الإخوان المسلمون في سورية ....  رؤية من الداخل ( 1 من 2 )

الطاهر إبراهيم

مع كثرة ما يكتب حول جماعة الإخوان المسلمين في سورية هذه الأيام، فإنه يبدو أن هناك حلقة مفقودة عند كتاب المقالات والمفكرين الذين يتناولون شئون هذه الجماعة في كتاباتهم التي تنتشر هنا وهناك في الصحف التي تتناول الشأن السوري. ولقد كان ذلك واضحا أكثر بعد أن أصدرت هذه الجماعة في 3 أيار من عام 2001 ما أسمته "ميثاق الشرف" الذي أخضع للدرس والنقاش وتحول إلى"ميثاق الشرف الوطني" الذي أصدرته فصائل للمعارضة السورية كانت قد انضمت إلى جماعة الإخوان المسلمين في مؤتمر عقد في لندن في آب من عام 2002 .

ومع أنهم كانوا على طرفي نقيض مع هذه الجماعة قبل أحداث الثمانينيات المؤلمة،فقد أبدى كتاب سوريين يساريون وقوميون، تقديرهم ل"المشروع الحضاري لسورية المستقبل...رؤية جماعة الإخوان المسلمين" الذي أعلنته هذه الجماعة في مؤتمرها الصحفي الذي عقدته في لندن في "ديسمبر" من عام 2004 .

وكأنه كان يعز على البعض من هؤلاء الكتاب أن يختموا مقالاتهم بمثل مابدأوها به من ثناء وتقدير على الإخوان المسلمين، فهم دائما يعيدون إلى الأذهان ما يزعمون أنه ماضٍ عنيف لهذه الجماعة قبل عقد أو أكثر بعيدٌ عن طرحها الحالي. والحديث دائما ذو شجون عندما يتناول هذا الكاتب أو ذلك المفكر شأن هذه الجماعة خلال النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم متأثرا بأحداث الفتنة التي اجتاحت سورية ابتداء من ربيع عام 1979 .

ومع أن الكثيرين من هؤلاء الكتاب لم يعايش جماعة الإخوان المسلمين معظم تلك الفترة، فإنك تجد الواحد منهم جريئا في إصدار أحكامه على أنها أحكام قاطعة لا تقبل الجدل. ومع أن تنظيم جماعة الإخوان المسلمين كان محظورا منذ اليوم لاستلام حزب البعث السلطة بانقلاب 8 آذار 1963، فإن ما يطلقه هؤلاء الكتاب من أحكام كان في مجمله بعيداً كل البعد عن أن يشكل صورة حقيقية لهذه الجماعة، مع أنها كانت تعيش تحت الأرض ،حسب تعبير السياسي للصحافيين.

ولئن كانت فترة الصدام مع النظام السوري في أعوام 1979– 1982 هي الفترة التي سلط فيها الضوء على هذه الجماعة ووضعت تحت المجهر، ووجهت لها سهام الاتهام، إلا أن ما أصدره كتاب ومفكرون من أحكام حول هذه الجماعة اعتمادا على تلك الفترة القصيرة، لا تعبر إلا بشكل جزئي ومبتور عن واقع هذه الجماعة. لماذا؟

لقد أصبح تاريخا معروفا للجميع أن "الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين"، هو التنظيم الذي قام بتلك الأحداث. وتبعا لذلك فلقد توهم الكثيرون من الكتاب فخلطوا بين هذا التنظيم وبين الإخوان المسلمين لمجرد التشابه في الاسم. فمجموعة "الطليعة" قد تشكلت في معظمها من أفراد تم فصلهم من تنظيم جماعة الإخوان المسلمين عندما شعرت قيادة الجماعة بوجود توجه لهؤلاء الأفراد نحو العمل المسلح كوسيلة لقيام الحكم الإسلامي في سورية.

ولقد أصبح هذا الأمر معروفا لقادة الأجهزة الأمنية حق المعرفة، خصوصا بعد اعتقال "حسني عابو" الرجل الثاني في "الطليعة المقاتلة"، واعترافه بعد الاعتقال بأن الأستاذ "أمين يكن" نائب المراقب العام في السبعينيات -اغتيل عام 1999في ظروف غامضة- قد رفض رفضا قاطعا لتلك الأفكار عندما عرضها عليه بعض أفراد الطليعة عقب عودته إلى حلب عام 1976 بعد أن صدر عفو عام عنه.

ليس هذا فحسب، فقد صرح رئيس فرع أمن الدولة في حلب العقيد "علي سعد الدين" (في لقاء لقادة أجهزة الأمن مع مشايخ وعلماء في حلب عقب حادثة المدفعية في تموز 1979) بأن الإخوان المسلمين لا علاقة لهم بحادثة المدفعية ولا بأحداث العنف التي كانت تدور رحاها في تلك الأيام. وأنه قد ثبت لأجهزة الأمن أن أفراد "الطليعة" هم الذين كانوا يباشرون العمل المسلح.

ولعلنا لو وضعنا غربالا فتحاته حسب أعمار الكتاب السوريين لما بقي فوق أسلاك الغربال إلا حفنة قليلة من هؤلاء الكتاب الذين عايشوا الإخوان المسلمين قبل الأحداث المذكورة. وأنى لمن لم يعايشهم أن يحكم على أفكارهم وأفعالهم ؟.

