الوطنية العراقية وهوية الرئيس

جاد الكريم الجباعي

المعنى العميق لما يجري في العراق من انتخابات تشريعية حرة ومباشرة وانتخاب هيئة رئاسة وتأليف حكومة جديدة في ضوء نتائج الانتخابات هو بناء الدولة على أنقاض الدولة التي قوض أركانها صدام حسين وأخذ ما تبقى منها معه، وإعادة بناء الوطنية العراقية التي فك النظام البائد جميع عراها. الدولة الوطنية المعبرة عن سيادة الشعب والوطنية العراقية هما مستقبل العراق القريب وضمانة عودته سليماً معافى وسيداً مستقلاً إلى محيطة العربي والإقليمي وإلى المجتمع الدولي.

وما يجري في العراق من بناء لا يزال فعلاً حاضراً مفتوحاً على المستقبل، أما النظام السابق، نظام الحزب القائد الذي اختزل الوطن والشعب والأمة العربية في شخص "القائد الضرورة"، فصار من الماضي. ومن طبيعة الأمور أن الماضي يظل يسري في عروق الحاضر يحاول أن يحجر عليه ويكبل خطاه ويصادر على مستقبله، ولكنه لا يستطيع أن يتخلص من حقيقة كونه ماضياً مضى وانقضى، وإن تسمى بما يحلو له من الأسماء، وإن ظل يحاول فرض منطقه، منطق الاستبداد والعنف والإرهاب والغموض والتخوين والتكفير واستسهال قتل العراقيين والاستهانة بمقدراتهم.

لا أميل إلى التهوين من شأن المصاعب والعقبات التي لا تزال تعترض طريق العراقيين الذاهبة إلى بناء الدولة وبناء الوطنية العراقية، وفي مقدمها استكمال بناء المؤسسات والإدارات العامة، ولا سيما الجيش الوطني وقوى الأمن الوطنية والتربية والتعليم خاصة  وغيرها، وبسط الأمن والطمأنينة في جميع أرجاء العراق، ودوران عجلة الإنتاج والإبداع، وجلاء جميع القوات الأجنبية، وهي طريق طويلة وشائكة وملغَّمة، لا بالعبوات الناسفة والسيارات المفخخة والعمليات الانتحارية وحب الأشقاء القاتل فحسب، بل بألغام سياسية أيضاً، لعل أخطرها المضي قدماً في النسبية المذهبية والدينية والعرقية وتقاسم السلطة، لا تداولها، وتقاسم السيادة؛ والأخطر هو تقاسم السيادة التي يفترض أنها واحدة ودائمة ومطلقة، لا تتجزأ، ولا تنتقل، ولا تُفوَّض، وأنها الصفة الملازمة للدولة، لا للسلطة أو الحكومة.

انتخاب الأستاذ جلال الطالباني رئيساً للجمهورية العراقية، وهو رجل علماني مثقف تربطه علاقات طيبة بكثير من المثقفين والسياسيين العرب وغير العرب، يندرج، كما نرجو ونتمنى، في عملية بناء الدولة بوجه عام وفي إعادة بناء الوطنية العراقية بوجه خاص. وإنه لمن حسن الطالع أن يتوافق العراقيون عرباً وكورداً وتركمان وسنة وشيعة، وفق المفاهيم الدارجة اليوم، على ترشيحه وانتخابه لهذا المنصب، لعل في هذا التوافق ما يرأب الصدع الذي صدعه النظام البائد، بل الصدوع التي خلفها في المجتمع العراقي، ويسهم في إزالة آثار الجرائم الفظيعة التي ارتكبها بحق العراقيين، ولا سيما الكورد منهم، وبحق غير العراقيين أيضاً. ومن الواجب أن ينوه المرء بحكمة العراقيين فيما توافقوا عليه، وبحرصهم جميعاً على وحدة العراق أرضاً وشعباً.

ليست هذه المرة الأولى التي يتسنم فيها مواطن من الكورد رئاسة دولة ذات أكثرية عربية، فقد حدث مثل ذلك في سورية أكثر من مرة، في المرحلة الليبرالية القصيرة، بعيد الاستقلال، ولم يكن السوريون، على ما أعلم، يهتمون بالأصل العرقي لرئيس جمهوريتهم، حسبهم أنه سوري؛ بل أذهب إلى أن سورية، كالعراق، لم تكن تعيش مشكلة كردية، على النحو الذي نعرف، قبل أن يتسلم القوميون دفة الحكم بقوة السلاح وبقوة المشروعية الثورية، أو بالوغدنة وقوة السلاح حسب تعبير ميكيافلي. وحري بالعرب بوجه عام وبالعراقيين بوجه خاص أن يتحرروا من خرافة الأصل، ويستبدلوا بها واقعية الهوية الوطنية التي يستمدها الأفراد من دولتهم، وتستمدها الجماعات والفئات الاجتماعية والأحزاب السياسية من الدولة ذاتها، بقدر ما تكون هذه الدولة تعبيراً عن الكلية الاجتماعية وعن سيادة الشعب.

