انتفاضة الأرز ومشروع الدولة الوطنية

جاد الكريم الجباعي

في خطاب السلطة اللبنانية ومن يوالونها ما يبعث على الدهشة، وهو نسخة (طبق الأصل، مصدقة من الجهات المختصة أيضاً) عن خطاب السلطة السورية ومن يوالونها؛ إذ يعلن هذا الخطاب تمسكه بمشروع الدولة، ودفاعه عنها بالغالي والنفيس، ويضمر من ثم أن المعارضة (العميلة بالطبع، شأنها في ذلك شأن أي معارضة في العالم العربي) تسعى عن قصد وتصميم إلى تدمير الدولة. ما يبعث على الدهشة أن هذا الخطاب يصدر عن سياسيين كبار ومحررين لا يميزون أو لا يريدون أن يميزوا الدولة من سلطتها السياسية، أي من الحكومة، مع أن التجربة اللبنانية علمتنا جميعاً أن الدولة ثابتة ودائمة لا تزول، إذا لم تعصف بها حرب أهلية أو احتلال خارجي، وسلطتها السياسية متغيرة تتداولها القوى الاجتماعية والأحزاب السياسية، بطريق الانتخاب الحر والمباشر، وأن الموالاة والمعارضة، أو قل السلطة والمعارضة، قطبان جدليان لا يقوم أحدهما بغير الآخر، في الدولة الحديثة والحكم الرشيد، وأنهما معاً تستمدان هويتهما الوطنية من الدولة، لا من انتماءاتهما الإثنية أو المذهبية، ولا من مرجعياتهما الأيديولوجية. الوطنية كالإنسانية صفة لا تقبل التفاوت والتفاضل، فليس في الدولة الوطنية من هو أقل أو أكثر وطنية من الآخر.

عذر هؤلاء اللبنانيين السوريين المولعين بالاستبداد والمستبدين أن "الأخوة السوريين"، وهذا تعبير يطلق على السلطة السورية لا على الشعب السوري، أقاموا لهم بعد الطائف سلطة سياسية على صورة سلطتهم ومثالها، أي سلطة تملك الدولة التي تملك الشعب، لا مجرد سلطة أمنية فحسب، وتمادى الأمر حتى تحولت مقولة "شعب واحد في دولتين"، إلى سلطة واحدة لشعبين؛ فتماهت لدى أهل الحكم منهم الدولة والسلطة، بقدر ما خُفِّضت الأولى حتى تطابقت مع الثانية، وغدا دفاع أي من هؤلاء عن "الدولة" دفاعاً عن سلطته وامتيازاته ليس غير. بل إن السلطة السورية، وقد صارت سلطة لشعبين، منحت هؤلاء شرف التبعية لها، كما منحته لسوريين يتوهمون أنهم يشاركون في الحكم.

ما يجري في لبنان، منذ الرابع عشر من شباط الماضي، ولم يصر لا فعلاً ماضياً ولا محرزاً ناجزاً بعد، يجري تحت ثلاثة شعارات رددها مئات آلاف اللبنانيين من المعارضة ومثلهم من الموالاة يفترض أنها تحدد الطريق إلى مستقبل لبنان القريب، وإلى مستقبل سورية أيضاً، "فلا قيامة للبنان وسورية على الصليب"، كما كتب أحد المثقفين اللبنانيين, وإن كانت هذه الطريق صعبة ومحفوفة بالمخاطر؛ هذه الشعارات هي الحرية والاستقلال والسيادة محمولة على غضب معظم اللبنانيين، إن لم يكن جميع اللبنانيين، وحزنهم لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، وإصرارهم على معرفة حقيقة من يقف وراء مسلسل الاغتيالات والتفجيرات. وعسى أن يظل شعار "الحقيقة" مؤسساً وهادياً لجميع الشعارات الأخرى.

ليس للحرية والاستقلال والسيادة سوى ترجمة واحدة تذهب إلى مستقبل آمن، هي الشروع في بناء الدولة الوطنية التي تراكم من آلام اللبنانيين ومعاناتهم وخسائرهم وتضحياتهم طيلة ثلاثة عقود، وتراكم لديهم من الخبرات والكفاءات والإمكانيات ما يكفي ويزيد للشروع في هذا العمل التاريخي الممكن والواجب. والدولة الوطنية، كما تقول جميع التجارب التاريخية، مقدمة ضرورية للديمقراطية.

