التجربة الدستورية في سورية تعثر بناء الدولة الوطنية

جاد الكريم الجباعي

افتتح غسان سلامة كتابه "المجتمع والدولة في المشرق العربي" بحديث واقعي مؤلم عن الموت والعنف، الموت والعنف الملونين بألوان دينية ومذهبية وعشائرية وعرقية وجهوية وإقليمية، مستفظعاً رائحة الموت النتنة التي تفوح من تاريخ المشرق الحديث والمعاصر، ويمكن القول إنها تفوح من تاريخ العرب المعاصر، ومتسائلاً: "هل الدولة الحديثة، ويفترض أن تلغي العنف، وتحصره بها وتنظمه وتجعله ممأسساً واستثنائياً، قد زادت على العكس من حدته وضاعفت من ضراوته؟"[1] وهو سؤال عن العنف غير الملون بأي لون، العنف الضروري اجتماعياً، الذي ينظمه قانون عام، ويقبل به المجتمع، وتمارسه مؤسسة عامة محايدة إزاء الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية وإزاء جميع العقائد والمذاهب الدينية والعلمانية، ويحكم به قضاء نزيه ومستقل، ولا يقع إلا على من يخالف القانون. هذا العنف الضروري اجتماعياً هو الجزاء أو القصاص الذي يردع الباغي والمعتدي، فيحفظ حياة الجماعة ويصون وحدتها من تطرف الإرادات الذاتية وغوائل السلطات الشخصية والمصالح الخاصة، ويعصمها من الجهل والهوى. إنه سؤال عن الدولة يحيل على الأساس الأنتروبولوجي لنشوء السلطة العامة، أعني حفظ حياة المواطنين وتوفير شروط أمنهم واستقرارهم، وهو الأساس الذي نشأ بموجبه العقد الاجتماعي.

السؤال يلح علينا اليوم أكثر من أي وقت مضى، بعد أن ضمرت الدولة، بما هي حقل عام وتعبير عن كلية المجتمع، حتى تطابقت حدودها مع حدود السلطة الشمولية، سلطة المصالح الخاصة، في معظم البلدان العربية، ولا سيما في العراق وسورية، وضمر معها الفكر السياسي الذي أنضج مفاهيم العقد الاجتماعي والإرادة العامة والدولة الوطنية ومفاهيم المواطنة والمشاركة السياسية والمساواة أمام القانون وغيرها مما بات مجهولاً، لا لدى الأجيال الشابة فحسب، بل لدى معظم النخب الثقافية والسياسية، ومما وصمته الأيديولوجيات القومية والإسلامية والاشتراكية بالكفر والخيانة والانحلال الأخلاقي وبالخروج على نهج السلف الصالح وعلى "مقاصد الشريعة".

سؤال الدولة الوطنية نفسه يحمل هاجس الهوية في مواجهة الهيمنة الخارجية وعمليات التفتيت وإنعاش الهويات ما قبل الوطنية من جهة، وفي مواجهة مشاريع الإصلاح والتجديد من جهة أخرى، وهذا الهاجس يكشف عن عمق الأزمة التي تعيشها الدولة في المشرق العربي خاصة، وتكشف من ثم عن مدى الخراب الذي جرته السلطات الشمولية على بلدانها وعن الصعوبات التي تعترض إعادة بناء الدولة الوطنية في كل منها.

ثمة فقر مدقع في الثقافة السياسية المتعلقة بالدولة، وهشاشة مفرطة في ما نعرفه منها، وثمة حاجة عميقة إلى الدولة، يشعر بها الجميع في أوقات الفوضى والاضطراب، كما هي حال العراقيين اليوم، وخوف رجيم منها يعانية الجميع في أوقات "الاستقرار السياسي"، كما هي حال السوريين اليوم. بل لعل الأمر أكثر تعقيداً من ذلك، فما أن تتلاشى الحاجة إلى الدولة، بعد قيام النظام السياسي وحلول "الأمن والاستقرار" محل الفوضى والاضطراب حتى يشيح الناس عن النظام القائم ويمتنعون عن منحه المشروعية الضرورية لأي جماعة سياسية أو لأي مجتمع عمومي. قد يستنتج المراقب من الخارج أن العراقيين والسوريين يسعون اليوم إلى الحصول على الشيء ونقيضه: العراقيون يسعون إلى إقامة الدولة، والسوريون يسعون إلى الخلاص منها، وكل منهما على حق. فما سر هذا التناقض؟

