادية
مغلقة على يقينها
الذاتي
وإيمانها
الذي لا
يتزعزع بصحة
مبادئها
وأهدافها
وسياساتها؛ من
ليس في فكره
وفي روحه
العام والكلي
والمطلق
(الدولة والمجتمع
والإنسان)
يحول خصوصيته
إلى عمومية وجزئيته
إلى كلية ونسبيته
إلى مطلق،
وذلكم هو
الاستبداد. الحزب
الحديث، أي
حزب، جزء من
الحركة
السياسية الوطنية،
في البلد
المعني،
يتحدد بها ولا
يحددها،
ويعبر عن جزء
من المجتمع يتحدد
به ولا يحدده،
وينتمي مع
سائر الأحزاب
الأخرى، على
اختلافها
وتخالفها،
إلى فضاء وطني
مشترك يستمد
منه مضمونه
وهويته.
واعتراف الحزب
اعترافاً
مبدئياً
ونهائياً بجزئيته
وجزئية الفئة
الاجتماعية
التي يمثلها
ويعبر عن
مصالحها
يعصمه من
إغواء فرض
عقيدته ورؤيته
على المجتمع
كله، ويؤسس
لديه، هيئة
وأفراداً، وعياً
بمشروعية
الاختلاف
وقبولاً
بالآخر واعترافاً
بأن حقوق
الآخر هي
حقوقه وحرية
الآخر هي
حريته.
7 – المبدأ
الرئيس الذي
يقوم عليه
التنظيم السياسي
عندنا، كما
تمخضت عنه
التجربة
العملية حتى
يومنا، هو الاحتكار،
احتكار الحقيقة
واحتكار
المشروعية
واحتكار
الوطنية، وهذه
تؤسس لاحتكار
السلطة
والثروة
والقوة، بالقوة
أو بالفعل.
ولا يخفى أن الاحتكار
هو الأساس
الموضوعي
للاستبداد، ومن
ثم فإن بنى
أحزاب
المعارضة لا
تختلف كثيراً
عن بنى
الأحزاب
الحاكمة، وإن
اختلفت أطروحاتها.
8 – هذه
الخصائص جميعاً
تدعو إلى
التحري عن
أشكال حضور
المقدس في
التنظيم
السياسي،
فاسم الحزب
وشعاره ونظامه
الداخلي
وعقيدته، أي
أيديولوجيته،
تدخل جميعها
في باب
المقدسات
التي لا تعدو
كونها
تحويراً
للحرية
الذاتية التي
لا يحدها حد ولا
ينظمها قانون.
فالاقتناع
الذاتي
بتمامية العقيدة
وصحة الخط
السياسي ونبل
الأهداف
وسموها الأخلاقي
هي الأسس التي
يقوم عليها
مبدأ الحق، حق
الحزب على
أعضائه وعلى
المجتمع الذي
وضع الحزب
نفسه في
خدمته. فلا
يجوز والحال
هذه أن ينظر
إلى الحزب إلا
كما ينظر إلى
مخلِّص.
9 – تتأسس
على ذلك رؤية
لمبدأ الحق
الذي تقوم
عليه الحقوق
المدنية
والحقوق
السياسية وحقوق
الإنسان،
قوام هذه
الرؤية هو
الاقتناع الذاتي
للحزب هيئة
وأفراداً بما
هو الحق، فهو
وهم من يحدد
ومن يحددون
حقوق الأفراد
والجماعات
والفئات
الاجتماعية،
على أساس
قناعته وقناعاتهم
الذاتية. وحين
يتأسس الحق
على الاقتناع
الذاتي تضطرب
جميع القواعد
الناظمة
للاجتماع
المدني،
وتنتكس
الحياة
الاجتماعية
إلى ما يشبه
"الحالة
الطبيعية"
حيث لكل من
الحق بقدر
ماله من
القوة،
وتنبني على
ذلك منظومة
فكرية
وأخلاقية
تزدري فكرة
التعاقد
وتنفيها، وتولد
الاستبداد
والعنف
والإرهاب.
وليس مصادفة
اقتران قوة
العقيدة وقوة
المؤسسة
العسكرية
وأجهزة
البوليس
العلنية
والسرية في
جميع تجارب الأحزاب
الشمولية
التي وصلت إلى
السلطة في جميع
البلدان، ولا
سيما في
البلدان
المتأخرة. ولعل
تأميم
الممتلكات
الخاصة
ومصادرتها
مما شهدته
البلدان
المتأخرة
باسم
المشروعية
الثورية، وتحت
عنوان
الاشتراكية
خير دليل على
ذلك. فالتأميم
الذي لا تقره
هيئة تشريعية
منتخبة أو
استفتاء عام
لا يعدو كونه
مصادرة
واستيلاء
يفتقران إلى
أي معنى من
معاني الحق،
بما في ذلك حق
المجتمع، ولا
يعدو من ثم
كونه شكلاً من
أشكال إرساء
مبدأ الحق على
الاقتناع
الذاتي. وهذا
ما يطرح اليوم
مشكلة نظرية
وعملية تتعلق
بالعدالة
الاجتماعية
التي هي
التعبير
العملي عن
المساواة،
ولا يتسع
المجال
لمعالجتها
هنا. ولكن
لا مناص من
طرح الأسئلة:
هل الحزب هو
من يقرر شكل
النظام
الاجتماعي
الاقتصادي
والسياسي، أم
المجتمع؟ وهل
يحق لجزء من
المجتمع أن
يشرِّع نيابة
عن المجتمع
كله؟ وهل
يحق للحزب أن
يضع وحده
قواعد الحق
والقانون، إذ
لا حق بلا
قانون؟