الإخوان المسلمون في سورية... جدلية الدين والسياسة......

الطاهر إبراهيم

مرة أخرى أجدني مدفوعا للكتابة في موضوع العلاقة المثيرة للجدل بين الإخوان المسلمين وباقي الأيديولوجيات على الساحة السورية. ولنستمع ابتداء إلى الأستاذ "ياسين الحاج صالح" يقول عن هذه العلاقة الجدلية في مقال له نشرته السفير في 3/6/2005 ،تحت عنوان "ماذا يريد الإخوان المسلمون":(الإخوان المسلمون مشكلة سياسية سورية؟ بلا شك. فهم تنظيم سياسي ديني، يتحرك بين تسييس الدين وتديين السياسة).

وعلى خلاف كثير من فصائل المعارضة ورموزها، لا تضيق جماعة الإخوان المسلمين بما يقال أو يكتب عنها، طالما أن ذلك يقع تحت مسمى الرأي والرأي الآخر. ثم هي بعد ذلك لا تضع من يعترض على نهجها في خانة الخونة، ولا تدعو إلى عزل من يعارضها عن باقي الأطياف السياسية. ولعل أصدق دليل على ذلك أن مطبوعات الإخوان المسلمين على صفحات الإنترنت(لأنه غير مسموح لهذه الجماعة أن تصدر أية مطبوعة ورقية)، تنشر على صفحات أعدادها مقالات تهاجم الجماعة (موقع الإخوان المسلمين- مركز الشرق العربي).  

وفي هذا السياق فإن الإخوان المسلمين السوريين لم يضيقوا بما يكتبه الأستاذ "الحاج صالح"، عند ما انتقد ما ورد عن الثقافة في مشروعهم السياسي. ويثمنون موقفه في وجه الدعوات التي تطالب بعزل الإخوان المسلمين عن أن يكون لهم دورهم السياسي في سورية المستقبل، كما جاء في المقال المشار إليه آنفا.

لقد كتبت في هذا الموضوع العشرات من المقالات، لا لأقول أن الإخوان المسلمين لم يقعوا في الخطأ خصوصا في الأعوام 1979 – 1982 ، بل لأقول أن من تورط من كوادرهم في تلك الفتنة لم يكونوا البادئين، بل دُفعوا إلى ذلك دفعا، بعد أن أحسوا أنهم مقتولون لا محالة، سواء  أقاوموا، أواعتقلوا ( وهذا ما حصل للمعتقلين عندما هاجمتهم سرايا "رفعت الأسد" في سجن تدمر يوم 26 ليلة 27 حزيران فقتلت منهم ما يقارب ألف معتقل وهم داخل جدران المعتقل لا حول لهم ولا قوة)، فاختاروا الأولى على الثانية.

وبينما كنا نقرأ للأستاذ "الحاج صالح" وغيره، ممن يرى أن سورية بحاجة إلى تجاوز هذا الماضي المؤلم، وأن الجميع مدعون إلى عدم الانشغال بإدانة الآخر وتبرئة النفس، لا لترك المسيء بعيدا عن العقاب، بل لصعوبة تمحيص وإثبات التهم بعد أكثر من ربع قرن، كنا نجد مثقفين بعثيين ينفخون في الجمر من تحت الرماد: مثل الأستاذ "الياس مراد " رئيس تحرير "تشرين" الذي قال في لقاء له على "العربية": (ما يزال بين الإخوان المسلمين والشعب السوري مشكلة لم تحل بعد). وللأسف فإن هناك كتابا يحسبون على المعارضة لا يبتعدون في مواقفهم كثيرا عما قاله "مراد". ولو كان النظام البعثي يعتقد حقا أن هناك مشكلة بين الشعب والإخوان المسلمين لسعى إلى وضع هذه المشكلة بين يدي القضاء النزيه الذي لا يكون قضاته معينين من قبل حزب البعث، وهذا ما دعا إليه المراقب العام للإخوان المسلمين الأستاذ "البيانوني".