اختفاء الدولة في العراق باختفاء صدام حسين، يفسر الحالتين العراقية والسورية، على ما بينهما من فروق في الدرجة لا في النوع، ويفسر حالات أخرى مشابهة، منها الحالة اللبنانية قبل مقتل رفيق الحريري. فمنذ استولى القومويون (البعثيون) على السلطة بالقوة والوغدنة معاً عام 1963عملوا على احتكار جميع مجالات الحياة الاجتماعية، ولا سيما المجال السياسي الوطني الذي كان لا يزال في طور النشوء، فقضوا على جميع أشكال المعارضة المنظمة منها وغير المنظمة واستبدلوا مجلس قيادة الثورة بالبرلمان وألغوا حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير وألحقوا جميع النقابات والتنظيمات الاجتماعية بالحزب القائد، وأعلنوا الدولة دولة الحزب (دولة البعث)، أي دولة جزء ضئيل من المجتمع، فقوضوا أسس الدولة الوطنية التي كانت آخذة في النمو، ولا سيما المواطنة والمشاركة السياسية والمساواة أمام القانون، فحل الولاء للحزب محل الولاء للوطن، وبلغت هذه العملية ذروتها مع صدام حسين في العراق وحافظ الأسد في سورية. فما بدا من الخارج أنه استقرار سياسي واجتماعي كان في حقيقة الأمر تخثراً وركوداً وتموتاً مطرداً في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية وإعادة إنتاج العلاقات ما قبل الوطنية في المجالين السياسي والثقافي، أي إنه كان استقرار الاستبداد والقمع العاري اللذين تحول المجتمع معهما إلى مجرد أفراد خائفين ومتساوين في كونهم لا شيء؛ فالاستبداد المحدث فك جميع عرى التضامن بين الجماعات والفئات المهنية والطبقات الاجتماعية، بل إنه حول المجتمع إلى نوع من "مجتمع بلا طبقات"، أي بلا سياسة. الوضعية التناقضية التي أشرنا إليها، أي السعي إلى بناء الدولة والسعي إلى الخلاص منها، أو إرادة الدولة وعدم منحها المشروعية اللازمة، تحيل على آليات إنتاج الاستبداد وإعادة إنتاجه على نحو لا يسمح لشعوب المشرق العربي أن تحتفي بالحرية إلا في يوم دفنها، وتطرح من ثم إشكالية الثقافة السائدة وإشكالية الوعي الاجتماعي السائد.

فإذا كان الوعي هو الوجود مدركاً على نحو ما، مطابق أو غير مطابق، فإن الثقافة هي شكل الوجود الاجتماعي. و "الشكل في مغزاه الأكثر عينية هو العقل بوصفه معرفة نظرية، والمضمون في مغزاه الأكثر عينية هو الماهية الجوهرية للواقع سواء كان هذا الواقع طبيعياً أو أخلاقياً"، بحسب الفيلسوف الألماني هيغل، وماركس على الخط ذاته. والواقع الأخلاقي هو المجتمع والدولة، أي عالم الإنسان الفعلي الذي ليس فيه من جوهري سوى الإنسان، بتعبير كارل ماركس. نتحدث هنا عن ثقافتين في مجتمع واحد، تعبران عن شكلين من أشكال الاستلاب: استلاب سلفي، قومي أو إسلامي أو قومي إسلامي، واستلاب حداثوي، ليبرالي أو اشتراكي، والشكلان كلاهما ينتميان إلى الوعي الأيديولوجي الذي يحجب رؤية الواقع كما هو ويستبدل به "واقعاً" وهمياً يبدو شفافاً وطيِّعاً ومستوعى إلى النهاية، فالثقافة السائدة هي شكل ناجز ونهائي للعالم الوهمي الذي نستحضره من خارج الزمان (من الماضي المؤسطر، غير التاريخي) ومن خارج المكان (من "الغرب")، ونعارض به الوعي الواقعي الذي يصدم مشاعرنا ولا يلبي رغباتنا. نسوق ذلك لنؤكد حقيقة أن الفكر السياسي العربي كان ولا يزال ينطلق من الهدف إلى الواقع، ولنشير إلى أن الهدف: دولة الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة أو الدولة الإسلامية أو الدولة الاشتراكية هو الواقع الافتراضي، ولا نريد أن نقول الوهمي، الذي يستلهمه الفكر السياسي العربي. كأن خمسة وثمانين عاماً لم تكف بعد لكي يعترف الفكر السياسي العربي بالواقع القائم كما هو، بغض النظر عن مشاعرنا ورغباتنا. فالدولة القائمة هنا والآن أو ما تبقى منها هي الواقع الذي ينبغي الانطلاق منه إلى الهدف.

لعل أحد جوانب المشكلة يتعلق بالشرعية التاريخية للكيانات السياسية التي صارت دولاً، كسورية ولبنان والأردن وفلسطين، فمن الصعب أن نتحدث عن سورية، بحدودها السياسية المعروفة اليوم، مثلاً، من دون أن تواجهنا "نظريات" ورؤى أيديولوجية متعارضة تدرجها في سياقات قومية ودينية ومذهبية وجيوسياسية وكوسموبوليتية مختلفة، أو تدرجها في مشاريع متوسطية وشرق أوسطية؛ فهي جزء من الوطن العربي وشعبها جزء من الأمة العربية لدى إحداها، وجزء من العالم الإسلامي ومن الأمة الإسلامية لدى الثانية، وجزء من سورية الكبرى أو سورية الطبيعية أو بلاد الشام لدى الثالثة، وجزء من منظومة عالمية قوامها المواطنة العالمية لدى الرابعة ... وهي أصغر مما ينبغي في نظر بعضنا وأكبر مما ينبغي في نظر بعضنا الآخر، هي كل شيء إلا ذاتها، وهي أي شيء إلا حقيقتها الفعلية.

