المؤتمر القطري لحزب البعث هل ننتظر طفرة في الطبيعة البشرية؟

جاد الكريم الجباعي

يعرف معظم السوريين، ولا سيما البعثيون منهم، أن حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية الأخرى كانت جميعاً خارج عالم السياسة، وأنها لم تكن تشارك، منذ وقت طويل جداً، لا في القرار السياسي ولا في القرار الاقتصادي ولا في أي قرار من أي نوع، ولو كان نقل مستخدم من دائرة إلى أخرى، فهذا يحتاج إلى "موافقة أمنية". ومن شارك من أعضائها، أو طلب منه ذلك، إنما شارك بصفته الشخصية خبيراً أو مخبراً أو مستشاراً أو مندوباً عن جهة بعينها من الجهات الناصحة أو المانحة أو الداعمة أو الحليفة أو الصديقة أو التابعة أو مندوباً لديها ومكلفاً أحد ملفاتها.

ويعرف معظم السوريين أيضاً أن القيادة القومية للحزب كانت ماضياً ملقى على هامش الحاضر، ولا يريد كثيرون أن يتذكروه؛ وأن القيادة القطرية، وهي الهيئة التشريعية الوحيدة في البلاد، (سقط اسم مجلس الشعب سهواً)، كالقيادة العليا للجبهة الوطنية التقدمية طيبة الذكر، لم يكن لها سوى وظيفة البصم على القرارات ومشاريع القوانين وتبييضها؛ إذ لأي قرار، مهما عظم شأنه أو قل، بعدان: بعد ميتافيزيقي وبعد واقعي، أما البعد الميتافيزيقي فيتجلى في كون القرار هبة أو منحة أو مأثرة أو مكرمة أو عطاء أو إنجازاً أو عفواً أو صفحاً أو مغفرة لا تصدر ولا يجوز أن تصدر إلا عمن هو أهل لأن تصدر عنه، (اسألوا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي) والبعد الواقعي هو البعد الأمني الذي يستوجب استنفار جميع الأجهزة الأمنية، وهي السلطة التنفيذية والقضائية الوحيدة في البلاد، لتحديد آليات تنفيذه والإشراف على ذلك إشرافاً مباشراً وإلزام من ترى إلزامه به وإعفاء من ترى إعفاءه منه؛ ولذلك اتسع نطاق عملها حتى شمل جميع مؤسسات الدولة وجميع مجالات الحياة.

ويعرف الجميع أن التعويض عن هذه البطالة السياسية أو كف اليد عن المشاركة السياسية كان إطلاقها واليد الأخرى وأيدي الأنسباء والأقرباء والمحاسيب والأزلام في المال العام والخاص أيضاً، وفي القطاعين العام والخاص ومتوسطهما الحسابي، أي القطاع المشترك، وفي المؤسسات "العامة" والنقابات والمنظمات الشعبية، حتى في المؤسسات التعليمية ومؤسسات الثقافة والإعلام، وصيرورة القيادات الحزبية في طليعة رجال الأعمال، ومن أمهر هؤلاء في تبييض الأموال وفي "العلاقات العامة" والعلاقات الخاصة والمشتركة، وهي مرادفات السمسرة والوكالات التجارية وفرض الخوات وإقامة الشركات الوهمية وإجراء المناقصات الوهمية والمزايدات الوطنية. المؤتمر القطري السابق الذي قرر موعده الرئيس الغائب، حافظ الأسد، كان سيشير إلى بعض هؤلاء بالبنان ويسميهم بالاسم والكنية واللقب، على ما قيل، آنذاك وبدت بعض ملامحه في مؤتمرات الفروع، وكان ذلك المؤتمر أول فرصة ضيعها "الرئيس الشاب"، فتحددت خياراته اللاحقة وآفاق مشروعه الإصلاحي، على ما رأى غير واحد من المثقفين السوريين.

فقد انقسم حزب البعث العربي الاشتراكي، الحزب القائد للدولة والمجتمع، بل المالك للدولة والمجتمع ويملك جبهة وطنية تقدمية، انقسم منذ زمن بعيد انقساماً حاداً إلى قيادات متنفذة ومتسلطة ذات مزايا وامتيازات تسنمت ما يفترض أنها مراكز القرار الحزبية والإدارية والإنتاجية والخدمية والأمنية والنقابية والجماهيرية، واحتكرتها، فغدت جزءاً لا يتجزأ من "الجهاز" ومن منظومة المصالح وشبكة الفساد، وجماهير حزبية واسعة هي كتلة الحزب الأساسية، وهي كتلة سلبية مهمشة لا حول لها ولا طول، ينظر إليها من فوق بحذر وتوجس على أنها معارضة محتملة. فالقيادات الحزبية هي ذاتها لم تتغير ولم تتبدل منذ نحو ربع قرن، إلا بنسب لا تكاد تلحظ، ولا أدل على ذلك من أن المؤتمر المزمع عقده في حزيران القادم هو الثاني منذ عشرين عاماً. وكان ولا يزال من المؤكد، بحكم قوة الأجهزة الأمنية التي صارت هي الحزب وقد نبتت له أنياب ومخالب والتي تشرف على جميع الانتخابات الحزبية والنقابية والبلدية والتشريعية إشرافاً تاماً لا تخيب معه التوقعات، أن هؤلاء القادة هم من "سينتخبون" إلى المؤتمر القطري العتيد، وهم من سيتخذون القرارات المصيرية بالإجماع ومنهم "ستنتخب" القيادة القطرية "الجديدة".

