المؤتمر القطري الأخير لحزب البعث.....عين على الإخوان المسلمين وعين على أمريكا.....

 الطاهر إبراهيم

انعقد المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث في أوائل شهر حزيران الجاري،وقد رُسِمَ في بعض الأذهان رؤى وأحلام. وانتهى المؤتمر وقد انطفأت تلك الرؤى والأحلام،وما كان لها أن تتحقق في نظامٍ، يقع الشعب في آخر اهتماماته ،سواء كان من خطط هو قيادة حزب البعث أو الأجهزة الأمنية. فهذا المؤتمر لم يكن في وارده أن يفعل شيئا للشعب السوري، وإلا لكان الرئيس أو الحزب فعل شيئا قبل المؤتمر، فلم تكن تنقص الصلاحيات قبل المؤتمر لاتخاذ القرارات التي حلم بها بعض الحالمين.

الذين يعرفون كيف يفكر سدنة النظام السوري يؤكدون أن المؤتمر القطري لم يكن لمصلحة داخلية، بل لم يكن حاجة بعثية في أرجح الاحتمالات، وإن تمت دحرجة كثير من الرؤوس القديمة. فقد كان المؤتمر ،بالدرجة الأولى، رسالة موجهة إلى خارج الوطن إلى أمريكا مؤداها: "إلى من يهمه الأمر... نحن هنا.. وما لم يصل الأمر إلى أن تستبدلوا بنا نظاما آخر.... فإننا مستعدون للدفع والتنازل، ولا يهم الثمن .... أوكازيون...".

أوليس هذا هو مفهوم ما جاء في البيان الختامي للمؤتمر من ترحيب نظام حزب البعث بالتعاون مع أمريكا، إلا إذا تحولت أمريكا، في نظر البعث، إلى "سبيل" يشرب منه العطشى من الشعوب الفقيرة.ولكن لسوء حظ أصحاب الأوكازيون فقد جاء الجواب على غير ما يتمنون، وعلى لسان "رايس" في جولتها الأخيرة عند ما قالت لعدد من الوزراء الأوروبيين: (إن النظام السوري لم يفهم كل الرسائل والكلام الذي أبلغ إليه من الولايات المتحدة مراراً). (ما بين الهلالين من تعليق رندة تقي الدين في الحياة 24/6/2005 ).

واستطرادا، فإن ما ورد على لسان الرئيس بشار في افتتاح المؤتمر من أن قرارات المؤتمر القطري ستكون نابعة عن الهم اليومي للوطن والمواطن، قد يكون أمنية ورغبة كامنة في نفوس المؤتمرين البعثيين. وقد تكون للاستهلاك المحلي أو كما يقال "على عينك يا تاجر".

فقد كان دائما همّ نظام حزب البعث هو المحافظة على موقعه في السلطة، ولا تنبع القرارات من حاجة الوطن والشعب إليها، لأنهما –الوطن والشعب- في آخر أولويات هذا الحزب. والقرارات والقوانين، على كل حال، لا تصدر للحاجة إليها، بل لأغراض أخرى، غير التي تصدر من أجلها القرارات والقوانين في الدول التي تأتي حكوماتها صدى لرغبة شعوبها، وتصدر قراراتها في مصلحة تلك الشعوب.

وفي المنقلب الآخر، فقد كان الالتفات الآخر لمؤتمر الحزب هو قطع الطريق على أي توجه نحو الفئات المعارضة، وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين. ومع أنه ساد نوع من الهدنة بين النظام السوري وهذه الجماعة منذ مجيء الرئيس بشار الأسد إلى الحكم بسبب عقلانية الطرح الذي اعتمدته هذه الجماعة في خطابها، فقد كان مفاجئا ما ورد من إشارات عدوانية غير مبررة تجاهها، من خلال ما تسرب وما أعلن من توصيات نحو الجماعة.

وقد كان المتفائلون يتوقعون أن تصدر توصية بإلغاء القانون 49 لعام 1980 الذي يحكم بالإعدام، خصوصا وأن النظام كان يسعى إلى تحسين صورته في مجال حقوق الإنسان أمام الرأي العام العالمي، الذي يعتبر أن هذا القانون يشرع لقتل الإنسان البريء بسبب انتمائه الذي كفلته كل الدساتير.