واستطرادا، فإن مطالبة بعض رموز المعارضة لجماعة الإخوان المسلمين أن تقدم اعتذارها إلى الشعب السوري ليس في محله طالما أنه لم يتم إجراء تحقيق قضائي. هذا الكلام ليس تهربا من واقع، وإنما لاعتقاد الجماعة بأنها لم تتورط في الفتنة كمؤسسات،ومن وقع في المحظور إما أنه كان في وضع الدفاع عن النفس أو تصرف من دون الرجوع إلى القيادة.

أما إذا توافقنا على أن نتجاوز إحن الماضي وآلامه، فلا يبقى أمامنا إلا أن نتوافق على العيش في دولة مواطنوها متساوون في الحقوق والواجبات،لا يتفاضل فيها مواطن على آخر أو حزب على حزب إلا بما يقدمه هذا المواطن أو ذاك الحزب أكثر من غيره.

هذا يقودنا إلى قضية هامة وهي أنه لا يحق لأي فئة أو حزب أن تضع "الفيتو" على الآخرين بذرائع ليست أصلا محل اتفاق الجميع. وأنه لا بد أن نحتكم إلى آلية معينة تتبنى مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات.

هذه الآلية لا تتوفر حاليا إلا من خلال الاحتكام إلى صناديق اقتراع شفافة، تحت رقابة قضاء نزيه. ومع أنه قد لا يصل دائما الرجل المناسب إلى المكان المناسب من خلال هذه الصناديق، لكنها تبقى الآلية الأقل عرضة لتزييف آراء المواطنين كما هو حاصل في الدول الانقلابية التي تحكم باسم الحزب الواحد، حيث صناديق الاقتراع فيها مبرمجة على التسعات الأربع.

عند هذه النقطة ينبغي أن نتوقف قليلا ونستحضر صندوقا للاقتراع ( ولحسن الحظ فإن هذا الصندوق لايفهم لغة الأيديولوجيات.واللغة الوحيدة التي يفهمها هي عدد الأوراق الصحيحة التي ألقيت فيه)، ونقلبه رأسا على عقب ونفتش زواياه،فإذا وجدنا أن هذا الصندوق لا يميز بين ورقة وأخرى، فعندها فقط لا يحق لأحد أن يعترض على ما تأتي به تلك الصناديق. وبالتالي لا يجوز لأحد أن يضع شروطا على تمثيل أحزاب تجتاز بنجاح امتحان صندوق الاقتراع. 

ولأن بعض الأحزاب لا تحظى بشعبية تعتمد عليها في الوصول إلى تمثيلها في مجالس النواب المنتخبة، فهي تضع شروطا من شأنها أن تعمل على تغييب أحزاب تتمتع بتأييد شعبي مريح ، -ليخلو لها الجو- اعتمادا على حجج واهية لا ينبغي الالتفات إليها.

وبهذه المناسبة فقد (سألت الوطن القطرية في 8 –5 – 2005 معارضا سوريا قياديا ذا توجه قومي عربي عما إذا كان يرىأن تنظيم "الإخوان المسلمين" في سورية ينبغي أن يسمح له قانونا بالمشاركة في الحياة السياسية الحزبية إذا طبق في سورية نظام التعددية الديمقراطية، فإذا بهذا المعارض يتحدث عن "شروط"،على رأس هذه الشروط أن يتضمن أي دستور ديمقراطي في سورية المستقبلية حظرا على أي تنظيم حزبي يتبنى أيديولوجية أساسها الدين).

ولو رحت تسأل هذا القيادي العروبي (ومثله اليساري والليبرالي والاشتراكي) المعارض عن الحجة التي يراها سببا في حظر جماعة الإخوان المسلمين؟ لقال لك إن هذه الجماعة تتبنى أيديولوجية دينية.ولكنه لا يستطيع أن يجيبك إذا سألته:لماذا علينا أن نحظر الأحزاب التي تشتق اسمها من الإسلام دين غالبية الشعب، ثم نسمح لباقي الاتجاهات بتشكيل أحزاب؟.

