بعد أربعين سنة استبداد ...

كل السوريين لهم مصلحة في رحيل النظام البعثي

 

الطاهر إبراهيم

 

في مقال له نشرته "السفير" اللبنانية خرج علينا الكاتب السوري -نزيل المعتقلات البعثية لأكثر من خمسة عشر عاما- الأستاذ "لؤي حسين" بمقال له تحت عنوان "من له مصلحة بسقوط السلطة السورية الآن؟".

وعلى طريقة الفقهاء، فإننا نستطيع أن نلحظ في عنوان المقال ثلاث قضايا هامة، يجب وضعها في دائرة الضوء والتأكد من مطابقتهما الواقع: الأولى، هل نظام حزب البعث السوري –بتعبير المهندسين- آيل للسقوط فعلا؟ والثانية، من له مصلحة في سقوط نظام حزب البعث؟ والثالثة، من هي القوى المرشحة للمساهمة في إسقاط هذا النظام؟.

يقول المثل الدارج "إذا وقعت البقرة كثرت سكاكينها".واستطرادا فإن القارئ السوري خصوصا، والعربي عموما، لا يكاد يتصفح جريدة عربية هذه الأيام، إلا ويجد فيها مقالا أو أكثر يبحث في تشخيص "المسألة السورية اللبنانية"، وربما يحاول أن يستكنه مصير النظام السوري بعد الانسحاب من لبنان.

وإذا سلمنا جدلا أن النظام السوري يعيش أيامه الأخيرة، وأن القضية مسألة وقت ليس إلا، فإننا نكون قد سلمنا ضمنا أن الركائز التي قام عليها بنيان نظام حزب البعث بدأت تهتز. وأن التربة التي استندت عليها تلك الركائز على مدى أكثر من أربعة عقود قد بدأت في التخلخل.

في هذا التوصيف، ما يزال النظام يغفو في حلمه الوردي، ولا يدري شيئا عن الخطر الذي يتهدده. ولا بد أن يستنتج المراقب للحال السوري أن هذه الخلخلة، بعضها تتم بفعل فاعل، وبعضها ذاتي نابع أصلا من ضعف شجرة النظام التي نمت –كشجرة اللبلاب- على حساب الآخر وفي جو الاستبداد بهذا الآخر. وأن من كان يدعم النظام سابقا قد حجب عنه هذا الدعم.

 فإذا علمنا أن عوامل الضعف بدأت تظهر مع الضغوط التي مورست لتحقيق انسحاب سورية من لبنان، وأن القوة المهيمنة التي كان لها أكبر الأثر في هذا الانسحاب هي أمريكا، وبالتالي فإننا سنجد أنفسنا قد وصلنا إلى ما كنا نبحث عنه -وهو لم يكن مجهولا لأحد على كل حال- بأن أمريكا هي القوة التي كانت تدعم وجود النظام السوري في لبنان، بل وبقاءه في حكم سورية أيضا. وأن هذا الدعم الأمريكي لم يكن لوجه الله، بل كان يتم بمقابل يدفعه النظام من حساب الوطن لضمان استمرار هذا الدعم.

وفي فلسفة تحليل انكماش نفوذ النظام السوري وتآكل هيبته، يرجع البعض من الكتاب هذا التآكل في هيبة وقوة النظام إلى غياب الرئيس "حافظ الأسد"، الذي غيبه الموت في حزيران من عام 2000 ، وأن الدكتور "بشار الأسد" لم يكن لديه من "الكاريزما" التي كانت لأبيه ما يمكنه من أن يجمع بين يديه خيوط القوة التي تشد إليه كل أركان النظام "الحرس القديم".

ويستطرد هؤلاء فيذكرون أن مقدرة الرئيس الراحل كانت متعددة الجوانب. وأن هذه المقدرة لم تكن مقصورة على البطش بأعدائه دون رحمة فقط (كما فعل مع رفيق طريقه اللواء "صلاح جديد" وباقي زمرة "الشباطيين" الذين كانوا شركاء له من قبل. أو كما فعل مع الإخوان المسلمين في أحداث الثمانينيات المشهورة وخصوصا في مجزرة حماة عام 1982)، بل كان يجيد استعمال نظام الحوافز، "فيملي" لمساعديه ويترك لهم الحبل على الغارب. وفي نفس الوقت كان يضع الرقابة عليهم، ويحصي عليهم أنفاسهم، ويسجل عليهم كل كبيرة وصغيرة.

فإذا ما حاول أحدهم "أن يلعب بذيله" أخرج له من أدراج القصر الرئاسي ملفت سجلت عليه حركاته وسكناته وهو لا يدري ثم أمر به فألقي في السجن، كما فعل مع رئيس الوزراء الأسبق "محمود الزعبي". وإذا رأف بحقه فإنه يكتفي بإطفاء شمعته كما فعل مع اللواء حكمت الشهابي الذي بقي الخادم المطيع له لأكثر من ربع قرن.

غير أن هذا التحليل غير مجمع عليه عند جميع المراقبين في التمييز بين الأسد الأب والأسد الابن. فالبعض يرجع ذلك إلى أن حافظ الأسد كان يجيد سياسة الأخذ والعطاء في تعامله الدولي خصوصا مع أمريكا. فقد قبل أن يرسل الجيش السوري إلى حفر الباطن عام 1991 ليحارب تحت راية أمريكا لإخراج الجيش العراقي من الكويت، في مقابل إطلاق يده في لبنان.

