الثقب الأكبر في التاريخ العربي..

.طيب تيزيني....الاتحاد الاماراتية

تتعاظم المكابرة في النظام السياسي العربي عمقاً وسطحاً وعلى نحو  ربما يُفضي إلى الإطاحة بالمجتمعات العربية نفسها، ناهيك عن هذا  النظام. فهذا الأخير يختطّ طريقين اثنين في سبيل المحافظة على

مكابرته هذه. أما الأول منهما فيتأسس على ممارسة لعبة "مفتوحة"  مع النظام العالمي الجديد المؤمرك، وهي لعبة خطرة يسعى النظام  العربي المذكور من خلالها إلى الحفاظ على استمراريته، مع إقصاء

أي محاولة للتشكيك فيها. إذ هل "يُعقل" أن يخضع الحقل السياسي العربي للتغيير الفعلي، وخصوصاً ما يتعلق منه بمبدأ "التداول  السلمي للسلطة"! ومن ثم، هل "يعقل" أن يسير التاريخ إلى أمام

بحامل سياسي آخر غير الذي حمله منذ عقود! أما اللعبة المذكورة  توّاً فتقوم على فاعلين اثنين يمكن أن يُختزلا إلى واحد منهما،  وهما النظام العالمي الجديد المؤمرك والنظام السياسي العربي. وهي

تتأسس على "الرغبة" العربية في استمرار ذلك النظام الأخير، مع  الاستعداد لدفع الثمن أو الأثمان المناسبة والضرورية أولاً، وعلى  ابتزازٍ مفتوح لهذا النظام من قِبل الآخر العالمي المعنِي

ثانياً. من هنا، يتضح الطابع "المغلق" للنظام العربي، ولكن وبالدرجة الأولى يتضح مَنْ وراء عملية التأسيس لهذا الطابع  المغلق؛ إنه الغرب عموماً، والنظام المعولم المؤمرك. فهذا الغرب

مراوغ مداهن غشّاش يفتقد المصداقية والشفافية والأمانة. فهو  يمارس اللعبة المعنية مع أولئك، ليمعن في إذلالهم أولاً، وفي  إبعادهم أكثر فأكثر عن شعوبهم ثانياً، وفي إدانتهم أمام شعوبهم

ثالثاً، ليظهر الأمر على النحو التالي الزائف: غربٌ يطالب بإصلاح  واقع الحال العربي المتخلف والذي يُنتج، بتخلفه هذا، "إرهابيين"  متمتعين بطاقات "إرهابية" متصاعدة؛ ونظام عربي سياسي يعيش عقدة

"العبودية المُنتفِضة"، حيث يعيش الإذلال والامتهان من قِبل  الغرب المذكور؛ ويذل -هو بدوره- شعوبه ويمتهنها ويجعلها تعيش شظف العيش وبؤسه، بحيث "تأكل الحرة حقاً من جسدها".

 أما الطريق الثاني، الذي يختطه النظام السياسي العربي في سبيل المحافظة على مكابرته، فهو احتقار شعوبه عبر تجاهلها والسلوك كما  لو أنه غير معنِي بها وغير مُطالب بتقديم حساب لها فيما فعله حتى

الآن، سياسةً واقتصاداً وقضاءً وتعليماً وغيره. وتبذل معظم هذه الشعوب نشاطاً سياسياً وثقافياً، كي تلفت نظر طواقمها الحاكمة إلى الخراب، الذي يحل بالبلاد وبالعباد، بل إلى أن هذه الأوضاع

وصلت إلى أن تمسّ الاستقلال الوطني لكلٍ من بلدانها. ها هنا، تبرز التجربة التي تتعاظم في سوريا ولبنان، وتهدد استقلاليهما؛  نعني التجربة التي جرى تكريسها لسنين عديدة في البلدين، وتقود

إلى وأد المجتمع "السياسي" والمجتمع "المدني- الأهلي" بل كذلك  المجتمع "العمومي" بقضّه وقضيضه، وتركهما -من ثم- لقمة سائغة أمام القوى العولمية الهائجة باقتدار. فلقد تشكلت "دولة أمنية" في سوريا على مدى يتجاوز العِقدين، استطاعت أن تلتهم كل التجليات المجتمعية، التي ذكرناها، وأحدثت عطباً تحوّل إلى حطام مغلق. وجاء اتفاق الطائف، ليجعل سوريا  مخوّلة بالدخول إلى لبنان للإسهام في إيقاف حمام الدم هناك مع

اشتعال حرب أهلية طائفية خطيرة. وما إن استراح المتحاربون، حتى  بدأوا خطوة جديدة تجبّ النتائج الإيجابية التي تحققت، وتتمثل في  العمل على تجفيف منابع "الحيوية التاريخية" في المجتمع اللبناني،

 على نمط ما كان آخذاً مداه في سوريا. وقد تحقق ذلك بخطوات راسخة  قادتها جموع من الفاسدين والمُفسِدين، يداً بيد مع من راحوا  يتحولون إلى قوى مافياوية في سياق العملية. فجرى التهام المؤسسات

التشريعية والأخرى القضائية والثالثة التنفيذية، وحوصر الناس في ثلاثٍ، تحولوا معها إلى فئات مهشّمة مهمّشة مُذلّة مُفقرة، تلك هي الكفاية المادية والحرية والكرامة. لم يقم أيٌّ من البلدين المعنيين -إلا قليلاً- بما يتوجب عليه من  إرساء قواعد نظام سياسي ديمقراطي يجد في الشعب وفي المعارضة  امتداداً أو تحفيزاً له، وإنما عمل، في معظمه، على قيادته إلى حافة الحطام. والآن، تبرز الأسئلة إياها التي عمرها أكثر من عِقد في صيغتها هذه الراهنة الخطيرة. ماذا بعد؟ وكلاهما لا يضع يده على "موضع الفرس"، حيث يكون رهاناً على الشعب وعلى التغيير  الديمقراطي بمقتضى العصر المتدفق. ويبقى أن نشير أخيراً، إن  الثقب الأكبر في التاريخ العربي هو هذا الذي يتجسد في جدلية العبودية والحرية: أن نكون أحراراً في وطن حر، أو أن نتحول إلى  عبيد في سوق النخاسة العولمية الماحقة!.