الإخوان المسلمون في سورية......... رؤية من الداخل (2 من 2 ).....ما ذا يقوله الآخر عنهم؟..

 

في الجزء الأول من مقال لي تحت عنوان " الإخوان المسلمون في سورية...رؤية من الداخل" أجريت مراجعة سريعة وموجزة لأحداث جرت في سورية، كان اسم جماعة الإخوان المسلمين في سورية يتردد فيها ، سواء كانت مشتركة فيها أو أقحمت فيها إقحاما.

وسأحاول أن أسدد وأقارب في هذا الجزء الثاني الذي يشرح الواقع الملتبس لردود أفعال بعض الكتاب الذين تناولوا الشأن الإخواني في سورية دون أن يكون عندهم خلفية كاملة عن العلاقة الحقيقية للإخوان المسلمين في ما نسب إليهم من أفعال.

فقد نشرت "أخبار الشرق" في 12 أيار الجاري رسالة أرسلها مثقف سوري يعيش في "صوفيا" هو الدكتور محمد عبد الله الأحمد، يمتدح فيها أسلوب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين المحامي "على صدر الدين البيانوني"، جاء فيها: (يبدو أن الرجل قام بواجبه الضروري تجاه جماعة أقامت فهمها للسياسة على مذهب نفي الآخر وتكفيره وجعلت من مبدأ الحرب الداخلية برنامج عمل لها افتخرت في إعلانه عبر منشوراتها وتصريحات قادتها).

وهذا المديح للأستاذ البيانوني –وبالمناسبة فالبيانوني يستحق أكثر منه-لن يجعلنا نغمض العين عن مغالطات كثيرة وردت في الرسالة، ما بين الهلالين بعض منها. على أنه لن يكون هذا المقال ردا على هذه الرسالة ولا ردا على كتاب بأعيانهم بقدر ما هو توضيح لإشكالات وردت في مقالات لبعض الكتاب السوريين ممن تناول الشأن الإخواني.

ولقد أصبح متعينا الآن توضيح بعض الأمور،في وقت تتعرض فيه الساحة السورية إلىمايشبه الإعصار، بعد أن فرض المجتمع الدولي انسحابا سوريا قسريا من لبنان، لن يكون ،على ما يظهر،نهاية المطاف في التهديد الأمريكي لسورية،وإن جرى تغليف هذا التهديد بمطالبة "بوش" إشاعة الديموقراطية: من طهران إلى بيروت مرورا بدمشق .

ولقد كان السوريون في غنى عن كل ذلك لو أن النظام نفذ اتفاق الطائف كما هو، بدلا من أن يسوف حتى فرض عليه تنفيذ القرار 1559.في هذا الوقت نجد أن النظام ما يزال لا يلقي بالا إلى ما يتهددنا جميعا، ويحاول أن يشغل نفسه والسوريين بأخبار عقد المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث السوري، وكأن هذا المؤتمر سيخرج "الزير من البير". لم يحاول في نفس الوقت أن يتقرب من السوريين بإشاعة بعض الحرية التي حرمهم منها أكثر من أربعة عقود، بل قام باعتقال إدارة منتدى "الأتاسي" دون أي مبرر.                        

ولم يكن النظام وحده منشغلا بترفه "القطري" هذا، بل إن البعض من المعارضين انغمسوا أيضا في ترف السجال في قضايا لا يتسع الزمان ولا المكان لمثل هذا الترف. واستعملوا نفس أسلوب النظام في إقصاء الآخر ودعوا إلى ديموقراطية تتسع إلى أطياف دون أطياف أخرى.

وحتى لا تشغلنا العموميات عن صلب الموضوع،فقد شهدنا في الآونة الأخيرة قيام بعض الكتاب بوضع جماعة الإخوان المسلمين في مرمى الاستهداف. وبعض هؤلاء محسوب على المعارضة السورية. ولقد جاء أكثر هذا الاستهداف، بعد أن نشرت هذه الجماعة في 3 أيار من عام 2001 "ميثاق الشرف" الذي بينت فيه رؤيتها للقضايا الساخنة المطروحة على الساحة السورية، ودعت بعده إلى مؤتمر موسع لفصائل المعارضة عقد في "لندن" في آب 2002 حضره ،إضافة إليها، إسلاميون مستقلون ونصارى وأطياف من أقصى يسار المعارضة السورية.