في لبنان كثير من الحرية وقليل من الديمقراطية، حسب تعبير الرئيس سليم الحص، هذا صحيح وبديهي، لأنه منذ عصفت الحرب الأهلية بالدولة اللبنانية، صار لبنان ولا يزال بلا دولة وطنية، شأنه في ذلك شأن "الشقيقة سورية"، مع فارق كثرة الحرية في لبنان وندرتها إن لم نقل انعدامها في سورية. وأعني بالدولة الوطنية دولة الكل الاجتماعي، دولة المجتمع، وتجريد عموميته وتحديده الذاتي، أو الشكل السياسي الذي ينتجه المجتمع لنفسه بحرية، لا دولة النخبة ولا دولة الحزب ولا دولة الطغمة ولا دولة الطائفة. وفي لبنان، منذ اندلاع الحرب الأهلية حتى اليوم حرية بلا قانون، لا أعني القانون المدني أو قانون العقوبات أو قانون الأحوال الشخصية أو غيرها من القوانين التي يلعبون عليها في الليل ويحكمون بها في النهار، بل أعني التجسيد الحقوقي للعقد الاجتماعي الذي يغدو بموجبه الأفراد مواطنين متساوين أمامه؛ فمنذ تعاقد اللبنانيون على "الطائف"، الذي يفترض أنه جب جميع حزازات الحرب الأهلية، وُضع الطائف على الرف، وحل محله عقد إذعان انتفت بموجبه الإرادة العامة والمصلحة العامة وحلت محلهما إرادات خاصة ومصالح خاصة انجدلت السورية منها على اللبنانية حنى غدا انفكاك إحداها عن الأخرى يحتاج إلى مداخلات جراحية مؤلمة، ولعل هذا أهم معاني ما يحدث اليوم، أعني يقظة الإرادة العامة والمصلحة العامة، ويقظة "روح القوانين" ويقظة الساحة (الأغورا) في مقابل القصر، وهذه هي الشروط الضرورية لبناء الدولة الوطنية على أنقاض النظام القديم.

لا نتمنى للحرية في لبنان أو في غير لبنان أن تختزل وتخفض إلى "تحررٍ من"، (تحرر من الهيمنة السورية مثلاً، على ما لهذا من مشروعية)، فإن ذلك، إن حدث، لن يعدو كونه احتفاء بالحرية في يوم دفنها، بل نتمناها لهم ونريدها لنا مبدأ في الفكر والعمل، مبدأ إنسانياً وأخلاقياً في الإنتاج والإبداع، إنتاج المجتمع الحديث والدولة الحديثة والفكر الحديث والثقافة الحديثة؛ فالدولة الوطنية الصائرة ديمقراطية هي ملكوت الحرية.

ولا نتمنى لاستقلال لبنان أن يكون استقلالاً عن سورية فحسب، على ما لذلك من مشروعية أيضاً، بل نتمناه لهم ونريده لنا أن يكون الوجه الآخر الملازم للحرية، وأن يكون تعبيراً عن يقظة الذاتية اللبنانية التي يغدو بموجبها الانتماء إلى لبنان الوطن والشعب والدولة انتماء مبدئباً ونهائياً، والذاتية هي الاستقلال والحرية؛ فإن يقظة الذاتية اللبنانية هي لبننة اللبنانيين، أي استعادة ولائهم إلى لبنان. وهذا لا يتعارض، كما يخيل للكثيرين مع عروبة لبنان وانتمائه إلى بيئته ومحيطه وثقافته وتاريخه، بل العكس هو الصحيح. الدولة الوطنية اليوم والدولة الوطنية الديمقراطية غداً، في سورية ولبنان وغيرهما من البلدان العربية، هي الشرط الضروري لإنتاج عروبة ديمقراطية وحدوية حقاً وفعلاً.

ولا نتمنى أن تكون سيادة لبنان على مقدراته سوى سيادة الشعب التي لا تتعين واقعياً إلا في الدولة الوطنية وفي سيادة القانون وفي انبثاق السلطة عن الشعب بالانتخاب الحر والمباشر، لا أي سيادة أخرى. والسيادة، سيادة الشعب، مطلقة ودائمة لا تنقسم ولا تتجزأ ولا تفوَّض. السيادة للشعب الذي يمثله البرلمان المنتخب انتخاباً حراً بإشراف قضاء مستقل وحكماء مستقلين وهيئات شعبية، لا للحكومة. وانقسام السيادة أو تقسيمها أو تقاسمها يعني أن تكون هناك دولة أو دويلات داخل الدولة، بقوة السلاح أو بقوة "السياسة"، وهو ما أعاق ولا يزال يعيق قيامة الدولة في لبنان.

لقد فعلها اللبنانيون، معارضين وموالين، على ما أرجو وأتمنى، فهل سيكونون رواد بناء الدولة الوطنية في العالم العربي الذي يخيم عليه شبح الموت؟ إنهم جديرون بذلك.

وأخيراً، إذا جاز لفرد مثلي لا يمثل غير نفسه أن يعتذر عما ارتكبته السلطة السورية من أخطاء وخطايا في لبنان، فإنني أعتذر منكم أيها اللبنانيون فرداً فرداً، ولتعلموا أن التدخل السوري في لبنان والوجود السوري في لبنان والدور السوري في لبنان، وكلها أسماء لمسمى واحد، كان امتحاناً عسيراً لضميرنا الوطني.