لقد تركت الحرب العالمية الأولى آثاراً عميقة في "شخصية سورية الجغرافية القانونية" لم تقتصر على تقسيمها وتقطيع أوصالها، بموجب اتفاق سايكس بيكو ووعد بلفور (1916) ومؤتمر سان ريمو (1920)، بل تعدت ذلك إلى إدراجها في تاريخ جديد حكم مسارها وحدد اتجاهات تطورها، حتى ليمكن القول: إن الحرب العالمية الأولى دشنت تاريخاً جديداً في العالم العربي بوجه عام وفي المشرق العربي بوجه خاص. وخصوصية المشرق العربي تكمن في جدة الكيانات السياسية واصطناعيتها من جهة، وفي تعسف التقسيم الكولونيالي الذي قطع التواصل الجيوسياسي والتواصل السكاني أيضاً.

فالدول التي انتصرت في الحرب العالمية الأولى اقتسمت تركة "الرجل المريض" وأنشأت كيانات سياسية جديدة كلياً ومقطوعة الجذور عن التاريخ السياسي وعن الجغرافية السياسية للمشرق العربي قبل هذه الحرب. والأمر الجديد الآخر هو محاولة جعل هذه الكيانات السياسية دولاً حديثة، على غرار الدول المستعمِرة أو المنتدَبة، وإقامة أنظمة حكم لا تمت بأي صلة إلى التاريخ السياسي العربي الإسلامي وإلى الثقافة السياسية العربية الإسلامية، ولا سيما في الحقبة المملوكية العثمانية الطويلة التي صاغت الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والأخلاقية وفق قوانينها الخاصة. يضاف إلى ذلك التطور المشوه أو النمو المشوه الذي نجم عن عملية التحديث الكولونيالي، لا بوصفها عملية برانية متعارضة مع جميع البنى الاجتماعية وأنساق القيم التي تتبناها فقط، ولا بوصفها عملية نازلة من فوق إلى تحت، أي من الدولة المصطنعة إلى المجتمع، فحسب، بل بوصفها عملية تحديث قطاعية ومبتورة اقتصرت على القطاعات التي تلبي حاجات الدولة المنتدبة وتحقق مصالحها فتحول دون مشاركة مختلف القوى الاجتماعية أو إشراكها في عملية التحديث، بصورة أساسية. ولذلك ظل التخارج حاداً بين الدولة والمجتمع، وبين القطاعات المحدَّثة والقطاعات التقليدية أيضاً، وبين الريف والمدينة بصورة أساسية، حتى كان بوسع المرء أن يتحدث عن شعبين مختلفين يتعايشان في كيان سياسي واحد[2]، إذ كانت نسبة الريفيين تزيد على 70% من مجموع السكان الذي كان يقدر بنحو مليونين ونصف المليون نسمة، في ذلك الحين، مما يبين ضآلة الفئات الاجتماعية الحديثة بوجه عام وضآلة الطبقة الثقافية والسياسية ومحدودية أثرها بوجه خاص. فإذا أخذنا هذه الوقائع في الحسبان، ولا سيما تخلع البنى الاجتماعية وتحاجزها وتوزع ولاءاتها يمكن أن نفهم أسباب افتقار هذه الكيانات الجديدة إلى المشروعية اللازمة لأي دولة حديثة، إذ لا نزال نرى حركات انفصالية هنا وهناك وحركات وحدوية، قومية أو إسلامية أو إقليمية تعبر كلها عن عدم اعتراف قطاعات واسعة من السكان بالجغرافية السياسية المستحدثة، ناهيك عن عدم استقرار هذه الجغرافية السياسية من إقامة الجمهورية العراقية والجمهورية اللبنانية إلى سلخ لواء اسكندرون (1939) ثم احتلال الجولان (1967)، وهو ما دفع بعض الباحثين إلى وصف سورية، بحدودها السياسية الراهنة، بأنها "دولة ما تبقى"، أي ما تبقى من سورية الطبيعية أو بلاد الشام. جميع الأحزاب السياسية والتيارات الفكرية والأيديولوجية لا تمنح الدولة القائمة بالفعل أي نوع من المشروعية، ولا يزال أهل المشرق العربي خاصة ينتمون ثقافياً وروحياً إلى دولة متخيَّلة. ولعل لهذا أثراً مهماً في تعثر بناء الدولة الوطنية وفي هشاشة التجربة الدستورية، وفي سهولة انتهاك الدستور، أي في سهولة نقض العقد الاجتماعي، وفي تعثر المشروع الوحدوي أيضاً.

وإلى ذلك فإن أحد أهم الأسباب التي أدت إلى تعثر بناء الدولة في البلدان حديثة الاستقلال، وإلى إخقاق الحداثة في مجتمعاتها المتأخرة، يكمن في صعوبة الانتقال من الجزئية إلى الكلية، ومن العرف إلى القانون، أي من الجماعات المغلقة والمتحاجزة إلى المجتمع المدني، ومن الملة إلى الأمة. وأبرز تظاهرات تأخر هذه المجتمعات هو تشظي المجال السياسي لكل منها، وتشظي مجالها السيادي. ذلكم هو الواقع الذي يقبع تحت القانون الصوري، غير المعمول به في الواقع إلا استثناء، والذي لا يتوفر بعد على القوة التي يتوفر عليها العرف والعادة والتقليد، فضلاً عن التعارضات الاجتماعية وما تولده من استقطابات وتنظيمات. لنقل إن الفارق النوعي بين "المجتمع الأهلي" والمجتمع المدني يكمن هنا، ويمكن أن نلخصه بالفارق النوعي بين العرف والقانون، وبين الجزئية المباشرة والكلية العينية. ففي المجتمعات المتأخرة ليس بوسعك أن تعاين سوى عائلات ممتدة وعشائر ومذاهب وطوائف وملل ونحل، وجماعات إثنية وأحزاب سياسية تلبست أسوأ صفات هذه البنى، وتنظيمات دولتية "حديثة" تشير إلى طابع "الحداثة" المحققة بالفعل، وهي حداثة قشرية هشة ومثلومة، على كل صعيد، ولا سيما على صعيد العمل والإنتاج الاجتماعي وعلى صعيد العلاقات الاجتماعية التي يفترض أن الإنتاج الاجتماعي يحددها وأنها تحدده. الدولة الوطنية هي ذروة عملية الإنتاج الاجتماعي وخلاصتها وتعبيرها الحقوقي والأخلاقي.