بل إنه لن يكون مقنعا عندما يزعم أن الإخوان المسلمين ضد الديموقراطية. لأنك ببساطة سوف تحيله إلى الشعب السوري ليكون الحكم في ذلك من خلال صناديق الاقتراع، كآلية في الحكم. ومع ذلك سوف يصر على استكباره عندما يزعم أن الإخوان سينقلبون على الديموقراطية بعد وصولهم إلى الحكم. مَثَلُهُ في ذلك مَثَلُ الذي رأى طائر "الحباري" فزعم أنها "عنزة" فقيل له: انظر لقد طارت فقال: "عنزة ولو طارت".

لقد توقعت في مقال لي قبل أسبوع أن المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الذي انعقد في يوم 6حزيران الجاري سيكون مؤتمرا تجميليا بحتا، ولن يحفر عميقا وراء المشاكل المستعصية التي أوصل البلاد والعباد إليها.

وقد صح ما توقعناه فصُرف من الخدمة بعض "عجائز" حزب البعث وأتى بآخرين سيغوصون في الفساد كما غاص أسلافهم. وحتى قانون الأحزاب -قيل أنه لن يسمح بتشكيل أحزاب دينية أو مذهبية أو عرقية- الذي يتطلع إليه الراكضون وراء السراب، فإن النظام سيأخذ الأحزاب التي يمكن أن يرخص لها إلى حيث هي أحزاب "الجبهة التقدمية". 

نحن نتوقع جازمين أن قانون الأحزاب هذا بعد صدوره لن تكون مهمته التأطير لأحزاب فعلية، وإنما لحظر تشكيل أحزاب ذات حضور شعبي على الساحة السورية يمكن أن تكون منافسا حقيقيا لحزب البعث على حكم سورية.

وحتى لو استطاعت أحزاب حقيقية أن تصل إلى الترخيص العلني والعمل فوق الأرض، فإنه لن يسمح لها بالوصول إلى البرلمان إلا بالقطارة، طالما أن "قانون الطوارئ" هو المظلة التي تعمل تحتها أجهزة الأمن لقمع الآخرين.

 وعودا إلى ما يسعى إليه بعض المثقفين من محاولة عزل جماعة الإخوان المسلمين وإبعادها عن ساحة العمل السياسي، فإننا نعتقد أنهم يحاولون إعادة إنتاج أسلوب النظام البعثي في تغييب وقمع الآخر. يدفعهم إلى ذلك رغبة في الوصول إلى مناصب حرموا منها لأنهم ليسوا بعثيين.

فقط نقول لهؤلاء: إن ما يفعلونه هو تكريس لما بدأه حزب البعث منذ استولى على السلطة في سورية في آذار 1963 ، حيث قام بعزل القوى التي يمكن أن تكون منافسا حقيقيا له على الساحة السورية، هذا أولا، وثانيا فإننا نقول أيضا: إن عملا كهذا سيضعف أي جهد سياسي غايته كسر احتكار حزب البعث للسلطة.

ولعلنا لسنا بحاجة إلى التأكيد بأن الشعب السوري من أنضج الشعوب العربية، وأنه إن سكت بعض الوقت عما أوقعه به حزب البعث من ظلم واستبداد، فإنه لن يختار إلا من يثق به عندما يدعى إلى صناديق الاقتراع. وفي النتيجة فإن الذي يسعى لعزل الآخر عن العمل السياسي سيجد في النهاية أنه إنما يعزل نفسه عما تواضعت عليه الفصائل السياسية السورية المعارضة من أنه يجب ضم الجهود لا تفريقها. 

   كاتب سوري معارض يعيش في المنفى