قدمت بهذه المقدمة الطويلة بعد أن امتلأت صفحات الجرائد ومواقع "الإنترنت" بمقالات لكتاب سوريين يقولون فيها ما لم يثبت يقينا على جماعة الإخوان المسلمين. ولأني كنت شاهد عيان تربى في أسر الإخوان المسلمين التنظيمية منذ عام 1961 ، فإني أستطيع أن أؤكد أن معظم ما يكتب عن تاريخ هذه الجماعة لا يعدو واحدا من أمرين: فإما أنه كتابة كاتب لم يطلع حقيقة على تاريخ هذه الجماعة، أو خصم يريد أن ينال منها ليزيح من أمامه خصما له وزنه عند الشعب السوري إن ترك وشأنه.

ولعل أهم ما اتُّهِمت به جماعة الإخوان المسلمين هو محاولتها السعي إلى استلام الحكم في سورية عن طريق القوة والسلاح، وهو ما لم يثبت في تاريخها قبل الانقلاب الذي جاء بحزب البعث إلى السلطة في آذار 1963، كما أنه لم يثبت في أثناء حكم حزب البعث. بل إن الذي ثبت حقيقة أن البعثيين هم الذي حاولوا أكثر من مرة الانقلاب على الشرعية الدستورية قبل الوحدة من خلال الانقلابات التي اشتركوا فيها، أو على حكم الإنفصال مع شركائهم الناصريين حيث انفردوا في الحكم بعد إقصاء أولئك الشركاء.

وإذا كانت الاعتقالات التي شملت الآلاف من الإخوان المسلمين في فترة الأحداث التي اندلعت في ربيع عام 1979 (بعد اعتقال خلية "نائمة" من الطليعة كانت موجودة في بلد عربي مجاور تمكنت أجهزة المخابرات السورية من اعتقال أفرادها، وحصلت على أسماء ناشطين في تنظيم الطليعة داخل سورية)، فإن دفاتر المخابرات وملفات الذين اعتقلوا، لم يثبت فيها أن الإخوان كانوا يعدون العدة لاستلام الحكم في سورية عن طريق القوة.

 ولعلي لن أجاوز الحقيقة إذا قلت أن استلام الحكم لم يكن من أولويات الإخوان المسلمين في تلك الفترة، وأن الأولوية كانت لإصلاح المجتمع السوري وبناء جيل قادر على تحمل المسؤولية. وعليه فقد كان المشوار أمامهم طويلا.

والذي ثبت حقيقة من خلال تلك الاعتقالات أن المخابرات استطاعت أن تضع يدها على الجهة التي كانت تقف وراء الاغتيالات التي كانت تستهدف بعض ضباط المخابرات مثل الرائد"محمد غرة" الذي اغتيل في حماة من قبل أفراد في تنظيم الطليعة انتقاما لمقتل الشيخ "مروان حديد" المرشد الروحي لهم تحت التعذيب في عام 1976. وثبت يقينا لأجهزة الأمن أن قيادة الإخوان كانت ترفض العنف لأنه لا يأتي بخير.

ولكن كيف وظف البعض هذا المجهول من سيرة الإخوان في كتاباتهم؟.

ابتداء لا نزعم بأن كل من وجه النقد لماضي سيرة جماعة الإخوان من الكتاب كان مدفوعا للنيل من هذه الجماعة. فقد كان هناك كتاب يبحثون عن الحقيقة مثل الأستاذ "ميشال كيلو" الذي كتب أكثر من مقال له، نشر معظمها في جريدة النهار البيروتية، وقد ألح فيها على أن تقوم هذه الجماعة بتجلية غموض هذه القضية.

وإذا كان صحيحا أنه كان هناك تقصير من قبل الإخوان في هذا الموضوع، وأنه كان عليهم أن يقوموا بتغطية ذلك إعلاميا على صفحات الصحف وليس فقط من خلال المراجعة الداخلية التي قام بها مجلس شورى الإخوان المسلمين وأسموها التقويم، فإن الصحيح أيضا أن أكثر الصحف كانت ترفض نشر الردود التي كانت تصلها من كتاب الإخوان، وقد كان لكل صحيفة أسبابها الخاصة، ليس هنا مجال ذكرها.

وقد تنشطتُّ أكثر من مرة لكتابة مقال فيه الكثير من العتب على تلك الصحف، خصوصا وأن بعض المقالات كانت تستهدف رموزا من قادة الإخوان المسلمين. ولكني في كل مرة كنت أشعر بالإحباط لأني كنت أعتقد أن تلك الصحف لم تكن معنية بأمر جماعة الإخوان المسلمين إلا بمقدار ما تهتم به هذه الدولة أو تلك، ولأنه ليس هناك دولة عربية أو أجنبية تتبنى هذه الجماعة، ومعظم الصحف العربية تدور في فلك دولة عربية أو أكثر.

هذا الموضوع ذو شجون، والسير في منحنياته أمر شاق، وإثبات حقائقه ونفي زيفه قد لا يكون بالأمر السهل. فكيف كان موقف بعض فصائل المعارضة السورية من جماعة الإخوان المسلمين؟.هذا ما سنراه عند بحث العلاقة الشائكة بين الإخوان ومنتقديهم في مقال آخر وبالله التوفيق. 

 

الطاهر إبراهيم     كاتب سوري يعيش في المنفى