يضاف إلى ذلك أن مفهوم الدولة الوطنية، بالمعنى الذي نستعمله اليوم، لم يكن معروفاً في الثقافة السياسية العربية قبل أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وليس له أي مرتسم بعد في الوعي الاجتماعي، باستثناء النخبة التي لا تزال حداثتها موضع شك، ولا سيما بعد استبدال الشرعية الثورية بالشرعية الدستورية، منذ خمسينات القرن الماضي، وانقطاع "الثورة" التي ملأت صحراء الوعي السياسي عن الحداثة، وبروز الظاهرة التسلطية والنزعات الشعبوية والمجتمعات الجماهيرية. فمن البديهي وهذه الحال ألا يعنى الفكر السياسي العربي بالدولة القائمة بالفعل، لا في مفهومها ولا في واقعها العملي، لا من حيث ماهيتها ولا من حيث وظائفها، فيكف عن التعلق بدولة متخيلة، قومية أو إسلامية أو أممية، لا وجود لها إلا في أذهان من يعيشون حالة من الفصام يصعب الشفاء منها. ولم يرقَ الخيال السياسي بعد إلى مستوى يستطيع معه إدراك حقيقة أن الدولة الوطنية هي تجريد عمومية المجتمع المدني وكليته، وأنها بهذا المعنى هوية الاختلاف تمنح هويتها الوطنية لجميع أعضائها بالتساوي، ولجميع فئات المجتمع وتياراته الفكرية والأيديولوجية والسياسية بالتساوي أيضاً، فلا يعود هناك من هو أكثر أو أقل وطنية من الآخر، فتكف الوطنية عن كونها مجرد حكم قيمة أو مجرد موقف وجداني لتصير جملة من الحقوق والالتزامات والمسؤوليات ملقاة على عاتق مواطن حر هو عضو في الدولة، لا من خلال مشاركته الإيجابية في عملية الإنتاج الاجتماعي فقط، بل من خلال مشاركته الإيجابية المباشرة وغير المباشرة في الحياة السياسية.

ليس بوسعنا فهم الدلالات الجديدة لمفهوم الدولة بوصفها "مؤسسة سياسية شاملة" وكائناً سياسياً وأخلاقياً، أي بوصفها تجريداً لعمومية المجتمع وتحديداً ذاتياً للشعب، بمعزل عن التحولات الاجتماعية النوعية التي شهدتها المجتمعات التي غدت مجتمعات حديثة، ولعل أهم هذه التحولات تحرر السياسة من العلاقات الدينية والعائلية والشخصية، جراء تحرر الأفراد من هذه العلاقات، وصيرورتهم أحراراً متساوين، ودخولهم في علاقات جديدة يحددها العمل الذي راح ينمو ويتطور وتتغير بنيته تغيراً جذرياً، ويتعاظم مردوده باطراد، أعني العمل الصناعي والتجارة بالضروريات، وتصنيع الزراعة ورسملتها، ونشوء الزراعات الواسعة والكثيفة، وإيلاء المحاصيل الصناعية أهمية خاصة، في البلدان الصناعية وفي المستعمرات. وجراء تمايز مجالات الحياة الاجتماعية واستقلال كل منها استقلالاً نسبياً، وهو ما اقتضى تعدد وظائف الدولة، وفصل السلطات. وأبرز سمات حداثة تلك المجتمعات هو ظهور طبقات اجتماعية حديثة، كالبورجوازية والبروليتاريا والطبقة الوسطى الجديدة. العمل يوحـِّد من كانت تفرقهم العلاقات الدينية والعائلية والشخصية، ويفرض نظاماً اجتماعياً جديداً يدمج الوحدات الإقليمية في جسم سياسي باتت عموميته أمراً لازماً. المجتمع المدني صار مجتمع الأعمال والطبقات والمصالح الخاصة العمياء التي لو أطلق العنان لكل منها وتركت لشأنها لما أمكن قيام عقد اجتماعي. العقد الاجتماعي يقيد المصالح الخاصة بقيود المصلحة العامة التي لا يمكن أن يمثلها إلا كائن سياسي مستقل ومحايد إزاءها جميعاً، وإزاء الأفراد بصفاتهم الشخصية ومحمولاتهم، هذا الكائن السياسي الذي أنتجه العقد الاجتماعي صار نقطة التقاء جميع الأفراد بوصفهم مواطني الدولة، وقد بات من الضروري أن تكون هذه الدولة وطنية، أي أن تكون دولة الأمة. "فالدولة الوطنية لا تلائم الوحدات المغلقة الإقطاعية، بل تتناسب مع مجتمع مبني على الصناعة والتبادل والتجارة الحرة". وكون الدولة وطنية يعني كونها فوق الطبقات والانقسامات، وفوق الأفراد جميعاً، بمن فيهم الملك أو رئيس الدولة؛ ومن ثم فهي التجسيد القانوني للأمة "ذلك الكائن الأخلاقي الممثل لأفراد المملكة أو الجمهورية"، لا لجزء منهم، مهما كان هذا الجزء كبيراً. وفيما تبدو الدولة متسامية عن التقسيمات الطبقية، فإنها تعبر عن وحدة النظام الاجتماعي. والفرق بين الفرد الطبيعي والمواطن صار يجد ترجمته في الفرق بين المجتمع المدني والدولة. الفرد الطبيعي هو أساس المجتمع المدني، والمواطن هو أساس الدولة السياسية، ولذلك اقترنت المواطنة بالمشاركة الإيجابية في الحياة السياسية.