واستطرادا فإنه لم تكن تنقص الرئيس حافظ الأسد –عند إصدار هذا القانون- الوسيلة للإجهاز على خصومه الإسلاميين، حيث كانت أجهزة الأمن تعتقل كل من هب ودب، وماكينة الإعدام تقوم بعملها داخل المعتقلات وفي الشوارع بعد سحب الضحية من بيته، وقد كان ذلك أكثر من كافٍ حتى يقول القائل "أنج سعد فقد هلك سُعيْد".ومع ذلك فقد صدر ذلك القانون الشائن ،الذي يحكم بالإعدام على مجرد الانتماء ،فقط، لجماعة الإخوان المسلمين، لماذا ؟.

فمع ما أسلفنا، فلم تكن هناك حاجة إلى سن هكذا قانون ،الذي يذكّر بمحاكم التفتيش التي حكمت أوروبا في القرون الوسطى، ولكنها الإرادة الفردية التي كانت تسيطر على عقل الحاكم المستبد الذي أراد أن يقول للشعب السوري: إن القانون هو ما آمر به. وإن وظيفة المؤسسات لا كما جاء في الدستور المكتوب بل كما أريد أنا: "ما علمت لكم من إله غيري".

وفي مواجهة الضحالة التي تكشفت عنها نتائج المؤتمر، قد تسمع من يقول لا بد من مؤتمر قطري كآلية تشرع للأمور الهامة. لقلنا لم يكن هناك قرار واحد هام صدر عن المؤتمر. كما أن الآلية لم تكن تُعْوِز الرئيس. فقد كان هناك دائما مجلس للشعب صُنِع للتصديق على هكذا قرارات. وعلى سبيل المثال لم يكن هناك مؤتمر قطري عندما صدر ، بمرسوم واحد، العفو الرئاسي عن أكثر من مئة ألف مجرم وحرامي في عام 2001 ،ولم يكن فيهم معتقل سياسي واحد من معتقلي الرأي.

لقد كانت هناك مئات المراسيم التي صدرت في العهد الجديد، ومنها ما تم بموجبه إلغاء المحاكم الاقتصادية، حتى "تسرح وتمرح" مجموعة "الأربعين حرامي" ،مع علاء الدين أو بدونه، على هواها في البلد.أما أن يصدر عفو عام عن أكثر من مئة ألف من المهجرين وأولادهم وأزواجهم ،فهذا فيه خراب البصرة عند النظام السوري. لأن فيهم أطفال المنفيين الإسلاميين الذين صاروا شبابا، ولابد أن يحسب النظام ألف حساب قبل أن يسمح بعودتهم.                   

لذلك لم يكن مستغرَبا أن تصدر في ثنايا توصيات مؤتمر "البعث" بعض الجمل المتناثرة التي تشير من طرف خفي إلى أن جماعة الإخوان المسلمين خط أحمر. غير أن معد التوصيات لم يجرؤ أن يجعلها توصية محددة قائمة بذاتها، حتى لا يقول قائل هاهي جماعة الإخوان المسلمين ما تزال تشكل في ذهن حكام البعث هاجسا مؤرقا للنظام.

لقد شعر قادة النظام بالهلع يملك عليهم أفئدتهم عندما قرئت في منتدى الأتاسي رسالة المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين المحامي "علي صدر الدين البيانوني". ومع أن مجرد قراءة الرسالة في المنتدى كان كافيا ليثير غيظ قادة النظام وخوفهم، فإن ما أشعرهم بالخوف الحقيقي ما قوبلت به قراءة الرسالة من تصفيق حاد، حتى أن من حضر المنتدى من البعثيين لم يملكوا أنفسهم أن يصفقوا مع من صفق لقراءة الرسالة، بعد أن لامست أوتارا في أفئدتهم كانت مخدرة بما ينالونه من منافع تأتيهم لقاء التزامهم مع حزب البعث.

قد يضحك البعثيون على صغار المنتمين لحزب البعث الذين استفادوا من انتمائهم لهذا الحزب بتعيينهم في وظائف هامشية لا يأتيهم منها إلا "قوت من لا يموت". وهؤلاء البعثيون أنفسهم لا يصدقون ما جاء في التوصيات، ولا يستطيعون أن يجعلوا الشعب السوري يصدق كل ما قيل في المؤتمر وكل ما صدر عنه.   

فمع ما هو معروف عن تزييف النظام السوري للحقائق، فقد استغرب المراقبون إلصاق صفة الاستقواء بالأجنبي بجماعة الإخوان المسلمين، مع أن هذه الجماعة هي أول من ندد بمن يفعل ذلك، عندما تم تضمين البيان الختامي لمؤتمر المعارضة الذي انعقد ،بدعوة من هذه الجماعة، في لندن عام 2002 :"وإنه لا يستقوي بالأجنبي إلا من هانت عليه نفسه".

كاتب سوري معارض يعيش في االمنفى