 ومن البديهي أن يثير انتخاب السيد الطالباني رئيساً للجمهورية جدلاً واسعاً في أوساط القومويين من العرب والكورد وفيما بينهم، ليس من المفاجئ أن يكون محمَّلاً برواسب العقود الماضية إلى هذا الحد أو ذاك. فالذين لم يسر التاريخ على هواهم يعزُّون أنفسهم بأن هذا الانتخاب هو لمرحلة انتقالية فحسب، فضلاً على أنه جرى في ظل الاحتلال، ولكنهم ينسون أن هذه المرحلة الانتقالية، شأنها شأن جميع المراحل الانتقالية، مرحلة تأسيسية، وينسون أيضاً أن للتاريخ منطقاً لا يأبه بالإرادات الذاتية ولا بالأوهام القومية أو غير القومية، وأن الاحتلال جزاء تاريخي للغطرسة والاستبداد.

والذين يتوهمون أن التاريخ سار هذه المرة على هواهم، ويستعينون بحكمة الفيلسوف الألماني هيغل فينزلون الفلسفة عن عرشها الكوني، عرش الخير والحق والجمال، عرش الفضائل والمبادئ والقيم الكونية، الأخلاقية منها والسياسية، ويجلسونها على حصير كوردي، من دون أن يفهموا من "مكر التاريخ" ودهائه سوى الثأر من العرب، لا يزالون ينظرون إلى العالم من خرم إبرة، ولا يستطيعون أن يروا في جلال الطالباني سوى مناضل كوردي. وهذا مفهوم وغير مستغرب من الفريقين، لأن مفهوم الدولة الوطنية غائب كلياً عن الوعي الاجتماعي وعن الأيديولوجية القومية للفريقين معاً، وعن الفكر السياسي العربي.

بانتخابه رئيساً للجمهورية لم يعد جلال الطالباني زعيماً كوردياً أو رئيس حزب كوردي، ولا يحسن به أن يكون كذلك، بل تجاوز ذلك إلى ذروة الوطنية العراقية، إلى رئاسة الجمهورية، والجمهورية تعني العمومية، إلى رئاسة الدولة، والدولة هي المجتمع العمومي، هي تجريد المجتمع وتحديده الذاتي، فقد صار رئيس جميع العراقيين، بحسب المنطق السليم، لا بحسب ما نتمنى فقط، إلا إذا كان العراق سيعيد إنتاج النظام السابق الذي خفض الدولة لا إلى دولة جماعة عرقية ومذهبية فحسب، ولا إلى دولة حزب قائد فقط، بل إلى دولة طغمة داست كرامة العراقيين، وداست جميع القيم الإنسانية والفضائل السياسية، ولا سيما فضيلة الوطنية والمواطنة، ولا نظن أن تجربة ربع قرن ستذهب هباء.

انتخاب الأستاذ الطالباني رئيساً للجمهورية يرسي، مبدأ سياسياً رئيساً من مبادئ الدولة الحديثة، هو أن من حق أي مواطن أن يرشح نفسه لمنصب الرئاسة العليا، ومن حق الشعب أو ممثليه أن ينتخب أو ينتخبوا من يرى أو يرون فيه أنه أهل لذلك، بحسب نظام كل دولة ودستورها. وهذا الحق نابع من مبدأ الدولة الوطنية ذاتها، مبدأ المواطنة التي هي الفضيلة السياسية في الدولة الحديثة وأساس منظومتها الأخلاقية، وصفة لا تقبل التفاوت والتفاضل؛ ذلك لأن المواطن هو أساس الدولة السياسية، بوجه عام، وأساس الدولة الديمقراطية بوجه خاص. والمواطن بالتعريف هو تجريد الفرد الطبيعي الذي هو أساس المجتمع المدني.

الدولة الوطنية، بما هي تجريد المجتمع المدني، لا تتعرف الفرد إلا بصفته المجردة، أي بصفته مواطناً، وإلا لا تكون دولة وطنية. الحكومة يمكن أن تفعل ذلك، ولكنها حين تفعله تسير في طريق الفساد. ومنصب الرئاسة خاصة الذي يشرِّف من يشغله ولا يتشرف به، كما هي حال المناصب المغتصبة اغتصاباً، لا يتعرف الرئيس إلا بصفته مواطناً أول بين مواطنين، وصل إليه بالمنافسة الحرة والمباراة الشريفة، لا بصفته كوردياً أو عربياً أو تركمانياً، غنياً أو فقيراً، محافظاً أو ليبرالياً، مسلماً أو مسيحياً، ذكراً أو أنثى.

المرحلة الانتقالية مرحلة تأسيسية، فهل يكون انتخاب الرئيس الطالباني بادرة لكتابة الدستور العراقي على نحو يدفع باتجاه الدولة الوطنية وإعادة بناء المواطنة العراقية، ويقرر حق أي مواطن عراقي أهل لهذا المنصب في أن يكون رئيساً لجمهورية العراق الجديد، بالانتخاب الحر، بصرف النظر عن انتمائه العرقي أو الديني أو المذهبي أو الطبقي أو السياسي؟ إذا كان الأمر كذلك فطوبى للعراقيين، وهنيئاً للأستاذ جلال الطالباني رئاسة الجمهورية.

جاد الكريم الجباعي

دمشق، هاتف وفاكس 00963116719288

هاتف محمول 093673968

E.Mail: jjebaie@yahoo.com