انفصال الدولة عن المجتمع المدني أو استقلالها عنه واقعة تاريخية وعيانية تحيل على نمو الحياة الاجتماعية وتقدمها واستقلال مجالاتها استقلالاً نسبياً، ولكن هذا الانفصال أو الاستقلال ليس انفصالاً ميكانيكياً، ولا استقلالاً مطلقاً، بل هو بالأحرى ما يجعل من الدولة والمجتمع المدني قطبين جدليين في وحدة تناقضية تسمح بتحول كل منهما إلى الآخر. فكرة الانفصال / الاتصال، أو الاستقلال النسبي نجمت وتنجم دوماً عن الفرق بين المجتمع المدني والدولة، أي عن الفرق بين صيغتين من صيغ العمومية، عمومية بالقوة وعمومية بالفعل؛ وكل فرق هو حد يضع تعارضاً أو تناقضاً يتحول إلى جدل بتوسط الممارسة. والانتخابات هي الممارسة الجماعية التي تمكن المجتمع المدني من الحضور في الدولة على أنه مضمونها ومحتواها، وتمكن الدولة من الحضور في المجتمع المدني على أنها شكل وجوده السياسي وتحديده الذاتي. بوساطة الانتخابات يحكم الشعب نفسه بنفسه ويشرع لنفسه، ويرى فيها كل مواطن مصلحة عملية، وتوكيداً فعلياً لعضويته في الدولة، إذ يغدو حاكماً ومحكوماً في الوقت ذاته. فمفهوم الانتخابات وفق هذه الرؤية يرادف مفهوم المشاركة السياسية، ومفهوم المواطنة. وهي فوق ذلك الوسيلة التي بها تحصل السلطة السياسية على المشروعية التي تؤهلها للحكم بموافقة الناخبين أو بموافقة الشعب، مصدر المشروعية الوحيد. إنها قاعدة الديمقراطية ووسيلة صالحة لتأمين سيطرة المواطنين على عملية اختيار حكامهم وتحديد ماهية النظام الاجتماعي الذي يريدونه لأنفسهم وتحديد الضوابط الدستورية والقانونية التي تمكن النظام من العمل وتوفر له شروط الاستقرار والتوازن. فهي من هذه الزاوية الوسيلة المثلى للاستقرار السياسي، وفسادها والتلاعب بها يؤديان إلى الفوضى والاضطراب. وما من شك في أن تزوير الانتخابات والتلاعب بها يحققان مصلحة مباشرة للمزورين والمتلاعبين، لكن هذه المصلحة عابرة ومؤقتة في جميع الأحوال، ولا تلبث أن تنقلب إلى نقيضها انقلاب السحر على الساحر. ولا تستمد الانتخابات قيمتها من كونها مباشرة وسرية ونزيهة تجري بإشراف قضاء مستقل فحسب، بل من مستوى الحريات العامة التي يتمتع بها المواطنون، ومن القوانين التي تنظم الحياة العامة، ولا سيما الحياة السياسية. فالانتخابات نوع من ممارسة جماعية يتنافس فيها الأفراد والأحزاب وجماعات المصالح الخاصة، وجماعات الضغط. وبممارستها مرة تلو مرة تتبلور التعارضات الاجتماعية ويتحول بعضها إلى جدل يرقى بالممارسة الاجتماعية والسياسية، ويرقى بالتشريعات والقوانين ذاتها.

الانتخابات بوجه عام، والانتخابات التشريعية العامة بوجه خاص، هي المنبع الأصلي لشرعية السلطة، تسهم في بلورة العلاقات الطبقية وتركيزها في المجتمع المعني، وفي تركيز سلطة الحاكمين، برغم الاستقلالية النظرية للسلطة المنتخبة عن المجتمع. وبهذا تغدو السلطات المنتخبة أكثر شرعية من جهة، وأكثر تعبيراً عن الفروق الطبقية من جهة أخرى؛ وهذه المفارقة هي إحدى تجليات الجدل الاجتماعي، أو ما يمكن أن نصفه بهمس التاريخ الذي هو ظل الإنسان في المجتمع المعني. ومن ثم فإن القواعد والقوانين التي تجري الانتخابات بموجبها، في هذا المجتمع أو ذاك، كانت ولا تزال تعكس العلاقات الاجتماعية السياسية بوجه عام والعلاقات الطبقية بوجه خاص، ولذلك كان شمول حق الانتخاب جميع الفئات الاجتماعية وشمولها الراشدين والراشدات، بلا تمييز ولا استثناء، الخطوة الحاسمة في التحول التاريخي من الليبرالية إلى الديمقراطية، بعد أن كان حق الانتخاب مقصوراً على دافعي الضريبة من الذكور الذين بلغوا سن الانتخاب، أو مشروطاً بالكفاية والثروة أو غيرها من الشروط التي تقصي كل الذين لا ترغب السلطة السياسية أو سلطة الملكية الخاصة في تمكينهم من حق المشاركة السياسية. التجربة الدستورية هي المشاركة السياسية في حياة الدولة، وإعادة إنتاج العقد الاجتماعي والوحدة الوطنية، وحدة الاختلاف، في كل دورة انتخابية، إن لم نقل كل يوم.