ولكن من له مصلحة في سقوط نظام حزب البعث؟

لعل أهم شريحة لها مصلحة في سقوط نظام حزب البعث هو الشعب السوري كله، من "ديريك" في أقصى الشمال الشرقي من سورية،في النقطة التي تلتقي فيها حدود تركيا وسورية والعراق ، إلى بحيرة طبرية في هضبة الجولان التي احتلتها إسرائيل في عهد حكم حزب البعث.

وهذه المصلحة لا تقتصر على فئة دون فئة في سورية، فإن كل فئات الشعب السوري تضررت من حكم حزب البعث.

وبسهولة يمكن أن ندرك ذلك من إلقاء نظرة على الاقتصاد السوري الذي كان مزدهرا في أيدي الرأسمالية الوطنية التي كانت تستثمر أموالها في صناعات مزدهرة نافست مثيلاتها الأوروبية مثل صناعات النسيج التي تفوقت على الجوخ الإنكليزي. 

أما اليوم فقد نمت طبقة من "مافيات" بعثية من أعضاء القيادات القطرية المتتابعة، ومن الوزراء ومن قادة الفرق والألوية في الجيش السوري الذين تركوا مواقعهم الأساسية في الدفاع عن حدود الوطن الذي أصبح منقوصا في عهد حزب البعث، وتفرغوا لمهمة التهب المنظم. وكلما ذهبت فئة نمت مكانها فئة أخرى.

ولو اقتصر الأمر على الاقتصاد فقط فلربما هان الأمر بعض الشيء. فقد تسلطت الأجهزة الأمنية على رقاب المواطنين. فمن لم يستطع أن ينجو فارا بدينه ونفسه خارج القطر وقع في أسر تلك الأجهزة، وكثير منهم قضى تحت التعذيب أو في الإبادات الجماعية كما حصل في مجزرة تدمر ليلة 26 – 27 حزيران "يونيو" 1980، ومنهم ما يزال ينتظر في أقبية المعتقلات الرهيبة.

ولم يقتصر هذا الشقاء على حزب دون آخر أو على طائفة دون الطوائف الأخرى. صحيح أن أكثر الذين اكتووا بنار الأجهزة الأمنية هم جماعة الإخوان المسلمين حيث تم التقنين لاستئصال هذه الجماعة بصدور قانون العار رقم 49 لعام 1980 ، الذي أصدره الرئيس حافظ الأسد بعد أن تعرض لمحاولة اغتيال، ووقعه في حينه ببغاوات ما سمي مجلس الشعب.

ولكن الصحيح أيضا أن الشقاء طال كل طوائف الشعب السوري وأحزابه. وقد شمل الكثيرين من الحزب الشيوعي على اختلاف فروعه، كما طال الكثيرين من العلويين ممن رفضوا أجندة الاستئصال. وعلى سبيل المثال، فما يزال الدكتور "عبد العزيز الخير" يقبع في السجن وهو من أسرة علوية مشهورة. كذلك يقبع في السجن الدكتور عارف دليلة الاقتصادي المشهور وعميد كلية الاقتصاد في دمشق وهو أيضا من أسرة علوية.

ولكن...ما هي القوى المرشحة للمساهمة في إسقاط هذا النظام؟.

عندما ينتهي الكاتب أو المفكر إلى أن النظام السوري آيل للسقوط، يتلفت يمينا ويسارا يتساءل عمن سيقوم بإطلاق رصاصة الرحمة على نظام حزب البعث ويحدث التغيير المنشود في سورية.

ولأن الكل في سورية يعرفون "البير وغطاه". فإن "المغرفة" لن تجد في "دست" أحزاب المعارضة السورية -الداخلية والخارجية على السواء- من  يقوى على زحزحة نظام حزب البعث من السلطة. لكن في نفس الوقت فإن "دست" الشعب السوري الذي أحكم النظام إغلاقه يغلي ويفور ولا يلبث أن ينفجر في وجه جلاديه.

ما أردت أن أصل إليه هو أن من يملك المقدرة على إسقاط نظام حزب البعث، هو الشعب السوري الأكثر تضررا من هذا النظام. فقد قاسى هذا الشعب على مدى أكثر من أربعة عقود كل ألوان القهر والظلم والطغيان. ولم يعد لديه ما يخسره بعد أن خسر حريته وأصبح كالقطيع يبيع فيه النظام ويشتري في سوق المزايدات الدولية.

وقد يقول قائل وما يملك هذا الشعب المسكين وهناك أكثر من 17 جهازا أمنيا، ولكل جهاز فرع في كل محافظة من محافظات القطر، لا يقل تعداد كل فرع عن ألف عنصر. فإننا نقول أنه عندما تصبح حياة المواطن في ظل الاستبداد ليست أفضل كثيرا من الموت وأن المتظاهرين أو المعتصمين أو الذي يعلنون العصيان المدني لن يخيفهم التهديد بعد صبروا طويلا ووجدوا أن النظام لا يفكر بهم.

عندها فقط سيقول الشعب السوري إن للصبر حدود. وعنده فقط على نظام حزب البعث أن يتقي غضبة الحليم إذا ما أسرف هذا النظام بتجاوز الحدود.

    كاتب سوري يعيش في المنفى