ومع أن "المشروع السياسي لسورية المستقبل... رؤية جماعة الإخوان المسلمين" الذي أعلنته هذه الجماعة في مؤتمرها الصحفي الذي عقدته في "ديسمبر" من عام 2004 ، قد حظي بالقبول من معظم أطياف معارضة الداخل والخارج، إلا أنه أثار زوبعة من الانتقادات، معظمها نابع من أن "أيديولوجية" المعترضين لا تتوافق مع الرؤية التي اعتمدتها جماعة الإخوان المسلمين في هذا المشروع.

وإذا كان ما ورد حول المرأة قد نال نصيبا وافرا من انتقادات المنتقدين، ورد عليهم بعض الكتاب الإسلاميين، فلاشك أن موضوع الديموقراطية قد حظي أكثر من غيره بالمتابعة. مع أنه كان واضحا أن الجماعة قد حسمت أمرها واعتمدت هذا الخيار كأساس في مشروعها السياسي. غير أننا نعتقد أن القضية تبدو أبعد مما تضمنه أو ما لم يتضمنه هذا المشروع في موضوع الديموقراطية، وأن الأمر يتعلق بمستقبل المنافسة بين جماعة الإخوان المسلمين وبين كثير من الفصائل المعارضة الأخرى التي تنظر إلى ما بعد نظام حكم حزب البعث.

وقد انصبت شبهات المنتقدين حول قضايا معينة، سنستعرض أهمها ونبين دوافع تلك الانتقادات وإلى أي مدى كانت تنطبق هذه الانتقادات مع حال الإخوان المسلمين أولا، وثانيا إلى أي مدى كان المنتقِد بعيدا عن الوقوع في الشبهات التي انتقد بها غيره.

أولا: الإخوان المسلمون يظهرون التزامهم الديموقراطية حتى يصلوا إلى الحكم.

فهم في رأي المنتقدين قد لبسوا العباءة الديموقراطية في طروحاتهم،ولكنهم كانوا قد لبسوا تحتها ثيابا ثقيلة حيكت بخيوط إقصاء الآخر بعد أن "تمسكنوا حتى يتمكنوا". وهذا الاتهام عدا عن كونه محاكمة للنوايا، فإنه اتهام بدون دليل.وإلا لو قبلنا سوق الاتهامات بدون التدليل عليها ببينة أو استنتاج من قرائن، لكانت الحياة غابة لا يمكن أن يقبل فيها رأي إنسان على أنه هو حقيقة ما يفكر به. وعلى هذا المقياس فإن من اتهموا الإخوان هم متهمون أيضا بنفس "الداء الذي رموا به الإخوان وانسلوا منه". وإلا فما الذي برأهم ودان الإخوان؟.

فتاريخ الإخوان المسلمين السوريين يشهد بعكس ذلك. فعلى مدى ربع قرن، قد تداول على منصب المراقب العام ،وبالانتخاب، ستة مراقبين عامين، -لا يزال خمسة منهم على قيد الحياة- قام باختيارهم ستة مجالس شورى منتخبة. وليأتنا هؤلاء المتهِمون –بكسر الهاء- بأي حزب سوري آخر اعتزل رئيسه رئاسة الحزب قبل أن يلقى ربه.

ثانيا: لا يمكن الوثوق بتخلي الإخوان عن أسلوب العنف وسيلة لإقصاء الآخر.

كان أول احتكاك بين الإخوان المسلمين ونظام حزب البعث يوم نشر الضابط المرشح "إبراهيم خلاص" مقالا شتم فيه الذات الإلاهية على صفحات مجلة جيش الشعب في عام 1967 . ولقد قامت أجهزة أمن النظام باعتقال آلاف الإسلاميين، بعد أن استنكر خطباء الجمعة صدور هذا المقال.

 على أنه لا يجب أن يقال إن الإخوان المسلمين قد استغلوا منابر المساجد لقضايا سياسية. فقد كانت منابر الجمعة المتنفس الوحيد لهم يدافعون من فوقها عن عقيدة الأمة، بعد أن أغلق النظام البعثي كل الصحف إلا الناطقة باسمه.

ولا يجب اعتبار المواجهات العنيفة ،التي دارت رحاها في أوائل ثمانينيات القرن العشرين بين السلطة البعثية و"الطليعة المقاتلة"،هو جنوحٌ من الإخوان المسلمين نحو العنف. فحقيقة الأمر أن الإخوان المسلمين قد استُدرِجوا إليها ،دون أن تهدف قيادتهم إلى ذلك، بسبب علاقات الصداقة بين طلابٍ إخوانيين جامعيين وآخرين من الطليعة، وما استتبع ذلك من اعترافات المعتقلين الإخوانيين أثناء التعذيب الشديد على أفراد أسرهم الإخوانية.