في ضوء هذه الحيثيات يمكن الحديث عن التجربة الدستورية في سورية، بالسلب والإيجاب، في ثلاث مراحل هي: المرحلة الكولونيالية (1920 1946) والمرحلة الليبرالية القصيرة (1946 1958) والمرحلة الثورية (1958 إلى اليوم)، مع فاصل زمني، هو عهد الانفصال، مدته نحو سنة ونصف السنة (من 28 أيلول / سبتمبر 1961 إلى 8 آذار / مارس 1963)، يمكن إضافته إلى المرحلة الليبرالية، مع أنه لم يشكل أي فرق يذكر في سياق التحول إلى النسق الشمولي الذي بذرت بذوره الأولى إبان وحدة سورية ومصر.

1915 1916 معاهدة بطرسبورغ، 9 أيار 1916 معاهدة سايكس بيكو، 1918 إعلان الهدنة في موندروس التي قضت بجلاء الأتراك عن جميع بلاد العرب، 1919 المؤتمر السوري المنتخب، وقد عقد أول اجتماع له يوم 7 آذار وأعلن استقلال البلاد السورية بحدودها الطبيعية واختار الأمير فيصل ملكاً. وفي 8 آذار 1919 أصدر فيصل الأول مرسوماً بتأليف الوزارة السورية الأولى برئاسة رضا الركابي[3]. 15 أيلول 1919 مؤتمر فرساي أطلقت فيه يد فرنسا في سورية الداخلية مقابل تخليها عن ولاية الموصل، على أن تنال 23.5% من نفط الموصل، والاعتراف بالانتداب البريطاني على فلسطين وضم أراضي شرق الأردن إليها. 25 نيسان 1920 مؤتمر سان ريمو، 18 تموز 1920 إنذار غورو، وفي 24 تموز 1920 معركة ميسلون. استقالت وزارة الركابي تألفت وزارة حرب برئاسة هاشم الأتاسي وتسلم رياض الصلح رئاسة مجلس الشورى وعبد الرحمن الشهبندر وزارة الخارجية ويوسف العطمة وزارة الحربية وفارس الخوري وزارة المالية وجلال الدين للعدل وساطع الحصري للمعارف وجورج رزق الله للتجارة والزراعة. وهي الوزارة التي قررت الدفاع عن استقلال البلاد فأعلنت الحرب على فرنسا في 21 تموز 1920، وفي الخامس والعشرين من تموز دخل الفرنسيون دمشق. فاستقالت وزارة هاشم الأتاسي ونقل الملك فيصل نقره إلى الكسوة وألف وزارة جديدة برئاسة علاء الدين الدروبي، وفي 27 تموز أعلن الجنرال غورو الإدارة العرفية، وفرض على الحكومة شروطاً قبلت بتنفيذها، ووجه إنذاراً إلى الملك فيصل بمغادرة سورية فغادرها يوم 29 تموز 1920، وقسمت سورية إلى خمس دول إضافة إلى لبنان الكبير.

في أيلول وتشرين الأول من عام 1923 أجرت السلطات الفرنسية أول انتخابات برلمانية في المناطق السورية أسفرت عن مجلس يضم 33 عضواً برئاسة بديع المؤيد، يمثل اتحاد "دول"[4] دمشق وحلب والمنطقة الساحلية والمنطقة الداخلية. وكان يفترض أن تعود السلطة التنفيذية في هذا الاتحاد إلى رئيس ينتخبه أعضاء المجلس، فانتخب صبحي بركات. ولكن المجلس لم يكن يتمتع بأي صلاحيات فعلية .