ومع ذلك فإن هذا المؤتمر سوف يكون نقلة نوعية في حياة البلاد، ولسوف يضع مشروع "التطوير والتحديث" من جديد على قاعدة "الاستمرار والاستقرار". ففي مألوف الأحزاب الثورية جميعاً أن كل مؤتمر هو نقلة نوعية في حياة الحزب وفي حياة الشعب، وتحيين لعملية الخلق الأول، لعملية البعث من عدم، في سلسلة العود الأبدي، تماماً كما كانت مؤتمرات الحزب الشيوعي السوفييتي في المرحلة البريجينيفية الزاهية التي لا يزال التاريخ واقفاً عندها، في نظر الحزب الشيوعي السوري الذي تقوده السيدة وصال فرحة بكداش. هذا الحزب الشيوعي العريق وحزب البعث العربي الاشتراكي هما الحزبان الوحيدان في العالم اللذان لا يزالان محتفظين بأصالتهما، وثابتين على المبادئ ومثابرين على ديدنهما في صناعة التاريخ، ولعل هذه الميزة المشتركة هي سر تحالفهما الوثيق. للمستيقظين عالم مشترك، أما النائم فله عالمه الخاص.

إذا كان حزب البعث خارج عالم السياسة ولا يشارك في صناعة القرار، فما وظيفته، وقد طبعت الحياة السياسية بطابعه وطوبت الدولة باسمه منذ أكثر من أربعة عقود؟ قد تساعدنا رواية جورج أورويل على تلمس الجواب. إنه جهاز أيديولوجي تستمد منه السلطة مشروعيتها الضرورية، إذ لا بد من مشروعية ما، وهو من ثم لا يقوم على حراسة "العقيدة القومية" والذب عنها فحسب، بل يترصد "أعداء الشعب" داخل الحزب وخارجه، فيصير نسقاً لإنتاج المخبرين الذين هم حواس الجهاز ونهاياته العصبية، ونسقاً لإنتاج القيم، قيم المخبرين، وتعميمها، نسقاً لتنميط المواطنين، من أعضائه ومن غير أعضائه، وتحويلهم إلى كائنات توتاليتارية. والأيديولوجية، كما هو معروف، أحد أركان النظام الشمولي الثلاثة، الركنان الآخران هما القمع والإعلام.

النظام الشمولي، كما علمتنا جميع التجارب المشابهة، إما أن يكون بتمامه أو لا يكون؛ والجهاز الأيديولوجي ركن أساسي من أركانه، وجزء رئيس من أجزاء منظومته، لا يمكن أن يطرأ عليه أي تعديل أو تغيير أو تطوير أو تحديث بمعزل عن الركنين الآخرين، وخاصة جهاز القمع (الجيش وأجهزة الأمن) الذي هو النواة الصلبة للنظام.

إذا كانت التوجهات السياسية تعبيراً عن مصالح محددة، فهل سيتخلى من يستأثرون بحصة الأسد من كل شيء في سورية عن مصالحهم وامتيازاتهم وعن السلطة التي صارت سلطة مصالحهم وامتيازاتهم فقط، كرمى لعيون "الشعب" وحباً بالإصلاح ورغبة في التقدم؟ حينما يحصل شيء من هذا سنكون، بلا شك ولا ريب، إزاء طفرة في الطبيعة البشرية.

لذلك لا ينتظر شيء كثير من المؤتمر العتيد، اللهم سوى محاولة يائسة لترميم المشروعية الأيديولوجية وإضفاء الشرعية على التنازلات الجارية والمحتملة للقوى الخارجية، وتعبئة الكم المهمل والمهمش من الحزب، وهو أكثريته الساحقة، للدفاع عن النظام في وجه المعارضة الداخلية المحتملة، لا في وجه التحديات الخارجية، لأن الشروط الموضوعية لمواجهة التحديات الخارجية لم تعد متاحة. فالنظام الذي يزداد ضعفاً على جميع الصعد، كلما تقلص دوره الإقليمي، ولا سيما في لبنان والعراق وفلسطين، سيجد نفسه وجهاً لوجه إزاء احتياجات الداخل واستحقاقاته، ومن هذه الأخيرة احتمال أن تتحول كتلة الحزب المهملة والمهمشة إلى قوة أساسية من قوى المعارضة. ومن ثم فإن المهمة الأساسية للمؤتمر ستكون إعادة تعريف العدو الوظيفي الذي يحتاج إليه النظام في المرحلة المقبلة.

فلنصل من أجل سورية.