وقد جد هؤلاء الإخوانيين أنفسهم أمام أمرين لا ثالث لهما:إما الالتحاق بالعمل المسلح أو الوقوع في أسر الاعتقال. ما أدى إلى اختلاط حابل الإخوان المسلمين بنابل الطليعة،فوجد الإخوان المسلمون أنفسهم منغمسين في أتون هذه الفتنة من دون أي يسعوا إليها. على هذه الخلفية الاستثنائية السابقة، بنى أكثر الكتاب نظريتهم المتشددة حول لجوء الإخوان المسلمين إلى الاحتكام للسلاح والعنف.

ثالثا: الإخوان ما يزالون ينطوون على أيديولوجية إسلامية متعصبة لا تقبل الآخر.

لم يقدم هؤلاء الكتاب أي دليل على اتهام الإخوان بالتعصب، كما أنهم تعاموا عن حقائق دامغة صبغت نشاط الإخوان المسلمين أثناء الفترات الديموقراطية القصيرة التي عاشتها سورية.

فعلى سبيل المثال لا الحصر: فقد خاض الإخوان المسلمون انتخابات عام 1961 ،بعد انفصال سورية عن مصر، من خلال قائمة ضمت إليهم كلا من الدكتور "رزق الله الأنطاكي" والأستاذ "ليون زمريا" والأستاذ "عبد الله يوركي حلاق" وجميعهم مسيحيون، ترشحوا على قائمة الإخوان المسلمين في حلب. كما ترشح الأستاذ "أديب نصور"، وهو مسيحي أيضاً، على قائمة الإخوان المسلمين في حماة في تلك الانتخابات.

رابعا: الإخوان المسلمون اسم ذو مدلول طائفي.

ومع أنه "لا مشاحة في الاصطلاح"،ولكل جماعة أو حزب أن يتخذ الاسم الذي يريد، وإن العبرة في الممارسة الحزبية على أرض الواقع......فإن جماعة الإخوان المسلمين لا تنفرد وحدها في هذه التهمة إن كانت ثمة تهمة.

فحزب البعث العربي يحمل صفة ذات مدلول قومي، يجعل باقي القوميات تنظر إليه بعين الشك والريبة،خوفا من أن يحفزه ذلك إلى التميز عن باقي القوميات. ونفس الكلام يقال عن حزب الاتحاد الاشتراكي العربي. ولقد كانت لحزب البعث تجربة إقصائية ضد باقي القوميات كما في العراق. وقد رأينا أخيرا من تمييز البعثيين السوريين ضد الأكراد في سورية أثناء أحداث "القامشلي" الأخيرة واعتقال للمئات منهم على خلفية تلك الأحداث. كما تبين أن هناك أكثر من ربع مليون كردي سوري محرومون من الجنسية السورية.

ويبقى أن نقول أن الآخر هو الذي ينفي الإخوان المسلمين وليس العكس، ويتوسل إلى ذلك بكل شبهة يعتقد أنها توصله إلى ما يريد، ونحن نعتقد أن مرد ذلك إلى أسباب أهمها:

السبب الأول: ما يزال بعض الكتاب اليساريون ،رغم الثقافة العالية التي يتمتع بها خصوصا من كان منهم قد تخرج من معتقلات حزب البعث، لم يستطع أن يدخل إلى صميم الأفكار التي بنى الإخوان المسلمون دعوتهم عليها، مع أن البعض منهم قدم شهادات إيجابية، بعد إعلان الإخوان المسلمين لمشروعهم السياسي.

الثاني:ما تزال تعلق في أذهان البعض بقايا الدعاية الناصرية التي حاولت تشويه سمعة الإخوان في مصر في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، عن علاقة الإخوان المسلمين المزعومة ببريطانيا، مع أن الوثائق التي نشرت مؤخرا أثبتت علاقة عبد الناصر بأمريكا وليس العكس.

الثالث: سبب انتخابي بحت. فهم يعرفون أن الناخب السوري ما يزال يثق بالإخوان المسلمين. ومع أنه قد تتكفل الأيام بتفنيد السبب الأول بعد أن يتم الاحتكاك والتواصل أكثر فأكثر، كما أن السبب الثاني أصبح متهافتا بعد وضوح مواقف الإخوان...... فإن السبب الأخير مشكل. إذ لا يعقل أن يعمد الإخوان إلى تشويه سمعتهم عند السوريين حتى يرضى عنهم الآخرون،،،،،،،

الطاهر إبراهيم      كاتب سوري يعيش في المنفى