وحين قامت الثورة السورية (1925-1927)، التي شملت جميع أنحاء البلاد، كان من أهدافها إجلاء القوات الأجنبية واستعادة وحدة البلاد والاعتراف باستقلالها وسيادتها وانتخاب جمعية تأسيسية تضع دستوراً للبلاد. وفي عام 1925 توجه وجهاء دمشق ومشايخها إلى الحاكم الفرنسي ببرنامج ينص على وحدة سورية في حدودها ما قبل الحرب واستقلالها وإجراء انتخابات إلى الجمعية التأسيسية ووضع الدستور وتطبيق النظام البرلماني وتقييد سلطة المستشارين الفرنسيين وتعيين شخصيات وطنية في المناصب الحكومية العليا وإجراء المرافعات القضائية باللغة العربية وإطلاق الحريات الديمقراطية وتطبيق نظام الحماية الجمركية وإلغاء المشاريع والمؤسسات الفرنسية بصورة جزئية ووضعها تحت إشراف الحكومة الوطنية وإعادة المعادل الذهبي للعملة السورية وإعادة وضع الأوقاف تحت إشراف رجال الدين. فلم تستجب السلطة الفرنسية إلا في 26 تموز / يوليو عام 1927حين أصدر المفوض السامي الفرنسي بياناً دعا فيه إلى تشكيل حكومة مؤقتة برئاسة الشيخ تاج الدين الحسيني مهمتها الإشراف على انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستوراً دائماً للبلاد، وجرت الانتخابات في تموز / يوليو 1928، وحقق فيها مرشحو الكتلة الوطنية فوزاً كاسحاً. وفي 15 حزيران / يونيو 1928 عقدت الجمعية التأسيسية دورتها الأولى وانتخبت هاشم الأتاسي رئيساً وألفت لجنة دستورية من ساسة بارزين بينهم فوزي الغزي وسعد الله الجابري وعبد الرحمن الكيالي ولطفي الحفار وإحسان الشريف ومظهر أرسلان وفارس الخوري ونوري الأصفري وإسماعيل الحريري ومجهم بن مهيد وغيرهم . شرعت في وضع الدستور الدائم الذي نص على النظام الجمهوري البرلماني وعلى وحدة أراضي الدولة السورية واستقلالها وعلى فصل السلطات. إلا أن المندوب السامي اعترض على بعض مواد الدستور لتجاهلها واقع الانتداب، وأضاف المادة 116 التي تقيد جميع مواد الدستور، رفضها البرلمان، فأصدر المندوب السامي بياناً آخر يقضي بتعطيل الدستور وتعليق الجمعية التأسيسية.

وفي عام 1932 انتخب برلمان جديد برئاسة صبحي بركات عقد جلساته في المبنى الحالي للبرلمان السوري وانتخب محمد علي العابد رئيساً للجمهورية، وكان من أولى مهامه إلغاء المادة 116 التي أضافها المندوب السامي إلى دستور عام 1928 والعمل في سبيل استقلال البلاد ووحدة أراضيها ومعارضة سلخ لواء اسكندرون. وحين رفض هذا البرلمان مشروع الصداقة والاتحاد بين سورية وفرنسا قامت السلطة الفرنسية بحله، ولم ينتخب برلمان جديد إلا بعد توقيع معاهدة 1936 التي اعترفت بموجبها فرنسا باستقلال سورية ووحدة أراضيها، ولكنها قيدتها بقيود شتى اقتصادية ومالية وعسكرية وثقافية.

اجتمع مجلس للنواب بعد المعاهدة في كانون الأول من عام 1936 برئاسة فارس الخوري وانتخب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية، وكلف جميل مردم بك بتأليف الحكومة التي ستعمل على إبرام المعاهدة وإنجاز الاستقلال. إلا أن خلافات حادة نشبت في أوساط الوطنيين حول مضمون المعاهدة التي تلكأت الجمعية الوطنية الفرنسية في إقرارها، فدخلت البلاد في حالة من الفوضى والاضطراب، تعطلت معها الحياة الدستورية حتى عام 1943، إذ انتخب برلمان جديد. برئاسة فارس الخوري، وأعلن النواب في جلستهم الأولى في 17 آب 1943 إعادة السلطة التمثيلية إلى البلاد. وانتخب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية وشكلت حكومة جديدة أنجزت ما عجزت عنه حكومة مردم بك. ففي 21 آب عام 1943 ألغى البرلمان السوري المادة 116 من الدستور واستأنف المعركة السياسية مع الفرنسيين حتى تحقق الاستقلال في 17 نيسان 1946.

بعد الاستقلال جرت عام 1947 أول انتخابات إلى البرلمان الجديد الذي سمي مجلس النواب، وانتخب فارس الخوري رئيساً للمجلس الذي لم يعمر طويلاً، إذ دخلت سورية مرحلة الانقلابات العسكرية، كان أولها انقلاب حسني الزعيم (30 آذار / مارس 1949) وثانيها انقلاب سامي الحناوي (14 آب / أغسطس 1949) وثالثها انقلاب أديب الشيشكلي الأول (19 كانون الأول / ديسمبر 1949) ثم انقلاب الشيشكلي الثاني (2 كانون الأول / ديسمبر 1951) وخامسها انقلاب مصطفى حمدون (25 شباط / فبراير 1954) الذي أسقط دكتاتورية الشيشكلي وأعاد الحياة الدستورية بانتخاب مجلس نيابي جديد في العاشر من أيلول 1954.

وكان سامي الحناوي قد ألف لجنة دستورية برئاسة رشدي الكيخيا لوضع دستور جديد أقره مجلس النواب برئاسة معروف الدواليبي عام 1950 قبل أن يحله الشيشكلي. ثم تألف مجلس نيابي برئاسة مأمون الكزبري لم يعمر أكثر من شهرين من عام 1953 إلى عام 1954. وفي عام 1954 استأنف مجلس النواب الذي حله أديب الشيشكلي عمله حتى عام 1958، وهو المجلس الذي أقر مشروع وحدة سورية ومصر التي انتهت بانقلاب عسكري في الثامن والعشرين من أيلول / سبتمبر 1961.

على الرغم من توالي الانقلابات العسكرية التي نجحت والتي لم تنجح شهدت سورية، في تلك المرحلة الليبرالية القصيرة، نشاطاً نقابياً وسياسياً وثقافياً ملحوظاً، فتعددت الأحزاب السياسية وتكاثرت الصحف والمجلات والمنشورات الحزبية، وأخذت الحيوية تسري في أوصال المجتمع الذي أرهقه الاستبداد والاستعمار وانخرطت دوائر أوسع فأوسع من الفئات الوسطى، ولا سيما الريفية منها، في مناهضة الاستبداد ومناهضة الإقطاع، وأخذ المجتمع يتجه نحو التحول إلى مجتمع مدني، مع انطلاق عملية تصنيع وتحديث خجولة ومترددة، عززها التوسع الأفقي في التعليم العلماني وتحسن تدريجي في البنى التحتية والخدمات الاجتماعية. وكان من أبرز ملامح تلك المرحلة نمو الحريات الأساسية، ولا سيما حرية الرأي والتعبير، وأسهمت الأحزاب السياسية التي استقطبت معظم المثقفين وكتلة الإنتلجنتسيا الناشئة في بناء رأي عام حول القضايا الاجتماعية والوطنية والقومية والثقافية، حتى بات بوسع المراقب من الخارج أن يلاحظ وجود تيارات فكرية وسياسية مختلفة ومتباينة.

على أن أبرز ظاهرتين وسمتا تلك المرحلة وتركتا أثراً عميقاً في الحياة السياسية هما صعود الفئات الوسطى إلى مقدمة المسرح السياسي تعززها "طبقة عاملة" حديثة النشوء وطرية العود، وتحول الجيش إلى قوة أساسية في حسم التعارضات الاجتماعية والصراعات السياسية، وكانت كتلة الجيش الأساسية من أبناء الفئات الوسطى والفقيرة، ولا سيما أبناء الريف، في ظل عزوف أبناء المدن، ولا سيما الأغنياء منهم عن الخدمة العسكرية. وكان لهاتين الظاهرتين أثر مهم في ارتباط المسألة الوطنية والقومية بالمسألة الاجتماعية (الطبقية) في ظل الصراع الإقليمي والدولي على سورية، خاصة بعد قيام دولة إسرائيل.

الصراع الإقليمي والدولي على سورية وقيام دولة إسرائيل عززا مرة أخرى شعور قوى أساسية في سورية بأن "الجمهورية السورية" كيان سياسي مؤقت لا يعدو استقلاله أن يكون مرحلة عابرة في طريق "إعادة الأمور إلى نصابها"، أي في طريق الوحدة العربية أو في طريق استعادة سورية الكبرى أو "الهلال الخصيب" أو في طريق الدولة الإسلامية أو في طريق الأممية البروليتارية. ولذلك ربما لم يكن للدستور ذلك الاحترام الذي يحظى به في الدول ذات الاكتفاء الكياني. والدستور كما هو معروف تعبير حقوقي عن العقد الاجتماعي وعامل رئيس في بناء الوحدة الوطنية، بما هي وحدة الاختلاف.

لذلك لم يأبه السوريون كثيراً بإلغاء الدستور وحل البرلمان وإلغاء حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير وفرض حالة الطوارئ منذ صبيحة الثامن من آذار 1963 والعمل بموجب قانون الطوارئ السيئ الصيت الذي وضع في عهد الانفصال. فقد وضعت "ثورة" الثامن من آذار نهاية غير سعيدة للحياة السياسية بوجه عام وللتجربة الدستورية بوجه خاص، وأدخلت البلاد في النسق الشمولي الذي لا يزال قائماً بتمامه.



[1] - راجع، غسان سلامة، المجتمع والدولة في المشرق العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1987

[2] - لعل إحدى أهم ميزات الناصرية أنها وحدت هذين الشعبين في شعب واحد، إذ أدخلت العالم الريفي الهاجع في عالم الثقافة والسياسة، ولم تتنبه إلى ضرورة تحديث الريف وتمدينه، فانتهى الأمر إلى ترييف المدن وترييف السياسة والثقافة، وتجلى ذلك في النزعات الشعبوية التي أسهمت في إعادة إنتاج الاستبداد. هذه المسألة لم يولها علم الاجتماع السياسي الأهمية التي تستحق. ولعل غلبة الفئات الوسطى الريفية في المجالين الثقافي والسياسي تفسر واقعة انقطاع الثورة عن الحداثة. يجب الاعتراف اليوم أن "الثورة" كانت ريفية بامتياز، لا في سورية والعراق فحسب، بل في مصر أيضاً، وفي الجزائر وليبيا واليمن، ولكننا نخص مصر، لأنها تتوفر على نوع من اكتفاء إقليمي ولديها تقاليد دولتية مستقرة، ولأن مسالة الهوية فيها أقل تأزماً، فالمصري يستمد هويته الوطنية / القومية من الدولة، لا من الأيديولوجية.

[3] - تألفت الوزارة على النحو الآتي: رضا الركابي رئيساً، علاء الدين الدروبي رئيساً لمجلس الشورى، رياش الصلح وزيراً للداخلية، عبد الحميد القلطجي وزيراً للحربية بالوكالة على أن يديرها يوسف العظمة رئيس الأركان، فارس الخوري للمالية، جلال الدين وزيراً للحقانية، ساطع الحصري للمعارف، عبد الرحمن الشهبندر للتجارة والزراعة.

[4] - كان الفرنسيون قد قسموا سورية خمس دويلات هي دولة دمشق ودولة حلب ودولة جبل العلويين ودولة جبل الدروز وسنجق اسكتدرون.